الدروع البشرية


تطور الموقف في العراق والمنطقة المحيطة به عام 1990 بسرعة أدت إلى حدوث حرب طرفها الأول تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ضم في حينه أكثر من ثلاثين دولة أرسلت قوات عسكرية أسهمت في القتال الفعلي، وقدمت أخرى مساعدات مادية ومعنوية لدعم الحرب.

وطرفها الثاني العراق الذي خاضها وحيدا في ساحة معركة لم تكن متكافئة مستلزماتها من حيث العدة والعدد بالنسبة لـه مع الأعداء.

والحرب التي استخدم فيها الحلفاء كل أسلحتهم الحديثة، ومعداتهم المتطورة حاول فيها العراق من جانبه استخدام ما هو متاح لديه بهدف تقوية موقفه الدفاعي الحرج جهد الإمكان .... وبين ما أوحى به بعض القريبين من سلطة القرار أن يكون متاحا في تلك الحقبة الزمنية في التعامل مع جموع الغربيين الموجودين في العراق أصلا أو اللذين قدموا من الكويت قسرا، ليحتجزوا في بعض المصانع والمؤسسات الحكومية المرشحة أن تكون أهدافا لقصف الحلفاء أملا في أن يكونوا دروعا بشرية تحول دون القيام بالقصف الجوي والصاروخي لتلك الأهداف.

وكانت خطوة في ذلك الوقت قد أثارت غالبية المجتمعات البشرية بالضد من العراق، ودفعت إلى حشد الجهد الخاص لبعض الشخصيات العالمية المعروفة، والمؤسسات الخيرية، وأصدقاء قريبين من العراق حضروا إلى عاصمته بهدف ثني قيادته عن استغلال الغربيين لأغراض الحرب كدروع بشرية، أثمر في نهاية المطاف عن إطلاق سراحهم قبل بدأ الحرب بقليل، وتسبب في تسجيل نقاط سلبية على القيادة العراقية قوامها الابتزاز، والخرق العمدي لحقوق الإنسان.

لكن تلك النقاط تلاشت آثارها عبر الزمن وانتهى مفعولها السلبي نسبيا وسط نقاط أخرى كانت أكثر تأثيرا على مسار الأحداث. ورغم ذلك فإن أسلوب التوريط والإيحاء لم ينته مفعوله، ولم يتلاشى من ذاكرة النفعيين رغم مصائب العراق التي لا تحصى، إذ أن الملفت للنظر وقبل بدأ الحرب ثانية انطلقت أصوات من نفس أماكن الانطلاق السابق تنادي بالعودة إلى استخدام الدروع البشرية سلاحا في المعركة المقبلة، تؤيدها أو تدفعها أصوات من بعض العرب الذين ارتبطوا بالعراق ارتباطا تغلب عليه المصالح الشـخصية.

الأمر الذي يجعل الموضوع مثار شبهة واستغراب إذا ما تم النظر إليه من زاوية الحاجة الماسة لعراق ما قبل الحرب إلى أصوات نزيهة تنادي بالتماسك، واحترام إنسانية الإنسان، وليس بحشره في زوايا الأبنية، وبين حديد المصانع ليموت من أجل ماكنة يمكن أن يشتري أو يصنع غيرها إذا ما بقي  على قيد الحياة.

تلك هي الحقيقة التي يدركها العراقيون وغير العراقيين، والتي ينبغي أن يدركها المسئولين قبل فوات الأوان، لأن نتائج الحرب هذه المرة ستكون مختلفة، لا تحتمل المزيد من الأخطاء.


لندن: 9/2/2003