ولد المزاج حين اكتشف الانسان منذ التجمعات الأولى أن خوف بسيط كشعور في وعي فرد واحد يمكن أن يتوسع بين الآخرين، فيصير طقسًا يخيّم على جماعة كاملة. من هنا بدأت الحكاية: حين صار الانفعال الفردي منبعًا لانفعالٍ جمعي، وحين صارت النفس الإنسانية قادرة على استعارة ما حولها من حالات، حتى غدت القرية، ثم المدينة، ثم الأمة،تتقاسم المزاج كما تتقاسم الهواء. والمزاج، في حقيقته ليس رأيًا ولا قناعة، هو أبسط منذلك، وأعمق في آنٍ واحد: إنه انفعالٌ يسبق التفكير، ويهيّئ المعنى. فحين يغضب الناس،تتغيّر القناعات فجأةً دون برهان. وحين يخافون، يرون ما لا يُرى، وتسقط الحواجز بين الممكن والمتخيّل. وحين يسود الأمل، يصبح المستقبل أكثر قربًا من الواقع نفسه. بهذه البساطة، وسعة الخطر في آنٍ واحد، فهمت الجماعات منذ القدم أن المزاج العام هوالأرض التي تُبنى عليها القناعات، وأن الحرب الحقيقية ليست على العقول فقط، وإنما على المشاعر التي تسبق الإدراك، فالعقل في العادة لا يعمل في الفراغ، يعمل داخل مناخٍ نفسيّ،داخل طقسٍ داخليّ، يحدّد ما يهتم به وما يغفله، وما يقبله وما يرفضه. ومهما تغيّرت الأزمنة، ظل المزاج هو القابلة التي تولّد الرأي العام، والهواء الذي تتنفسه المعنويات،والعدسة التي تُقرأ من خلالها الأحداث. ولذلك أصبح المزاج، في زمن الدولة الحديثة، ثمفي زمن الإعلام الجماهيري، ثم في عصر الخوارزميات، أحد أهم ميادين العمليات النفسية، وبات السؤال الأحدث في مجالها أي العمليات النفسية كيف نجعل المقابل يشعر؟بالإضافة الى السؤال التقليدي: كيف نُقنع؟ بغية أن يترك للجماعة المستهدفة أن تولّد منشعورها رأيها وقرارها وسلوكها. والمزاج يتكون أو هو نتاج ثلاث مستويات متداخلة في النفس

لم يكن المزاج العام يومًا نتيجة حدثٍ واحد ولا قرارٍ واحد؛ إنه نتاج ثلاث عمليات متداخلة تعمل في النفس قبل أن تعمل في الواقع"

١. الانفعال الأوليّ. في اللحظة التي يواجه فيها الإنسان حدثًا مقلقًا: انفجارًا، إشاعة، صورةمهينة، تهديدًا غامضًا ...الخ تستثار منظومة التقييم السريع في الدماغ. هذه المنظومة تُصدر أحكامها على أساس “الإحساس” قبل أن تنظر الى الحقائق أو الإحصاءات، يحدث ذلك لأن الدماغ، كما يصفه علماء النفس العصبي، مبرمجٌ على تفضيل النجاة على الدقّة.ولهذا فالانفعال الأوليّ: خوف، غضب، ذعر، انتشاء يتحوّل بسرعة إلى إشارة جماعية تنتقل بالعدوى، تمامًا كما ينتقل اللهيب من ورقة إلى أخرى.

٢. التفسير المشترك. بعد الانفعال تأتي اللغة، والقصص، والتأويلات التي تنتشر بين الناس لتمنح الانفعال معنى. فتبدو جملة "الوضع خطير" مثلا وعلى بساطتها مفتاحٌ يفتح بابالخوف، قبل أن تستوعب كمعلومة. وتبدو عبارة "سننتصر" كأنها محفّز عاطفي يعيد تشكيل الإحساس بالمستقبل، ولا تبدو مجرد رأي. في هذه المرحلة يصبح المزاج العام ترجمةً جماعية لمعنى واحد، تتبناه الأغلبية دون نقاش.
وهنا تظهر فاعلية ودور العمليات النفسية بكل وضوح: فمن يمتلك القدرة على صياغة التفسير يمتلك القدرة على توجيه المزاج.

٣. السلوك الجماعي. حين يتقاسم الناس انفعالًا وتفسيرًا، يتحوّل ذلك كله إلى سلوك:

خوفٌ جماعي يولّد تجنّبًا وامتناعًا.

غضبٌ جماعي يولّد اندفاعًا ومجازفة.

إحباطٌ جماعي يشلّ القرار.

أملٌ جماعي يعيد بناء الثقة.إنّ المزاج في هذه المرحلة يصبح قوة نفسية قادرة على إحداث فعل سياسي أو اجتماعي أوعسكري.

ولهذا يصبح المزاج العام في الأزمات وخاصة الحروب أقرب إلى “سلاح ناعم” يصعب الإمساك به ويستحيل تجاهله. 1 ( Slovic, Paul 2010 ) 

الانتقال من الفرد إلى الجماعة

من منظور علم النفس الاجتماعي، ينتقل المزاج عبر ثلاثة مسارات أساسية:

١. العدوى العاطفية. حين ترى شخصًا خائفًا، يتنشط جهازك العصبي كما لو كنت أنت الذي تواجه الخطر. وحين ترى الحشود تهتف، يبدأ جسدك بالدخول في الإيقاع ذاته. إنها آلية تسمى “المحاكاة الانفعالية”، هي حجر الأساس في صناعة المزاج الجماعي.

٢. الإشارات الرمزية. الأعلام، الشعارات، الألوان، الموسيقى العامة، نبرة التصريحات السياسية… كلّها تعمل كمنبّهات تثير مزاجًا معينًا دون حاجة إلى خطاب طويل.

٣. شبكات التواصل الاجتماعي والمعلومات السريعة. في العصر الحديث، أصبح المزاج ينتشر بسرعة الضوء. فتغريدة واحدة قد تغيّر مزاج مدينة كاملة، وصورة واحدة قد تحسم اتجاه الرأي في دقائق.، وبذا أصبح المزاج ينتقل من شاشةٍ إلى شاشة، وليس من مجلسٍ إلى مجلس، كما كان سائدًا من قبل.

كيف يغيّر المزاج الإدراك والقرار؟

إنها النقطة الأهم في فهم علاقة المزاج بالعمليات النفسية: فهو في واقع الأمر عدسة نفسية، فحين يغلب القلق: تُرى الأحداث الصغيرة كتهديد كبير، ويصبح الشك أرجح من الثقة،ويتراجع التفكير النقدي، وتُفضَّل القرارات السريعة على الدقيقة.

وحين يغلب الأمل أو الثقة: يُقرأ الواقع بطريقة أكثر إيجابية، وتتسع مساحة المبادرة،ويزداد تحمّل الخسائر، ويتقوّى الحشد والدعم والاستمرارية.

لهذا تستهدف العمليات النفسية المزاج أكثر من استهدافها الرأي، لأن المزاج يسبق الرأي،ويحدّد اتجاهه قبل أن يولد.

ففي ألمانيا 1940 صنع مزاج الثقة الكاسحة "نجاحات Blitzkrieg الأولى" مزاجًا جماعيًا من “الانتصار الحتمي” دفع القيادة والشعب نحو قرارات متهورة لاحقًا.وفي الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر ، دفع مزاج الخوف الناس لقبول سياسات جديدة كثيرة بدافع الخوف من المجهول.


11 . Slovic, Paul. The Feeling of Risk: New Perspectives on Risk Perception. Earthscan, 2010.


وفي العالم العربي 1967 مزاج الانهيار كانت الهزيمة نفسية أقسى من العسكرية، لأن المزاج العام تحوّل إلى شعور بفقدان القدرة، ما جعل الأنظمة والشعوب تعيد تعريف الممكن والمستحيل لسنوات طويلة.

لذا يمكن القول أن العمليات النفسية كانت وقبل كل شيء، تستهدف المزاج أكثر من استهدافها الرأي، لأن المزاج هو البوابة الأولى التي تُفتح منها كل الأفكار، وتتغيّر عبرها جميع القرارات، فالرأي من الناحية النفسية فعلٌ معرفي، يحتاج إلى: معلومات، ومقارنة،وتحليل، وربما شكّ أو مراجعة. أما المزاج فهو “صوت الجسد” كما يسميه علماء العاطفة؛ ينشأ تلقائيًا، ويبدأ قبل التفكير بزمنٍ طويل.

في دقائقٍ قليلة، قد يرتفع مزاج الثقة في مدينةٍ كاملة بسبب صورة أو خطاب، وقد يهبط مزاجها بسبب إشاعة واحدة. وحين يتغيّر المزاج، تتغيّر قابلية القبول واتجاه النظر وطبيعة التفسير دون أي نقاش عقلي.

ولهذا تستهدفه العمليات النفسية أولًا لأنه: أسرع وأعمق من الرأي، وأصعب في المراجعة.فالفرد قد يغيّر رأيه دون مقاومة… لكنّه لا يغيّر مزاجه بسهولة.

صناعة المزاج

يمكن أن تتدخل العمليات النفسية لصناعة المزاج المطلوب من خلال مراحل متعاقبة:

١. خلق حالة انفعالية أولية: يتم ذلك عبر مشاهد صادمة، ونقل أخبار متوترة، وبث موسيقى، ونبرة خطاب فيها تكرار لكلمات بعينها (حصار، تهديد، انهيار، نصر، صمود.. الخ).

وهي على وجه العموم مثيرات عصبية تحرّك اللوزة الدماغية، وتُطلق استجابة “الانتباه القَلِق”. وحين يتكثّف الشعور، خوفًا أو أملًا، تبدأ الجماعة بالدخول في موجة مزاجية واحدة.

٢. إعطاء الانفعال اسمًا ومعنى: إذ أن الانفعال وحده لا يكفي لصناعة المزاج، فلابدوالحالة هذه من قصةٍ تفسّره كأن تكون (العدو يقترب - الحلفاء معنا - المعركة طويلة لكننا نربح ببطء - التهديد كبير لكنه قابل للرد) فحين يُعطى الانفعال معنى، يتحول إلى مزاج مستقر. فالخوف بلا قصة اضطراب، أما الخوف بقصة فهو مزاج عام.

٣. تثبيت الاتجاه بالسلوك الرمزي: بعد انتشار المزاج، تستخدم العمليات النفسية الرموزلتثبيته مثل (صور الشهداء أو القادة - الأغاني الحماسية - شعار موحّد - وسم trending

- لونٌ أو راية - لقطات لجماهير غاضبة أو صامدة) هذا ما يسمّيه علماء النفس الاجتماعي ترسيخ الحالة الشعورية بالصورة الرمزية، إذ ان الرمز يجعل المزاج واقعةً ملموسة،فيُصبح الناس جزءًا منه حتى لو لم يوافقوا عليه عقلًا.

إن من طبيعة المزاج هو تغيره دون أن يشعر الناس بالتغير. ويتم التغيير عبر تقنيات تستهدف تغيير الجو العام الذي تتشكل فيه الآراء، أهمها:

١. الإشباع العاطفي (Emotional Saturationذ يُغمر الجمهور بسيل من الأخبار،القصص، الإشعارات، التحليلات ومقاطع الفيديو، فيتشبع بها الجهاز العصبي، ويضعف الحكم النقدي. بعدها يصبح الناس أكثر استعدادًا لقبول التفسير الجاهز.

٢. إعادة ترتيب الأولويات العاطفية. لا تُقال للناس: غيّروا رأيكم وإنما ( هذا خطر الآن -هذا مهم الآن - هذا يستحق الغضب - هذا يستحق الفرح ...الخ) فيتغيّر ما يسمّى في علم النفس اتجاه الانتباه الانفعالي، وهو البوصلة التي تحدّد مزاج اليوم.

٣. المزاج البديل (Mood Substitution)بدل مواجهة مزاج الخوف مباشرة، يُستبد لبمزاج آخر: ( الثقة - الغضب – تحدٍ – السخرية... الخ) ولهذا تستخدم الدول المتقدمة السخرية السياسية كسلاح نفسي، لأنّها أي السخرية تُخرج الجمهور من دائرة الخوف دون الحاجة لأي برهان.

٤. العدوى المزاجي (Mood Contagion) المشاعر تُعدي… حقيقة مثبتة في علمالنفس العصبي. والحشد، سواء في ساحة أو على منصة رقمية، ينقل مشاعره بسرعة أشبه بالانتقال الكهربائي، وهذا ما تستغله العمليات النفسية عبر ( صور جماهير غاضبة -مقاطع لجنود يضحكون في وجه الخطر - لقطات بكاء متكرر - أصوات الصراخ أوالهتاف - بثّ مباشر لحدث عاجل) وهنا تتحول العاطفة الفردية إلى مزاج جماعي خلال دقائق، هذا وأخطر ما في العدوى المزاجية أنها تسبق العقل، وتتحرك بين الأفراد دونوعيهم، وتحوّل تفسير الحدث دون تغيير الحدث نفسه. ولهذا وصف علماء السلوك الرقمي عمليات التأثير الحديثة بأنها انتقال مزاجي قبل أن تكون انتقالًا معلوماتيًا.

٥. أداة المشهد الموجِّه (Framing Scene) وهنا يُصنع مشهد كامل يجعل المزاج المطلوب هو الخيار الوحيد، فعندما تريد دولة مثلًا أن ترفع معنويات سكانها أثناء تهديد خارجي، فلا يقتصر قولها فقط على أننا صامدون، والأفضل أن تعرض صورًا لجنود مبتسمين، تبث موسيقى ذات نبرة ثابتة، تستخدم كاميرا ثابتة دون اهتزاز، تعرض مشاهد للعائلات، وتمارس حياة شبه طبيعية، لأن المشهد بحد ذاته يُعطي إحساسًا بأن الأمور تحت السيطرة، فيتشكل المزاج المطلوب تلقائيًا دون خطاب. وعندما تريد جهة ما التأثير لخلق مزاج قلق تعرض (لقطات مهزوزة - أصوات عالية - صور رمادية - أخبار متلاحقة -إيقاع سريع المشهد) ما يجعل المزاج نتيجة تلقائية.

٦. أداة التضييق الانتباهي (Attentional Narrowing)عندما يصبح المزاج العام مشبعًا بالخوف أو الغضب، يضيق مجال الانتباه لدى الناس، فيركزون على نقطة واحدةويتجاهلون الباقي، ولإحداث التضييق تلجأ العمليات النفسية الى ( تضخيم حدث واحد –تكراره - ربطه بالهوية - وضعه في سياق مستمر - فتتحول النقطة الصغيرة إلى مركزثقل، ويُعاد تفسير كل شيء عبرها)، وهذا يؤدي إلى (إتخاذ قرارات متسرعة - مواقفحادة - فقدان التوازن الإدراكي) كل ذلك قبل أي نقاش معرفي.

٧. مزاج المستقبل. استهداف المزاج المتوقع عبر (التلويح بالهزيمة قبل حدوثها - التنبؤ بانهيار اقتصادي - الإيحاء بأن النصر قريب - خلق شعور بأن القلق القادم أكبر) فالعقل البشري بطبيعته يتأثر بالمستقبل المتخيّل أكثر من الحاضر. ولهذا قيل: "المزاج المتوقع أقوى من المزاج الحالي".

والمزاج من زوايا أخرى صانعًا للفعل أو السلوك، فعندما يصبح المجتمع في حالة مزاج سلبي، يميل إلى (قبول القرارات السريعة - الانسياق خلف التفسير الواحد - تضخيم الخطر- إلتزام الطاعة)، وعندما يصبح في حالة انفعال إيجابي، ميل إلى (الثقة – المبادرة - دعم القيادة - تحمّل الصعوبات) وهذا ما يجعل المزاج العام أهم هدف في العمليات النفسية؛
لأنه يُغيّر القرارات دون أن يُغيّر الأفكار، ويُغيّر السلوك دون أن يشعر الأفراد بأنهم تغيّروا.فحال العراق ١٩٩١ مثال جيد للمزاج السلبي "الانهيار" إذ وبعد الضربات الأولى، إنهار الجيش العراقي ليس بسبب قوة الضربة العسكرية فقط، وإنما بسبب المزاج السلبي الذي تشكّل في المدن: “لا جدوى… النهاية قريب" مزاج سبق انهيار القرار العسكري نفسه. 2 (Charles Tripp2007)والانتفاضة الفلسطينية 2000 مثال لمزاج إيجابي "التحدي" إذ انتشر في أيامها الأولى مزاج الغضب والكرامة عبر صور الشهداء، والقصص الشعبية، فحملت الجماهير موجةتحدٍ فورية غيّرت حسابات الطرفين لسنوات. 3

***