بغداد وشباب المحافظات العراقية


يعتقد صدام أن معركته الأخيرة ستكون على أسوار بغداد، داخل شوارعها العريضة، وبين أزقتها القديمة. وبسبب اعتقاداته هذه ركز كل جهده فيها، إذ وزع مفارز الأمن والمخابرات، على نقاط محددة في مدن الثورة، والشعلة، والحرية، والبياع، ومناطق أخرى متفرقة من بغداد، وأمر بد بعض الحاجات التموينية، ثم أعطى توجيهاته إلى مكاتب الحزب وفروعه في المحافظات لحث الشباب من أبناء الحزبيين والمستقلين إلى التطوع تحت تسمية جديدة عنوانها أبناء صدام.

وكعادته فتح الخزينة من أجل الترغيب وشهر السيف بقصد الترهيب، وكعادتهم تحرك الحزبيون، ليتوزعوا على مفارق الطرق، يتصيدون.

وفي آخر النهار يقدمون قوائم إلى المسئول تنجيهم من غضب صدام، وتبعدهم من وضع أنفسهم بديلا عن نقص المطوعين.

لكن الحزبيين الذين يتصرف غالبيتهم تحت تأثير الخوف والهلع، لم يحسبوا حساب الذنب الذي يرتكبون، لأن صدام يريد من أولئك الشباب أن يشرعوا جميعا بالتحرك إلى بغداد في اليوم الأول لبدء العمليات العسكرية.

إن صدام الذي يبرع بفن التعبئة، وحشد الأفراد أراد أن يحشر أكبر عدد ممكن من المقاتلين في بغداد، حتى وإن لم تستطع هذه العاصمة العريقة استيعاب تلك الأعداد، دون النظر إلى الأمر تبذيرا بالجهد العسكري الميسور أو خسارة شبه محتومة  لعنصر الشباب خارج القياسات الاعتيادية.

لقد فعل صدام هذه البدعة لتيقنه أن أحدا سوف لن يقاتل دفاعا عن نظامه في جميع المحافظات العراقية شمالا كانت أو في الوسط والجنوب، ولأنه لا يبالي بأرواح العراقيين، وله في ذلك سوابق كثيرة إذ حشرهم حشرا في المحمرة إبان الحرب مع إيران حيث قضت تلك المعركة المشؤومة على الآلاف من الشباب الأبرياء، وكذلك كان الأمر في الكويت، ويعاود اليوم إلى ذات الأساليب.

كما إنه يريد أن يفرغ المحافظات من شبابها ويضعهم في غير مجتمعهم ليحول دون اشتراكهم في القتال بالضد من نظامه كما حصل عام 1991. 

إن شباب العراق اليوم ومنهم أبناء البعثيين المغلوب على أمرهم يفهمون جيدا خطورة سوقهم إلى المحرقة في بغداد.

ويفهمون أن صدام يستخدمهم، وقودا يزيد بموتهم أرقام الخسائر التي يحاول الضغط بأعدادها على الرأي العام العالمي، في الوقت الذي يقبع أولاده وأحفاده في ملاجئ وأقبية تحت الأرض ليس مسموحا لأبناء المحافظات التقرب منها.

إن الوقت أصبح حرجا، سيسلم فيه الباقون في بيوتهم قريبا من عوائلهم بعيدا عن إغراءات صدام، ليثبتوا أنهم الشباب الواعي الذي لا تسوقه إلى الموت تلك النقود الورقية، وليثبتوا للعالم أن بامتناعهم هذا شاركوا في التخلص من الظلم والاستبداد. وإن الوقت قد حان ليفكروا بحياتهم ومستقبلهم، وأهلهم في كل خطوة تقربهم من الموت في بغداد قبل فوات الأوان.      


لندن: 6/3/2003