المبادرة الإماراتية


في مؤتمر القمة العربي الذي ينعقد في شرم الشيخ، ومن حيث لا يتوقع أحد قدمت الإمارات العربية المتحدة مبادرة لحل الأزمة العراقية سلميا، والمبادرة تتأسس على جانبين هامين يتمثل الأول بتنحي صدام حسين وحزبه عن الحكم، وفي حالته يقدم له ضمان دولي بعدم ملاحقته قانونيا عن الجرائم التي أرتكبها طيلة فترة حكمه المنصرمة مع تأمين أقامة مناسبة لـه، وعائلته وبعض القريبين.

أما الجانب الثاني من المبادرة فيتعلق بإدارة العراق من قبل الأمم المتحدة والجامعة العربية، حتى التهيؤ لانتخابات حرة وحكومة عراقية.

ولو تمعنا بالمبادرة التي لم تكن جديدة بالنسبة للمتلقي العراقي والعربي وحتى العالمي إذ نعلم جميعا أن صيغتها مطروحة للتداول والنقاش وجس النبض، وقد سؤل عنها صدام في مقابلته مع القناة التلفزيونية الأمريكية ورفضها منذ أيام.

لكن دولة الإمارات وغيرها من الدول العربية تعرف جيدا أن ما يرفضه صدام اليوم يوافق عليه غدا ويدافع عن صحته بعد غد، عليه تشجعت وطرحتها في أسلوب لم يقصد منه الإثارة والتعجيز، بقدر ما مطلوب منه إيجاد حل لمحنة العراق، وربما البعض من الدول العربية.

ومهما تكن مقاصد الإمارات إلا إننا كعراقيين نراها مسألة مهمة، بعد أن تعبنا من مسألة الشجب والممانعة لما مطروح من حلول للأزمة بينها الحل العسكري، وكنا نقول في جلساتنا الخاصة بدلا من أن يشجب العرب عليهم أن يفكروا بخيار أو حل آخر غير استخدام القوة يجبر صدام على الابتعاد عن كرسي الحكم الذي وظفه لفعل الخطأ بالضد منهم كعرب وكثير من دول العالم.

والمبادرة بحق موزونة جيدا، وتراعي كثيرا من الأمور بينها حفظ ماء الوجه بالنسبة للرئيس، وتجنيب العراق أية خسائر محتملة نتيجة للحرب واستخدام القوة، وتبعد العرب الآخرين عن احتمالات التدخل في شؤونهم من خلال الامتداد غير المسيطر عليه للحرب، وكذلك تنزع أسلحة العراق التي حظرتها الأمم المتحدة دون أية آثار جانبية.

لكن المشكلة بالنسبة إلى صدام لا تتعلق بالسيادة ولا بمستقبل العراق وثروته، وإنسانه، وإنما بكرسي حكمه الذي لم يعد قادرا على مغادرته تحت أي ظرف من الظروف، لكنه لو تمعن في المستقبل القريب قليلا، وأدرك أن الحرب سوف لن تناله وحده، والعراقيين سوف لن يكتفون به أضحية للتغير، وأن واجبه كأب أن يحافظ على عائلته وأحفاده وأقاربه الذين قدموا له كثيرا من الخدمات، والمحافظة عليهم لا تتم إلا من خلال مغادرته الحكم سلميا وفق ضمانات دولية، عندها سيسجل له التاريخ أنه قدّمَ للعراق خدمة عظيمة.

إننا في العراق نظم صوتنا إلى صوت الإمارات ونسأل هل يستثمر صدام هذه الفرصة قبل فوات الأوان.     

لندن: 28/2/2003