ملاحظات في قتال المدن


1. عـــام 

كانت تصميمات المدن تقتصر على حمايتها من الغزاة، فانتشرت المباني المحاطة بالجدران والبوابات في أنحاء العالم القديم. بينما ينصب الاهتمام الآن على انسيابية الحركة، وعند التفكير بالأمن يصار إلى حماية المواطن، والمنشآت الحيوية من الداخل لذا تتضافر الجهود لتطوير طرق لمراقبة المداخل العامة للمناطق السكنية، والمباني الحكومية، والمصارف، والشركات الكبرى، والمصانع، هذا وإن عمليات المراقبة لا تقتصر على  الجانب الحمايوي فقط إذ إن الحاجة لها ستكون ضرورية عند التفكير بمهاجمة مسلحين متحصنين في الأحياء أو في بعض العمارات والدور السكنية.


2. هندسة المراقبة 

دأبت المدن على مراقبة سكانها بتقليل المداخل، وتوجيه الحركة عبر ممرات معينة، ووضع ثكنات الجيش ومراكز الشرطة في المناطق الحساسة، وجمع المعلومات الاستخبارية عن المجرمين وعناصر المعارضة، وتوجيه السلوك العام بسن القوانين، والإرشاد الديني والتعليم، وعزل الطبقات الاجتماعية والأعمال التجارية التي تسبب المشاكل في أحياء معينة، ومراقبة الحركة داخل الأحياء، والمراكز المهمة وخارجها، وتطبيق نظام الثواب والعقاب على المواطنين، ومع ذلك فإن الدولة أو سلطاتها المدنية تحتاج إلى القوات العسكرية لفرض النظام في بعض الأحيان، مما أستوجب أن لا يكون المعنيين بها أو قادتها بعيدين عن تطورات التقنية الحديثة وتصميماتها في مراقبة المدن وتخطيطها، هذا ويقصد بهندسة المراقبة:

أ. الاستخدام السليم للأرض، والطبيعة، والمباني، والتصميمات، والتقنية للحدّ من الدخول إلى المديمة والخروج منها.

ب. إنسيابية وتوجيه الحركة.

ج. التفريق بين المجموعات التي يمكن أن تخل بالأمن واحتوائها، أو منع الدخول إلى المباني الحيوية، ومراكز المدن، والمواقع الصناعية، والسكنية.

وبينما تبدو هندسة المراقبة ظاهرياً وكأنها من أجل تحسين الدخول إلى منطقة ما، فإنها في واقع الأمر تعين عناصر الأمن لمراقبة الدخول أو منعه عند الحاجة لذا يؤكد العسكريين في هندسة المراقبة على ضرورة أن تتضمن المطارات، والسجون، والمباني الحكومية، والسفارات، والمواقع الصناعية والتجارية الكبرى أبراج مراقبة، ومعدات تصوير.


3. اقتحام المدن  

إن التحضير للاستيلاء على المدن أو بعض مناطقها الحيوية أو دور في داخلها يتطلب:

أ. جهدا  كبيرا لتقنية المراقبة.

ب. تحركا عسكريا لقوة مؤلفة من عناصر اقتحام، وحماية، وإسناد، وقيادة واحتياط.

ج. تبديلا مبرمجا لقوة الاقتحام بسبب البطء الذي يصاحب في العادة مثل هكذا عمليات، لأنها تسبب كثيرا من الإجهاد عليه ينصح بإجراء التبديل بعد 8 ـ 10 ساعات قتال لأن الجنود المرهقين عادة ما يرتكبون أخطاء قد تكون قاتلة أحياناً.

د. إسناد إداري سريع، وآمن، ورعاية طبية، مناسبة للأفراد المدنيين الذين يتم إخلاؤهم، واستجوابهم لاستخلاص المعلومات المطلوبة، وفحصهم للتأكّد من عدم تسلل القوات المعادية بين المدنيين الذين يتم إطلاق سراحهم.

هـ. مراقبة متواصلة للجمهور، مع منع وسائل الإعلام من تخطِّي خطوط القتال.

و. عون مباشر من الزعماء السياسيين المحليين، وأعيان المدينة، والسلطات المدنية.

ز. جهد استخباري يسبق العملية، وخلالها وما بعدها.

ح. دعم نفسي معنوي لقوة الاقتحام وللمدنيين، وبالضد من الإرهابيين.

ط. وتتطلب عملية الاقتحام أيضا:

أولا. تحديد منطقة تجمّع، ومركز عمليات تعبوي.

ثانيا. خطوط اتصال آمنة بين المركز التعبوي ومنطقة التحشد لغرض العمليات.

ومثل هذه القوات ينبغي أن تزود بالدروع الواقية والأسلحة المناسبة، وأن تكون في أفضل حالات اللياقة البدنية.

ي. الأخذ بالاعتبار بعض المشاكل الناجمة عن ارتداد الذخائر ذات السرعة العالية وما تسببه من مخاطر على المدنيين والجنود الموجودين في القرب.

ك. استخدام ذخائر مغطاة بمطاط، ومواد مهيجة عند الالتحام بوجود سكان مدنيين يخشى من إصابتهم عرضا.

هذا وتشكّل الاتصالات معضلة في قتال المدن ذات المباني العالية التي تعيق الإرسال اللاسلكي، لذا يتطلب مدّ خطوط اتصالات أرضية، على الرغم من أن قوة الاقتحام لا ترغب عادة أن تبقي أسلاك خلفها لذا يكون الهاتف الخلوي أو اتصالات الأقمار الصناعية من بين أهم الحلول.

ل. ولتجنّب حوادث القتل بنيران صديقة، ينبغي أن تتألّف قوة الاقتحام من أفراد تلقّوا تدريبات مع بعضهم البعض، وتعرفوا على زملائهم جيداً لأن الإشارات وكلمات السر قد لا تجدي نفعا أو لا تعوض عن التعرّف الشخصي الذي قد يحول دون حدوث مأساة.

م. يجب فرز قوة لأغراض مراقبة الحركة بين المناطق السكنية، والهدف المطلوب أو عزلها وتحويل مسار الحركة أو إيقافه عن طريق الحواجز وتضييق الممرات.

ن. في مثل هكذا أنواع من القتال تكون المراقبة، ومتابعة الأنشطة التي يقوم بها الناس وحركتهم، وتحديد أماكن تواجدهم طوال اليوم ، ومن ثم احتوائهم مسألة مهمة تقوم بها الاستخبارات.  

ن. بعد احتلال الهدف ينبغي وضع قناصين في المنطقة، ونظراً لضعف تجهيزات المتحصنين في الأحياء السكنية والبنايات في المدن، وعدم امتلاكهم أسلحة مضادة للدبابات ذات فاعلية عالية على الأغلب فيمكن لقوة الاقتحام المحمولة على الآليات المدرعة اجتياز الأماكن المكشوفة حول المدينة للوصول إلى منافذها القريبة من الهدف، وعادة ما يكون مركز المدينة هو الأهم ومتى ما يجري تأمينه يمكن لقوة الاقتحام الاستيلاء على المناطق الأخرى بكلفة أقل.

 

4. التعامل مع المناطق الحصينة 

تشكّل المراكز التجارية، والسجون، والمطارات، ومصافي البترول، والمباني الحكومية الأخرى مشاكل للقوات المهاجمة، بسبب كبر حجمها واعتباراها من البنى التحتية التي ينبغي المحافظة عليها، ورغم أن أياً من هذه المباني قد يكون هدفاً عسكرياً، وأصعبها تلك المباني متعددة الطوابق، والمحصّنة جيداً.

هذا وينبغي أقتحام مثل تلك المباني دون اللجوء إلى استخدام النيران المباشرة أو الذخيرة شديدة الانفجار، وعادة ما تتم محاصرة المباني الحصينة حتى يتيقن القائد / الآمر من الظروف المواتية للاقتحام، ويأخذ بالاعتبار المدنيين غير المقاتلين المتواجدين فيها والتي تفرض قواعد القتال فيها تقليل الأضرار إلى الحد الأدنى أثناء الهجوم، وإذ كان المبنى المطلوب اقتحامه يتكون من عدة طوابق فسيكون الاقتحام على أربع مراحل هي.

أ. التحضير وعزل المنطقة المستهدفة.

وتكتسب عمليات الاستطلاع، والاستخبارات أهمية بالغة لتأمين الوضع المثالي في العزل والسيطرة أي توجيه مسار الحركة، وتوفير  مخططات المباني، ومراكز الحراسة، والمواقع الحساسة والمهمة ولابد من التحكم في المنطقة المحيطة لمنع وصول التعزيزات، وللحيلولة دون الحصول على الاستخبارات.

ب. دخول المبنى المستهدف.

لا ينبغي الاقتحام من المداخل العادية جهد الإمكان، لأن الإرهابيين واضعين في حساباتهم التحكم بها ومنع الدخول.

ج. تنفيذ الأعمال داخل المدن .

التحرك بسرعة، وبمجاميع صغيرة لمسك النقاط المهمة، ومراكز القيادة والسيطرة، والانتقال إلى متابعة فلول المسلحين، وتعيين نقاط للدفاع أثناء عملية المتابعة، والتمشيط لتفويت الفرصة على العدو من القيام بالعزل وقطع الاتصال.

د. الأعمال اللاحقة.

حالما ينهي القائد مهمته عليه أن يقوم بخطوات أخرى إذ وبجانب الأعمال الروتينية، من تعامل مع الأسرى والجرحى، وتأمين المنطقة، يتعيّن عليه المساعدة في نقل الوثائق والمواد، وإعادة السيطرة على المناطق القريبة ومن ثم التنسيق مع السلطات المحلية، وتثبيت أسس حماية وتأمين لبعض الوقت، لأن العدو قد يحاول القيام بهجمات مضادة.

قد لا تقتصر المهمة على استعادة هدف واحد لذا ينبغي التحسب لأهداف أخرى بالتتابع  الأمر الذي يفرض على قائد الوحدة فهم خريطة المدينة وطبيعتها، وعلاقة المسلحين مع أهاليها وغيرها معلومات تعينه على تثبيت النتيجة المتحققة من القتال. 


5. الخاتمة 

إن قتال المدن وفي ظروف التعامل مع إرهابيين ومسلحين مناوئين، وأفراد عصابات يبقى من أعقد أنواع القتال الذي يحتاج إلى:

أ. كفاءة بدنية جيدة.

ب.معنويات عالية.

ج.تفهم لظروف السكان المحليين.

د.أجهزة رصد ومتابعة واتصال متطورة.

هـ.عمل نفسي متواصل لدعم السكان المدنيين، وتقليل من دافعية المسلحين الإرهابيين في معركة تعد المطاولة من بين أهم عوامل نجاحها.  


دمشق   28/8/2007