اللامركزية الديمقراطية


لا ينكر أحد أن حزب البعث قد أدار البلاد طيلة أكثر من اثنتين وثلاثين عاما بأسلوب المركزية مستوا يفوق كثيرا هامش اللامركزية، رغم محاولات قيادته في بعض الأحيان تجاوز تلك التطبيقات وإعطاء قدر من المرونة يسمح بمنح الصلاحيات، وتوزيع المسئوليات على الدوائر والوحدات الإدارية، والمحافظات.

ولا ينكر أحد أن قيادة الحزب والثورة كانت بتوجهاتها نحو المركزية واللامركزية تسعى إلى التعميم التدريجي للديمقراطية في البلاد التي اعتاد الحكام فيها سلوك الديكتاتورية، وتسعى في هذا السياق إلى تعليم العراقيين تطبيقات الديمقراطية التي تنسجم مع عادات، وتقاليد المجتمع العراقي، وأصول الشريعة الإسلامية الحنيفة.

وقد استمرت على هذا المنوال عبر السنين الماضية في حكمها العراق، لكننا لو ألقينا نظرة متأنية إلى واقع الأمر في وقتنا الراهن نرى أن بلادنا تواجه أزمة تستحق أن يعاد بسببها النظر في كثير من الأمور.

أزمة من النوع التي يمكن أن تعصف بالحكم الثوري في العراق بعد أن أصبح هدفا رئيسا على قائمة الدولة الأعظم في العالم، لأن المواجهة المباشرة معها وبنفس الصيغ الدارجة منذ أكثر من ثلاثة عقود لا تكفي منطقيا لإفشال خططها في تغيير حكم الحزب القائد.

هذه هي الحقيقة التي باتت واضحة تماما في خطط، وتوجهات الغرب، والأمريكان، وبعض العرب على حد سواء. الأمر الذي يحتم فيه أن يكون الدفاع بالإضافة إلى حفر الخنادق، وحشد القوات، وتصنيع الأسلحة والعتاد، إدارة المجتمع إدارة تتأسس على التوزيع الشامل للمسئوليات الخاصة بمؤسسات الدولة العليا، والعمل في مجالها بصيغة اللامركزية .

هذه الصيغة المنطقية تساعد على التصرف الصحيح وعلى اتخاذ القرار المناسب في الوقت الذي قد يجد فيه المركز صعوبة فنية في إدامة الإتصال بالأطراف، وتدفع المعنيين، وباقي أبناء الشعب إلى الشعور بأنهم شركاء أساسيين في صيانة أمن العراق، والتيقن بأن الحكومة جادة في تطبيق الديمقراطية حتى في الظروف الصعبة التي تتطلب التمسك بالمركزية .

إن الذي يمكن أن تقوم به القيادة قبل فوات الأوان هو أن توزع المسئوليات الأمنية والعسكرية للبلاد بين القريبين، وتحاول في ذات الوقت إشراك الآخرين من خارج الدائرة القريبة في المسؤوليات الأخرى، وأن تمنحهم الصلاحيات وحرية العمل لا مركزيا.

ولا بأس أن يلتحق بالركب بعض المستقلين، والشخصيات الأكاديمية المعروفة.

إنها صيغة بوجه العموم تعبر عن شكل من أشكال الديمقراطية التي يحتاجها العراق. لا تبتعد كثيرا عن متطلبات المركزية في إدارة بعض المفاصل التي تحتم تفرغ الأعلى والقريبين منه إلى ما يتعلق بأمن القطر في حاضره والمستقبل.


لندن: 5/2/2003