الاجهاد القتالي في ظروف مكافحة الارهاب .


عــــــــــــــام

1. تعتمد نتائج القتال على عدة عوامل أهمها أداء العسكري في الساحة، مهاجما أو مدافعا، حتى تم وصف أو ربط هذا الاداء أي السلوك القتالي بالجوانب الوطنية في كل جيوش العالم، وهو أداء في موقف محدد يأتي عادة من تفاعل عاملين رئيسين:

آ. العسكري المقاتل نفسه أي خصائصه وتركيبته النفسية مثل (الثبات، الجرأة، التحدي، التحمل، المطاولة، سرعة رد الفعل... الخ).(1)

ب. البيئة العسكرية المحيطة بالمقاتل مثل (التدريب، التوجيه، التحصين، الترفيه، الاهتمام، التعامل، الاقتناع ...الخ). 

2. على أساس العاملين أعلاه نجد أن من الصعوبة الاعتراف بوجود مقاتل صامد، شجاع، مندفع بالمطلق، وعلى نفس الاساس لا يمكن القبول بوجود آخر متخاذل، متردد على طول الخط، دون أن نسقط من الحساب وجود صفة غالبة لكل الخاصيتين أي ان هناك من يتصفوا بالشجاعة في الغالب العام، في مقابل آخرين يتصفوا بالتردد في الغالب العام أيضا. ومع هذا الوجود فأن الثبات على أي منهما عند شخص ما غير وارد بسبب التغير الذي يحصل عادة في عامل البيئة المساهم بنسبة غير قليلة في أنتاج الاداء. 

بمعنى أبسط ان المقاتل المعروف بشدة أندفاعه وشجاعته، قد يصاب بالأحباط في موقف قتالي جديد بسبب تعامل آمره المباشر غير الصحيح "تغير بيئي". أو قد يَسمع خبرا سلبيا عن عائلته، ولم يجد تعاطفا معه من ذات الآمر والزملاء "تغير بيئي ايضا".

ان الاحباط بطبيعة الحال يسبب الاكتئاب ثم الوهن السريع حد الاجهاد(2). والعكس صحيح أيضا، يمكن أن يجد أحد المقاتلين في آمره الجريح الذي يتخذ منه قدوة دافعا قويا، لتحدي عدوه أنتقاما يدفعه للانتقال لا أراديا من خانة التردد والخوف والتعب الشديد الى جانب الاقدام حد الشجاعة المفرطة.

الاجهاد القتالي

1. يقصد بالاجهاد القتالي، حالة الخمول العام في نشاط العسكري الموجود في موقف يؤدي فيه مهام قتالية بينها ما يتعلق بمكافحة الارهاب التي يتخللها مهام مثل الرصد والتفتيش والحراسة والمداهمة والمتابعة، والاشتباك، وغيرها مهام أو أنشطة، قد يشعر فيها العسكري أحيانا بعدم الرغبة في الانجاز أو الاستمرار به، وأكثر منها قد يجد نفسه في أحيان أخرى عاجز عن تأدية ابسط المهام الروتينية التي اعتاد انجازها في الأيام العادية بدون جهد يذكر. 

2. تأسيسا على ما ورد في أعلاه نجد على سبيل المثال أن المُجهد غير آبه لوجود بندقيته في مكان غير مكانها الصحيح ولا يفكر في حملها، وغير مهتم بالمُعدة التي يمسكها سواء كانت تعمل أم لا، ولا يقوى على أداء الحركات الصحيحة لزيادة فاعليتها، كذلك لا يهتم لسيارة تأتي واخرى تروح وهو في نقطة تفتيش ، ولا لشخص قادم بالمواجهة وهو في واجب حراسة، وعموما فان الاجهاد يصنف نوعان:

أ. الاجهاد البدني

ذلك المستوى من التعب العضوي الذي يتسبب في عدم القدرة على تنفيذ المهام والاوامر المطلوبة بالشكل الصحيح، على الرغم من كونها ضمن القدرات الطبيعية له. وهذا اجهاد ينتج في الغالب من زيادة ضغط العمل عن الحدود المألوفة. ومع هذا فان التجارب تبين أن التعب المتواصل لفترة زمنية متواصلة "نقص الطاقة البدنية" الذي يفضي الى سلوك الوهن، وقلة التركيز، وبطء الاستجابة، يمكن السيطرة عليه من خلال التمتع بقدر من الاستراحة، أو اعادة تزويد الجسم بجرعات من الطاقة العضوية الاحتياطية المخزونة، عن طريق:

أولاً. الذات. عندما يتنبه العسكري المجهد عضويا الى الخطر القريب، ويحاول من نفسه استنفار جل طاقته البدنية للتعامل معه باقتدار كما تدرب في الاصل. 

ثانياً. الحث الخارجي. من خلال تدخل الآمر القريب (آمر الحضيرة/ المفرزة/ الفصيل)، وأحيانا من الزميل الموجود في نفس الموقف لحثه "العسكري" وتذكيره وتشجيعه على التنبه الى الخطر، بمستوى يساعده على أستنفار طاقته الاحتياطية. 

ب. الاجهاد النفسي 

 حالة عامة من الخمول، والكسل، وبطئ الاستجابة، تفضي الى عدم الرغبة وضعف القدرة على الانجاز، وتجنب الخوض وكذلك عدم المبادرة للقيام بأي عمل(3). وهو في البيئة العسكرية القتالية نوع من الأعياء، أو الوهن الذي لا يعرف المعنيين أسبابه، وان عبروا عن حصوله ووصفوا حالته.

مظاهر الاجهاد القتالي النفسي

1. ان ما يهم العسكر في قتالهم بالضد من الارهاب على وجه الخصوص هو النوع الثاني من الاجهاد، اي النفسي، لان النوع الاول يسهل تجاوزه بتقديم أستراحة بسيطة، تعيد العضلات المجهدة الى سابق جاهزيتها، أما الثاني الذي لا يدلل على وجود إجهاد جسدي، فأن علاجه، لا يأتي من الاستراحة، ولا من الاجازة، بل من جملة أجراءات، قبل الخوض في تفاصيلها لابد من الاشارة الى مظاهر الاجهاد القتالي التي تتمثل في الآتي:

أ. خمول عام، وكسل لا يقدم بحصوله المقاتل على القيام بفعل ما من نفسه، وان أُمر بالقيام به سيكون التنفيذ بطيئا، متلكئاً، وغير مكتملا.

ب. سرحان التفكير بأمور بعيدة عن مستلزمات الفعل العسكري المطلوب تأديته، اذ ينشغل العقل بأفكار بعيدة عنه في غالب الاحيان.

ج. هبوط المعنويات وتغير المزاج الى الاسوء، يكون فيه المقاتل كثير التشكي من الوضع الذي هو فيه، سريع الانفعال على من حوله.(4) 

د. الميل الى العزلة عن الجماعة التي يتواجد فيها، وعدم الاخذ بآراء اعضائها وان كان تنبيها عن أخطاء باتت تتكرر.

ه. ضعف الاداء، وتدني مستوى القدرة على التعاون والتنسيق مع الزملاء الآخرين. 

و. قلة التركيز على الامور المهمة، مما يجعل الذي يعاني من الاجهاد يعطي وقتا لتنفيذ المهمة المكلف بها أكثر من الوقت المحدد لها، وبكفاءة تقل أيضا عن المعتاد.

ز. أضطراب الوعي، بمستوى قد يقوم المعني بأعمال لا يفهم عواقبها، كذلك لا يدرك طبيعتها ولا الاخطار الناجمة عنها، ولا يعير اهتماما لتحذيرات الحيطة والحذر والمعلوات التي ترده عن العدو ونواياه القائمة.

ح. أختفاء الحماس الخاص بالعمل، وكذلك الخاص بحماية الوطن.

ط. صعوبة القيام بأكثر من نشاط في آن معا، فعندما يقوم أحدهم مُجهد بتفتيش ركاب سيارة مارة على سبيل المثال يركز على المواد المحرمة أو الممنوعة فقط، ولا ينتبه لاشارات يتبادلها ركاب مشبوهين، أو الى أصوات تنجم عن تحريك مادة من مكانها الى آخر، وفي حالات الاجهاد الشديدة، قد لا يتنبه الى أحد الركاب يغير مكان جلوسه، لتفادي تفتيشه وهو يحمل مواد خطرة.    

ي. يغلب الاهمال على سلوك المُجهد، فقيافته قد تصبح بالتدريج غير نظيفة أو غير نظامية، ولا يعتني بهندامه في غالب الاحيان. 

ك. نسيان بعض الاوامر والتوجيهات المطلوبة، خاصة المكتوبة منها، أذ وعندما يزود بقائمة اسماء أو ارقام سيارت، ويطلب منه التدقيق في مرورها عليه، قد ينسى المُجهد وجود قائمة بالاصل أو ينسى بعض المدرجين فيها. 

ل. ضعف القدرة على الربط المعلوماتي، المطلوبة لدى تنفيذ بعض المهام. مثلا عند تفتيش سيارة يحتاج القائم بالتفتيش الى الربط بين سلك يمر من تحت الكراسي بشكل غير مألوف، واحتمالات اتصاله بمفجر. أو عند الوقوف في نقطة سيطرة، ليلا يحتاج العسكري الواقف أن يربط بين وضعية سيارة تعطي اشارة ضياء متقطع تقترب منه بسرعة وشخصان قادمان أحدهم في الجانب الايمن من الشارع وآخر في الجانب الأيسر، يحمل كل منهما بيده شيئا غير واضح المعالم، وبين احتمالات القيام بمهاجمة النقطة. وهو ربط في حال أكتماله سيؤدي الى زيادة الانتباه والتهيؤ والتحذير لاتخاذ الاستجابة القتالية الملائمة. والعكس وارد جدا في حالات الاجهاد. 

م. غياب معطيات المنطق من التفكير الآني، وانحسار القدرة على اختيار البدائل. أذ يتصرف المُجهد أحيانا بشكل غير منطقي، لايحسب الاثر السلبي لتصرفه على نفسه ومجموعته والصالح العام، فقد يشك مثلا براكب سيارة نقل كبيرة، فيقوم بابقائها واقفة في منتصف الشارع، ويأمر بترجل كافة ركابها، فيتسبب بأزمة سير، دون ان يضع في حسابه بدائل ممكنة، كأن تكون ايقاف السيارة على جنب، والاستعانة بالزملاء لانهاء التفتيش بسرعة أو انزال الراكب المشبوه وحاجياته والسماح للسيارة بمواصلة المسير بعد تنبيه السائق بضرورة انزال حاجيات الراكب وغيرها، بدائل تغيب عن تفكيره غير المنطقي.   

 ن. تدهور المهارات بالنسبة الى العسكريين الذين يؤدون مهام فنية، مثل السياقة، الرمي، المخابرة وغيرها، بسبب عدم التوافق بين الجهاز الحركي والادراكي، مثل التنسيق بين العين والاطراف في بعض المهارات.

الاساب الرئيسية لحدوث الاجهاد القتالي النفسي

1. هناك أسباب عديدة لحدوث حالة الاجهاد يمكن تقسيمها نظريا الى قسمين:

أ. الاسباب العامة

تلك التي تتعلق بالوضع العام الذي يعيش فيه المقاتلون، ويؤدون تحت وطئته مهامهم العسكرية، مثل:

أولاً. ضغوط الحياة العامة، ومصاعبها التي يصل رذاذها المتطاير الى المقاتلين، فانقطاع الكهرباء المتكرر على سبيل المثال في البيت والثكنة العسكرية، يشكل ضغطا حياتيا يمتد تأثيره على الجميع، وحصول تفجير في مكان من بغداد أو في مدن العراق الاخرى يشكل ضغطا عاما، وهكذا ضغوط تتكرر وتتعدد اتجاهاتها تشكل أكثر الضغوط تأثيرا وانتاجا للاجهاد النفسي العام على المقاتليين والناس العاديين على حد سواء. 

ثانياً. الوضع السياسي وسط الشارع الذي يحرسه المقاتلون، والذي يلقي بضلاله عليهم وهم يؤدون واجباتهم. أذ يتاثر البعض منهم حتما بما يسمعوه ويشاهدوه، خاصة في ظل غياب جهات عسكرية، نفسية قادرة على مناقشة الخطأ وتصويبه لصالح الدولة التي يقاتلون من أجلها.

ثالثاً. الحرب النفسية، التي تنتشر وسائلها في محيط المقاتلين، بينها الاعلام العام الذي كثر في ظروف العراق الحالي، وتعددت توجهاته، وبات له داعمون في الخارج والداخل، بهدف التأثير سلبا على المقاتل وعزله عن دولته من خلال تشويه وتحوير الحقائق. وبينها الاشاعات التي باتت تتداور وتنتشر بشكل غير مسبوق. 

رابعاً. الوسط الشعبي. ان المقاتل موجود عادة بين المواطنين، يفتشهم، وينظم سيرهم، وقد يداهم ارهابيين وسطهم، يستعين بهم ويستعينون به، الامر الذي جعله يحتك ويختلط بهم بشكل لم يكن موجودا في باقي أنواع القتال، وهو نوع من الأختلاط يؤدي الى أن يتأثر المقاتل بما حوله من آراء ومواقف بعضها سلبية يحملها المواطنون البعيدون عن طبيعة المهمة التي يؤديها في موقعه.       

خامساً. وما دمنا بصصد تناول الاسباب العامة، لابد والحالة هذه من الاشارة الى وجود عوامل أخرى تساعد ولو بشكل غير مباشر على حصول الاجهاد مثل الضوضاء، والازدحام، ومؤثرات الطقس مثل الحرارة العالية، والغبار الشديد، وكذلك المطر الغزير.(5)      

ب. الاسباب المهنية 

تلك التي تتعلق بمجريات العمل القتالي بينها:

أولاً. التكرار الزائد عن الحدود الطبيعية للواجبات. اذ ان من الطبيعي أن يتحمل العسكري عملا ما لفترة زمنية محددة، وهي وان تختلف من عسكري الى آخر، الا انها مسألة قدرة تنطبق محدوديتها على الجميع، ومع هذه المحدودية، فهناك معدل وسط لمستوى التحمل لابد أن يعرفه العسكر عند تحديد المهام، فساعتين في الحراسة داخل نقطة سيطرة في شارع عام على سبيل المثال، مسألة تحمل وسط مقبولة، عليه تكون الاربعة ساعات المستمرة، تزيد عن الوسط بكثير، ولا يمكن أن يتحمل وقعها كافة الجنود، لانها تفوق قدرة الغالبية أي الوسط، وبالتالي سيسبب اللجوء اليها بشكل متكرر قدرا من الاجهاد وان جاء تحت بند الضرورة في بعض الاحيان. 

ثانياً. ضعف معايير الاهتمام. اذ أن اهمال المقاتلين، وعدم الالتفات اليهم والى مشاكلهم من قبل القيادات الاعلى ومن قبل الامرين، يجعلهم في وضع نفسي هش، قد يتقبلون فيه توجهات الحرب النفسية المعادية من ناحية، وقد تقربهم من حالة التسيب وعدم الاهتمام وكثر التفكير بالعوامل والاسباب التي تجهدهم نفسيا من ناحية ثانية. 

ثالثاً. التمييز في التعامل بين المنتسبين. أن الاشادة بمقاتل في موقف لا يستحق فيه الاشادة الصحيحة، سيضعف معنويات الآخرين، ويعرضهم الى الوقوف بالضد من صاحب الاشادة ولو فكريا، وتقديم اجازة الى مقاتل لا يستحقها تثير نفس ردود الفعل المعنوية السلبية، أما الاعفاء من الواجبات، والسماح بالنزول والاجازات الطويلة للبعض دون البعض الآخر، فهي الاكثر تأثيرا على الحالة النفسية لعموم المقاتلين. (6)

رابعاً. الفساد. ان الفساد بكافة أشكاله آفة تنهش في الجهاز العصبي للمقاتلين، وهم وأن لم يبدوا أهتماما في الظاهر الى بعض حالاته فأن الواقع يشير الى العكس من هذا، وهو وان كان تفضيل جندي على آخر على أساس القرابة، أو الحصول على مبلغ بسيط من المال لقاء منح اجازة أو ابتزاز مواطن في موقف معين، وغيرها أمور وان ينظر البعض الى بساطتها بالمقارنة مع أمور أخرى أكبر، لكنها من الناحية النفسية تصنف أعمال فساد، تؤثر سلبا على الحالة النفسية العامة للمقاتلين وتقربهم أكثر من حالة الاجهاد اذا ما توافرت معها عوامل أخرى مساعدة.

خامساً. ضعف مستويات التدريب. للانسان أي كان عسكري أم مدني، قدرة محددة على تحمل مستلزمات وأعباء الحياة بكافة أشكالها، والعسكريون بشكل عام يختلفون فيما بينهم لما يتعلق بالقدرة على التحمل، الامر الذي يدفع مراجعهم الى اخضاعهم لبرامج تدريبية خاصة برفع متوسط القدرات، بهدف جمع أكبر عدد منهم قريبا من هذا المستوى "المتوسط" لما يتعلق بخدمتهم سلما (الحراسة، التدريب، التكيف) أو في حالات الحرب (القتال)، لذا وعندما يكتمل التدريب بالشكل الصحيح يكون المنتسب قادرا على التنفيذ بالمستوى المطلوب، والاستجابة للضغوط بشكل ملائم يقترب من أن يكون آليا، أي لا اراديا، دون الحاجة الى استنزاف المزيد من الطاقته النفسية. علما أن التدريب الذي في محصلته اكساب الجندي مهارة التعامل مع الموقف بالشكل الصحيح والسريع، اذا لم يكتمل بالشكل الملائم والكافي، سيضطر المقاتل الى التفكير وربما التردد باي فعل يريد تنفيذه قبل الاقدام عليه سواء في استخدام السلاح أو المعدة التي بحوزته، وكثرة التفكير والتردد، واحيانا الحيرة، تسبب قدرا من التوتر الذي يعد من أهم العوامل المؤدية الى الاجهاد. 

 سادساً. المسافة النفسية بين الجندي وآمره. ان الآمر وعلى وفق المفهوم النفسي للقيادة يمثل سلطة الاب التي ينبغي أن تكون حاضرة وقريبة، وموجهة وداعمة، وناصحة، وقدوة في التضحية والالتزام، وعلى أساسها لابد وان يكون الآمر المباشر، خاصة آمر الفصيل قريب جدا من منتسبيه، يعرف اصولهم، ومناطقهم، وهواياتهم، ومعاناتهم، واذا لم يكن كذلك ستصبح المسافة النفسية المفترضة بينهه وبينهم بعيدة، لا يستطيع خلالها، وفي الظروف الصعبة على وجه الخصوص أن يكون مصدا للتأثيرات الجانبية التي تستهدف الحالة النفسية، هذا واذا ما أنتهت أو تصدعت المصدات فان الاجهاد سيكون قريبا جدا من المنتسبين.

الطاقة النفسية في حالات الاجهاد

1. عند التحدث عن الاجهاد لابد من الخوض في بعض تفاصيل الطاقة النفسية ذات الصلة المباشرة، بحصوله، وبكيفية التعامل مع وجوده، فهي من الناحية العلمية نشاط نفسي دافعي يُعَبئُ به العسكري ذاته بقدرة للتعامل مع واقع معين، وعلى هذا الاساس فانه يحتاج الطاقة المذكورة في كل خطوة من الخطوات التي يخطوها، فعندما يفكر بأي واجب سيكون بحاجة الى طاقة، وعندما يتقدم لتنفيذ مهمة يحتاج الى طاقة، وكم الطاقة المطلوب صرفه في مثل هذه المواقف وغيرها يعتمد على مقدار الصعوبة والشدة والخطورة الموجودة، فعند تنفيذ واجب الحراسة نهارا على سبيل المثال، سيحتاج الجندي الى كم من الطاقة يقل عن ذلك الذي يحتاجه ليلا. وفي حالات الزحام الشديد، تزداد الحاجة الى الطاقة مقارنة مع الحراسة في ظروف حركة اعتيادية، كذلك تكون الحاجة الى مزيد من الطاقة عندما يتم وضع الجنود في حالة الانذار القصوى، وأكثر منها عندما يدخلون في حالة قتال فعلي. 

2. ان مقدار الطاقة النفسية لدى العسكريين مختلف من واحد الى آخر، تبعا لعوامل الوراثة، وطبيعة الظروف التي مروا بها منذ ولادتهم وحتى دخولهم الموقف القتالي الذي يكونون فيه بحاجة الى أعلى مقدار منها. مثال عنها بسيط يتعلق بالحياة اليومية التي نرى فيها اشخاص يتمتعون بقدرة وحيوية نفسية عالية يقال عنهم انهم غير متعبين اي يتمتعون بقدر عال من الطاقة، وفي مقابلهم آخرين منهكين، يتذمرون، غير راضين، يقال عنهم أنهم متعبين في حياتهم اي لا يمتلكون قدرا كافيا من الطاقة.(7) 

انه مثالٌ أو وصف شعبي لمقادير الطاقة النفسية التي تكون وافرة عند الجماعة الاولى الذين لم يتعرضوا في حياتهم الى مواقف صعبة تكون قد بددت طاقتهم النفسية، بعكس المجموعة الثانية التي قد يكون اصحابها قد واجهوا مشاكل عيش وتعامل عائلي ومجتمعي سلبي استوجبت صرف الكثير من مخزون طاقتهم، وابقتهم بكم لا يكفي للتعامل مع الضغوط الموجودة، فنراهم على طول الخط متعبين، ينكسرون سريعا. 

هذا من جهة ومن جهة أخرى فأن مقدار المصروف من الطاقة في الموقف القتالي كذلك مختلف من عسكري الى آخر، فالجندي الذي يتمتع بمعنويات عالية، وثقة بالنفس عالية، وقد أتقن فن استخدام الارض والسلاح، سيكون في الموقف القتالي بحاجة الى طاقة نفسية أقل من زميله الذي يحس ضعفا في معنوياته، وارتباكا في حالته النفسية، وقلة معرفة باستخدام السلاح. وعلى هذا الاساس يؤكد المختصون في مجال التدريب النفسي العسكري على ضرورة تمرين عقول العسكريين لان تعمل بمعزل عن الأداء العضلي للجسم، أو بمعنى أدق محاولة الفصل بين الطاقة البدنية والطاقة النفسية، بقصد ايصال المقاتل الى مستوى السيطرة على طاقته النفسية في مواقف التعب العضلي، متجنبا الغضب والارتباك والقلق وفقدان السيطرة على الذات العصبية التي تستنزف الطاقة.   

اتجاهات التقليل من احتمالات الاجهاد القتالي النفسي

1. بضوء ما ورد أعلاه يتبين ان الاجهاد القتالي مسألة واردة، في كل الظروف والاوقات، وفي كل الحروب، وبكافة صفحات القتال، ولكافة منتسبي الجيوش، ومع هذا فان القادة والامرين يتعلمون كيفية التقليل من احتمالاتها اولا، وكيفية تجاوز حصولها والتقليل من أثر الحصول ثانيا. وأول شيء في سلم التقليل من الاحتمالات لابد ان يمر عبر المحافظة على كم الطاقة النفسية الموجود أصلا، وعلى الاحتياطي المخزون منها لتحمل الحاصل، والتعامل مع أي تطورات قد يستنزف حصولها الاحتياطي، متسببا حالة الاجهاد النفسي. 

2. ان المحافظة على الطاقة النفسية للمقاتلين في كافة الظروف والمواقف تأتي من خلال الآتي: 

أ. التدريب على التعامل مع المواقف القتالية المتوقع حدوثها. وعلى تحمل ضغوط التعب، وأكساب العسكري عادة التصرف الصحيح، مع وجود أعلى درجاته.  

ب. المحافظة على الحالة المعنوية للمقاتل، من خلال:

أولاً. تقدير وضع العسكري في تقديم خدمة وطنية مميزة، وجعله يحس بقيمة هذه الخدمة حد الافتخار بها أمام الاهل والاقران. 

ثانياً. الاشادة الجادة من قبل الآمرين تتابعا، بالجهد الذي يبذل في الموقع القتالي.

ثالثاً. منح الاجازات الدورية والاستراحات الآنية للمنتسبين بالتساوي. 

رابعاً. تقديم بعض التكريمات البسيطة بينها المعنوية، للمتميزين، خاصة في المناسبات الوطنية. 

خامساً. السلوك على أساس القدوة، أي أن يكون الآمر قدوة منتسبيه، في الالتزام، والاخلاص، والتضحية والنزاهة وغيرها أمور تجعل المنتسب يثق به وينفذ أوامره باستمرار. 

سادساً. زيارة الجندي في موقعه من قبل الاعلى بطريقة التفقد والتشجيع، وليس بطريقة الاخافة والتفتيش التي تخصص لها زيارات خاصة، على أن لا يخلط الزائر بين متطلب الحالتين. 

سابعاً. ايجاد مصادر ترفيه بسيطة تلائم الموقف العسكري والظروف السائدة، وكلما ساعد الوضع على ذلك.

ثامناً. تزويد المقاتلين بالمعلومات المناسبة عن عدوهم، واساليبه القتالية، لتقليل هامش المجهول والقلق والتوتر في داخلهم.  

ج. المحافظة على الصحة العامة، من خلال الآتي: 

أولاً. توفير قدر من الراحة كلما كان ذلك ممكنا. 

ثانياً. تقديم الغذاء المتوازن.

ثالثاً. الخضوع الى برامج رياضية تعيد للجسم لياقته مع اية فرصة ممكنة.

رابعاً. التدخل في قضية النوم الكافي والمناسب، اذ ان المعروف أن ساعة نوم عالية الجودة، كافية لاعطاء ساعتين نشاط جيد. 

د. تنظيم العمل والمهام، أي أن تكون الواجبات والمهام الروتينية منها على وجه الخصوص مبوبة ومثبنة مسبقا، مع الاخذ بالاعتبار عوامل التغير المفاجئ في الموقف، التي تتطلب مهام جديدة وطارئة، وفي حالتها يفضل التدريب المسبق على مثل هكذا تغييرات، مع ايجاد فرصة أفهام المنفذين عن طبيعتها واسباب اللجوء اليها.    

العائد المعنوي لتجنب الاجهاد القتالي النفسي

1. ان الآمرين الذين يستطيعون تجنيب منتسبيهم حالة الاجهاد من خلال المحافظة على الطاقة النفسية لهم، سيحصلون على حالة نفسية معنوية عالية تفضي في العموم الى تحقيق الآتي:  

آ. صمود أكثر في الموقع القتالي. أي البقاء وقبول الواقع المفروض، بمستوى أداء يقترب من ذاك الذي وصله أبان فترة التدريب. وهو قدر من البقاء يضمن للمنتسب مع مجموعته التفوق على العدو، وتفويت الفرصة عليه في أن يحقق أهدافه.

ب. القبول بالاوامر الصادرة، وتنفيذها بالشكل الصحيح. أن تنفيذ الاوامر وان كان من أهم الامور التي يتدرب عليها العسكريون في جوانب أكتساب الضبط، يبقى الاقتناع بالامر الصادر من الاعلى هو العامل المساعد الاهم في تكوين الدافعية الى التنفيذ،  خاصة في ظروف قتال يحتك في حالته العسكري المقاتل مع الأهالي في الشارع والمحلة.   

ج. الاقلال من توجهات التذمر والتشكي أثناء تأدية الواجب. اذ ان تذمر المنتسبين خلال تنفيذهم الواجبات التي يكون فيها المواطنون طرفا، وهم طرفها المقابل مسألة ذات تأثير سلبي ليس على ضعف الدقة اللازمة لتنفيذ الواجب، بل وكذلك على العلاقة العامة مع المواطنين اللذين يمكن أن يقفوا معهم معنويا (اشادة، تقبل، وتشجيع) في ظروف يحتاجون فيها الى المساعدة والدعم لتفادي حصول الاجهاد. 

د. التصرف بطريقة عقلانية نزيهة مع المواطنين، وبما يعطي صورة أيجابية عن الوحدة التي ينتسب اليها والقيادة التي يعود اليها والدولة التي ينتمي اليها، في ظروف باتت الحرب النفسية المعادية تركز على تشويهها لتفصل بين المقاتل ووحدته ووطنه، كي تتفرد به ببرامج كثرت في اجهزة الاعلام المتعددة، يسهم بعضها في حصول حالة الاجهاد.        

ه. تبادل المنتسبين الدعم والاسناد والتعاون مع بعضهم البعض في المواقف القتالية الصعبة، كذلك مع الآخرين من نفس الوحدة أو الوحدات الأخرى الذين يتعرضون الى مصاعب في مواقف قتالية يحتاجون فيها الى المعاونة، وهذا مهم في تحقيق نتائج ايجابية في قتال داخلي يحتاج الى اعلى درجات التعاون والاسناد.       

و. الدقة اللازمة في المهام المنجزة، تفوت على العدو فرص النفاذ لتحقيق أهدافه، باساليب الغش والمخاتلة واستغلال الخدر واللا ابالية. وبالتالي تقليل نسب الخروقات الامنية التي يسعى الى تحقيقها، والتي يشكل حصولها المتكرر عامل من عوامل الاجهاد النفسي.  

ز. الاخلاص في تنفيذ المهام المطلوبة. ان التعب المتكرر، وشدة الوهن، تقترن في الغالب بطاقة نفسية ضعيفة، ناتجها تسويف، وقلة اهتمام، تفتح ثغرات يريدها الارهابيون لتنفيذ مبتغاهم في الهدم والتدمير.

الخاتمة

1. الاجهاد حالة نفسية عامة، يصاب بها الانسان في حياته العامة، بسبب ضغوط الحياة، ويصاب بها المقاتلون، ابان خدمتهم العسكرية، تزداد تكراراتها وشدتها في أوقات الازمات والحروب وعند التهيؤ لها، لايمكن ان يسلم من حصولها جيش من الجيوش في عالم اليوم وفي الازمنة السابقة، لكن تأثيراتها على الاداء مختلفة من جيش الى آخر، فالجيوش المدربة جيدا على استخدام السلاح، وعلى تحمل ضغوط الحرب، تقل فيها نسب الاصابة بالاجهاد، ويقل تأثيرها على الاداء العام، كذلك فان الجيوش التي تحسن ادارة منتسبيها معنويا، وتتجه الى تحصينهم نفسيا من توجهات الحرب النفسية المعادية، تقل فيها نسب الاصابة بالاجهاد القتالي. والعكس من هذا وارد، اذ ان اهمال المنتسب، وعدم اعارة مشاعره الاهتمام والتفريق بين الواحد والآخر، وتعالي القادة والآمرين، وابتعاد الجمهور عن عسكره، والدولة عن جيشها سيزيد من احتمالات الاصابة، ومن تأثيرها على الاداء العام.

2. في ظروف مثل التي تحصل في العراق حيث التداخل بين المهام، والاقتراب المختلط بين العسكري والمواطن، وطبيعة القتال في الشارع والمحلة، وحالة الجيش الذي يعاد تشكيله من جديد، باهداف وطنية جديدة، واسلحة جديدة، وعدو من نوع خاص، سيكون الضغط الاكبر على المقاتل في الميدان، وسيكون العبئ الاكبر على تجنيبه الاصابة بالاجهاد او التخفيف من تأثيراتها عى الآمر المباشر، بمستوى الحضيرة والفصيل، ومن بعدهما السرية، باعتبارهم الاقرب الى مكانه والاقدر على التأثير في مشاعره وقناعاته وآراءه التي تشكل دفاعات نفسية بالضد من احتمالات الاصابة في أحيان ليست قليلة. 

                                                                                                                          2/12/2012 

 

المصادر

1. محمد عاطف السعيد (1962) الشخصية العسكرية. 

2. حالات التعب في الميدان، البصائر، العدد 3، 1988، اصدار مديرية البحوث والخدمات النفسية، بغداد. وزارة الدفاع.  

3. ابراهيم، عبد الستار(1994) العلاج النفسي السلوكي المعرفي الحديث، دار الفجر للنشر والتوزيع، القاهرة.  

4. سعد العبيدي(2010) المعنويات في الميدان، بغداد، مطبعة الرشيد. 

5. أحمد عكاشة (1969) الطب النفسي المعاصر، القاهرة، الانجلو المصرية.

6. جيلفور. ج.ب (1990) ميادين علم النفس النظرية والتطبيقية.(ترجمة تحت اشراف يوسف مراد، القاهرة: الانجلو، دار المعارف).  

7. صلاح مخيمر(1957) المدخل الى الصحة النفسية، الانجلو المصرية، القاهرة.