السيطرة على حالة السوق


في الحرب وأثناء الأزمات تضعف سلطة الدولة الضابطة خاصة في مجتمع مثل العراق أصيبت فيه العلاقة بين الفرد والحكومة بنكسات متعددة في السنين الأخيرة كونت نوعا من عدم الثقة، وبسببها والظروف المحيطة يمكن أن تنطلق الرغبات الشخصية على شكل محاولات لاستغلال الفرصة، بينهم باعة وتجار وأصحاب مصالح خاصة، ووسطاء يتعمدون رفع الأسعار للحاجات الضرورية بشكل سريع غير طبيعي، من خلال إخفائها من الأسواق مؤقتا، أملا في  بيعها بأسعار مغرية عندما تسنح الفرصة إلى ذلك لاحقا.

وكانت لنا نحن العراقيين في بلدنا العزيز تجربة عملية في هذا الجانب الحيوي، إبان الحرب الثانية في الخليج عام 1991 عندما اختفت مواد كثيرة بينها الطحين على سبيل المثال من المحلات التجارية لتباع بالواسطة بعيدا عن سلطة الدولة، وعندما فقد الرز من الأسواق ليباع عن طريق المعارف في الخفاء ، وهكذا الحال لمواد غذائية أخرى مهمة لديمومة عيش الإنسان واستمرار بقاءه.

والآن بعد اثنتي عشر عاما من تلك الحرب وتجربتها المرة نتحسس حركة غير طبيعية في الأسواق العراقية عامة، وفي بغداد على وجه الخصوص يمكن أن تعيد نفس معالم تجربتها المرة آنذاك، إذ وبدأت بعض الحاجات الضرورية بالاختفاء من المحلات في الأسواق،  وبدلا عنها عرضت أخرى لا فائدة تذكر من عرضها، وأخذت سيارات الحمل على غير العادة تنقل بضائع من أماكن بيعها الحالية إلى مخازن في المزارع الخاصة، وأخرى إلى بيوت مؤجرة لأغراض التخزين، وهذه حركة وإن بدأت بشكل بسيط قد لا تكون مرصودة من الرقابة الاقتصادية.

لكنها حالة واقعة بدأت آثارها تظهر فعليا، إذ شرع البعض برفع تسعيرة مواد كانت مسعرة بالأمس غير تسعيرتها اليوم، ويصر البعض الآخر على التأكيد بعدم وجود المادة المطلوبة.

إنها حالة وإن يكون عائدها ربحا لبعض القريبين من الدولة، لكن آثارها بؤسا ومعاناة لعموم العراقيين وهم يعيشون أصلا حالة البؤس والشقاء.

ومعاناة من هذا النوع ستنعكس سلبا على معنوياتهم وعلى استعداداتهم من الحرب التي يدركون بخبراتهم الذاتية أنها أصبحت على الأبواب.

وإنها حالة لا ينبغي أن تكتفي أجهزة الدولة برصدها ومتابعتها، بل والتوجه سريعا إلى عملية ردع واسعة تحول دون تمادي المتجاوزين، وأن يتم التواجد الفعلي لمسئولي الرقابة في السوق، وأن يتم طرح كميات مضافة من السلع والبضائع والحاجات من الخزين الاستراتيجي للدولة لتعوض النقص الحاصل بسبب الميل الطبيعي إلى التخزين في ظروف الشدة أو نتيجة للمحاولات الجارية لرفع الأسعار على أن يتم ذلك كله بسرعة عالية قبل فوات الأوان .


لندن: 10/2/2003