مستقبل الديمـقراطية في العراق بين النظرة الشمولية والتصور المستقبلي


تمهيد

تعد مرحلة الاستقلال الوطني وتأسيس الدولة العراقية مطلع العشرينات من هـذا القـرن بدايـة التحديث، أو العصرنة لمنطقتنا العربية بعد التخلف الفكري والسياسي، واتجاهات التفكك والاستغـلال التي كُرست لعشرات السنين من قبل الدولة العثمانية، و تسببت في عدم التمكن من اللحاق بعالم آخر صحا على الثورة الصناعية والفكرية متعددة الجوانب. الأمر الذي إنعكس سلبا على موضوع الديمقراطية في المجتمع العراقي، والمجتمعات الأخرى القريبة التي لم تتطور معطياتها، أو بالمعنى الأكثر وضوحا لم يجرِ التوسع في تطبيقاتها بما يتواءم ومقتضيات العصر بسبب بساطة المؤسسات ذات الصلة بتطبيقاتها، وعدم قدرتها على وضع الصيغ الواضحة، أو الملائمة  لمجتمع يعي الحاجة الماسة إليها، مضافا إلى ذلك متغيرات الحرب العالمية الأولى، واتجاهات السيطرة ومد النفوذ، وانعكاساتها السلبية على المنطقة العربية بوجه خاص والمتمثلة:  بالتقسيم، والانتداب، وتشكيل صيغ الحكم التسلطية التابعة وغيرها. رغم أن تلك الحرب من زوايا أخرى قد سجلت بعض الإيجابيات ذات الصلة بواقع الانسان العربي، وسبل عيشه، وأساليب التعامل معه والتي لا يمكن تجاوز تأثيراتها على الوعي بالحاجة إلى الديمقراطية مثل: التحرر، والانفتاح على العالم الجديد، وزيادة عدد المدارس، وصدور صحافة تدعو الى الاستقلال الوطني، وتأسيس حكومات شبه دستورية، وكذلك المطالبة العلنية بالحقوق الثقافية والسياسية، والمناداة بإصلاح أحوال المدن، و التنمية العمرانية، والاهتمام بالأراضي الزراعية والنظم الاروائية، وحق التعليم، وحرية الرأي والمعتقد، خاصة في العراق مع بدايات دولته الوطنية وبصورة لم تكن متوقعة لمعظم توابع وتركات الامبراطورية العثمانية. وهذه على وجه العموم دعوات، وجهود شكلت مع غيرها نواة تأسيس التوجه إلى الديمقراطية في العراق بعد انبثاق أول حكومة تحت الرعاية البريطانية أعقبت ثورة العشرين، ذلك الحدث الوطني الذي شكل:

1. هاجساً للمطالبة بوضع تصورات لأطر نيابية ديمقراطية .

2. دافعاً لصدور الدستور وصياغة التعليمات الخاصة بالتربية والتعليم ، وسن قوانين المطبوعات.

3. إتجاهاً لتشكيل الوزارات المتعاقبة التي ساعدت الى حد ما على إبراز دور بعض الشخصيات (الوطنية) والكفوءة التي أسهمت ( ولو بشكل محدود) في التعبير عن طموح شعبي متقدم نسبيا باتجاه المزيد من الخطى نحو التطبيق الفعلي للديمقراطية لولا إندفاع بعض الحكومات إبان الملكية الى السعي للمناورة على جوانب مهمة من تطبيقاتها خاصة ما يتعلق منها بالانتخابات الحرة، والتقـّيد بمواد الدستور، والالتزام برأي الأغلبية، وبمعنى آخر محاولة الالتفاف على التطبيقات الصحيحة للديمقراطية.

ومع ذلك ضلت الملكية إطارا أكثر إنفتاحا على الشعب العراقي في هذا المجال بالمقارنة مع العهود الجمهورية. للحد الذي استقالت فيه حكومات مثل حكومة( جميل المدفعي ) بعد إسبوعين من تشكيلها أوائل آذار 1935 تحت ضغط المعارضة المطالبة بديمقراطية منصفة لحقوق الشعب ولمستوى إدراك الملك آنذاك لدور الأغلبية في طبيعة تلك المطالب. وهكذا أصبحت استقالة الحكومات المتعاقبة تحت ضغط المطالبة بتطبيق أوسع للديمقراطية سمة ميزت الوضع السياسي أيام الملكية بشكل عام وفي فترة الثلاثينات من القرن الماضي على وجه الخصوص.

وكان بطبيعة الحال للصوت المعارض والرغبة الجادة في المشاركة الوطنية بالحكم وإصدار القرار لصالح المواطن وحريته، واستمرار تواصله مع العالم الحر أثر ملموس في ذلك.

من هذا يجد المتتبع لمسيرة العراق السياسية حتى الحرب العالمية الثانية أن المد الفكري في معظمه كان موجها لإرساء دعائم الديمقراطية، وزيادة هامش المشاركة الشعبية في تطبيقاتها.إلا أن طبيعة الظروف السائدة، وشكل التوازنات الإقليمية والعالمية قبل تلك الحرب أي الثانية وأثنائها لم تحلّ دون تحقيق ذلك فقط ، بل ودفعت بعض السياسيين قصيري النظر في تلك الحقبة التاريخية الى العمل على إبعاد الشعب العراقي وكثير من مثقفيه عن أي دور إيجابي في الحياة النيابية، وباتت دعواتهم تركز على تقييد الحريات الصحفية، وتنحية المخلصين من ذوي الانتماءات السياسية الوطنية عن مفاصل إصدار القرار، ومنع تشكيل الأحزاب المعارضة والجمعيات المتفتحة، وبصيغ مهدت لحركات عدة، ولإقامة التظاهرات الشعبية التي تعبر من بين أمور أخرى عن سعة المطالبة بالديمقراطية وإقرار سلطة الشعب، وتوسيع قاعدة المشاركة في الحكم وبما ينسجم والنضج الحضاري والاجتماعي البسيط لتلك الحقبة الزمنية.

وما أن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى برزت تيارات دولية جديدة، ودعوات الى المزيد من التحالفات، ارتكبت أثنائها الحكومات العراقية المتعاقبة آنذاك خطأ الانجراف إليها، فكانت انتفاضة (1948) ومن ثم ( 1952) نتيجة حتمية أكدت بمجملها على تزايد وعي العراقيين بموضوع الديمقراطية، ورغبتهم بالاستمرار في المطالبة بتطبيقاتها الشاملة. وعموما فإن نتائج الحرب العالمية الثانية، وبروز دول عظمى جديدة ( أميركا ـ الاتحاد السوفيتي السابق) وبقاء أخرى ( فرنسا ـ بريطانيا، صاحبتي النفوذ في المنطقة العربية آنذاك) بعيدة عن التأثيرات المباشرة نسبيا في الساحة، ومن ثم التنافس الخفي بينهم جميعا  أوجد بعض التحولات الملموسة في العالم، وأسهم على نحو غير مباشر في إنضاج الفكر الديمقراطي وتعزيز الحس الوطني العراقي المطالب بسرعة التغيير الجذري ديمقراطيا وعلى الأصعدة كافة، وهو مد وجد فيه بعض ضباط الجيش العراقي من ذوي الاتجاهات السياسية اليسارية والقومية، والمستقلين فرصة لتجميع أنفسهم داخل المؤسسة العسكرية في تنظيم نجح في قلب نظام الحكم عام  ( 1958) من الصيغة الملكية الدستورية الى النظام الجمهوري اللادستوري أو بالمعنى الأدق بدساتيره المؤقتة. فكانت البداية استبدال المنهج الديمقراطي المحدود في التعامل باسلوب العنف المتشدد في الدفاع عن الثورة، ومكاسبها التي أعادت العراقيين الى نقطة الصفر في الجانب التطبيقي للديمقراطية بعد أن أغرقتهم بمناهج فكرية لا تنسجم مع نضجهم الحضاري، وتسببت أساليبها في نهاية الأمر بتجسيد سلطة الفرد الواحد، ومن ثم الحزب الواحد في تلك السلطة، وهي في مجملها دكتاتورية قامت بطمس فكرة المؤسسات الديمقراطية، وتعطيل الدستور المؤقت، وصياغة دستور آخر مؤقت أيضا يتفق مع التطلعات التي تزيد في الانفراد بالسلطة، والانجراف وراء منهج  ترويض الشعب على إلغاء التفكير بالديمقراطية بكافة أشكالها.

وهكذا استمر المسلسل في انتهاك الحق الديمقراطي للعراقيين تحت فقرات ومواد هذا الدستور المنفتح لإجتهاد الفرد وطموحاته، خاصة بعد استلام حزب البعث العربي الإشتراكي للحكم عام 1968حيث التحول السريع لصيغ اتخاذ القرار بمستوياته المختلفة بالاتجاه المباشر للصيغة الفردية، وبسببه:

1. اكتسب العديد من المعنيين في مفاصل الدولة سلوك المداهنة وتأييد الخطأ.

2. واتسعت شريحة المتفرجين تحاشيا للعقاب القاسي عند إبداء الرأي الصحيـح .

3. وأوكـلت الى الأجهزة والتنظيمات المهنية، والجماهيرية مهمة المراقبة، وقمع الحريات، وتقييد الرأي .

فكانت في طبيعة أعمالها أجهـزة مضافـة للأجهـزة الأمنية التي تسعى لوأد الديمقراطية..


شمولية النظرة إلى الديمقراطية

الديمقراطية سلوك رغم سهولة استيعاب مفرداته شائك ومعقد من حيث التطبيق، لأن استيعابه فقط لا يكفي لأن يكون عاملا وحيدا لنجاح ذلك التطبيق، بل تقتضي الحاجة هنا لاقتناع المعنيين في المجتمع المحدد بتطبيقاته بمستوى يدفع الى تغيير بعض مفاهيمهم واتجاهاتهم أي نضجهم حضاريا. نضجٌ يكفي لأن يعي فيه الأنسان حقوقه ويدافع عنها، ويدرك واجباته ويلتزم بتأديتها. كذلك فإنها أي الديمقراطية مفهوم لا يتعلق بشكل الانتخابات وطريقة اختيار الحاكم فقط، بل هي عنوان شامل لمعظم مفردات الحياة، وعموم معطيات إدارة المجتمع بدءا من الأسرة وأسلوب تمشيتها، وانتهاءا بالإعلام والتعليم والعلاقات الدولية وغيرها. وبالتالي فإن نجاح تطبيقها يعتمد بقدر كبير على شمولية النظرة إليها، هذه النظرة التي تؤكد أن الوصول الى صورتها المطلوبة أي ـ الديمقراطية الفعليةـ يعني الاتساق في تطبيق اتجاهاتها على الأصعدة والمجالات كافة. ويعني في الوقت نفسه أن الفشل في الوصول إليها تناقض وقصور في الرؤية وتدني مستوى النضج  الحضاري  هذا ولو أخذنا المجتمعات النامية مثالا للتجاوز على صيغتها ـ أي الشمولية ـ نرى أن معظم الحكام، والأحزاب الداعمة لوجودهم مستوعبة لمفردات الديمقراطية، ولأهمية تعميمها لكل معالم الحياة وبمستوى جيد لا يقبل الشك، إلا أنهم وعلى مستوى الفعل ونتيجة للنظرة الضيقة ـ أي غير الشاملة ـ يلجأون في كثير من الأحيان إلى حصرها أو تضييق مجالاتها من خلال:

1. توجيه الإعلام، وتقييد النشر بحجة الوقاية من الأفكار الهدامة.

2. التدخل في مفردات التعليم بدعوى السلامة الفكرية.

3. التمييز في الحقوق والواجبات لضرورة حماية المجتمع .

4. تحجم دور المرأة لاعتبارات القيم، والتقاليد غير المنطقية.

.......الخ من إجراءات الحصر والتضييق التي يجد بعض الحكام  أنفسهم في وسطها متجهين لفرض القناعات التي يؤمنون بصحتها ولو بالقوة، وسائرين إلى فرض نوع من الهيمنة التي تحول دون تحقيق الديمقراطية وان حسنت النوايا.

وذالك مثال إذا ما انتقلنا في موضوعه من العمومية ( المجتمعات النامية ) الى الخصوصية ( المجتمع  العراقي ) نجد إن الأمور أكثر تعقيدا لأن اللا شمولية لا تتعلق باتجاهات الحصر والتضييق، ولا بالتناقضات الحاصلة بين النظرية والتطبيق، أو بين الاستيعاب ومفردات القناعة الشخصية فقط، وإنما تتصل مباشرة باستخدام العنف أسلوبا لعمليات الحصر والتضييق، وبالتبرير الواسع لسبل الابادة الجماعية سعيا لتحقيقهما، وبتقييد الوعي الجماعي لمنع التعرف على حالهما، وتتصل كذلك بالنكوص الحضاري، الذي دفعت باتجاهه الحكومة وسيلة لتأمينهما لمستوى أخل بالمعايير القيمية المطلوب وجودها في المجتمع لتعزيز التطبيق الفعلي للديمقرطية، وفي عديد من المجالات نذكر منها بعض الأمثلة التي يمكن أن تلقي الضوء على ماهية الحصر والتضييق الذي لجأت إلى فرضه الحكومة الحالية في طريقها للتوغل في القسر والدكتاتورية، هما:

1. ما يتعلق بالمعايير والقيم العشائرية التي غابت طويلا عن ساحة التأثير الفكري والاجتماعي المباشر بضوء التطور الذي حصل في المجتمع العراقي بعد خمسينات القرن الماضي، وحتى حكم صدام الذي أعاد ولأغراضه الخاصة نشاطها ـ العشيرة ـ  وبأدوار مختلفة قيميا عن أدوارها السابقة، وبمقتضاها أصبح الكثير من الشيوخ غير الأصيلين موظفين يتقاضون الرواتب والهبات والهدايا من الدولة، وأفرادها المقربين عيون للأمن يلاحقون إخوانهم في العشيرة ذاتها، مندفعين لخلق أجواء يحصرون أنفسهم ومن معهم فيها بأضيق الحدود، وهم في حالهم هذه سيجدون مصاعب في التنازل الفوري لصالح شمولية الديمقراطية ما بعد التغيير مستقبلا.

2. وعلى نفس المستوى كان الأمر بالنسبة إلى المذهبية التي ابتعد أغلب العراقيين سابقا عن التطرق إليها لرغبتهم في ترك الماضي بكل مآسيه، وسعيهم الجاد لبناء عراق يحترم فيه كل الفلاسفة والمفكرين، وأئمة المسلمين، ورجال الدين غير المسلمين دون النبش في القبور لمحاكمة من فيها عن أخطاء وان ارتكبت بالفعل فقد فات أوان إصلاحها، حتى أعاد صدام تفعيلها بنحو جديد، وبمغالات في الاعتقاد، وترسخ في العقول لم يســبق له مثيل منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة بعدما صُوِرَ للبعض أن مصالحهم ومستقبلهم، ومكاسبهم مرهونة بالتقوقع في دائرة التركيبة الطائفية للسلطة وضرورات المحافظة عليها، في الوقت الذي صور للبعض الآخر أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وغير مؤهلين للتمتع بحقوقهم الاعتيادية مما تسبب في اندفاع  القسم غير القليل منهم  الى التنقيب في الموروث الحضاري للمذهب، أو الطائفة ليحصروا أنفسهم في حدودها مستعينين بكتابات التاريخ غير الدقيقة، وبوقائع الأحداث غير المنصفة لتقوية حجهم في المحافظة على المكاسب في حدودهم الضيقة بالنسبة للبعض أو سعيا للمحافظة على البقاء في حدود الحصر المفروضة عليهم وبأقل الخسائر الممكنة بالنسبة للبعض الآخر. وهذا حصر باتجاهين يؤدي الاستمرار بصيغهما مستقبلا  إلى إفشال مشروع الديمقراطية.

3. إن النكوص الحضاري والخراب الاجتماعي القيمي الذي قد يضع عديد من العقبات أمام التطبيق الصحيح للديمقراطية في العراق المستقبلي لم يقتصر على إعادة صياغة الأدوار للعشيرة والطائفة، بل تخطاها في السنوات الأخيرة الى مستوى اضطراب الوعي حد الشعور باليأس والهزيمة من الداخل، وهو اضطراب دفع الكثير الى تعود استجداء الحل من الخارج، أوالاكتفاء بالدعاء الى الله العلي القدير بصوت مكتوم يخاف البوح بكلمة حق، حتى بات حصرا في دائرة الفرد الضيقة ومصالحه الآنية.


التصور المستقبلي للديمقراطية

إن مناقشة التصور المستقبلي لتطبيقات الديمقراطية في العراق يدفع الى إلقاء الضوء على بعض من واقعه السياسي والاجتماعي ذلك الواقع الذي يسعى المعارضون جميعا لإقامة الديمقراطية في تداخلاته.

وأول هذه الخطوات ينبغي أن تبدأ بحكومة صدام لإعتبارين: الأول كون المعركة من أجل الديمقراطية ستكون معها، والثاني لأنها بلورت للعراق واقعا خاصا تتطلب إقامة الديمقراطية فيه التعرف تماما على ماهيته، وعلى الأساليب التي إتبعتها بقصد التحايل والمراوغة دون التقرب الجاد من الديمقراطية بغية فرض السيطرة بدءا من عام 1968مرورا بالعام 1980 يوم أسست مجلسها الوطني الذي علقّ وجوده موضوع الديمقراطية، وعطل مسألة التعددية الحزبية بخطوات كانت في طبيعتها نوايا مبطنة لتكييف أعماله بما يجسد الإنتماء العقائدي إلى حزب البعث ودكتاتورية الفرد الحاكم. هذا وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار:

اسلوب الترشيح وطريقة الانتخابات.

طبيعة الصلاحيات، وتحجيم الدور.

تدني سلطته( المجلس ) دون سلطة مجلس قيادة الثورة.

استمرار العمل بالمادة 42 من الدستور المؤقت.

من هنا نجد إن المجلس أصبح مجرد هيكل، أو واجهة من واجهات الحزب الحاكم، وان تشكيلته الحقيقية تتحدد مسبقا خارج أطر الانتخابات وحقوق الفرد العراقي في خوضها.

وهي صياغة تأتي معبرة عن حاجة الحكومة الى غطاء جديد تحيل إليــه المشاكل التي تحتاج ظاهريا الى رأي، أو قرار مهم اتخذ أولا في أروقة الرئاسـة، وإن أحيلت شكليا يأتي التصويت بنسبة لا تقل عن 100 % في كثير من الأحيان، وهذا يكفي من وجهة نظر الحزب، والحكومة أن يكون العراق ديمقراطيا، تعدديا، ثوريا.

ولما كان أغلب أعضاء المجلس الوطني أعضاء في حزب البعث، فان منهج المركزية الديمقراطية الذي يؤمن به الحزب دفعهم الى الاعتقاد أن القرار القيادي لا يحتاج الى مناقشة شعبية لأنه اتخذ على وفق تصور القيادة للصالح العام، وهو تصور غيّب الديمقراطية وأبعد المواطن عن التفكير بها خوفا من التبعات، وسحب العراق الى كوارث ستمتد آثارها السلبية إلى الأجيال القادمة.

ولنا في ذلك أمثلة كثيرة لقرارات إتخذها إستجابة  لرغبات صدام وتطلعاته الشخصية والتي أثرت على حاضر العراق ومستقبله منها:

1. إلغاء العمل في إتفاق الجزائر وإعلان الحرب على إيران.

2. ضم الكويت محافظة للعراق.

3. رفض الاستجابة للمطالب الدولية بقصد عدم رفع الحصار.

4. التنصل من الالتزامات بهدف زيادة الأزمات وخلط الأوراق مع الجانب الدولي خاصة ما لـه علاقة بطرد  لجان التفتيش.

وغيرها من قرارات توحي أن اسلوب المجلس في الديمقراطية مجرد تبرير لحالة الحروب والدمار وانفعالات صدام غير السوية.

ولما كانت الحالة هذه سواء في حرب الخليج الأولى مع إيران أو في حرب الخليج الثانية مع الكويت وما بعدها سني الحصار: دمار وتخريب ونكوص إلى الماضي البعيد.

إتجهت المعارضة العراقية بغالبية فصائلها، وشخصيات سياسية وعسكرية، وكثير من الأدباء والفنانين، والمهنيين إلى:

1. التأكيد على الحاجة الماسة للديمقراطية أسلوبا ملائما للعراق بواقعه المعقد.

2. المطالبة بتطبيقاتها حلا عمليا لتجاوز آثار الظلم والخراب الذي تسببه صدام.

3. رسم صورتها المستقبلية وبما ينسجم وجغرافية العراق السياسية للحيلولة دون تكرار التعسف والدكتاتورية مستقبلا.

وفي طريق المطالبة بالديمقراطية أوضح البعض من المعارضين أفرادا وجماعات تصوراتهم ووجهات نظرهم عن موضوعها، وابقى البعض الآخر تفاصيلها عائمة سواء:

أ. لإعتقادهم أن ظروف التغيير وتطورات الموقف هي التي ستفرض القدر المناسب من التطبيقات التي تنسجم والحاجة الآنية.

ب. أو لقناعة في داخلهم أن مفرداتها واحدة من حيث المعنى وسبل التطبيق في كافة الأزمنة وفي كل الظروف، ووحدتها هذه لا تقتضي الخوض كثيرا بالتفاصيل.

ج. أو لمناورة منهم بقصد تجنب الالتزام بموضوع هم أصلا لا يؤمنون به فكريا.

وهذه مع غيرها الكثيرعن موضوع الديمقراطية وأساليب تطبيقها إجتهادات وردت في الفكر العراقي المعارض، وتمتعت في معظمها بقدر من الواقعية نتيجة للخبرات الشخصية للمجتهدين، أو لقدراتهم غير القليلة في إستقراء المستقبل العراقي، لكنها وفي نفس الوقت لم تغلق الباب أمام المزيد من الاجتهاد لإنضاج جوانبها، وتعميم هذا النضج على عموم شرائح العراقيين ليكون دافعا إلى زيادة المطالبة بتطبيقاتها، وكذلك حافزا إلى مضاعفة الجهد لتكوين أسيجة حماية رصينة لتلك التطبيقات من التشوه، والانحراف خاصة في ظروف الانتقال إلى الحكم الدستوري ما بعد صدام .

ومن هذا المنطلق يمكن القول أن الضرورة تقتضي الاستمرار بإبداء الرأي، وإدامة المتابعة، والاستزادة في البحث لكل الجوانب ذات الصلة بهذا الموضوع الحيوي.

وفي إطار هذه الضرورة سنحاول أن نطرح أفكارا لبعض جوانب الديمقراطية " لما بعد التغيير"، أفكارا ذات طبيعة:

أ. تتلاءم وحاجات العراق الملحة في التخلص من آثار الدكتاتورية، ومن رواسب وتبعات حربين مدمرتين.

ب. تساعد على التهيؤ للانتقال بخطوات متوازنة إلى الأمام بغية سد الفجوة الحضارية التي نشأت بسببهما.

4. وهذه أفكار في طبيعتها إجتهاد لتصور مستقبلي يأخذ بالاعتبار:

أ. واقع العراق وطبيعته متعددة الأشكال والألوان.

ب. بيئته الاجتماعية المتعبة بعد أكثر من ثلاثين سنة من القهر، والشد، والقتل، والتشريد.

ج. موروثه الحضاري العريق، واقعه الثقافي المتميز بالمقارنة مع القريبين في منطقته.

د. الخرق الذي أحدثه صدام في تجانس المجتمع العراقي قوميا، ودينيا، ومذهبيا، ومناطقيا.

هـ. وهو كذلك إجتهاد يتأسس في مضمون وسائله وأدواته على واقع التنظيمات الإدارية المعروفة للدولة العراقية ( المحافظة ـ القضاء ـ الناحية ) المؤهلة أن تأخذ دورها في التخطيط والتنفيذ تبعا لحاجتها التنموية، وخصوصياتها الثقافية والاجتماعية.


أوجه التطبيق الفعلي للديمقراطية

إذا ما كانت الديمقراطية مفهوم واسع في تطبيقاته، شامل في تناوله لحاجات الإنسان في العيش الحر الكريم فان السؤال الذي يطرحه عموم العراقيين على المثقفين والأحزاب والتجمعات المعارضة (التي تؤمن بها) يتمحور حول ماهيتها المرتقبة أو سبل تطبيقاتها الملائمة للعراق ؟

والإجابة على هذا السؤال منطقيا تتمثل بالآتي:

1. العراق بلد يفهم الكثير من أبنائه معطيات السياسة، وفيه من المثقفين عدد يفوق ما لدى مجتمعات أخرى خطّت خطوات معقولة باتجاه الديمقراطية، وعنده ماض معروف ببعض تطبيقات الديمقراطية(ولو بشكل محدود) ولديه تنظيمـات إداريــة مهيأة للقيام بواجباتها ضمن إطار الديمقراطية.

2. وإنه بالإضافة إلى ذاك مجتمع مـؤهـل بعض الشيء من الناحية الحضارية  للبدء بتطبيقها في أي وقت من الأوقات وفقا للتوزيع المتوازن للسلطات التشريعية، والتنفيذية، والقضائية.

3. سيعتمد النجاح في تطبيقاتها منذ البداية الأخذ بنظر الاعتبار إعادة بناء مرتكزاتها المؤسسية بعد التغيير وفقا للمعايير الملائمة لتطبيقها تطبيقا فعليا صحيحا. من أهمها:

أ. شكل الحكومة وطبيعة رئاستها

إن مشكلة الكثير من الدول العربية والنامية بينها العراق تتمثل بوصول أشخاص مغامرين إلى سدة الحكم بطرق معظمها غير ديمقراطية، يغلب عليها التوارث أو الإنقلاب العسكري، وهي طرق يؤدي حصولهما إلى تكوين فجوة شاسعة بين الشعب ورئاسة الحكومة تتسع تدريجيا عندما يعتقد الحاكم انه الأكفأ والأحق بالرئاسة، فيندفع  تحت هذا الاعتقاد للمقاتلة من أجل البقاء في السلطة حتى نهاية العمر.

وهو إعتقاد إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار قدرات الانسان وإمكاناته وخصائصه النفسية والعقلية حدودا للحكم على النتائج نجد أن البقاء الدائم  يضر بالمجتمع  ضررا كبيرا حتى وان كان الحاكم كفوءا بأدائه، صائبا بقراراته، مثاليا بالتزاماته، عظيما بنزاهته، لأن البقاء في واقع الحال سيعطي كل ما تفيض به عبقريته في السنوات الأولى من حكمـه، بعدهـا يجــد نـفـسـه مكـررا ذات الخطوات فتبدأ أولى معالم الخسارة في إطار التجديد اللازم لمواكبة العصـر.

كمـا إن استمراره بالحكم مدى الحياة يزيد من كم الذين يعارضونه حتى يجـد نفسه مضطرا الى التعامل معهم بطريقة قسرية تسحبه بالتدريج الى تأسيس أجهزة ودوائر للأمن والمعلومات تساعده على الاستمرار بالحكم.

وهكذا يتم الانحراف باتجاه الدكتاتورية، وتحجيم دور المؤسسات، والقضاء على التوجهات الديمقراطية.

إضافة الى أن البقاء الدائم لأي فرد، أو حزب حاكم يخلق بالتدريج مستفيدين وذوي مصالح من الانتهازيين، والأقرباء، وأفراد الأسرة الحاكمة يسعون جميعهم لزيادة الكسب الذي يجبرهم على الدفاع عن استمراره بالسلطة دفاعا قد يكون دمويا في بعض الأحيان.

أما إذا أطلنا النظر الى هذه النقطة من الزاوية الطائفية التي ابتليّ بها مجتمعنا في العقود الأخيرة نجد أن مساحة الخطأ تتسع عندما يزداد نفوذ الأبناء، والأخوة، والأقرباء، والانتهازيين ليكّونوا اتجاها داخل الاتجاه، ونفوذا داخل النفوذ قوامه الاستماتة من أجل البقاء وبأي ثمن كان، وهو في محصلته اسلوبا يخسر فيه عامة الناس حريتهم وديمقراطيتهم، واستقرار مستقبلهم .

لذا ينبغي النظر الى هذه المسألة الحيوية نظرة موضوعية تغلب فيها المصلحة العامة على المصلحة الشخصية.  نظرة شاملة وبزوايا وأبعاد مختلفة تسمح بالآتي:

أولا . إتاحة الفرصة أمام الشعب العر اقي ليقرر دستوريا شكل النظام السياسي القادم للعراق ملكيا كان أم جمهوريا، فإن كانت نتائج الاستفتاء الشعبي لصالح الملكية فالأمر من الناحية التاريخية والدستورية ليس بحاجة إلى التفصيل لما يتعلق بماهية النظام الملكي، باستثناء بعض الاعتبارات، والصلاحيات التي يمكن تحديدها ما بعد عملية التغيير، وإقرار صيغة الملكية.

ثانيا. أما إذا كانت نتائج الاستفتاء لصالح النظام الجمهوري، فإن الحالة تتطلب تفصيلات، وضوابط، وقوانين تدعم في محصلتها الديمقراطية بينها على سبيل المثال:

(1). انتخاب رئيس الجمهورية انتخابا مباشرا من قبل الشعب ومن بين أكثر من مرشح (وبمواصفات يحددها الدستور).

(2). تكون مدة الرئاسة بمتوسط أربع سنــوات قابلـة للتجديـد مـرة واحـدة فقط.

(3). تتحدد صلاحيات الرئيس دستوريا وبطريقة لا تسمح الانفراد بالسلطة، أو التجاوز على المؤسسات الديمقراطية.

(4). يقدم الرئيس قبل انتخابه كشفا دقيقا بكل ممتلكاته المنقولة وغير المنقولة، ومثلـه آخر قبل انتهـاء ولايته بشهر واحد على أقل تقدير ليكون أساسا صالحا للمقارنة والتدقيق في احتمالات الاستغلال للمنصب والنفوذ.

(5). إذا كان الرئيس المنتخب عضوا في أحد الأحزاب عليه تقديم استقالته من ذلك الحزب طوال حقبة ولايته.

(6). للرئيس نائب أو أكثر حسب ظروف البلد لـلبرلمان حق اختيارهم.

ب. رئاسة الوزارة

إن اتجاهات التمسك بكرسي الحكم التي سادت في العراق طيلة نصف قرن، وكذلك الاتجاهات المماثلة لها في منطقته تبين أن ضعفا ما زال موجودا في الذات الانسانية لإبن المنطقة خاصة في جانب السيطرة على الانفعال والغرائز، وهو ضعف يكاد يكون عاما لا صلة لـه بكون الحاكم عسكريا كان أم مدنيا، ثورية كانت مناشئه أم دينية، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في شكل نظام الحكم الرئاسي (إذا ما تم التصويت على بقائه جمهوريا)، لتكون على أساسه صلاحية إدارة الدولة والمجتمع لرئيس الوزراء، ويكون فيه رئيس الجمهورية منصبا فخريا يتمتع بقدر من الصلاحيات المحدودة التي تدعم حيادية ونزاهة وديمقراطية رئيس الوزراء الذي يتحدد منصبه وفقا لضوابط دستورية تأخذ بالاعتبار.

أولا. يأتي رئيس الوزراء من بين الكتلة النيابية التي تحصل على الأغلبية الانتخابية.

ثانيا. يختار رئيس الوزراء وزرائه من بين كتلته الانتخابية (السياسية) أو من خارجها،أو بالاتفاق مع كتل أخرى عندما لا تكون لكتلته أغلبية كافية ( وفقا لتحديدات الدستور).

ثالثا. تنتهي فترة حكم الوزارة آليا مع إنتهاء الدورة الانتخابية ( أربعة سنوات)، ويتم البدء بتشكيل أخرى بضوء النتائج الجديدة للإنتخاب.

ج. مجلـــس الــنواب

المجلس النيابي مؤسسة تشريعية ينتخب أعضاؤها تبعا للمناطق الإدارية، وعدد السكان كأن يكون لكل مائة ألف عراقي ( أو أي عدد يتفق عليه دستوريا ) من يمثلهم في المجلس ومدة دورته أربع سنوات .

أما مؤهلات الأعضاء، ومستويات تحصيلهم، والأمور الإجرائية في الانتخابات مسائل يحددها الدستور بشرط أن لا يترك فيه مجال للتداخل أو ما يسئ إلى الديمقراطية كالحزبية ، والعشائرية، والطائفية، وغيرها.

د. المجــالـس البلــديــة

يتمتع العراق بطبيعة جغرافية، وتركيبة سكانية خاصة تدفع لأن يؤخذ بنظر الاعتبار التمثيل الدقيق لكل المناطق، والتجمعات بطريقة لا تشعر المواطنين بالتفرقة الدينية أو القومية أو الطائفية التي نمت وأُستغـّلت في السنوات الأخيـرة، والصيغة الآتية يمكن أن تكون الأقرب لواقعه المستقبلي:

أولا . يؤلف في كـل محـافـظـة مجـلس تحـت اسم المجلــس البـلـــدي للمحـافـظـة.

ثانيا. يتكون المجلس البلدي للمحافظـة من أعضاء ينتخبون من أبناء المحافظة بالاقتراع المباشر وبعدد يتحدد دستوريا.

ثالثا. يرأس المجلس البلدي رئيسا ينتخبه المجلس بالاقتراع المباشر وبمـؤهلات وخصـائص يحـددهـا الدستــور لمـدة أربع سنوات لكل دورة إنتخابية.

رابعا. يعمم ما ورد بالنسبة للمحافظة على مستوى القضاء والناحية من حيث الانتخاب لمجالسهما البلدية التي يرأسها قائمقام ومدير ناحية تعينهما وزارة الداخلية، على أن يكون عدد أعضائه والصلاحيات الممنوحة لـه تلائم الحاجة لإدارة عصرية، ديمقراطية.

هـ. المنطقــة الكــردية في النظام الديمــقراطي

إن المسألة الكردية التي تعثر حلها لعقود من الزمن لابد أن تعالج علاجا ناجعا ومستمرا اذ أن الأكـراد يمثـلـون وحـدة اجتمـاعيـة وسيـاسيـة وثقـافيـة ووطـنـيـــة متميزة، لهم حقهم في رسم السياسة الإداريـة، والتعـليميـة، والثقـافيـة، والاجتـمـاعيـة بطريقة تعينهم على الإسهامة الوطنية في بناء العراق الديمقراطي بعيدا عن التفتت، والضغط، والتمايز العرقي الذي أرست دعائمه الأنظمة السابقة، والأيدي الأجنبية.

هذا وان مرتكزات التعامل الديمقراطي مع موضوعها ينبغي أن ينطلق من الثوابت الآتية:

أولا . تؤسس في منطقة كردستان العراق حكومة محلية على أساس الفيدرالية ينتخب رئيسها دوريا كل أربعة سنوات من بين الكتلة الانتخابية التي تحصل على الأغلبية.

ثانيا. للمنطقة مجلس نواب ينتخب وفقا للمعطيات المذكورة لمجلس النواب العراقي السالف ذكره، ومدته أربع سنوات أيضا، ويُنتخب أيضا ممثلين عن الأكراد في مجلس النواب المركزي بشكل منفصل عن مجلس نوابها.

ثالثا. تطبق على الاقضية والنواحي الكردية الضوابط الخاصة بتشكيل المجالس البلدية بالنسبة لبلديات العراق الأخرى.

رابعا. تحدد المناطق الكردية على أساس الخرائط الإدارية والتعداد السكاني (للسنة التي يتفق عليها بين ممثلي الأكراد والحكومة المركزية) وتعتبر المنطقة كردية إذا ما كان الأكراد فيها يشكلون الأغلبية.

خامسا. يحق للكردي المقيم إقامة دائمة في غير المناطق الكردية أن يرشح نفسه لعضوية المجلس البلدي أو النواب في منطقة سكناه الدائمة، ومثل هذا الحق مكفول للعربي، وغير العربي المقيم في المناطق الكردية.

سادسا. اللغة الرسمية ولغة التعليم في منطقة كردستان تكون اللغة الكردية، وتضاف لها اللغة العربية كلغة ثانية لتسهيل التعامل.

سابعا. يحق لأهالي المناطق المهجرة والمرحّلة العودة الى مناطقهم، وإعادة بناء مجالسهم البلدية حسب متطلبات المنطقة وبأشراف مجلس نواب كردستان العراق.

أما بالنسبة للأقليات الأخرى في العراق مثل التركمان والآشوريين، وغيرهم فينبغي أن يأخذ الدستور بالاعتبار حقهم  في التمثيل البلدي، والنيابي، والثقافي وبما يضمن المحافظة على خصوصياتهم في المجتمع العراقي تبعا لنسبة تمثيلهم السكاني.

و. الأحـــزاب السياسية في المنظور الديمقراطي

لكل عراقي حرية التعبير عن الرأي، وحرية العمل السياسي.

ولكل جماعة الحق في تأسيس حزب سياسي.

ولجميع الأحـزاب الحـق في العمـل ضمـن العـراق المـوحـد.

ولكل منها حق التعبير عن أيديولوجيته، ووجهات النظر التي يؤمن بها في صحيفته الخاصة.

وكل ذلك مكفول بالدستور الذي ينبغي أن يتناول:

شروط تأسيس الأحزاب، وضوابط العمل الحزبي في إطار ديمقراطي يأخذ بالاعتبار وحدة العراق بعيدا عن التفرد، والعشائرية، والطائفية، والعرقية .

ز. الرقابةعلى دستورية القوانين في المجتمع المدني

تعد الرقابة على دستورية القانون أولى سمات المجتمع المدني ودولة القانون التي تؤدي المؤسسات الدستورية في إطارها دور فاعل لبيان الحقوق والواجبات وتطبيق القانون بشكل عادل. والرقابة هي الحراسة أو المحافظة على أن تكون القوانين الصادرة في الدولة شرعية أي تصدر من سلطة مختصة ووفقا للصلاحيات المحددة.

والقوانين في الدول الديمقراطية لها مراتب يطلق عليها بالتدرج التشريعي، تدرجٌ :

يأتي في مقدمته القواعد الدستورية بسبب مبدأ علوية الدستور.

ومن ثم القوانين الصادرة من السلطة التشريعية المختصة والتي لا بد أن تكون منسجمة مع القواعد الواردة في القانون الأعلى وهو الدستور.

ومن بعدهما تأتي الأوامر والتعليمات الصادرة من السلطات التنفيذية والتي تصدر من الجهة المختصة قانونا ويلزم عدم مخالفتها للقانون والدستور وإلا تم الطعن بعدم شرعيتها أو عدم دستوريتها.

وبضوء هذا التدرج لا يجوز للقانون أن يخالف الدستور ولا يجوز للأوامر والتعليمات مخالفة النصوص القانونية أو تفسير القانون بصورة مخالفة للغاية من النص وإلا عد النص أو الأمر أو التعليمات غير شرعية، وغير ملزمة ويتحمل الطرف المعني نتائج ذلك من النواحي القانونية.

هذا وتكفل الرقابة على دستورية القوانين في المجتمع المدني إنسانية الإنسان وتضمن حقوقه وحرياته الأساسية وتعمل على تفعيل القانون والعدل في هذا المجتمع، وعلى العكس مما يجري في المجتمع الدكتاتوري حيث الإنعدام الشامل لضمان التقاضي والإنهيار الكامل للتدرج القانوني وكذلك إنتهاء حالة المساواة، لأن القانون في مجاله هو ما يأمر به الحاكم الفرد، وأوامره تؤدي إلى إلى أبشع الانتهاكات والخراب في كل معالم الحياة.

ولذلك تسعى الدول المتحضرة إلى بناء أسس ومقومات المجتمع المدني القائم على الديمقراطية، والمؤسسات الدستورية، والفصل بين السلطات الثلاث وتلك هي مساع لا يمكن تأمينها إلا بوجود الرقابة على دستورية القوانين أي المحافظة على إحترام التدرج القانوني سالف الذكر والطعن بعدم شرعية القوانين عند مخالفتها لنصوص الدستور. وبالإضافة إلى ذلك فإن الدستور ولكي يكون شرعيا لابد وأن يستفت عليه الشعب بحرية ودون خوف، وهي معايير تتحقق فقط في وجود الرقابة الدستورية.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ففي ظل المجتمع المدني لا بد من خضوع الحاكم والمحكوم للدستور والالتزام الطوعي للقانون وأن تتقيد حركة الحاكم والسلطات والمحكومين بالدستور عند تنفيذ الوظائف وهذه أيضا تحتم وجود رقابة لكشف مدى ذاك التقيد والالتزام. والرقابة على شرعية القوانين في المجتمع المدني تنقسم إلى مستوين :

1. الرقابة غير القضائية مثل:

رقابة السلطة التنفيذية ومؤسسات الدولة الأخرى المختصة على دستورية القوانين الصادرة.

رقابة الرأي العام.

وكذلك رقابة الأحزاب السياسية الموجودة بحكم التعددية السياسية

2. الرقابة القضائية التي تمارسها المحكمة الدستورية العليا، بصورة يكون لها الدور الفاعل في:

بيان مدى شرعية القوانين الصادرة وبطلانها لمخالفتها للدستور.

كما لهذه المحكمة دور في مسألة القسم الخاص برئيس الدولة عند تنصيبه بعد الإنتخاب، وهو القسم الذي يشكل إلتزاما قيميا يصبح التجاوز في إطاره حنث لليمين تعرضه للمسؤولية الدستورية والقانونية.

ومن هنا تأتي أهمية الدور المناط بهذه المحكمة في دولة القانون بعدها الضابط وصمام الأمان في إحترام الدستور والقانون من الحكام والمحكومين، وصيانة الديمقراطية.  


المشاريع المطروحة والمتوقعة للشروع بالديمقراطية

لا يختلف العراقيون معارضين منتظمين أو غير منتظمين  حول الحاجة إلى الديمقراطية سبيلا لتجاوز عديد من مشاكلهم، لكنهم لا يتفقون في إجتهاداتهم حول سبل تطبيقها عمليا، وفي كيفية الانتقال إليها ما بعد التغيير، لا لأنهم مختلفون طوال الوقت، ولا لكونهم مشتتون فكريا على مر العقود الثلاثة الماضية، وإنما لأمر يتعلق بحساسية هذا الموضوع وخطورته على المجتمع العراقي وعلى مستقبل الديمقراطية، وكذلك للتباين الحاصل فيما بينهم بجوانب ادراك شمولية الديمقراطية.

ومع ذلك ومهما تكن أوجه الخلاف، وعدم الاتفاق فإن المجتمع العراقي ومعارضته الوطنية قد أنضجوا في مسيرتهم ثلاثة مشاريع أو خيارات هي الأكثر إحتمالا للأخذ بها ما بعد التغيير، والتي تم تبني أفكارها من البعض وفقا لحركة السعي والاجتهاد هي :

1. الانتقال الفوري المباشر إلى تطبيقات الديمقراطية

يرى البعض أن التوجه إلى التطبيق الآني لكل معالم الديمقراطية وفي كل المجالات ومنذ الأيام الأولى للتغيير، هو الخيار الأنسب والممكن الأخذ به، ويؤكدون على أن إيجابياته كثيرة ومهمة وتستحق بذل الجهد لتعميم الدعوة إلى تطبيقه في الأدب المعارض، وكذلك المجازفة بأخذه خيارا بأسبقية أولى عند السيطرة على مقاليد الأمور، ولهم حججهم الخاصة لتعزيز وجهة نظرهم هذه.

لكنه وفي المقابل هناك من يخالفهم الرأي معتقدا أنه خيار لـه من السلبيات التي قد تكلف غاليا في مجتمع غير قادر على دفع المزيد من الأثمان، ولهم  حججهم أيضا،الأمر الذي يتطلب عرضهما بدقه، وعلمية تساعد العراقي صاحب الشأن على اتخاذ موقف صحيح منهما.

أ. الايجابيات

وفي مجالها يؤكد أصحاب هذا الخيار أن إيجابيات العمل بتطبيقات الديمقراطية تفوق السلبيات المحتملة وهي من وجهة نظرهم تنتظم بالآتي:

أولا. أن الديمقراطية مفهوم شامل، يفقد قيمته إذا ما جزأ إلى جوانب تطبيق مرحلية يبدأ بعضها اليوم ويكمل البعض الأخر في المستقبل.

ثانيا. إن التجارب والخبرات السابقة في مجال علم النفس والاجتماع تبين أن سلطة الحكم مثيرة ومغرية للإنسان في منطقتنا العربية بشكل عام وفي العراق على وجه الخصوص، وإن سياسينا والعسكريين لم يستطيعوا حتى يومنا هذا من كبحها، أو السيطرة عليها. دوافع باتت أقرب للغريزية، وبالتالي فإن إحتمالات أن يجد أحد المؤهلين لقيادة التغيير من أولئك السياسيين، أو العسكريين نفسه متجها بالضد من التطبيق الفعلي للديمقراطية تحت ضغوط تلك الدوافع ورغبة بالحفاظ على المصالح الخاصة.

عندها تكون خطط المعارضة في التطبيق الفوري لمعاييرها حلا مناسبا لتفادي حصول كارثة دكتاتورية محتملة، في حالة الأخذ بغيرها من الخيارات، وبنسب ليست قليلة.

ثالثا. إن التسلط والدكتاتورية وحسب خبرة العراقيين الجيدة في مجالهما تعني دفع أثمان باهضة ماديا، وحضاريا، وأمنيا، واجتماعيا، وتقنيا، وغيرها أثمان لا تقارن بأي ثمن قد تسببه الفوضى المحتملة مؤقتا نتيجة الغياب المتوقع للسلطة الضابطة في الأيام الأولى للإنتقال إلى الديمقراطية كآثار جانبية.

رابعا. إن بداية التغيير يمكن أن تكون أكثر الفترات صلاحية للشروع بتطبيق الديمقراطية، وذلك باستثمار حالة التعاطف والتأييد التي ستصاحب التغيير، والتي يمكن أن يلتزم فيها الناس بتوجيهات الحكومة الجديدة دعما لها، أو رغبة في التخلص من آثار الماضي التي تقترن بالدكتاتورية.

خامسا.إن التعبير عن هوية التغيير ديمقراطيا منذ البداية يساعد كثيرا في كسب التأييد العالمي، ومنه الغربي على وجه الخصوص، وهو موقف تحتاجه الحكومة الجديدة على الصعيدين الداخلي والخارجي على حد سواء.

ب.السلبيات

هناك من بين المعارضين والباحثين العراقيين من لا يتفق وهذا الخيار ليس بسبب نكرانه للإيجابيات التي ذكرها المؤيدون، بل ولقناعته بأن لهذا الخيار سلبيات تفوق تأثيراتها الجانبية تلك الايجابيات التي من المحتمل أن تتحقق عند الأخذ به خيارا بأسبقية أولى من بينها:

أولا. إن العراقيين ولثلاثين سنه متصله يكبتون في داخلهم مشاعر البغض، والكره، والعدوانية على النظام، ورموزه، ومؤيديه، وهذه مشاعر بقيت محصورة تفتش عن منفذ للخروج، وعندما تجده مع بدايات التغيير ستخرج مرة واحدة وبسرعة عالية تؤدي إلى الفوضى والاضطراب الذي سيكلف العراق كثيرا، وهو في حالة لا تسمح بدفع المزيد، وعليه تحتم الحاجة إلى فرض السيطرة والضبط وليس التحرر والاسترخاء، ولو لفترة محدودة.

ثانيا. ما زالت قيم الثأر والاتنقام سائدة في المجتمع العراقي، إذا لم تكن قد زادت مستوياتها بتشجيع من السلطة الحاكمة، وهذه القيم ستدفع أعداد من العراقيين غير المنضبطين إلى استثمار فرصة غياب السلطات الضابطة مع البدء بالتغيير(عند الشروع الفوري بتطبيق الديمقراطية) لتحقيق اتجاهاتهم القيمية تلك. وسلوك من هذا النوع يمهد إلى إحتمالات حصول إضطراب وفقدان سيطرة بنطاق واسع وخطر.

ثالثا. إن العراقيين إعتادوا الخوف الشديد من السلطة القوية بوسائلها وأدواتها القاسية، وإعتادوا في نفس الوقت التمرد السريع على السلطة المهادنة بأدواتها العقلانية، واعتيادهم هذا ينبئ بتوجه البعض منهم إلى الشروع بافتعال الاضطرابات والتمردات التي ستربك الحكومة الجديدة أو تؤدي إلى زوالها، وسيدفع العراقيون ثمنا باهضا لذلك.

رابعا. إن المعارضة العراقية بفصائلها الموجودة على الساحة العراقية في الداخل، أو الممتدة إليها من الخارج لم تشكل وعاءا معارضا مهيئا للقيام بدور الحكومة المعنية بعد التغيير، قادرا على ملأ الفراغ السلطوي لمؤسساتها التي ستغيب بشكل سريع عن الساحة، وهي في معظمها أيضا غير مستعدة للتنازل عن خصوصيتها وذاتيتها، وهذا سيدفع بعضها إلى محاولة إستغلال فرصة الوهن الحكومي، وفسحة الحرية في تعميم الديمقراطية مع بداية التغيير لمد نفوذها، أو حتى القتال من أجل الحكم، وتغيير المسار إلى دكتاتورية من نوع جديد:

دينية كانت، أم ثورية.

عسكرية الطابع كانت أو مدنية.

خامسا.في الانقلابات السابقة التي تكررت في العراق، بقيت الأجهزة الرئيسية الضابطة للمجتمع مثل الجيش والشرطة والأمن فاعلة إبان الانتقال للوضع الجديد وكُلفت بأداء مهام في السيطرة، والضبط نفذتها بدقة ونجاح عاليتي المستوى، لأنها أجهزة مهنية وليست عقائدية، كما إنها لم تشارك بشكل مباشر في تعميم الظلم والقهر والاضطهاد كماهو حالها في فترة الحكم الحالي لصدام، وحالها الأخير كمشاركة في إرتكاب الخطأ سيؤدي إلى غيابها الفوري عن الساحة مع اللحظات الأولى لتغيير النظام، وأي غيابٌ سيشجع غير الملتزمين إلى الانطلاق باتجاهات مختلفة بينها إثارة الفوضى والاضطراب الذي تتضاعف درجاته مع التسامح والحرية التي تحتمها الديمقراطية.

سادسا.إصيب العراق وبسبب إدارة صدام وممارساته المتكررة المصابة بداء الطائفية، والإقليمية (المناطقية)، والعشائرية، ومع أمراض الذاتية وضعف الوعي الوطني، فإن الحكومة الجديدة بعد التغيير قد تواجه ميولا، أو توجهات عند البعض للتمرد، والسعي للتقسيم، وربما الانفصال عند البعض الآخر.

وتلك جميعا ميول أو أفعال تتسع وتزداد خطورتها مع الأيام الأولى للتغيير، مما يتطلب الحزم المتعقل أسلوبا للتعامل معها وليس المرونة والمهادنة كنتائج للديمقراطية التي لم يعتد المعنيون التوافق معها بعد.

2. الانتقال التدريجي إلى الديمقراطية

أسلوب يعتمد على فكرة المنح التدريجي لبعض تطبيقات الديمقراطية وحسب حاجة المجتمع وظروفه، وتبعا للموقف الأمني والسياسي، يرى فيه البعض تدرجا مناسبا يقود إلى التطبيق الفعلي للديمقراطية مستقبلا، ولمؤيدوا هذا الاتجاه حججهم، وكذلك للمعارضيين، والتي تتمحور في الآتي:

أ. الايجابيات

وفي مجالها يعتقد المعنيون بالدعوة إلى الأخذ بهذا الخيار أسبقية أولى إن التعامل مع واقع الحكم بعد التغيير مباشرة يقتضي فرض الضبط والسيطرة الحازمة، وبطريقة تختلف عن تلك التي أتبعت إبان حكم صدام وأجهزتهم الضابطة ـ أي السماح  بهامش محدود من الديمقراطية المقننة والعدالة الحدية ـ وهؤلاء يدافعون عن وجهة نظرهم هذه من خلال:

أولا. إن الوضع الأمني والعسكري غير المستقر، وحراجة الموقف السياسي بعد التغيير مباشرة تفرض على الحكومة الجديدة الاستمرار بالعمل ببعض الضوابط الأمنية، واللوائح والمواد القانونية المعمول بها سابقا والتي تساعد على فرض السيطرة الضرورية لعملية الانتقال، وهذا من الناحية العملية يعني ديمومة فعل التقييد لبعض جوانب الحياة ذات الصلة بالأمن، اللازمة لدعم التغيير وترسيخ أرضيته التي تمهد للتطبيق الشامل للديمقراطية، دون التغاضي عن السماح بقدر من الحرية والترويح في بعض الجوانب الاجتماعية، والترفيهية الضرورية لخفظ التوتر عند المواطنين.

ثانيا. الديمقراطية سلوك شأنه شأن العديد من أنواع السلوك الفردي والجماعي بحاجة إلى أن يتعلمه الناس ويمارسون بعض من جوانبه، ويتحسسون أيضا قدرا من منافعه ـ أي ينضجون فكريا لإستيعابه ـ حتى يستطيعوا ممارسته في كل جوانب الحياة وبأقل خسائر ممكنة. وتعلمه، أو النضج في مجاله لا يأتي دفعة واحدة خاصة في مجتمع مثل العراق الذي حُجبت عن مواطنيه كل القيم والممارسات ذات الصلة بالديمقراطية، ومورست بدلا عنها كل أنواع القسر، والتقييد، والاستعباد.

وبالتالي فإن المنح التدريجي لتطبيقات الديمقراطية ينسجم ومستوى النضح الحالي، ويساعد على تطويره، ويحقق في ذات الوقت غاية الأمن والسيطرة المطلوبة، ويقلل نسب الخسائر المحتملة إلى أقل المستويات.

ثالثا. العراق دولة في منطقة إقليمية تؤثر وتتأثر بمن حولها والقريبين منها، وهي في وضعها المتردي الراهن وحالها القلق بعد التغيير أكثر عرضة للتأثر، أو التَقيُدْ بظروف القريبين منها، وكون منطقتها لم تصل فيها مستويات تطبيق الديمقراطية إلى الحال الطبيعية ـ كما هو موجود في الغرب الليبرالي أو قريب منه في دول أخرى ـ فإن التطبيق الفوري الشامل لها في عراق ما بعد التغيير قد يثير تحسس غالبية دولها للحد الذي تقف فيه ضد إجراءات الحكومة الجديدة أو يخسر العراق دعمها ومساعدتها وهو في أمس الحاجة إليها.

هذا بالإضافة إلى الموقف الدولي الذي ينبغي أخذه بالاعتبار والذي تدعوا الدول الكبرى في مجاله إلى تعميم الديمقراطية في العلن، أو عولمتها، لكنها وعند الوصول إلى المنطقة العربية تتوقف لتكون بالضد من توجهاتها، لضرورات سياسية استراتيجية.

وعلى أساسها يصبح العراق غير قادر أن يكون واحة للديمقراطية المطلقة ما بعد التغيير مباشرة وسط قواعد الديكتاتورية المحيطة به والمطلوب بقائها دوليا.

وعلى أساسها أيضا يكون الانتقال التدريجي هو الحل التوفيقي الملائم.

رابعا.الوضع السياسي الإقليمي مضطرب وغير متوازن، والتغيير القادم في العراق قد يزيده إضطرابا لمستوى يهدد وحدة العراق وأرض العراق، مما يتطلب من الحكومة الجديدة بعد التغيير أن تكون قوية وحازمة وأن لا تشتت جهدها المحدود بقضايا الداخل على حساب المسائل الخارجية التي تتعلق بمستقبل العراق، الأمر الذي يقتضي الاستمرار بوتائر السيطرة والضبط الاجتماعي كما هي كمرحلة أولى تعقبها خطوات لتطبيق المزيد من مناحي الديمقراطية مراحل لاحقة.

ب. السلبيات

لهذا الخيار معارضوه الذين يرون فيه من السلبيات على الرغم من تلك الإيجابيات المذكورة، وهي سلبيات يمكن أن تؤثر على المكاسب المتوقعة. من بينها:

أولا. لقد برزت على سطح الواقع السياسي، والاجتماعي، والجغرافي للعراق أمور تتعلق بحقوق الطوائف، والأقليات ، والمذاهب، والقوميات وبمستوى يصعب تجاوز استحقاقاتها من قبل أية حكومة مقبلة ومهما كانت مشاعرها الوطنية، وبالتالي أصبح المجال الوحيد للإيفاء بهذه الاستحقاقات هو الديمقراطية، وأي تأجيل بعيد في تطبيقاتها يفسر تنكرا لتلك الاستحقاقات، ومن ثم دافعا للمطالبة بها بشتى الوسائل المتاحة بينها اللجوء إلى القوة، وإثارة الاضطرابات التي تفوق قدرة الحكومة الفتية على تحمل أعبائها ونتائجها.

ثانيا. إن التدرج في منح الديمقراطية على شكل مراحل، يمثل أسلوبا لم تكن الدعوة إليه جديدة أو خاصة بالبعض من المعارضين العراقيين في الوقت الراهن، وإنما هو توجه طرحه غالبية الحكام، ولجأ إلى الدعوة إليه كل الانقلابين، وتبين في نهاية الأمر إبتعادهم عنه وتنكرهم لكل الالتزامات الخاصة بمراحله، بل وعلى العكس فقد إنحرفوا إلى الفردية والديكتاتورية بحجج مختلفة، وإنتهت مشاريعهم للديمقراطية مجرد أفكار طواها الزمن،أو زُوِقت بشعاراتِ يتقنوها جيدا كحكام دكتاتوريين، وهذه وحدها مؤشرات لا تسمح بالمجازفة وتفويت الفرصة السانحة للإتفاق على التطبيق الشامل للديمقراطية قبل التغيير والشروع بتطبيقها الفعلي فيما بعده.

ثالثا. إذا ما كان هامش التأثير الغريزي في النفس العراقية، أو عدم القدرة من السيطرة عليها عاليا بالمقارنة مع المجتمعات الغربية، وإذا ما كان مستوى النضج الاجتماعي الداعم لفعل الديمقراطية في البيئة العراقية يقل عن المجتمعات الأخرى، فلم يتبق خيار للحكومة الجديدة سوى قبول المجازفة بتطبيق الديمقراطية حيث تقل الأثمان المدفوعة بسببه عن تلك التي تنتج عن الانحراف نحو الديكتاتورية في المجتمع الذي لم يستكمل نضجه، أو الذي ترتفع فيه مستويات الذات العليا.

رابعا. إن المنطقة الإقليمية للعراق التي قد تتحسس من توجهاته الديمقراطية تختلف من حيث تركيبتها الاجتماعية من نواح عدة، وظروفها لا تشابه ظروف العراق من جوانب عدة، وهذا يجعلها تتفهم وضع العراق وتوجهات حكومته الجديدة لطرح الديمقراطية سبيلا وحيدا لحل تلك المشاكل، هذا من ناحية ومن ناحية ثانية إذا ما نظرنا إلى العلاقة بين العراق ومحيطه الاقليمي بضوء الخسائر  والأرباح فإن المؤشرات المتاحة تشير إلى أن غالبية المحيطين به، والقريبين منه قد تضرروا بفعل حكمه الديكتاتوري الحالي، وهذا يدعم التفهم المتوقع من قبلها لتوجهاته الجديدة، إذا ما لمست ـ دول المحيط ـ بالديمقراطية العراقية إستقرار، وانفتاح، وتبادل تجاري، ومنافع لها تفوق ما يمكن توقعه من آثارها الجانبية السلبية على مجتمعاتهم.

خامسا. هذا وأكثر المصاعب إحتمالا للظهور في حالة الأخذ بهذا المشروع تتعلق بالجانب الإجرائي، إذ أن الديمقراطية مفهوم قيمي يصعب تقسيمه أو تجزأته إلى أقسام، ومراحل مثل باقي المشاريع المادية، وبذا يؤدي العمل به وإن توفرت الدافعية العالية إلى الإرتباك، وكذلك فإن الاجتهاد غير المناسب في مجاله من حيث التقديم والتأخير قد يمهد إلى نسف المشروع برمته.

3.  مرحلة إنتقالية محددة نحو الديمقراطية

أ. إن جميع الحجج التي وردت لكلا الخيارين المذكورين لتعزيز أحدهما، ودعم اتجاه الأخذ به خيارا وحيدا مناسبا فيها كثير من الصحة، وكذلك الحال بالنسبة للحجج التي ذكرها المناوءون لإسقاط أي منها من قائمة الخيارات لا تخلوا هي الأخرى من الصواب.

وتلك حجج متقابلة إذا ما وضعت جميعها على طاولة البحث والتحليل، ستنتج إتجاها آخرا أقرب للواقع من كليهما، وأقرب إلى الصيغة العملية القابلة للتطبيق في ظروف خاصة مثل ظروف العراق قوامه:

التحديد المسبق لفترة إنتقالية تسمح بفرض الضبط والسيطرة، وتمهد إلى مرحلة الديمقراطية الشاملة، وفق شروط وضوابط محددة منها:

أولا. أن تكون فترتها الزمنية واضحة ومعلنة للعالم، وللشعب العراقي ، وأن لا تزيد عن السنة بأي حال من الأحوال.

ثانيا. أن تكون المرحلة الانتقالية مكفولة بالدستور الذي يشرع بإعتماده مع بدايات التغيير.

ثالثا. أن تكون مشفوعة بموافقة، ودعم غالبية الشعب العراقي.

رابعا. أن تكون مشهودة من الجهدين العربي والدولي الداعمين للقوى العراقية  المعارضة التي ستقود التغيير.

خامسا. أن تكون من بين أهداف الحكومة الجديدة خلال السنة الانتقالية المتفق عليها دستوريا يهدف الإعداد لمرحلة الديمقراطية، تربويا، وشعبيا، وإداريا، وقانونيا، وأن يخصص جزء ليس قليل من جهد الدولة لتحقيق هذا الهدف.

ب. وهذا الخيار العملي الذي يتأسس على الاستثمار الجاد لمعظم الايجابيات الواردة للخيارات المذكورة، والتجاوز الفاعل لغالبية السلبيات المذكورة أيضا هو الأنسب لعراق يعاني عديد من المشاكل في موضوع استقراره من ناحية، ولبلد يحتاج أبنائه إلى التطبيقات الفعلية للديمقراطية حلا وحيدا لمشاكل عديدة أرهقتهم ردحا طويلا من الزمن من ناحية أخرى، وهو بالإضافة إلى ذلك خيار يمكن أن يحقق الآتي:

أولا. يعطي فرصة كافية للحكومة الجديدة للتعامل مع الانفعال الجماهيري الناتج عن الكم الهائل من المكبوتات باتجاه السيطرة عليه وتوجيهه لأغراض البناء، والتطوير، والتهيؤ لمرحلة الديمقراطية من خلال أجهزة ضبط جديدة، وأساليب تعامل عادلة تأخذ بالاعتبار القبول بالفرض الطارئ لبعض القيود المؤقته ذات الصفة المعلومة، والمستندة على مواد القانون.

ثانيا. إن صدام الذي حكم العراق بكل مفردات القوة كون في الذاكرة العراقية صورة للحكومة تتمثل ألوانها بالشدة، والقسوة، والرعب، والسرعة، وهذه ألوان ستبقى في ثناياها ـ الذاكرة العراقية ـ لفترة ليست قصيرة بعد التغيير.

وبقائها وفقا للاقتران الشرطي قد يحرك السلوك الجمعي بالعديد من الاتجاهات التي قد يكون بعضها ليس في الصالح العام. علما أن تعديل تلك الصورة أو التقليل من أثر وجودها على السلوك بحاجة إلى الوقت وإلى الحكومة الوطنية القادرة على أن تشعر كل شرائح المجتمع بقوتها وعدالتها، وهذه مشاعر لا تتأمن إلا في الفرض المرحلي لمعالم السيطرة، والتمهيد العلني لمرحلة الديمقراطية.

ثالثا. من المتوقع ونتيجة للتوتر، والظروف القلقة أن تظهر بؤرللإضطراب ولو متفرقة تقودها جماعات خارجية وداخلية لم تقتنع بما جاء به الوضع الجديد، ويدعو إليها أفراد لم ينسجموا معه ـ الوضع الجديدـ وتتفاعل معها عشائر لم تفهم ماهيته بعد، ويدفع إليها في الخفاء من بقايا أجهزة الحكومة السابقة لم يتكيفوا إلى تطوراته. ومن المتوقع أيضا أن تكون هناك إحتجاجات ذات توجهات طائفية وقومية إذا ما شعر المنتمون إليها بضعف الحكومة أو بسعيها مصادرة حقوقهم بالابتعاد عن تحقيق المشروع الديمقراطي.

وفي مثل هذه الحالات يبقى الحل الأمثل هو الفرض الحتمي للسيطرة بأجهزة ضابطة رصينه وإعطاء الأمل بتطبيق الديمقراطية بوقت معلوم، ومتفق عليه مسبقا.

رابعا. إن المجتمع العراقي يعاني فعلا من نكوص في الجانب الحضاري الذي قد يثير بعض المشاكل عند التطبيق الفوري للديمقراطية، وقد يؤدي إلى التعسف، والظلم في حالة التأخير بتطبيق الديمقراطية، عليه تكون السنة المتفق عليها كمرحلة إنتقالية مناسبة لتوجيه المجتمع، ومساعدته لإدراك حاجته إلى الديمقراطية، وتوعيته بالدفاع عنها كواجب وطني.

هذا وبالإضافة إلى تلك المشاريع، والخيارات قد يواجه العراقيون ومعارضتهم مشاريع أخرى تحتمها الظروف غير الطبيعية، وتطورات المواقف غير المحسوبة، قد يكون بعضها من خارج جعبة المعارضة، وبعضها الآخر من معارضين لهم حساباتهم الخاصة، وآرائهم المتفردة، والتي ستؤثر حتماعلى المشروع العام للديمقراطية من أهمها:

1. الإستمرار على صيغ الدكتاتورية

قد تؤدي الظروف إلى إعادة حكم العراق (بعد تغيير محدود) من بعض قيادات الحزب تقوم بانقلاب على صدام وعائلته والمدينة، وفي إنقلابها تبقي على هيكلية الحزب وخبرته في إدارة الدولة كما هي في وقتنا الراهن مع بعض عمليات التجميل في الوجوه، والأشخاص، والأساليب لأغراض تعبوية.

أو إعادة حكم العراق (بعد تغيير شكلي) من بين أفراد وأفخاذ العائلة الحاكمة يقومون وفي إطار التصارع على السلطة بتنحية صدام حسين، والابقاء على هيكلية العشيرة والمدينة ومفاصلها القيادية الممتدة لإدارة الدولة مع قليل من المرونه في التعامل الداخلي وكثير من الوعود المستقبلية لأغراض تعبوية أيضا.

وهذان الاحتمالان وإن يقعان ضمن سيناريوهات التغيير المحتملة في مجتمع مثل العراق، وفي ظروف دولية وإقليمية معقدة مثل التي تحيط به، فإن نجاح إي منهما ورغم ما سيقدمه من تنازلات آنية، ووعود مرحلية في الموضوع الديمقراطي سيدفعه إلى أن يعاود نفس صيغ إدارة الحكم الحالي، وأساليبه الدكتاتورية،لأنها ـ أي صيغة الديكتاتورية ـ لم تحل بالعراق بسبب صدام حسين فقط رغم أن لـه الدور الأكبر في ترسيخها وديمومتها، بل جاءت بالإضافة إليه كنتيجة حتمية للمارسة الحزبية هلو غي الصحيحة، وكنتيجة أيضا لحكم القرية للمدينة، سيكون نوع التغيير المحدود، أو الشكلي وتوجهاته في الديمقراطية لا تزيد عن عملية ترقيع موضعي تعاود بعدها العائلة والعشيرة لتحكم بذات الأساليب القمعية التي تضمن بقائها في الحكم، وسيعاود الحزبيون نفس توجهاتم في السيطرة والترهيب التي تمنحهم فرصة الاستمرار في الحكم.

2. الحكم بمنطق الحتمية الثورية

قد يأتي التغيير في العراق كذلك بأساليب أخرى ليس للمعارضة يد فيها أو أن لبعضعها الذي لا يؤمن بالديمقراطية اليد الطولى، وفي كلتا الحالتين سيتأثير التطبيق الفعلي للديمقراطية تبعا لأسلوب التغيير ونتائجه، وكما يأتي:

أ. هناك من بين الأساليب الواردة للتغيير، بل والتي يبشر بها البعض من العراقيين، وأطراف أجنبية هو القيام بإنقلاب من داخل المؤسسة العسكرية:

يقوده ضباط برتب عالية ـ أي حزبيين عرب،أصولهم من مثلث الجزيرة شمال بغداد ـ ( لأن مثلهم فقط مؤهلين للقيام بفعل الانقلاب بحكم مواقعهم القيادية في القوات المسلحة، والأجهزة الأمنية إذا ما إفترضنا غفلة صدام، وهي الغفلة غير المحتملة).

وهذا يحتم، وإن توجهوا لحل الحزب، وتسريح المليشيات، وتوحيد القوات المسلحة، ومحاكمة أفراد العائلة الحاكمة، وبعض القادة السياسيين، والعمل على تجاوز أخطاء المرحلة السابقة، ومنح الأمل في بعض الحريات، إلا إن صيغة العسكر في الحكم لا يمكن أن تقترب من الديمقراطية التي تمنح أبسط تطبيقاتها الفرد والمجتمع حرية الاختيار، والتعبير، والانتقاد، التي لم يتعود عليها العسكر في تطبعهم على ضرورات الطاعة، والتنفيذ الفوري للأوامر، والحق في فرض الانضباط، إلا في حالات إستثنائية فردية يصعب وجودها في العراق.

وهذا يعني أن إدارتهم للحكم ستقترب من مفردات الدكتاتورية أكثر من إقترابها من تطبيقات الديمقراطية، وإن لبست عبائتها في الأيام الأولى للتغيير.

وتعني أيضا العودة إلى ذات الظروف التي تصنع القسر والتسلط، وعتات الدكتاتورية.

ب. أن يأتي التغيير من بين ظروف الفوضى، والاضطراب الناتج عن إنهيار أجهزة الحكومة والغياب المفاجئ للأجهزة الضابطة، الذي يمكن أن ينتج عنه :

اولا. قيام جماعات قريبة من سلطات القرار الغائبة بالاتفاق الآني لتنظيم شؤونها واستثمار الظرف الطارئ لإعلان وفرض التغيير.

ثانيا. إتفاق أحد القادة العسكريين مع آخرين من داخل المؤسسة الحكومية ومن خارجها لإستثمار معرفته بالغياب المفاجئ للحاكم والمقربين منه، والإعلان عن حكومة التغيير.

ثالثا. قيام فصيل من فصائل المعارضة العراقية التي لا تؤمن بالديمقراطية، أو تلك المؤهلة للإصابة بداء ( أحقيتها بالحكم على ضوء جهدها المبذول في الوصول إليه ) بالتحرك سريعا لكسب الشارع المضطرب، وقيادته للوصول إلى التغيير.

وتلك أهم الحالات التي يمكن أن تحدث في حالة الفوضى، وفقدان السيطرة، والقادمين عن طريقها سوف لن يقتربوا من التطبيق الجاد للديمقراطية سواء بسبب عدم نضجهم سياسيا، أو بسبب تطرفهم دينيا، أوثوريا للمستوى الذي يحول دون التطبيق الفعلي للديمقراطية، وهذا يعني:

العودة إلى الوراء عشرات السنين.

الدخول في دوامة الدكتاتورية التي قد تكون آثارها أشد وقعا على العراق من دكتاتورية الحزب الواحد أو الفرد الواحد التي ميزت حكم العراق منذ عام 1958 وحتى يومنا هذا.


خطوات تمهد لتطبيق الديمقراطية 

1. إن الديمقراطية التي ينم موضوعها عن بساطة في المفردات قد إنشغل بها العالم الغربي طويلا حتى إستطاع وبسبب انشغاله هذا، وقناعاته بحاجة إلإنسان للرفاه، والحرية، والعدالة أن يشرع بتطبيقاتها في كل مجالات الحياة، تاركا خلفه عديد من المجتمعات وبينهم العرب ما زالوا منشغلين، وما زالت قناعاتهم في مجالها لم تترسخ بعد لمستوى السعي الحثيث للمطالبة العلنية بحتمية التطبيق بصورة شاملة لا تقف عند حدود إبداء الرأي وحرية التعبير رغم أهميتها. ولا تتحدد بانتخاب سلطة إصدار القرار والمجالس المؤسساتية رغم الحاجة إليها، بل وتمتد شاملة لكل معالم الحياة، وجوانبها  الكثيرة خاصة في مجتمع مثل العراق يتطلب أن يحقق تطبيقها الشامل في ربوعه تعزيزا لإنسانية الإنسان والدفع باتجاه توثيق العلاقة بين الأفراد والجماعات، وتسامح الأغلبية الدينية والقومية مع الأقليات المذهبية، والعرقية في النظرة الى حقوقهم ووطنيتهم، وتحقيق العدالة بالاتجاه الذي يعي فيه المواطن حقه دون أن يبخس حقوق الآخرين، ويؤدي فيه واجباته أسوة بالآخرين، وكذلك تجاوز النظرة المتعصبة الى الذات الفردية والجماعية، ومن ثم التقيد بقاعدة المساواة بحيث لا يؤدي أي خلل محتمل في التطبيق الى زيادة نسبة الفقر، والجوع، والجهل عند البعض ، والتخمة عند البعض الآخر، وكذلك لا يؤدي إلى الإحساس بالحيف، والتمييز، والعنصرية، والطائفية، أو يحول دون رفاهية الفرد، وإطلاق حرياته، ومنحه فرصة التعرف على العالم بعيداً عن القيود الفكرية كأحد أهم غاياتها الأساسية

وهذه شمولية في النظرة إلى موضوع الديمقراطية تؤكد أن المشكلة ستكون في الشروع الفعلي لتطبيق الديمقراطية، وكذلك بالطريقة الملائمة للإنتقال إليها في عراق ما بعد التغيير، وستكون ماثلة بمواجهة المجتمع، والحكومة الجديدة التي ستجد نفسها في ظروف حساسة لا تسمح بتأخير التطبيق من جهة، ولا بالاستعجال بتعميمه إسقاط فرض، أو تمشية للأحوال من جهة أخرى، بعد أن تأخر العراق في مجاله عن الأقران عقود من الزمن كان قبلها يتقدمهم بنفس المسافة، أو أكثر منها بعديد من السنيين.

وهي مشاكل متوقعة إذا ما أضيفت إليها تلك الخروق والتناقضات في مجالات الحياة الاجتماعية، والسياسية العراقية المتراكمة التي تبرز أمام المجتمع، والمعارضة، والباحثين، والأدباء، والفنانيين، والسياسيين، والعسكريين العراقيين جملة أمور ينبغي أخذها بنظر الاعتبار لتأمين أكبر قدر من النجاح في المسعى الخاص بضمان التطبيق الشامل للديمقراطية، وفي الجهد الخاص بالدفاع عن ذلك التطبيق فيما بعد منها:

1. الحاجة إلى بذل جهود كبيرة من قبل المثقفين والمختصين العراقيين معارضيين، وغير معارضيين لتجاوز آثار ومعالم الحصر والتقييد التي فرضها صدام لأكثر من عشرين عاما، والتوجه إلى تأكيد مفاهيم الشمولية في التطبيق المستقبلي للديمقراطية، كذلك التركيز على الآثار السلبية في حالة عدم تطبيقها، بهدف تكوين قوى ضاغطة تجاهد من أجل ذلك، وكذلك لدفع العموم من أبناء المجتمع العراقي إلى التفكير بالحاجة إلى تطبيق قواعدها وأسسسها الصحيحة خطوة أولى تقود إلى توحدهم في مع من يفكر بذلك عن طريق الدخول وإياه في الأطر التنظيمية المعارضة. توحدٌ يمكن العراقيين جميعا من النضال في سبيل فرضها مع أي تغيير قادم، وتحمل أية آثار جانبية لتطبيقاتها.

2. إستمرار قوى المعارضة المهتمة بموضوع الديمقراطية للمضي حثيثا بتطوير مشاريعها في كل ما يتعلق بجوانبها، وتوحيد الرؤى لعواملها المشتركة، أي التعاون في رسم صورتها الأقرب للواقع العراقي من أجل ضمان نجاح تطبيقها بأقل ما يمكن من الخسائر.

3. توجه المعارضة العراقية مؤسسات، وأفراد إلى ممارستها في السلوك اليومي وفي التعامل الروتيني، وفي العلاقات العامة، ونشر ما يتعلق بها في الأدبيات الميسورة لتوسيع قاعدة الاقتناع والممارسة الفردية، والجماعية التي تشكل أساس النجاح بالتطبيق المستقبلي، لأنها:

أ. أحد أهم العوامل المساعدة لتجاوز محنة الفرقة، والتشتت والعراق في الطريق إلى التغيير.

ب. السبيل العملي للتخلص من رواسب الظلم، والاستعباد، والقهر بعد الوصول إلى المحطة الأخيرة في التغيير.

4. السعي الشعبي للخروج من دائرة التقييد وتوسيع قاعدة الفهم الديمقراطي، أي النضج الحضاري الملائم للتعامل بالمعايير الديمقراطية الذي تأجلت، أو أغفلت بسببه المطالبة بالتطبيق الفعلي للديمقراطية كل هذه السنيين.

وأخيرا فإن السبيل العملي إلى تحقيق ذلك وبدرجات مقبولة يأتي من خلال:

التوسع في التعريف بالحاجة إلى الديمقراطية.

التعامل بالمعايير الديمقراطية.

الإعداد المسبق لمشروع تطبيقها بعد التغيير يأخذ بالاعتبار مرحلة إنتقالية محددة لازمة لتجاوز آثار الماضي، وضرورية للتمهيد إلى التطبيق المستقبلي على أن لا تتجاوز السنه بعد إنجاز فعل التغيير بأية حال من الأحوال.


المراجع

1. علي الوردي ( ب . ت) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء السادس من عام 1920  ـ 1924 ـ 1924.

2. عبد الرزاق الحسني (1999) أحداث عاصرتها، دار الشؤون الثقافية، بغداد

3. ستيوارت كوهين (2000) المجتمعات الديمقراطية وقواتها المسلحة، فرانك كاس، لندن.

4. مركز دراسات الوحدة العربية (2001) المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية، بيروت.

5. نجيب الغضبان (2002) التحول الديمقراطي والتحدي الإسلامي في العالم العربي 1980 ـ 2000. دار المنار، عمان.


15/7/2002