دور المحاكم المدنية في حل المنازعات العسكرية


The role of civil Courts to solve the military disputes

دور المحاكم المدنية في حل المنازعات العسكرية



By

Munther Al Fadhal


The research is presented to the Iraqi Military seminar dated on

12/7-14/7-2002 which take place in London -UK


يتناول البحث دراسة جانب من مشكلات القانون والقضاء و المؤسسة العسكرية في العراق خلال فترة حكم نظام البعث وصدام من زاوية حل المشكلات القانونية المتعلقة بالجانب العسكري , اي محاولة الوقوف على القوانين العسكرية النافذة داخل المؤسسة العسكرية والقضاء العسكري الذي تتحدد مهمته في حل القضايا العسكرية ومحاولة وضع بعض الاسس والتصورات لعراق المستقبل من خلال تفعيل دور القضاء المدني لحل المنازعات داخل المؤسسة العسكرية او تلك المشكلات المتعلقة بها بما ينسجم وبناء المجتمع المدني القائم على حكم القانون ولذلك سنوزع البحث على المحاور التالية :

 

القسم الاول

عسكرة الدولة والمجتمع

Militarization of state and society


أولا. القانون العسكري – قسوة التشريع

ورثت الدولة العراقية العديد من القوانين العسكرية التي اتسمت بالقسوة الفرطة ضد منتسبي المؤسسة العسكرية . ومنها مثلا قانون العقوبات العسكري رقم 13 لسنة 1940 المعدل . كما صدرت سلسلة من القوانين  العسكرية ( مثل قانون الخدمة العسكرية الذي تعدل مرات متعدده  وقانون التقاعد العسكري  ) وغيرها من القرارات العسكرية  جعلت من الدولة العراقية مؤسسة عسكرية – امنية في خدمة شخص  . فالى جانب قانون الخدمة وقانون الجيش الشعبي وقانون العقوبات العسكري وقانون قوى الامن الداخلي وغيرها من القوانين , هناك قرارات شفوية صدرت من النظام افرغت المؤسسة العسكرية من محتوى الدور الحقيقي المناط بها.

ولعل اهم ماتميزت به هذه القوانين والقرارت هي العقوبات القاسية على الجرائم والمخالفات المرتكبة كالاعدام او الاختفاء او السجن او الحبس سواء في قضايا الجرائم الحقيقة ام في قضايا الهروب والمخالفات العسكرية التي لا تستوجب مثل هذه القسوة.

وقد صدرت العديد من القرارات من مجلس قيادة الثورة والتي تتعارض مع الحقوق الأساسية للبشر وتمس كيانه البدني وسلامته مثل قرارات قطع اليد واللسان والقدم والرقبة بالسيف  والأذان والوشم وغيرها من عقوبات لن نقرأ او نسمع عنها سابقا وذلك  عن قضايا الهروب من الجيش او التخلف او الغياب او السرقة او غيرها وهي عقوبات كانت بعضها مطبقة في قانون دراكون 621  قبل الميلاد في اثينا .اذ لم نسمع ان مثل هذه العقوبات موجوده في بلاد اخرى في العالم عدا بلاد الحضارات في عهد صدام .

ومن مظاهر تشريعات القسوة للقوانين العسكرية هي تشكيل فرق الاعدام الفوري ضد العسكرين واعدامهم دون محاكمة ولا حتى الاستماع الى اقولهم من خلال لجان تحقيقة وذلك بذرائع واهية لا مبرر لها مطلقا . كما ان بعض صنوف المؤسسة العسكرية ارتكب ابشع الجرائم الدولية ضد الشعب العراقي سواء من خلال اجراء التجارب للسلاح البايولوجي على الكرد الفيلية ام في ضرب الكورد يالسلاح الكيماوي ام في استعمال الاسلحة الفتاكة ضد ابناء الجنوب ام في قيام المؤسسة المذكورة في استعمال الارض المحروقة ضد القرى الكوردية مما اوجد فجوة كبيرة بين مهام المؤسسة العسكرية وواجبات حماية الوطن وصارت المؤسسة العسكرية ضد الشعب وليست في خدمته فانحرفت المهام عن مسارها الطبيعي وتضخمت مؤسسات الجيش ليكون في خدمه شخص واحد تسود فيه القسوة المفرطة في الاوامر والتعليمات بحجج غير مقبولة .


ثانيا. أنواع القضاء ومدى شرعية القضاء الاستثنائي والقضاء السياسي ؟

يرتبط النظام القضائي ارتباطا وثيقا بطبيعة النظام السياسي القائم . فالنظام السياسي الذي يقوم على أساس دولة القانون أي الدولة التي تنهض على أساس المؤسسات الدستورية مثل الفصل بين السلطات وهي (( السلطة  التشريعية في صورة برلمان منتخب من الشعب بانتخابات حرة ونزيهة )) ثم السلطة القضائية التي تطبق القانون بحرية ودون تدخل من أحد , وكذلك السلطة التنفيذية ثم وجود محكمة دستورية عليا تراقب   تطبيق القانون وشرعية  وتصحح الإجراءات التي تقوم بها جميع أجهزة الدولة, لا يوجد فيها عادة قضاء سياسي لان وجوده يتعارض مع اسس دولة القانون .

فدولة القانون لا يوجد فيها قضاء خاص أو قضاء استثنائي او قضاء سياسي أو حتى محاكم عسكرية , و إنما هناك قضاء مدني ينسجم مع أسس المجتمع المدني وعادة يكون إلى جانب المحكمة الدستورية العليا  محكمة التمييز ثم محاكم الاستئناف ثم المحاكم العادية مثل البداءه ومحكمة العمل ومحكمة الأحوال الشخصية وغيرها من المحاكم المتخصصة حسب القضايا وموضوعات النزاع بين الأشخاص وهي تنظر القضايا المدنية والعسكرية بمحاكمة علنية او سرية حسب الظروف ..

أما في الدول ذات الأنظمة الشمولية في الحكم والتي تقوم على تأليه الحاكم الفرد وعلى عبادة الشخصية فهي تنهض على أسس عسكرة السلطة  وهدم أسس المجتمع المدني و على وحدة السلطات وعلى  انحياز القاضي لفكر القائد الذي يشكل دليل عمل ومنهج للدولة والمجتمع غير المدني كما في العراق , ولهذا فان  القضاء ينقسم عادة إلى الأنواع التالية وهي :


النوع الأول - القضاء السياسي مثل محكمة الثورة أو محكمة أمن الدولة أو آيه تسمية أخرى  بحجة أن القضايا التي تحال أليها تمس أمن الثورة و الدولة ولهذا توصف بأنها خطيرة .ومثل هذه المحاكم الخطيرة في  العراق  تفتقد لكل المعايير الدولية في المحاكمة ومنها بخاصة فقدانها إلى مبدأ استقلال القضاء .ولهذا نحن ضد وجود مثل هذا النوع من أنواع المحاكم لعوامل عديدة وان وجودها يتناقض واحترام حقوق الإنسان الأساسية ومنها حقه في التقاضي والمحاكمة العادلة  وندعو إلى إلغائها . . فوجودها يتعارض ومبدأ سيادة القانون .


النوع الثاني - القضاء العسكري والمحاكم الخاصة الأخرى وهي في الغالب تدار من أشخاص ,  بعضهم , لا يحمل حتى شهادة العلم بالقانون وتفتقد إلى المعايير الدولية والوطنية للتقاضي وان وجودها مخالف لأسس دولة المؤسسات الدستورية و لا توجد مثل هذه المحاكم في العديد من الدول التي تعرف قيمة القانون وتفهم معنى الاحترام الطوعي له من الحكام والمحكومين .  و هذا النوع  لا يمكن أن تتوفر فيها   ضمانات لاحترام  مبدأ استقلال القضاء أو حرية تطبيق القانون أو لحصانة القاضي   .ومثال هذه المحاكم هي المحكمة العسكرية الخاصة في كركوك التي اختصت بالكرد والتركمان الذين ناضلوا ضد الحكم الدكتاتوري لنيل حقوقهم المشروعة وقد ألغيت هذه المحكمة في 5 أب 1982 بقرار رقم 1009 لتحال بعدها كل القضايا إلى محكمة الثورة في بغداد التي تشكلت بقانون 180 في عام    1968 وقد تغيرت تسميتها الى محكمة امن الدولة   .


النوع الثالث - القضاء العادي وهو القضاء المدني وهو الجهة صاحبة الولاية العامة ويشمل اختصاصها القضايا المدنية والتجارية والأحوال الشخصية و المواد الجنائية و الذي يتألف من درجات متعددة تأتي في المرتبة الأولى منه محكمة التمييز ثم محكمة الاستئناف ثم المحاكم الأدنى درجة .

ونعتقد بأنه لا يمكن الإقرار بوجود احترام لمبدأ الاستقلال في السلطة القضائية أو الحديث عن حريتها في تأدية وظيفتها لتطبيق القانون بحرية وأمانة و نزاهة مع الحصانة الفعلية المنصوص عليها في الدستور والقانون  في دول تقوم على نظام سياسي لا يعترف بوجود المؤسسات الدستورية ولا يعترف بمدبأ الفصل بين السلطات و مقومات المجتمع المدني ولا يحترم حقوق الانسان كما هو الحال في ظل حكم صدام .


ثالثا. القضاء العسكري – الضمانات المفقودة ( غياب العدل والعدالة )

يعتبر مبدأ استقلال السلطة القضائية  من المبادئ المهمة والحيوية التي تتعلق بحقوق الإنسان ومنها حقه في التقاضي و حقه في ضمان المحاكمة  العلنية العادلة وحقه في التعويض  وحقه في توكيل محام وحقه في طلب العفو  وغيرها من الحقوق الأساسية التي تكفلها الدساتير و القوانين  , و هو يتعلق كذلك  بنزاهة القاضي في تحقيق العدل والعدالة .لآن السلطة المختصة في تطبيق القانون هي السلطة القضائية ممثلة في المحاكم العادية وغير الخاصة او الاستثنائية  حيث أن وظيفة المحاكم هي تطبيق القانون وتحقيق العدالة إذ لا يكفي تطبيق القانون وحدة دون الوصول إلى الغرض الأساس منه وهو العدل والعدالة . و مما يتعلق بذلك ضرورة تنفيذ القانون والأحكام القضائية من السلطات المختصة بصورة سليمة.

وقد عرف هذا المبدأ  منذ القدم  , أي منذ الشرائع العراقية القديمة  وفي العصر الفرعوني و في الحضارة اليونانية القديمة و اهتم به  القانون الروماني وكذلك في  الشريعة الإسلامية , حيث تدل الوقائع  العديدة  في الإسلام على دور القاضي العادل في تأدية وظيفته بصورة مستقلة وعلى تطبيق القانون بالتساوي بين البشر , لا فرق بين قوي وضعيف , غني وفقير , حاكم أو محكوم , لاعتبارات شرعية ودينية وأخلاقية .

بل أن العديد من الناس كانوا يرفضون تولي منصب القضاء لخطورة هذا المنصب وأهميته في المجتمع  لأيمانهم بوجود جزاء أخروي ودنيوي شديدين على من يخل بواجبات هذه الوظيفة ونذكر مثلا أن المنصور قام بتعذيب الأمام  الفقيه أبو حنيفة وحبسه وجلدة ثم دس السم له لأنه رفض تولى منصب القضاء وهو العالم  الورع الزاهد والعفيف الذي شكل مدرسة فقهية كبيرة معروفة .

و يشترط في  القاضي شروطا عديدة يجب توفرها والتحقق منها وهي شروط ليست سهلة لضمان استقلال القضاء وعدم التدخل في شؤونه و إحقاق الحق بين الناس . وهذه الشروط منصوص عليها في كتب الفقه وفي القوانين الوضعية .

نصت المادة 10 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان على ان جميع الاشخاص متساوين امام القضاء وان لكل فرد الحق , عند النظر في اية تهمة جزائية ضده او في حقوقة والتزاماته في احدى القضايا القانونية , في محاكمة عادلة وعلنية بواسطة محكمة مختصة ومستقلة وحيادية قائمة استنادا الى القانون .... وهذا يعني ان هذه المحكمة ستوفر فيها ضمانات اساسية للمتهم في عملية التقاضي وصولا للعدل والعدالة وبدون توفر هذه المحكمة وهذه الضمانات لا يمكن ان تكون المحكمة والمحاكمة عادلة.

والدول التي تقوم على اساس مبدأ سيادة القانون وحكم المؤسسات الدستورية تحل القضايا فيها الى المحاكم المدنية ايا كانت مواضيع النزاع ( مدنية ام عسكرية ام ادارية ام جنائية ام غيرها ) ولا تنظر او تعرض المشكلات الحاصلة في المؤسسة العسكرية , من جرائم او بيع اسرار الدولة او التجسس او غيرها , امام محاكم عسكرية .

والمحاكم المدنية قد تنظر اية قضية بصورة علنية وهو الاصل او ان تنظرها بصورة سرية لاعتبارات متعلقة بالامن العام او لمساسها بالحياة الخاصة للمواطنين وفقا لمانصت علية بنود الاعلان العالمي لحقوق الانسان ووفقا لدساتير العديد من الدول بما فيها الدول ذات النظام الدكتاتوري .

وفي العراق , الذي يخلو من وجود محكمة دستورية عليا تراقب تطبيق القانون وشرعيته , فان تشكيل المحاكم يقوم على وجود محاكم مدنية للقضايا المدنية ومحاكم عسكرية للقضايا العسكرية , لا بل صارت لكل مؤسسة عسكرية نظامها القانوني الخاص بها فالجيش له قانونه وقضاته ومحاكمه المشكلة في الوحدات العسكرية او في المقرات العسكرية وكثير من هؤلاء القضاة العسكريون لا يحملون شهادة العلم بالقانون كما ان المحاكمات تخلو من اية ضمانات للمتهم خلال المرافعات او الجلسات وغالبا ما يكون قرار الحكم قد اعد مسبقا دون مرافعة او سماع للاقوال فضلا عن انها جلسات سرية مما يفقدها للضمانات القانونية الاساسية المتعارف عليها .

اذ كيف يمكن لشخص لا يعلم بالقانون يصدر حكما خطيرا في قضايا حساسة ومهمة ؟ وكيف يمكن للجنة تحقيقية ليس من بينها ممن يعلم بالقانون وقواعده ان يحقق في القضية ويطبق القانون على الواقعة المعروضة عليه ؟ لذلك صارت هذه المحاكم ذات صيت سئ لانها تفتقد للعدل والعدالة ولضمانات التقاضي الاساسية والمتعارف عليها مما يتعارض وجودها مع حكم المؤسسات الدستورية وحكم دولة القانون .


رابعا. سادسا – التدخل من السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية بعمل القضاء

جرت العادة في العراق على خرق المبادئ الأساسية الخاصة باستقلال القضاء وقد صارت عملية تدخل السلطة التنفيذية في عمل السلطة القضائية من الأمور الخطيرة و انعدم أي وجود للمعايير الدولية المتعارف عليها في المحاكمات وصار المحكوم بالإعدام يستبدل بشخص أخر من مستشفى الأمراض العقلية تحت طائلة النفوذ والرشوة التي شجعها النظام. كما أن الأجهزة الأمنية التي تقوم بحماية النظام صارت فوق القانون والقضاء فانهار  مبدأ استقلال السلطة القضائية بشكل غير مسبوق.هذا فضلا عن انتشار ظاهرة الاعدامات خارج نطاق القانون أي بدون محاكمة والإعدام الفوري وهناك شواهد كثيرة على ذلك.

ومما يتعلق بذلك انتشار الاعتقالات التعسفية والاحتجاز والتوقيف دون أي دور للقضاء في ذلك.هذا إلى جانب شيوع ابشع وسائل التعذيب وانتزاع الاعترافات من المتهمين والإدلاء بشهادات ضد أنفسهم وهو ما يتعارض مع الدستور العراقي والمعايير الدولية في هذا الشأن.ومن المعلوم أن هذه السلطات تمارس عملها بعيدا عن أي قانون أو حتى ضابط أخلاقي.

ومن جهة ثانية فان هناك العديد من الوقائع تكشف عن أن بالإمكان تعطيل عمل القضاء بأمر من الوزير , مثل وزير الدفاع أو من ديوان رئاسة الجمهورية فيمتنع القضاء من النظر في القضية .ومن مظاهر تدخل السلطة التشريعية ( مجلس قيادة الثورة ) هو قرار المجلس في منع المحاكم من النظر في إيه قضية تخص مطاردة الشرطة أو مفارز الانضباط العسكري للهاربين من الخدمة العسكرية وقتلهم بسبب الهروب ومنع المحاكم من النظر في إيه قضية تخص حالات الدهس خارج مناطق عبور المشاة المخصصة.

 

القسم الثاني

المجتمع المدني والمؤسسة العسكرية

The civil society and the military organization


اولا. المجتمع المدني والقضاء العادل

لاشك أن فكرة المجتمع المدني ترتبط بقوة بنظام الدولة السياسي وأسلوب الحكم , وهذا المجتمع يقوم على المشاركة الواسعة الاختيارية في ادارة مؤسسات الدولة  و على التعددية السياسية والقومية والدينية والمذهبية والديمقراطية وكذلك تحريم الطرق غير القانونية في المشاركة السياسية . 

ومن مظاهر هذا المجتمع احترام حقوق الإنسان وتسخير الثروات لخدمته و التكافؤ في فرص العمل والتعليم وتحريم التمييز بين الجنسين ومنع التمييز العرقي أو الديني أو في  المعتقد وتفعيل دور القانون وتطبيقه بالتساوي بين البشر وكذلك منع كل أشكال الاستبداد في السلطة على أساس أنها وسيلة لخدمة الإنسان وليس لاضطهاده. ولذلك تكفل التشريعات في المجتمع المدني كل الحقوق والحريات للإنسان ضمن الضوابط القانونية المشروعة. ففي ظل المجتمع المدني تخضع الدولة و الحكام والمحكومين  للقانون تنفيذا لمبدأ المساواة وتتحدد أدوار ومهام مؤسسات الدولة والمجتمع وفقا للنظام القانوني.

أي أن مؤسسات المجتمع المذكور تتضمن مؤسسات تطوعية سياسية و اقتصادية واجتماعية وثقافية تظهر وتنظم إبداعات الأفراد وتطورها دون أي إجبار أو إكراه على أحد ودون تدخل من الدولة. بل أن واجب الدولة هو في حماية وتطوير ودعم فاعلية هذه المؤسسات و لهذا لا يوجد أحد فوق القانون. و يتم تداول السلطة سلميا ومن خلال الانتخابات الحرة طبقا لعلاقة ثابتة بين مؤسسات الحكم ومؤسسات  المجتمع الحرة  سالفة الذكر .والغاية من القانون تنظيم الدولة والمجتمع وتنظيم قواعد السلوك ووضع الجزاء على من يخالفه . ولهذا لا يجوز قانونا ان تكون هناك محاكم خاصة او استثنائية تغيب فيها ضمانات التقاضي وينعدم فيها العدل .

و من الطبيعي أن الجزاء القانوني يتمثل في أشكاله المعروفة وهي الجزاء المدني والجزاء العقابي والجزاء التأديبي. وفي المجتمع المدني لابد من وجود الفصل بين السلطات ( السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية ) إلى جانب وجود محكمة دستورية عليا تتحدد مهامها بقانون.وفي المجتمع المدني يجري توظيف القضاء لخدمة الإنسان إذ أن لكل  شخص حق ثابت في التقاضي ولا قيمة للقانون إذا لم يحقق العدل والعدالة في المجتمع.غير ان وجود المحاكم العسكرية او الخاصة يتعارض مع اسس حكم دولة القانون لان وجودها يتناقض مع ضمانات حقوق التقاضي والحقوق الاساسية للبشر المنصوص عليها دستوريا وقانونا .


ثانيا. مبدأ استقلال السلطة القضائية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ما يلي  ( ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكي لا  يضطر المرء أخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم …..), وهذا يعني أهمية مراعاة حقوق البشر وبخلاف ذلك فان الإنسان يتمرد بقوة غير محسوبة النتائج ضد الظلم والطغيان .وخير ضمان للحصول على الحقوق عند حصول النزاع من القضاء ووفقا للقانون.

ولما كان  مبدأ استقلال القضاء من المبادئ المهمة والحيوية في الدولة والمجتمع  فان الدليل على هذه الأهمية  هو أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقواعد الدولية الأخرى وكذلك الدساتير الوطنية التي نصت عليه  وعلى حصانة القاضي الدستورية والقانونية , و على ضمانات التقاضي  والمساواة أمام القضاء  والحق في المعاملة الحسنه وقواعد أخرى مهمة متعلقة بهذا الأمر مثل مبدأ الفصل بين السلطات … فكيف يمكن لشخص أن يستعيد حقه بدون قضاء عادل يتمتع بالحصانة  ومستقل في حكمة يساوي بين القوي والضعيف وبين القريب والبعيد لا يخضع لأي تأثير من أي  مسؤول أو طرف ؟

ونستطيع القول أن هيبة القضاء وقوته من هيبة الدولة وقوتها,  فإذا ضعف القضاء ضعفت الدولة لأنها ستقوم على الباطل والظلم و يبرز عندئذ طغيان الفرد ويلحق المجتمع الشلل من الحكم المطلق ويصاب المجتمع بخلل كبير , كما أن هيبة الدولة وقوتها من هيبة وقوة القضاء و حريته في  تطبيق القانون واحترام قواعده من الحكام والمحكومين .

لذلك فأن مبدأ استقلال القضاء  له صلة وطيدة  بالحقوق المدنية للإنسان الثابتة  في العهود الدولية التي التزمت بها الدول الموقعة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعلى الاتفاقيات الأخرى .ولايوجد قضاء مستقل ونزيهة او محايد مع القضاء العسكري او القضاء السياسي .

كما لابد  من الإشارة إلى بعض القواعد الأساسية التي ننطلق منها في رسم ما هو المقصود بهذا المبدأ الدولي و الوطني , أي المحدد في العهود الدولية والدساتير الوطنية للدول .فقد نصت المادة الثامنة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على انه (  لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لأنصافه عن أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون ) . ولا شك أن هذه الحقوق الأساسية معروفة مثل حق الإنسان في حياته  والدفاع عنها وحقه في سلامة بدنه وكيانه الاعتباري وحقه في المحافظة على أمواله وحقه في إثبات براءته من التهمة المنسوبة له   وغيرها .. كما نصت المادة التاسعة على انه ( لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا ). وجاء أيضا في المادة 14 من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية و السياسية ما يلي :

 1. جميع الأشخاص متساوين أمام القضاء .ولكل فرد الحق , عند النظر في أية تهمة جنائية ضده أو في حقوقه والتزاماته في إحدى القضايا القانونية , في محاكمة عادلة وعلنية بواسطة محكمة مختصة ومستقلة وحيادية قائمة استنادا إلى القانون ………

2. لكل فرد متهم بتهم جنائية الحق في أن يعتبر بريئا ما لم تثبت إدانته طبقا للقانون .

ثم أضافت المادة فقرات أخرى تخص  ضمانات المتهم في الحصول على محاكمة عادلة من مرحلة القبض على الشخص والتحقيق معه إلى مرحلة إصدار الحكم وإذا حصلت الإدانة وجب أن تنفذ العقوبة علية بما يتناسب والقيمة العليا للبشر فللحبس أو  للسجن  قواعد و أسس ومعايير دولية لا يجوز الإخلال بها ولآن فلسفة  العقاب في الأنظمة التي تحترم القانون وتلتزم بالمعايير الدولية  ليست تدمير الإنسان و إنما  إصلاحه لأنه قيمة عليا.


وفي نطاق المبادئ الدولية  العليا في هذا الميدان يذكر عادة جملة نذكر منها هي :

1. أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته

2. وان للمتهم الحق في توكيل محام

3. وان للمواطن الحق في الحصول على مساعدة الدولة

4. و أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق

5. عدم جواز القبض على أي شخص أو توقيفه إلا بمقتضى القانون

6. عدم جواز منع المواطن من التقاضي ومراجعة المحاكم أو إجباره على مراجعة محكمة غير مختصة


 وفيما يخص  مبدأ استقلال القضاء فان الدساتير كذلك  تنص على أن :

1. القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون , ولا يجوز لآية سلطة التدخل في القضايا أو في شؤون العدالة. وهذا يشير إلى أن  نظام الحكم يجب أن  لا يتدخل في شؤون القضاء أو تطبيق القانون من المحاكم , وبعبارة أخرى أن السلطتين التشريعية والتنفيذية  أو غيرهما من الأجهزة - كالحزب - لا يحق لهما التدخل  في مراحل العملية القضائية وتترك القضاء   في ممارسة وظيفته لتطبيق القانون بحرية واستقلالية وبعيدا عن أي تأثير أو تدخلات خارجية أو ضغوط للتأثير على مجرى العدالة والانحراف نحو الظلم وعدم المساواة في تطبيق القانون ..

2. أن القضاة غير قابلين للعزل إلا وفقا للقانون .

3. القضاة مستقلون في إجراء وظيفتهم .

4. المحاكم مستقلة كل الاستقلال , تجاه جميع السلطات , في تحقيق الدعاوى والحكم فيها

وهذه القواعد العامة الأساسية  موجودة حتى في دساتير الدول التي تقوم على حكم الفرد التي يغيب فيها حكم  المؤسسات الدستورية أي الدول التي لا تقييم وزنا و احتراما للقانون الذي شرعته  .ذلك لآن العبرة ليس في النص عليها و إنما في الاحترام الطوعي لها  وفي خضوع  الحكام والمحكومين لها .

كما يراد بمبدأ استقلال القضاء أن القاضي يحكم بما تمليه علية  القواعد الموضوعية للقانون لتحقيق العدل والعدالة ويساوي بين القوي والضعيف , الغني والفقير , وعلى القاضي  - طبقا للقانون - أن يتنحى عن منصة القضاء إذا وجد انه سوف لن يتمكن من ذلك  في القضية المعروضة علية .. ونشير هنا إلى أن مما يتعلق بذلك هو ضرورة وجود الضمانات القانونية والمعايير العادلة والاستقلالية  في اتخاذ الإجراءات القانونية في جميع المراحل أي منذ لحظة الاشتباه و الاتهام  والتحقيق  و المحاكمة  وإصدار الحكم  حتى  مرحلة تنفيذه . وبالتالي لا يجوز لوزير العدل أو لآي مسؤول في  الحزب والدولة   أو لآي طرف من السلطة التشريعية أو السلطة  التنفيذية التدخل في هذه المراحل من اجل  ضمان  تطبيق القانون بصورة سليمة و إيصال الحقوق إلى أصحابها بصورة صحيحة ولكي يؤدي  المسؤول في الشرطة  والمحقق  والقاضي وغيرهم أدوارهم بحرية ونزاهة  في تحقيق العدل أي  (( المساواة )) و العدالة أي (( الإنصاف )).


ثالثا. مبدأ استقلال القضاء في الدستور العراقي لسنه 1925 ( القانون الأساسي )

صدر القانون الأساسي العراقي في 21 آذار من عام 1925وقد عدل مرتين أولهما في 92 تموز 1925 وثانيهما في 27 تشرين الأول 1943 وقد تضمن القانون المذكور مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث , وفيما يخص السلطة القضائية فقد نصت عليه أحكام الباب الخامس منه , فالمادة 58  نصت على أن   ( الحاكم ) ويراد به القاضي يعين بإرادة ملكية ولا يجوز عزلة إلا في الأحوال المصرحة في القانون المخصص ( ويراد به قانون السلطة القضائية ).والمحاكم على أصناف وهي المحاكم المدنية والمحاكم الدينية والمحاكم الخصوصية.وجاء في المادة 71 منه مايلي ( المحاكم مصونة من التدخل في شؤونها ) وفي المادة 72 ( يجب أن تجري جميع المحاكمات علنا , إلا إذا وجد سبب من الأسباب المبينة قانونا في جواز عقد جلسات المجلس سرا ويجوز نشر أحكام المحاكم والمرافعات , إلا ما يعود منها إلى الجلسات السرية وتصدر كافة الأحكام بأسم الملك ).

كما تضمن القانون جملة من المبادئ العليا التي تضمن استقلال وهيبته القضاء في العراق ونذكر منها مثلا ما نص علية من انشأ محكمة عليا للبت بالأمور المتعلقة بتفسير القوانين وموافقتها للقانون الأساسي , إضافة إلى محاكمة الوزراء وأعضاء مجلس الأمة المتهمين بجرائم سياسية  أو بجرائم تتعلق بوظائفهم. وقد عكس القانون الأساسي صورة واضحة لدولة المؤسسات القانونية آنذاك بما يكشف عن ضمان حق التقاضي واحترام السلطة القضائية.


رابعا. مبدأ استقلال السلطة القضائية في دستور عام 1990

على اثر انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية عام 1988 , برزت دعوات في العراق للاستفادة من تجربة الحروب المدمرة والسعي إلى محاولة  تأسيس قواعد المجتمع المدني ودولة القانون وإصدار دستور دائم للبلاد . وفعلا جرت ندوات متعددة لمناقشة واعداد الدراسات حول الدستور المؤقت لعام 1970 لغرض تجاوز الصيغة المؤقتة وإصدار الدستور الدائم الذي يفعل المؤسسات والقانون الا انها كانت دعوات غير جدية .

ولو رجعنا إلى الدستور المذكور لوجدنا أن المادة 60 تنص على استقلال السلطة القضائية  وان الحق في التقاضي مضمون لجميع المواطنين وان تنفيذ القانون يكون من السلطة العامة للدولة وان المواطنين يتساوون في الحقوق والواجبات وغيرها من الأسس. ولكن – كما هو معلوم – ليس العبرة في وجود النصوص المذكورة و إنما في تطبيقها , حيث أن من المعلوم للجميع أن هناك انتهاكات خطيرة للمبادئ الدولية والدستورية في هذا الميدان بصورة لم يسبق لها نظير في تاريخ العراق و لا في تاريخ المنطقة ويمكن القول أن النظام القضائي في العراق في ظل عهد الرئيس صدام  هو نظام بلا عدالة ولا عدل فالمحاكم العسكرية ظلت بعيدة عن تحقيق العدالة وتوفير الضمانات القانونية وظلت المحاكم السياسية ومنها المحاكم الاستثنائية ومحكمة امن الدولة صفة ملازمة للنظام في العراق .


خامسا. علاقة مبدأ استقلال القضاء بدولة المؤسسات الدستورية (( عراق المستقبل ))

ليس هناك من  شك بوجود العلاقة الوطيدة بين هذا المبدأ الحيوي و بين دولة المؤسسات الدستورية التي يكون فيها لكل مؤسسة دستورية واجبات محددة و واضحة في الدستور والقوانين المختصة  لا يمكن أن تتجاوزها أو أن تخالفها وإلا تعرضت إلى المسؤولية القانونية .ففي دولة القانون لا يوجد إلا قانون واحد يخضع له الجميع ويطبق بالتساوي ولا يستثنى منه أحد ويستطيع أي متضرر في حقه أن يحصل علية من خلال إقامة الدعوى العادية أمام المحكمة المختصة للحصول عليه  مهما كانت صفة الخصم أو قوته أو درجته أو منصبة  , وهو ما يعزز دور القانون وينمي المجتمع ويطوره ويدفع باتجاه الاحترام الطوعي له ويعزز مكانه الدولة ومؤسساتها في المجتمع ويسهم في تحقيق الأمن الاجتماعي والعدالة إذ لا يجوز خلق معايير مزدوجة في تطبيق القانون , بينما لاحظنا - من خلال قضايا عديدة أصدرت فيها المحاكم العراقية أحكامها - أن بإمكان وزير أو حتى ممن هو اقل  درجة أن يعطل القانون بل و يعطل نصوص الدستور بحجة وجود الظروف الاستثنائية أي ظرف الحرب وهو مما يسئ للدولة العراقية ويخلق حالة من الفوضى في بلد يفترض أن يكون الرائد في احترام القانون لتأريخه  المعروف ولحضارته العريقة  وللقوانين التي نشأت على أرضه منذ مئات السنين .


التوصيات

الغاء عقوبة الاعدام من جميع القوانين والقرارات العسكرية .

اعادة النظر في القوانين العسكرية ( قانون العقوبات وقانون التقاعد وقانون قوى الامن الداخلي وكل القوانين ذات الصلة ) وذلك من خلال تشكيل لجنة قانونية – عسكرية مختصة تعيد النظر بها وتقوم بعملية الاصلاح القانوني بما ينسجم وعراق المستقبل .والغاء كل تشريعات القسوة العسكرية .

الغاء القضاء العسكري واحالة كل القضايا الى المحاكم  المدنية .

الغاء المحاكم الاستثنائية مثل محكمة امن الدولة والمحاكم الخاصة الاخرى واناطة المهام الى القضاء المدني .

حصر جميع اعمال التحقيق في القضايا العسكرية من المدنين او العسكرين من ذوي التحصيل الحقوقي فقط ويكون للنائب العام دوره في الاحالة الى المحكمة المدنية المختصة ( محكمة مدنية ام جنائية ام محكمة ادارية ..الخ ).

اصدار قانون يتضمن بموجبه تعويض اسر الشهداء وورثتهم والاسرى والمعوقين والمفقودين من الحروب والنزاعات المسلحة  .

تعويض اسر ضحايا التعذيب وتعويض وتاهيل الاحياء منهم .

منع العمل الحزبي والسياسي في صفوف المؤسسة العسكرية .

اعادة النظر في اشكال العقوبات وتعديل مفهوم العقوبة وفقا للمفهوم الحديث القائم على اساس انها لغرض اصلاح الفاعل لا الانتقام منه  بما ينسجم والاعلان العالمي لحقوق الانسان

تحديد فترة الخدمة العسكرية بفترة 6 اشهر فقط براتب تام وفقا لقانون ينسجم ودور الدولة العراقية المحايدة .

تمنع بحكم القانون كل دعاية من اجل الحرب .فالعراق دولة محايدة لا تدخل في اي حرب قادمة .

اسناد مسؤولية الاجهزة الامنية والعسكرية الى اشخاص من حملة شهادة العلم بالقانون .

إلغاء جميع القرارات الصادرة من مجلس قيادة الثورة والتي تتعارض مع الحقوق الأساسية للبشر وتمس كيانه البدني وسلامته مثل قرارات قطع اليد واللسان والقدم والرقبة بالسيف  والأذان والوشم وغيرها.

تحديد الأشخاص المسؤولين عن انتهاكات الدستور و القانون واهدار حق التقاضي واحالتهم إلى المحاكم لمحاسبتهم حسب القانون.

تعديل نظام السلطة القضائية في العراق بما يتلاءم وعراق المستقبل بعد الاستفادة من تجارب العالم في هذا الميدان .

تعديل دور المرأة الحقوقي في قوانين عراق المستقبل و إلغاء التمييز بين الجنسين في تولي منصب القضاء  .

تعديل قانون الخدمة العسكرية وحصرها بفترة حدها الاقصى 6 اشهر فقط لا يجوز ان تتجاوزها والغاء التمييز بين الجنسين في موضوع الخدمة العسكرية .

الغاء خدمة الاحتياط

تعويض الافراد للدولة عند عدم قيامهم باداء الخدمة العسكرية في حالات محددة كالابن الوحيد مثلا .


Munther Al Fadhal

PhD of civil law

Former Associate professor of private law – University of Baghdad –college of law

Former Vice Dean of college of law-University of AMMAN-Jordan

Former Head of public and private law Departments –University of Al Zaytoonah-Jordan

Legal adviser of Middle East laws

Visiting associate professor –University of ICIS- College of law - London

http://home.bip.net/alfadhal/