مفاهيم داّرجة عن الحرب والقتال بعد أنتهاء الحرب الباردة


عـــــام 

1. أنتهت الحرب الباردة بشكلها التقليدي صراع بين قطبين يمتلكان نفوذ واسع في مختلف بقاع الأرض، ويتوازنان في القدرة على التدمير بحدود ليست قليلة بعد أن خرج الأتحاد السوفيتي أحد قطبيها إثر تفتته سياسا، ومن بعد أنتهائها برز النظام الدولي الجديد برعاية الولايات المتحدة الأمريكية القطب الثاني وبخصائص إستراتيجية عدة، يُعَولُ فيها على الجهد العسكري الدولي المشترك عاملا حاسما في السيطرة وفض الصراعات في الطريق إلى تجسيد هذا النظام أسلوبا وفلسفة لإدارة الصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة، وهو تعويل أو تحول يفترض أن يكون فيه للأمم المتحدة دور جديد في شن الحروب وقيادة جوشها يبعدها عن السيطرة التقليدية لدول دائمة العضوية في مجلس الأمن حتى بات شكل الحروب مختلفا كما يعتقد المختصون أو بعضهم، وكذلك حشد القوات ونوع الأهداف، فضلاً عن التهيئة والتحضير السياسي والنفسي لها وإلى مستوى أصبحت فيه الأهداف العامة لحروب اليوم تحدد بطرقة تكاد تكون أسبابها غريبة نوعما أو غير مطروقة في المجالات السياسية والعسكرية سابقا، مثل الحروب:

أ. ضد الإرهاب.

ب. لإيقاف تطوّر أسلحة الدمار الشامل.

ج. لتحقيق العقوبات الاقتصادية.

د. ضد العرقية والعصبية.

هـ. لمساعدة الأقليات في الحصول على أهدافها في تحقيق المصير.

و. حروب الطاقة.

2. وعلى الرغم من هذا التحول وأختلاف شكل الحروب بقيت بعض المفاهيم عن سياقاتها وأعمالها دارجة دون تغير فلسفي على أقل تقدير، وفي هذه الورقة لا يسع المجال إلى تناول جميع المفاهيم المتداولة عن الحرب ومفردات القتال التي يرد ذكرها كثيرا في سياقات هذا التحول العالمي، وبدلا منها سوف نتناول مصطلح:

أ. الضربة العسكرية الذي جرت العادة على أستخدامه من قبل السياسيين والإعلاميين في إشارة ضمنية لشن عمل عسكري ضد دولة أو مجموعة دول متجاورة جغرافياً.

ب. العملية العسكرية الذي يستخدمه المتخصصون العسكريون في الغالب للتعبير عن ذات المعنى الذي يقصده السياسيون للضربة العسكرية.

3. إن النظر إلى موضوع التداول المفاهيمي لبعض المصطلحات بينها الضربة العسكرية من وجهة النظر العلمية تبين أن تغيرا قد طرأ في النظر إليها من حيث شمولية الأستخدام إذ بات التصور الذي حاول منظرو النظام الدولي الجديد تعزيزه على أرض الواقع يأتي منسجما مع وجهة نظرهم عن الحرب التي يريدونها معبرة عن الأعمال العسكرية التي تنفذها عدة جيوش من دول مختلفة بقيادة عليا موحدة وأهداف ميدانية متفردة مثل:

أ. العمليات التي قام بها حلف شمال الأطلسي ضد الصرب عام 1995.

ب. الحرب التي شنت ضد العراق عام 1990-1991 لأخراج صدام حسين من الكويت.

ج. الحرب ضد طالبان في أفغانستان عام 2001 لضرب تنظيم القاعدة.

د. الحرب ثانية في العراق عام 2003 لأسقاط نظام صدام حسين.

وغيرها حروب باتت المشاركة الدولية فيها واضحة منذ نهاية الحرب الباردة حتى وقتنا الراهن.

 

العملية العسكرية

4. إن العملية العسكرية قد تكون إستراتيجية " على مستوى القوات المسلّحة غالباً" وقد تكون تعبوية.

والأستراتيجية منها تتكون من عملية واحدة أو عمليتين، يمكن أن تكونا في اتجاه واحد، ولكلٍ منهما محور هجومي محدد، بحيث يكون مجموع مواجهة المحورين مساوياً للمواجهة الكلية للقوات المسلحة، كما يمكن في هذه الحالة أن يكون عمق العملية الواحدة مساوياً لعمق العملية الإستراتيجية للقوات المسلحة.

وقد تكون العمليات متتابعة، أي تتم الأولى لتحقيق المهمة المباشرة للقوات المسلحة، في حين تدفع الثانية لاستكمال المهمة العامة، ويطلق عليها المهمة النهائية للقوات المسلحة. وضمن هذا المفهوم الشامل للعملية العسكرية يمكن أن تكون بطبيعة الحال عمليات عسكرية برية، وعمليات جوية وبحرية مستقلة، وقد تكون العملية مدعومة بقوات بحرية أو برية صغيرة نسبياً بحسب طبيعة المهام الموضوعة لها، وفي مجالها يقدم التاريخ العسكري أمثلة جيدة عن عمليات عسكرية مستقلة للقوات الرئيسة، منها على سبيل المثال:

أ. هجوم سلاح الجو الياباني على الأسطول الأمريكي في بريل هاربر عام في الحرب العالمية الثانية.  

ب. العمليات العسكرية الجوية التي قام بها حلف شمال الأطلسي في كوسوفو ضد الصرب عام 1995.

ج. عملية الإنزال البحري الأمريكي على سواحل (مقديشو) في الصومال عام 1997.

أما التعبوية منها فتعبر عن واقعة (كما يجري تسميتها في بعض الجيوش العربية) أو أكثر، بحسب سير العمليات والمعارك وأعمال القتال، وتتألف الواقعة من عدة معارك، والمعركة من عدة أعمال قتال.

والواقعة أكبر من المعركة، وأصغر من العملية العسكرية، مثل قيام قائد الفيلق أو الجيش بدفع فرقة الأحتياط المدعومة لتطوير هجوم حققت فيه فرق النسق الأول مهامها المحددة، أو معالجة أهداف ظهرت فجأة عندها يمكن أن تطلق تسمية الواقعة على مجمل أعماله القتالية في صفحتي الهجوم.


الضربة العسكرية 

5. تعتبر الضربة أحد المكونات الرئيسة للعملية العسكرية، سواء الإستراتيجية منها أو التعبوية، أو العملياتية ، وقد تحتوي العملية على ضربة، أو اثنتين، أو أكثر، تبعا لتقدير الموقف والقرار المتخذ، على هذا الأساس تعد الضربة مزيجا من الحركة والنيران التي تلزم بأن تكون القوات المخصصة لها أو القائمة بتنفيذ الهجوم في حالتها تمتلك قابلية وديمومة التحرك من مكان إلى آخر، لتحسين أوضاعها الهجومية طوليا، وعرضيا، وقوة نيران كافية.

ومع هذا يرى القادة العسكريون أن عملية الأستحواذ على أرض العدو لا تكفِ وحدها لتحقيق مهام وأهداف الضربة وكذا العملية العسكرية، لأن تركه أي العدو بدون التدمير اللازم بالنيران سيفسح المجال أمام قواته للقيام بأعمال المناورة التي تهيئها لمعاودة المواجهة في العمق، من هذا يؤكدون على ضرورة التوازن بين المناورة وقضم الأرض والنيران لضمان النجاح المطلوب.

كما يعتقد أولئك القادة أن سرعة الوصول إلى عمق العدو بالتعاون مع الضربات الأخرى مهمة جدا إذ يمكن أن توقعه في حالة التفكك أو التطويق، ومن ثم تسهل تنفيذ المهام المحددة للعملية العسكرية.

6. إن الضربة التي تعد أحد مكونات العملية العسكرية كما مبين آنفا قد تكون جبهوية تفرضها عوامل عدة بينها:

أ. طبيعة مسرح العمليات والأرض.

ب. قلة المرونة في أمكانية توجيهها من أحد الأجناب، أو من كليهما معاً.

وفي حالتها تكون مواجهة العدو هي الأصلح للهجوم، ويكون فيها ظهور متبادل فيما بينها وبين بعضها، ولعل أقرب مثال ونموذج عن تطبيق ذلك هو ما حدث في حرب أكتوبر عام 1973 حيث العبور المعروف لقوات الجيش المصري إلى الضفة المقابلة لقناة السويس بعد أن امتلك الجيش الإسرائيلي خطوط دفاعية متصلة وحصينة على طول المواجهة بحدود (160) كلم مما أجبر المصريين على تنفيذ الضربات جميعاً بالمواجهة على طول الجبهة. 

7. والضربة قد تكون على الجنب أو الأجناب وتنفيذها يمكن أن يؤمن:

أ. أفضلية جيدة في المناورة والتعاون مع القوات القائمة بالضربة الأمامية.

ب. قدر كبير من المفاجأة.

ج. تقييد الطرف المقابل في مجال المناورة.

د. دفع العدو إلى مناطق قتل مدبَّرة.

وعموماً فإن ضربات الجنب لها مسميات عديدة ومهام متنوعة وأعماق مختلفة، بشرط أن تتعاون فيما بينها إذا كانت الفكرة مبنية على ذلك، أو فيما بينها وبين قوات الضربة الأمامية لتحقيق أفضل النتائج وأسرعها.

8. وفي هذا المجال يصنف العسسكريون الضربات إلى:

أ. ضربات مضادة تعبر عن الأعمال التي يقوم بها المُدافع لتدمير العدو الذي نجح بأختراق دفاعاته بعد إيقافه وحصاره.

ب. ضربات مسبقة أو ما يُطلق عليها الاستباقية أحياناً والتي تشن عادة على العدو في ميدان العمليات بعد ما يجهّز نفسه تماماً للأعمال التعرّضية، بحيث يمكن للضربة الأستباقية في هذه الحالة أن تحبط العملية الهجومية تماماً، أو جزئياً، أو تؤخرها.

ج. ضربات وقائية مثل سابقتها تشن على العدو قبل ما يقوم بأعماله التعرضية، مع فارق واحد يتعلق بشنها في غير أوقات الحرب بهدف إحباط نية العدو في شن الحرب مستقبلاً، أي أنها يمكن أن تتم في السلم قبل تنفيذ النوايا المحتملة للهجوم، وقد تتم في غضون عدة أشهر أو عدة سنوات، وأفضل مثال عنها ضربة مفاعل تموز النووي العراقي عام 1981 من قبل الطيران الأسرائيلي.


عناصر ومكونات الضربة

9. إن عناصر ومكونات الضربة من حيث طبيعتها وليس من جانب الحجم العام للقوات المشتركة فيها هي:

أ. المناورة

ب. النيران

وهما عنصران ينبغي أن يتحدان في صلب الضربة لتنفيذ هدف واحد ومهمة واحدة، ويشترط في استخدامهما تحقيق التوازن العام فيما بين قوة تأثيرهما بحيث لا يتفوق إحد منهما على الثاني إلاّ في حدود ضيقة قد تخدم تطوُّر الموقف في ميدان المعركة، إذ أن المعركة تبدأ عادة بالنيران وتنتهي بها، بينما تتخللها المناورة في كل خطواتها المتخذة، ومع ذلك أو مع تيسر العنصرين المذكورين تبقى القدرات الأبداعية والفنية للقادة ومهاراتهم في حسن أستخدامهما والتوازن في الأستخدام العامل الحاسم في تحقيق النجاح للضربة العسكرية وتأمين النصر، عليه يمكن الجزم في إطارها أنه وإذا ما وضع عدداً من القادة تحت الظروف نفسها من حيث الأرض والقوات والنيران، فإن النتائج ستكون بطبيعة الحال مختلفة في كثير من الأحيان، لأن تلك النتائج لا تعتمد فقط على مدى أستيعاب العلوم العسكرية وقوانين مهنة الميدان، بل وكذلك على الخصائص والفروق الفردية ذات الصلة بفن قيادة الرجال وسبل استنفار قدراتهم في الظروف الصعبة، وهذا ما يفسر كيف ينجح قادة ويفشل آخرون، أو كيف ينجح قادة أكثر من غيرهم.

10. لقد أضافت المناورة بعداً جديداً في مفهوم مضاعفة القوة، وهو الأمر الذي يمكن تكراره في عملية عسكرية واحدة من خلال استخدام وحدات محمولة جوا، وقوات المظليين، والقوات الخاصة، ووسائل نقل حديثة، وعادة ما تتم المناورة بهدف النقل المنظّم لأعمال القتال من مكان إلى آخر لتحقيق أفضل فائدة ممكنة من خصائصها التعبوية والفنية، أي أنها تعتبر أسلوب اقتراب غير مباشر وسريع من أهداف وتجمعات العدو المتمركزة في عمق الدفاعات، كما أنها تجري بغرض مواجهة النقص، أو الخلل المفاجئ في حجم القوات، والتغيُّر الحاد في الموقف العملياتي في المسرح، وعموماً فإن المناورة هي الآلية الوحيدة التي تمكِّن القائد من:

أ. الوصول إلى أجناب ومؤخرة العدو.

ب. حرمان العدو من التفكير المنظّم للقيام بمواجهة.

ج. منع العدو من القيام بعمليات إعادة التنظيم بقصد مواجهة إحتمالات التغير في الموقف الذي تفرضه المناورة.

11. إن المناورة عمل عسكري دقيق تتم عادة باسلوب:

أ. الألتفاف على أجناب ومؤخرة العدو في تعاون نيراني وتعبوي مع القوات العاملة في المواجهة، بمعنى أن تكون الأسلحة الموجودة لدى الطرفين قادرة على الوصول لعمق الطرف الآخر.

ب. التطويق أي الإتفاف الأكثر عمقاً، ويمكن لعمليات التطويق أن تقوم بالكثير بشرط توفُّر القائد المبدع لقيادة عملية تطويق قادرة على ضرب الأنساق الثانية وحرمانها من القيام بالضربات المضادة التي يمكنها أن تحسم العملية، كما يمكنها فصل وتجزئة هذه الأنساق عن بعضها.

ج. المجابهة أو ما تسمى بالمناورة الأمامية التي تتم من خلال عمليات قوامها:

أولا. الاختراق.

ثانيا. التسلل أي التحرك المستتر للقوات.

ثالثا. القتال التعطيلي الذي يتم أمام الدفاعات.

رابعا. الارتداد  أي التخلص طواعية من موقف غير مناسب لأتخاذ أوضاع أفضل يمكن أن تتيح للقوات حرية العمل فيما بعد، والإرتداد عملية عسكرية كاملة الأركان من حيث التحضير، والتنظيم، والإدارة.


علاقة الضربة بالعملية العسكرية والحرب

12. الحرب بطبيعتها الشاملة جانب من جوانب الصراع الذي تستخدم فيه القوة لتأمين الأهداف، وهو الجانب الذي لا تتحمل القوات المسلحة وحدها مسئولية الإعداد لتنفيذه بل ويشترك  معها الاقتصاد بكل أعمدته، والشعب بكافة طبقاته، والسياسة بكل مستوياتها، ومؤسسات الدولة جميعها بطريقة تدعم القوات المسلحة في تنفيذها مهمة الحرب ميدانيا، ولأن العسكر يتبعون السياسة بمعنى أن السياسة والإستراتيجية العامة للدولة هي التي تقرر اللجوء إلى أستخدامهم أداة لإدارة الصراع عندما تفشل أدواتها الأخرى في تحقيق الغاية، على هذا الأساس وجدت فروق فنية على الأغلب بين مفهوم العملية العسكرية من جهة والحرب من جهة أخرى قوامها:

أ. أن العملية العسكرية الأستراتيجية على وجه الخصوص تقودها القوات المسلحة في اتجاه واحد لا تستخدم فيه كل قدراتها وأمكانياتها المتاحة، هذا وقد تتكون العملية العسكرية الإستراتيجية من عدة عمليات تعبوية تبعا لعوامل تتعلق في معظمها بمسرح العمليات، وطبيعة الأرض، وعدد الأهداف الحيوية الهامة، وتأتي الضربة بطبيعة الحال كجزء منها سواء كانت تعبوية أو أستراتيجية.

ب. الحرب جهد شامل للدولة يقوده القائد الأعلى للقوات المسلحة من خلال القيادة العامة أو المجلس الأعلى للحرب كما تسميه بعض الدول تبعا لدستور لها يعطي هذا المجلس أو القيادة السلطة الأعلى في البلاد على الأغلب، وقد تشتمل الحرب على عدة مسارح عمليات يُطلق عليها جميعاً ساحة الحرب التي تشترك فيها دولة واحدة وفي النظام الدولي الجديد مجموعة دول متحالفة أو متعاونة، صديقة أو شقيقة.  


الخاتمة

11. لقد مر العالم عبر تاريخه الطويل بتحولات عدة بقيت فيها الحروب مجالا لفض الصراعات باستخدام القوة، وبقيت فيها العديد من المبادئ والمفاهيم كما هي منذ التنظير الأول لوقائعها وبقيت في مراحلها المتعددة مفاهيم ومصطلحات عسكرية دارجة بمعانيها الواردة مع تغير بسيط في الشكل وليس المضمون، وهذا واقع يتطلب من المختصين والباحثين العسكرين إجراء المراجعات العامة للمصطلحات والمفاهيم المستخدمة لتعديل بعض تعريفاتها وبما ينسجم واي تحول يجري في شكل الحروب والأسلحة المستخدمة فيها. 

12. إن كل التعريفات وأسس القتال المذكورة تبقي حقيقة الدور الريادي للقادة والمفكرين العسكريين في صياغة معاني المفاهيم والمصطلحات لكل مرحلة زمنية لأنهم يعيشون تجربتها ميدانيا ويتابعون تطوراتها عمليا، وهذا واقع ينبغي أخذه كثيرا بنظر الأعتبار في عراق يتحول جذريا من الديكتاتورية إلى الديمقراطية وفي جيش له يعاد تسليحه وأساليب قتاله وأهدافه للقتال مما يلقي الكثير من الأعباء على قادته في إعادة صياغة الكثير من المفاهيم والمصطلحات التي كانت دارجة لمرحلة زمنية أنتهت وأخرى قد بدأت بداية تحتاج إلى الكثير من التضحية والجهد المبذول.

      


لندن  20/9/2007