ظاهرة الفساد الإداري في وزارة الداخلية الرؤية والمعالجة


عام

1. يتزايد الاهتمام في العراق وعلى كافة الأصعدة الرسمية وغير الرسمية بمسالة الفساد ""corruptionوأسباب حدوثه، ومستويات انتشاره، وأثره السلبي على الكفاءة والاستثمار والنمو الاقتصادي وكذلك طرق علاجه، وخاصة بعد التغيير عندما تأمل العراقيون مجتمعا جديدا تقل فيه فرص الاستغلال والتجاوز وتنتهي في مجاله سبل القرارات الفردية والقفز من على القانون.

2. على الرغم من أن الاهتمام بمسألة الفساد من قبل الحكومة العراقية يكاد يكون موجودا، والرغبة عند البعض من المسؤولين، والسياسيين في القضاء عليه آفة مستشرية هي الأخرى موجودة إلا إن مستويات حدوث هذا الفساد في دوائرها ومؤسساتها الرسمية وشبه الرسمية باتت في تزايد ملموس بدرجات يمكن أن تهدد المجتمع العراقي بالفشل في تحقيق الديمقراطية، وإعاقة عملية التطور وإعادة البناء.  


التعريف الرسمي للفساد 

1. بسبب استشراء ظاهرة الفساد وانعكاساتها السلبية على المجتمعات الفقيرة بشكل خاص. ونظرا للاهتمام الدولي المتزايد بحالتها وضع البنك الدولي تعريفا للانشطه التي تندرج تحت تعريف الفساد فحواه:

إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص. (1)

2. وعلى أساس التعريف المذكور يكون الفعل أو السلوك فسادا عندما:

أ. يقوم موظف بقبول أو طلب رشوه أو ابتزاز الغير من أجل تسهيل عقد أو إجراء طرح لمنافسه عامة.

ب.يعرض وكلاء أو وسطاء لشركات أو أعمال خاصة بتقديم رشى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة للتغلب على منافسين وتحقيق إرباح خارج إطار القوانين المرعية.

3. كما يمكن أن يحصل الفساد عن طريق استغلال الوظيفة العامة وذلك:

أ. بتعيين الأقارب في المناصب الوظيفية.

ب. سرقة أموال الدولة مباشرة.

ج. محاباة المعارف والأصدقاء وتسهيل إعمالهم خلافا للقانون. (2)

 

الغــــاية

دراسة ظاهرة الفساد العام في دوائر ومديريات، وزارة الداخلية، ومؤسساتها وذلك بالتركيز على المنافذ الرئيسة لانتشاره، وأسباب الانتشار، مع تحديد بعض المقترحات الخاصة بالتعامل معه. 


واقع الفساد في المجتمع العراقي 

1. لقد استشرت معالم الفساد في مؤسسات الدولة والمجتمع العراقي بشكل ملموس مع بداية انقلاب صدام حسين على حكم البكر عام 1979 وزادت شدة تأثيراته السلبية خلال الحرب مع إيران للسببين الآتيين:

أ. التفريق بالمحافظة على الحياة، والمجازفة بها على أساس القرابة والمنطقة والصداقة والمنفعة.

ب. السعي إلى إسناد الوظائف المهمة، والإقصاء منها على أساس الولاء الشكلي للحزب والمؤسسة الحاكمة.

2. وتضاعفت تلك الشدة والتأثيرات بعد الحرب مع الكويت، وخلال سني الحصار نتيجة حتمية إلى:

أ. الميل لإغناء البعض، وإفقار البعض الآخر على أساس المسافة من سلطة إصدار القرار ومواقف الدفاع عنها، والاطمئنان لوجودها.

ب. العمل على تبرير أخطاء البعض وتجاوزاتهم على القانون حد الإعفاء المتكرر، والاتهام غير المبرر للبعض الآخر "خارج سياقات القانون" لمستوى الحكم بالموت دون محاكمة، وبصيغ أساسها القربى، والعلاقات الخاصة، والمنفعة والشك، والحقد، والعدوان. 

ج. التركيز المكثف للحكومة والحزب آنذاك على أمن العائلة ورأس النظام، وحشد الجهد بكل الوسائل، والإمكانيات المتاحة من أجل الحيلولة دون سقوطهما وبأساليب أدت بالنتيجة إلى:

أولا. تكوين جيوش من المستفيدين والمستغلين، من الأقرباء والشركاء والطفيليين.

ثانيا. إغراق أجهزة الدولة تدريجيا في مستنقع الضعف والوهن.

وتلك أساليب قيدت من قدرة الدولة على الردع وتحجيم الفساد ودفعتها بدلا من ذلك، إلى قبول وتقنين بعض أشكال هذا الفساد رسميا في حالات.

(1). تقديم الهدايا.

(2). الإسهام في التبرع للنشاطات العامة.

(3). دعم الدوائر والمؤسسات بمعدات ومواد وأجهزة مصدرها أشخاص وشركات مستفيدة.

(4). تقديم الأموال لأغراض تشييد وترميم مؤسسات من متعاملين معها ومستفيدين من وجودها.  

(5). اللجوء إلى منح المسؤولين والقياديين في الحزب الهدايا والمكارم، تحت بند تحسين المستوى المعيشي والتخفيف عن الكاهل بسبب ظروف الحصار، وهي في الأساس رشوة يقدمها الحاكم للمعنيين بالمحافظة على نظامه.

3. لقد تأسس الفساد وأنتشر مرضا اجتماعيا معديا في جسم الدولة العراقية، والمجتمع إبان حكم صدام، وزاد انتشاره بعد التغيير لأسباب منها:

أ. كم العدوان المكبوت عند الفرد العراقي ضد الحكومة السابقة، ومؤسساتها الرسمية وشبه الرسمية دفع البعض منهم إلى التوجه لتدميرها كأحد مسارب التنفيس عن ذلك العدوان، مما تسبب في:

أولا. زيادة حجم التجاوز على القانون، وكذلك مستويات تكراره.

ثانيا. وجود استعداد نفسي عام للتعامل الخطأ.

ثالثا. شيوع ثقافة قبول الخطأ.  

رابعا. إيجاد نوع من الميل أو الرغبة للقضاء على الحكومة من خلال الإيغال بالتعامل الخطأ (الفساد) مع مؤسساتها.

وهي أسباب، مع أخرى غيرها لها صلة بطبيعة الشخصية، مهدت إلى تعزيز عوامل الفساد وأسهمت في استمراره، والمبالغة في تكراره. 

ب. سلوك الحاكم الخاطئ في عمليتي الإغناء والإفقار، وكذلك في التقريب والإبعاد، ومن ثم في الثواب والعقاب على وفق معطيات خاصة من بينها.

أولا. الشك في النوايا بضوء الطائفة والمنطقة والعشيرة.

ثانيا. تقييم السلوك المقابل على أساس القرب والبعد من دائرة الولاء، ومقدار تأثيراته في الحاكم وعائلته.

ثالثا. الحالة الانفعالية للحاكم مثل "الإفراط بمنح المكرمات وقرارات العفو عند الفرح والانشراح، والقسوة والبطش والإعدام في حالات الزعل والاكتئاب".

وهذا نوع من أنواع السلوك دفع بعض العراقيين إلى الوقوف في حالة ترقب على حافة الاستغلال، وعندما تهدمت أركان الحكومة قبل 9/4/2003 وما بعدها بقليل توجه أولئك المتربصون لاستثمار الفرصة المتاحة لإشباع حاجتهم فدخلوا إلى مفاصل الدولة العديدة بخبرة هزيلة ومسوغات كثيرة ضاعفت من مظاهر الفساد وجسدت آثاره. 

ج. إن وجود الفساد وسعة انتشاره في مجتمع من المجتمعات وعجز الدولة عن الحد منه قوّى بالتدريج آلية التبرير التي خففت من لوم الذات، وكذلك من حجم الانتقاد الموجه لمرتكبيه من جهة، وشحن البعض "غير المنضبطين" انفعاليا باتجاه الترقب لاستغلال الفرص على أساس "أن الأمر لم يتوقف عنده هو" من جهة أخرى، وهذا فتح أبوابا ومنافذ للفساد، لم تكن موجودة قبل التغيير.

د. الغياب السريع للأجهزة الأمنية الضابطة، وعدم السعي إلى إعادة تشكيلها فور التغييرأوقع المجتمع العراقي في حالة فراغ أمني نشطت فيه أعمال التجاوز والاستغلال، وتشكلت عصابات منظمة مدت نشاطاتها إلى جسم الدولة ومؤسساتها ودعمت وجود الفساد بالضغط والتهديد باستخدام القوة في حالات ليست قليلة، الأمر الذي زاد من مستوياته.

هـ. الميل الواضح والملموس لبعض الأحزاب والحركات السياسية التي عادت من خارج العراق بعد السقوط إلى استغلال ممتلكات الدولة كمقرات وأماكن للاستثمار، وتوجه بعض قادتها وملاكاتها الموجودين في مفاصل الدولة المهمة إلى تسخير موجودات الدولة، والتدخل في المقاولات الخاصة بها بغية التموين المباشر للحزب والحركة، وهذا وإن حصل  بشكل محدود في بعض الأحيان فقد أسهم مباشرة بتسهيل عملية التفشي والانتشار على نطاق واسع.

و. توجه الحكومة المؤقتة إلى التصرف مع الواقع العراقي بنفس الطريقة التي كان يتصرف بها صدام، وذلك عندما أحست بحاجتها إلى التأييد لإغراض إثبات الوجود، وكسب الأصوات الانتخابية، أسرعت إلى توزيع أراض سكنية على الموظفين القريبين، ومكائن زراعية على شيوخ العشائر، وسيارات على بعض المؤثرين وهذا سلوك كّون اقتران في العقل الجمعي بين صدام الغابر ومن بعده، ودعم من وجود الفساد وأثره القوي في مرافق الدولة.

ز. انشغال الحكومات المتعاقبة بعد التغيير بمهام الأمن، وفرض النظام مع افتقار بعض أعضائها إلى الخبرة والكفاية، وعدم إتقانها لآليات اتخاذ القرار على مستوى الدولة، أوقعها هذه الحكومات في وهم التركيز على الأهم وترك المهم، مما أدى إلى عدم إعطاء موضوع الفساد الاهتمام الكافي الأمر الذي زاد من مستويات حدوثه وانتشاره.    

ح. جهل سلطة الائتلاف الحاكمة في بداية التغيير بالتعامل المنطقي مع الواقع العراقي، وتركيز قواتها على حماية بعض الأماكن المهمة.

وغض الطرف عن أمور أخرى أو حتى السماح في بعض الأحيان للمنتفعين، والمتربصين بالتجاوز على ممتلكات الدولة والمال العام، مما فتح الطريق للاستمرار بوتائر فساد أكدت وقائعه تلك المعلومات التي ترشحت عن طريق الإعلام العالمي حول التلاعب، والفساد الحاصل في أموال إعادة الاعمار وغيرها من قبل بعض أفراد تلك الإدارة.

ط. تعدد الحكومات في زمن قليل نسبيا مثل " سلطة الائتلاف، ومجلس الحكم، والحكومة المؤقتة، والحكومة المنتخبة مؤقتا في سنتين" وطبيعة المحاصصة التي أرست قواعد التوظيف في كل مفاصل الدولة المهمة على أساس الولاء الحزبي والطائفي والقومي، دون اعتبار للكفاية والتخصص، جعل بعض موظفي الدولة، والقطاع الخاص "غير المنضبطين" أن يتجهوا إلى الاستثمار الشخصي الأمثل للفرص المتاحة من أجل الكسب السريع على قاعدة البقاء المؤقت والوقت المحدود، وهذا شتت الجهد المفروض لإعادة البناء، ودفع إلى  فتح أبواب للفساد بعدة اتجاهات.     

4. لقد ورثت الدولة العراقية الحالية فسادا من زمن الحكومة السابقة لم تحسب له حسابا، وأخطأت في التعامل معه، وأسهم بعض أفرادها في تعزيز وقائع هذا الفساد، مما كون مستوى من الفساد قد يجر البلاد إلى حافات الهاوية إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن حصوله في مجتمع يتحول من الديكتاتورية التسلطية إلى الديمقراطية يقود إلى:

أ. إعاقة فعلية لخطوات إعادة البناء وربما توقفها.

ب. خرق أمني يتسلل من خلاله المعادون إلى جسم الدولة فيدمرون البنى التحتية.

ج. فوضى وعدم انضباط يقللان من فرص التقدم والاعمار.

د. اضطراب في التدرج التقليدي للطبقات الاجتماعية، يفضي إلى بروز مستفيدين ومستغلين يتمتعون بقدرات عالية في التأثير على سير الدولة والمجتمع يمكن أن يمهد إلى تفتيتها.

هـ. فقدان الدعم الدولي المفروض لإعادة الإعمار عند الإحساس بعدم الأمانة، والثقة في الملاك العراقي المعني بصرف أموال ذلك الدعم في بناء العراق.     

5. إن الفساد والتمادي في حصوله، ووجود قدر منه في المعاملات والعلاقات العامة مع الأفراد والجماعات في وقتنا الراهن، لم يعد هو الشاغل الوحيد للمواطنين الملتزمين، والمسؤولين السياسيين النزيهين، بل حجمه الهائل، واتساع دائرته، وتشابك حلقاته، وترابط آلياته بدرجه لم يسبق لها مثيل، هو ما يثير قلقهم في احتمالات تأثيره على مسيرة بناء وطنهم بعد أن طاله التخريب لخمسة وثلاثين عاما متصلة.

وهذا واقع تدعمه بعض صيحات أعضاء المجلس الوطني حول مستوياته في اجتماعاتهم الدورية، وما ينشر عنه أيضا في الصحف العراقية والعربية والعالمية، وما يتداوله الجميع في مجالسهم الخاصة.


وزارة الداخلية وموضوع الفساد 

1. لم تختلف وزارة الداخلية عمليا عن وزارات الدولة العراقية الأخرى في موضوع الميل والرغبة والنوايا الخاصة بالفساد، وربما سعة انتشاره وتكرار مستوياته، ومع ذلك فإنها تختلف عن باقي وزارات الدولة في مسألة النتائج والآثار السلبية لهذه الآفة الاجتماعية التي يؤشر حدوثها في مفاصل الداخلية ردود فعل تفوق كثيرا تلك التي يسببها حصوله "أي الفساد" في الوزارات والدوائر الحكومية الأخرى.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الخلل في وزارة الداخلية ينعكس سلبا على معنويات المجتمع وينتشر خبره ويتم تداوله بين الناس بدرجات تفوق ما يمكن أن يكون في الدوائر الأخرى لأنهم يدركون جيدا أن انتشاره في مفاصل الوزارة يعني تهديدا مباشرا لأمنهم الشخصي.

وعموما فإن مؤسسات الدولة ومراكز بحوثها لم تتجه حتى الوقت الحاضر إلى البحث في هذا المجال، والجهود القليلة فيه لا تؤشر وجود إحصاءات تؤكد حدوث الفساد في دوائر هذه الوزارة بمستويات تفوق الوزارات الأخرى لكن المتداول من الحديث بين الناس وبعض المسؤولين الحكوميين، والمنشور في الصحف وبعض وسائل الإعلام (3) يعطي موضوع الفساد في وزارة الداخلية أهمية تفوق باقي الدوائر والوزارات الأخرى لعدة أسباب بينها:    

أ. طبيعة عمل الداخلية ذو الصلة بالجريمة وأمن المواطنين، الذي يسمح بكثرة الاحتكاك والتعامل مع هموم المواطنين وحاجاتهم، وهو بوجه العموم تعامل يثير نقدهم، وعدوانيتهم على الوزارة والدولة في آن معا. 

ب. تحمل الداخلية المسؤولية الاعتبارية والفنية، لفرض الأمن والسيطرة، أعطاها موقعا متميزا في عقول المواطنين، وحملها مسؤولية كبيرة على أساسها أصبح الخطأ والتجاوز أكثر بريقا، وبات الفساد أكثر المواضيع تداولا.   

ج. حل وزارة الداخلية والأمر بإعادة بنائها، والسماح لها بتشكيل قوات نظامية للشرطة والتدخل السريع، وغيرها فتح أمام المسؤولين فيها فرصا واسعة للتعيين، وأوجد مجالات كبيرة للتنافس بين المتقدمين المحتاجين، وبغياب الضوابط الدقيقة، انفتحت مسارب للفساد باتت مغرية يتداول الناس الحديث عنها في كل الأوقات.  

د. إن المهام التي ألقيت على الداخلية في مجال الأمن جعلتها هدفا للأعداء، وكان الفساد أحد الأسلحة المتاحة للتهديم والإعاقة التي وجدت أرضية خصبة لاستخدامها من قبل بعض المفاصل الإدارية والقيادية في الوزارة التي يتصل بعضها بالماضي خبرة وتنظيما، ويتصل بعضها الآخر بالحاضر إتجاها، ورغبة في الإثراء.

هـ. إن إعادة بناء الوزارة وقواتها النظامية جاء بوقت فيه الحاجة سريعة إلى الوقوف بوجه التحدي والإرهاب، الأمر الذي لم يعطها مجالا للتدقيق في الاختيار وإعادة البناء، بل وعلى العكس من ذلك دفع المعنيين فيها ملزمين للعودة إلى عناصر سابقة "غير موثوق بها" في الشرطة، والمرور، والحدود كأساس للعمل وإعادة البناء، وكمفاصل أساسية للتشكيلات الحديثة مما أسهم في نقل معالم الفساد الموجودة إلى الجسم الحديث، وزاد من انتشاره بين المنتسبين الجدد عن طريق العدوى والتقليد.  

2. يبدو أن الفساد في الوزارة أشبه بالعصي على الحل خلال السنتين اللتين أعقبتا التغيير وإعادة تشكيل تنظيمها إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار إن موضوعه لم يكن محجوبا عن الجمهور العراقي، ولا عن مؤسسات الدولة المعنية، إذ أكد وزير الداخلية على مستوى العلن استعداده لتطهير الوزارة من كل العناصر السيئة أي الفاسدة بعد أن أرجع أسبابه إلى غياب معايير الأمانة، والدين، والكفاية والـتدريب(4).

وإن وقائعه لم تكن خافية أيضا عن سلطة الائتلاف، وقوات التحالف إذ أكد الخبير الهولندي المكلف بإجراء إصلاحات في وزارة الداخليه السيد مسيس دو جونغ بالقول "أن السلطات لا تملك رؤيا واضحة في الشخصية أو الأداء لأفراد الشرطة  كما أن الفساد، وانعدام الولاء ما زالا مستشريين " (5).

 

الإجراءات البحثية

اعتمدت الدراسة الحالية فــي تحليلها للوقائع ذات الصله بالفساد على عملية جمع البيانات من:

1. بعض من منتسبي دوائر الوزارة المستمرين.

2. بعض من منتسبي الوزارة السابقين.

3. المراجعين لبعض دوائر ومؤسسات الوزارة.(6)


النتائج العامة 

من خلال التحليل الذي جرى للبيانات يتبين الآتي:

1. وجود فساد شبه منظم في عموم دوائر ومؤسسات وزارة الداخلية.

2. إن طبيعة الفساد الموجود يتكرر في المستويات الدنيا أكثر منه في المفاصل القيادية العليا التي تدرك غالبيتها وجوده، دون أن يتحرك معظمها لمكافحته.

3. محدودية قدرة القيادات الحالية للوزارة في الحد من انتشار ظاهرة الفساد.

4. يتمحور الفساد في الوزارة بعدة اتجاهات أهمها:

أ. الرشوة

ب.الاختلاس

ج. التزوير

د. الكسب غير المشروع

هـ.استغلال النفوذ

و. المحاباة

ز. تقديم التسهيلات

ح. خيانة الأمانة

ط. السكوت عن الخطأ


المنافذ الرئيسة للفساد في الوزارة 

هناك العديد من المنافذ المقننة للفساد في دوائر ومؤسسات الوزارة وأكثرها تأثيرا وتكرارا في الوقت الحاضر تلك التي تتعلق بأعمال:

1. الإدارة العامة 

أ. المحاباة في عمليات التعيين ومنح المكافئات. 

ب. التجاوز على ضوابط الترقية والتعيين والنقل وعدم السعي للعمل بموجبها. 

ج. تركيز الوجود الفاعل للأقرباء، والمعارف في دوائر الوزارة ومفاصلها القيادية.

د. المحاباة في توزيع السيارات، والأجهزة ومعدات الحماية على الضباط، والموظفين والمنتسبين.

هـ. بناء أواصر العلاقة بين الأدنى والأعلى، وبين الدوائر والمؤسسات الفاعلة في الوزارة على أساس المنفعة والقرابة والانتماء السياسي والطائفي، دون الأخذ بالاعتبار الجوانب الوظيفية والضبطية.  

و. التسبب في فقدان بعض المعاملات الإدارية، وتأخر إنجازها عمدا بغية الضغط على المعنيين باتجاه الحصول على منفعة.

ز. منح درجات وظيفية عليا، وإيجاد تنظيمات إدارية تبعا للمعرفة، وبعيدا عن معايير الحاجة والكفاية.

ح. التجاوز على الأسبقيات والتسلسل المفروض في قبول المتطوعين إلى الوحدات وفي الدرجات الوظيفية. 

ط. وضع عناصر غير مناسبة في أماكن أو مناصب معينة تتطلب خبرة، ومعرفة ونزاهة لتسهيل عمليات التجاوز على القانون.

ي. غض الطرف عن الأخطاء المرتكبة من الأقارب والأصدقاء، والتركيز عليهـا عند الآخرين.

ك. نقل الضباط والمنتسبين من مكان لآخر لقاء ثمن.

ل. تسهيل عمليات الانتساب إلى كلية الشرطة تجاوزا على الضوابـــط وشروط القبول.  

م. إخفاء بعض الأوامر والقرارات التي تتعارض مع الأهداف، والرغبات الخاصة. 

ن. إقامة علاقات اجتماعية غير صحيحة مع بعض العناصر النسوية العاملة في دوائر الوزارة.

س. التهاون أو الإخلال بضوابط وتعليمات الرقابة ونتائجها.

ع. إضفاء طابع الخصوصية الحزبية على الوكالة أو الطابق الذي تسكنه الوكالة تبعا للانتماء الحزبي. 

ف. استغلال ضباط لمنتسبين (سواق، حماية) وتفريغهم من واجباتهم لأغراض خاصة.

ص. التجاوز على معايير الردع والانضباط في حالات الخطأ، وكذلك على مفردات التقييم عند الاختيار والتنسيب.

2. المــرور

أ. ابتزاز أصحاب المركبات المخالفين في الشارع، والمغالاة في مقدار المحاسبة أو التجاوز عليها تبعا للثمن المدفوع.

ب. عدم التقيد بالضوابط والأوراق الثبوتية في عملية تسجيل السيارات. 

ج. قبول الوكالات في تسجيل السيارات بصورة غير قانونية.

د. التجاوز على المعايير الصحيحة في فحص السيارات، وتحديد سنة الصنع.

هـ. تحويل نوعية المركبات من (مركبة لنقل البضائع إلى أخرى لنقل المسافرين وبالعكس أو من قاطرة إلى صهريج ) خلافا للضوابط والقوانين.

و. التجاوز على تعليمات الوزارة في السماح لسيارات الشحن الكبيرة (اللوري) بالمرور في شوارع بغداد خلال توقيتات المنع.

ز. التغاضي عن السير في الشوارع العامة لمركبات لا تحمل لوحات تسجيل وذات زجاج مظلل، وأخرى غير مؤهلة، وذات الحمولة الزائدة.   

ح. الاتفاق مع معقبين وتسهيل متابعتهم لمعاملات التسجيل، ونقل الملكية وغيرها. 

ط. وضع عناصر غير مختصة في لجان فحص المركبات.

ي. التزوير في السجلات، والتلاعب في معلومات الحاسبة.

3. الجنسية والجوازات والإقامة 

أ. منح جوازات سفر خارج الضوابط أو بوثائق غير صحيحة.

ب. انجاز معاملات لمنح هوية الأحوال المدنية، وشهادة الجنسية خارج الضوابط. 

ج. عقد اتفاقات شفوية بين المعقبين، وضباط وموظفي الجوازات لتقاسم العوائد المتأتية من بعض المعاملات غير الأصولية. 

د. توزيع عدد من الجوازات كحصص لبعض الضباط في بعض المراكز، وتقاسم أثمانها بصورة غير قانونية. 

هـ. عدم التقيد في العمل بالطابع الليزري بعض الأحيان.

و. التغاضي عن بيع الاستمارات بأسعار تفوق المحدد لها أصلا.

ز. عدم ختم الجوازات لمسافرين عراقيين أو أجانب في المنافذ الحدودية.

ح. التجاوز على شروط دخول وإقامة الوافدين الأجانب في العراق.

ط. فتح أضابير للوافدين والمقيمين العرب خلافا للضوابط والقوانين.

ي. منح جوازات سفر لغير العراقيين.

ك. خلق أزمة في سياقات العمل أو استغلال ظروف معينة مثل الحج بهدف منح الجوازات لقاء ثمن.

ل. إصدار أكثر من جواز ومن أكثر من مكتب.

م. التلاعب بالسجلات والمعلومات الخاصة بوثائق الجنسية، وشهادة الجنسية لأشخاص لم يكونوا حاضرين.  

4. مجال الشرطة والنجدة والحدود 

أ. استغلال صفة الشرطة في ارتكاب جرائم مختلفة.

ب. تغيير الإفادات والتلاعب بالأدلة والقرائن.

ج. استغلال المنصب في التعامل غير الصحيح مع المواطنين.

د. التنسيق مع بعض المحامين والقضاة لعمليات إطلاق سراح المتهمين خارج الضوابط القانونية.   

هـ. الاستبعاد العمدي لبعض العناصر النزيهة والكفوءة من بعض المراكز، وأعمال التحري والتحقيق.

و. عدم التقيد بضوابط سجل الموقف اليومي في مراكز الشرطة لأغراض خاصة.

ز. قيام بعض دوريات النجدة بالتجني لمحاسبة مواطنين بغية الحصول منهم على مبالغ معينة.

ح. الاستيلاء على أموال نقدية وحلى لمواطنين أثناء عمليات الدهم والتفتيش.

ط. التعامل القسري مع بعض الموقوفين لحملهم على دفع مبالغ معينة.

ي. التوقيف خارج الضوابط القانونية.

ك. الاتفاق بين الأعلى والأدنى على نسب من المحصول العام (حصة) عند التكليف بتنفيذ واجبات.

ل. ترتيب مواجهات لمتهمين خطرين خارج الضوابط، وتسريب معلومات.   

م. عدم التقيد بالواجب المحدد، ومحاولة الزج بواجب آخر ولو عرضيا، بهدف الحصول على المنفعة مثل توجه البعض من دوريات النجدة للعمل كمرور.

ن. العمل بمكاتب اختصاصية ذات صلة بالعمل المهني للمعني خارج الدوام الرسمي.

س. استخدام الجنس(النساء) في تمشية معاملات، وفي التأثير على البعض من خلال الجلسات الخاصة.

5. الحـــدود

أ. تزوير وثائق دخـول السيارات المستوردة لتفـادي العمل بقرار منع الموديلات دون عام 2000.

ب. بيع المسافرين الأغنياء، وكذلك شاحنات البضائع المهمة، والسيارات بعد اجتيازهم الحدود إلى عصابات الطرق المؤدية إلى بغداد لقاء حصة من إجمالي المبالغ التي يتم تحصيلها.

ج. التساهل المتعمد لتهريب بضائع وأدوية ونقود إلى الخارج من المنافذ الحدودية.

د. تعويق إنجاز معاملات إدخال بعض البضائع والمواد المستوردة.

هـ. تسهيل دخول زوار أجانب إلى العراق خارج الضوابط.

و. عدم التقيد بتعليمات الفحص الطبي المطلوب على الوافدين في الحدود.

ز. عدم التدقيق في وثائق وعائدية السيارات التي تغادر العراق، والتي تدخل أراضيه.

6. مجال الجريمة  

أ. تزوير وثائق وإفادات وعمليات إطلاق سراح.

ب. تعبير معلومات أمنية إلى مطلوبين.

ج. التدخل باتجاه تحوير نتائج التحقيق.

د. الاحتفاظ بمواد جرمية (سيارات، أجهزة، معدات، نقود، مصوغات) بعد فض الموضوع لمساومة المفرج عنهم بإعاقة الإفراج أو التغاضي عن تلك المواد. 

هـ. تسهيل عمليات هروب مجرمين خطرين، وإرهابيين من التوقيف.

و. محاولة إقحام ذوي متهمين في التحقيق.

ز. التأخير العمدي في عمليات التحري وإلقاء القبض.  

7. قطاع المقاولات

أ. إحالة بعض المقاولات خارج الضوابط والسياقات.

ب. التجاوز على معايير التقييس، والسيطرة النوعية.

ج. منح عقود وعرقلة أخرى خارج السياقات.

د. عدم الالتزام بضوابط المناقصات.

هـ. تفضيل مقاولين محسوبين على أحزاب ومسؤولين على آخرين.

و. التجاوز على شروط التعاقد مثل عدم تفعيل فرض غرامات التأخير وغيرها.  

8. الدورات والإيفادات

أ. تفضيل المعارف والأقرباء، ومن يدفع  في عمليات المشاركة بالدورات والإيفاد.

ب. عدم التدقيق بنتائج الدورات، وعدم المطالبة بتقارير تخص الايفادات.

ج. التجاوز على الشروط والمؤهل في عملية الاختيار للدورات الفنية والاختصاصية.

د. الحصول على حصة من مخصصات الإيفاد.

9. المـــالية

أ. غياب المتابعة لما يتعلق ببعض الجوانب المالية.

ب. التجاوز على سياقات وضوابط الصرف.

ج. الإعاقة المتعمدة في إنجاز بعض المعاملات المالية.

10. الأمــن والتفتيش

أ. منح هويات حمل وحيازة سلاح لأفراد، وشركات أمنية عن طريق الاتصالات الخاصة خارج الضوابط.

ب. السماح بتعدد الأجهزة الأمنية خارج الحاجة، والمركزية وضوابط التنظيم.

ج. بيع معلومات ومنتسبين إلى جهات متعددة.

د. تجاوز المعنيين بالتفتيش والمراقبة والضبط على المعايير الموجودة في الدائرة والمساهمة بالخطأ.

هـ. مشاركة المعنيين بالأمن في التجاوز لقاء حصص متفق عليها.

و. إسناد مهام ومسؤوليات الأمن لغير المناسبين.

 

عوامل تعزيز الفساد في الداخلية

إن وزارة الداخلية وبحكم طبيعة العمل وتكرار الخطأ منذ فترة طويلة سبقت التغيير، أصبحت بيئة أو أرضية مناسبة لتفشي الفساد، وعلى الرغم من عدم اقتصاره على دوائرها ومؤسساتها كما ورد آنفا، إلا إن  المؤشرات العامة تؤكد أن هناك مجالا لتعزيزه فيها، وذلك لعدة أسباب بينها:

1. قلة الخبرة، والكفاية في المناصب القيادية للوزارة.

2. عدم وجود ملاك معتمد من الوزارة، ومصدق من المالية يستدل منه على التوصيف الوظيفي، وعلى الدرجات الشاغرة، والزيادة، والنقصان وكذلك صرف الرواتب أصوليا.

3. ضعف القيادة والسيطرة، وفقدان هيبة التأثير القيادي على الأدنى، وعدم الاكتراث للأوامر الصادرة من الأعلى.

4. عدم التجانس في العمل بين المركزية التي تتطلبها المرحلة الانتقالية الحرجة، وبين اللامركزية التي يسعى النظام الجديد تعميمها حاضرا ومستقبلا.

5. عدم وجود قاعدة بيانات وضوابط للتفتيش والمتابعة.

6. عدم وجود سلطة ضابطة في الوزارة مثل انضباط الشرطة، وغياب سلطة القانون في كل المستويات.

7. عدم وجود خطط لمتابعة بعض الملاكات القيادية القديمة، وغياب التقييم الدوري لسلوكهما والأداء العام.

8. إسناد وظائف مهمة لغير المناسبين.

9. شعور المعنيين بالمفاصل القيادية العليا أن عملهم مؤقت، وإن الفرصة متاحة لخدمة الذات والقريبين.

10. الخوف من النتائج المترتبة على فرض العقاب.

11. اضطراب القيم والضوابط الوظيفية وسيادة الفوضى.

12. عدم التجانس والتعاون بين أعلى سلطة في الداخلية وبعض المستويات القيادية العليا في الدولة.

13. التحديد الطائفي المسبق لقيادة الوزارة.    

14. ضعف الضبط، وقلة المعنويات، وتصدع النظام القيمي العراقي.

   

الآثار المترتبة على حالة الفساد

1. لظاهرة الفساد في الوزارة آثار مباشرة يمكن أن ينعكس وجودها سلبا على الأداء العام، وعلى أمن الدولة والمجتمع من بينها:

أ. إعاقة إتمام الوزارة لمشاريعها في البناء، وإعادة تأهيل المنتسبين.

ب.تكوين حالة خرق أمني، ونفسي يمكن أن يحول دون تنفيذ الوزارة وتشكيلاتها العسكرية لأهدافها في فرض الأمن والسيطرة.

ج. التسيب واضطراب حالة الانضباط التي تقلل من الكفاية وحسن الأداء. 

د. تكوين مفاهيم ومعايير عمل مخالفة للقيم الاجتماعية الصحيحة تصيب الدافعية بالضعف وتربك الأداء.

هـ.ممارسات خاطئة من شأنها أن تقلل الثقة بالنفس وبالوزارة، فتحول دون تنفيذ المهام الصعبة كما هو مطلوب، وتحد من التوجه للمجازفة في عملية التنفيذ.

و. الإخلال بعملية الانتماء إلى الوزارة ومؤسساتها، مما يدفع المنتسبين إلى التوجه للعمل كل بما يراه مناسبا، مما ينعكس على روح الجماعة المطلوبة في تنفيذ الواجبات.

ز. الإقلال من قيمة رجل الأمن والشرطة وتشويه صورته في الشارع، وانعكاسات ذلك سلبا على ضبط الشارع من الناحية الأمنية.

ح. تكوين حالة من الخرق العمدي للقانون يصعب السيطرة عليها مستقبلا.   

ط. تكوين مراكز قوى حزبية أو طائفية أو قومية يمكن أن تؤثر في سياسة الوزارة في ضبط الأمن والسيطرة، وعلى أسلوب إدارتها المفروضة لمنتسبيها وأجهزتها الضابطة.

ي. تعزيز حالة الولاء العشائري والطائفي والمناطقي على حساب الولاء المفروض للوطن، ومن ثم إلى جهة العمل أي الوزارة مما يتسبب في خلق تصدع في الضبط والعلاقات العامة وسبل التنفيذ. 

2. ولظاهرة الفساد أيضا آثار غير مباشرة يمكن أن تنعكس سلبا على جوانب الأمن والاستقرار وكذلك على مستوى الأداء منها. 

أ. إضعاف علاقة الوزارة مع مؤسسات الدولة الأخرى الأمر الذي يقلل من الدعم المطلوب لمشاريعها.

ب. قلة الثقة بأداء وفاعلية الوزارة وتشويه صورتها في العقل الجمعي مما يزيد من الميل لمخالفة توجهاتها في الأمن والسيطرة. 

ج. تفشي حالة اليأس والإعياء التي تؤثر سلبا على أداء المنتسبين، وعلى انضباط الشارع العراقي بوجه العموم.

د. ضعف التكافل والمساعدة والإسناد المتبادل في المواقف الصعبة التي يتطلبها العمل الأمني في كثير من الأحيان.

هـ. الخسارة المادية لخزينة الوزارة والدولة في آن معا.

و. التدني في مستوى الأداء الذي يصعب إصلاحه لأجيال مقبلة.

ز. الاستفادة من نشاطات الفساد أسلحة بيد الجهات المعادية لضرب الدولة، وإعاقة الإعمار وإعادة البناء.


الاستنتاجات

إن تحليل البيانات الخاصة بالدراسة والمتابعة ذات الصلة لمحتوياتها تدفعان إلى استنتاج الآتي:

1. إن الدراسة الحالية التي أجريت على الفساد هي دراسة مسحية اعتمدت المقابلة والمتابعة والاستفسار، وما ورد في الفقرات الخاصة بالنتائج ومنافذ الفساد في الوزارة لا يعني من الناحية العلمية إحصاءً لتكراراته أو قياسا لمستوياته، بل هو في الواقع تأكيد لوجوده، وتأشير لمستويات انتشاره، وتحديد لآثاره السلبية.  

2. إن حجم الفساد في الوزارة بالوقت الحاضر بات واسعا إلى حد يمكًن الباحثين بوصفه ظاهرة قد تؤدي في حالة عدم المعالجة إلى إعاقة بناء هيكلها التنظيمي والتنفيذي، وقد تحد أيضا من طموحات المسؤولين السياسيين بإعدادها كقوة ردع بالضد من الجريمة المنظمة والإرهاب.

3. إن مستوى انتشار الفساد وتغلغله في العديد من مفاصل الوزارة ليس بالأمر البسيط، ولا يمكن التهوين من شأنه في التأثير على الحاضر والمستقبل. 

4. إن النتيجة الطبيعية لممارسات الفساد، والإفساد خلل كبير أصاب أخلاقيات العمل ومعاييره القيمية يتسع تدريجيا داخل مجتمع الوزارة، ليحول دون تطورها ودون تنفيذها لمهامها الوطنية كما يجب.

5. إن التكرار الحاصل لسلوك الخطأ والفساد دون أية توجهات للردع، سيشيع  حالة التبرير النفسي لوجوده واستمرار اتساع نطاق مفعوله في الحياة اليومية إلى مستويات يصعب إصلاحها من ناحية وستكلف الدولة ثمنا باهظا من ناحية ثانية.

6. إن الغياب شبه الكامل للسلطة الضابطة، وعدم تشريع وتفعيل القوانين العقابية عوامل أدت إلى أتساع الظاهرة يضاف إليها عامل آخر يتعلق بانخفاض مستوى الرواتب عن الأقران في الجهات الأمنية والعسكرية الأخرى التي تتعرض إلى نفس الضغوط والمجازفة.     

7. لا توجد خطة محددة لمكافحة الفساد، ولا إجراءات واضحة للحد منه على مستوى الوزارة.  

8. إن مستوى الفساد في الوزارة يتناسب طرديا مع مستوياته في المجتمع العراقي والدولة، ويتأثر وجوده في الداخلية سلبا أو إيجابا تبعا لوجوده هناك.

9. بسبب مستويات الفساد في جسم الوزارة حاليا تجاوز البعض من المنتسبين والمعنيين في دوائرها حالة التوجس والخوف كرادع يحول دون الغوص في مستنقع الفساد. 

10. وصل الكثير من المنتسبين، وبسبب ضعف الإجراءات المطلوبة للحد من الظاهرة إلى مستوى اليأس من عدم إمكانية الإصلاح. 

11. ضعف المشاعر الوطنية، واختلال عوامل الولاء التي تحولت إلى المنطقة والعائلة والعشيرة والحزب والحركة والطائفة، بدلا من العراق، مشاعر يمكن أن تقلل من الخطأ والتجاوز.

12. الإحساس الخاطئ بقصر الزمن، واحتمالات فوات الأوان الموجودة أصلا في النفس العراقية والتي تعززت بعد التغيير إثر توجه السياسيين الجدد بالبدء من الصفر مع كل عملية تسليم للمسؤولية والتي يذهب ضحيتها البعض، ويتقدم على حسابها مراحل عدة البعض الآخر.

   

التعامل مع حالة الفساد 

1. إن عرض طبيعة الفساد والتوصل إلى جملة الاستنتاجات يمهدان إلى مناقشة  مسألة التعامل مع موضوعه الذي لا يحسم فقط بتوجيه العقاب أو بإصدار الأوامر وتشريع القوانين لأنه موضوع شائك أمتد في العراق إلى المنظومة القيمية الاجتماعية فغير بعض معاييرها.

وكذلك إلى الروح الوطنية فتسبب في تصدع بعض جوانبها.

وإنه متشعب تسربت آثاره لتطال الذات الإنسانية فقلل من وطأة الضمير في خصائصها، حتى أصبحت تلك الامتدادات وجوانب التسرب خطوط دفاع بالضد من عمليات التعامل التقليدية لا يمكن تخطيها إلا:

أ. بدافعية قوية لسياسيين كفوئين.

ب. ونوايا حسنة لمسؤولين نزيهين.

ج. وجدية فعلية لتحمل المسؤولية التاريخية.

د. وكذلك رغبة عند الجميع في تحدي الغرائز الذاتية لصالح الذات العام المتمثل بالعراق.

2. ومع ذلك تبقى الحاجة قائمة في موضوع الفساد إلى مقترحات إجرائية تستنبط من بين فقرات الدراسة، وظروف عمل الوزارة يمكن أن تحد في حال العمل بمقتضاها من عملية التوسع والانتشار خطوة أولى تمهد إلى خطوات لاحقة من أجل المعالجة والإصلاح إذا ما توافقت مع النوايا والرغبات والدافعية ومع جهد الدولة المنظم في هذا المجال.... من بينها:

أ. أن يؤكد وزير الداخلية على مستوى العلن وفي مجالات عدة نيته في مكافحة الفساد، ويقود هو نفسه الجهد الخاص بالمكافحة ويلزمها بتطبيق المقترحات ذات الصلة، ويفتح المجال لمناقشته حول الموضوع على الدوام.

ب. أن لا يكون الشخص الثاني في الوزارة الذي يشغل حلقة الوصل بين الوزير والوكلاء من بين أقرباء الوزير أو معارفه أو من أفراد حزبه، ويفضل اختياره من بين موظفي الوزارة المختصين وبإجماع الوكلاء.  

ج. أن يبقى منصب وكيل الوزارة فنيا بعيدا عن التوصيف السياسي، ويبقى تعيينه ونقله من صلاحية مجلس الوزراء، ويعطى الوزير حق الاقتراح.

د. إعادة النظر بآلية الرقابة والتفتيش داخل الوزارة وعموم مؤسساتها، كذلك مطالبة التفتيش بتعميم بعض تقاريره في موضوع الفساد والخطأ والتجاوز على دوائر الوزارة ومؤسساتها.

هـ.حث المؤسسة التشريعية على سرعة إصدار قوانين الضبط الخاصة بعمل الوزارة وتشكيلاتها.

و.إيجاد آلية قانونية لمحاسبة المقصرين والفاسدين والمتجاوزين وإعادة النظر بأسلوب الثواب و العقاب في التعامل مع المنتسبين.

ز.تحسين الحالة المعيشية لمنتسبي الوزارة بكافة المستويات، وجعل سقف الرواتب موازيا للجهات العسكرية والأمنية الأخرى.

ح. تكوين تنظيم بسيط في الوزارة يعني بالجوانب النفسية والمعنوية للمنتسبين  يأخذ على عاتقه وضع برنامج توعية و توجيه بمستوى الوزارة و دوائرها  وتشكيلاتها المقاتلة يشمل قضايا الوطنية، والنزاهة، والإخلاص في العمل، وغيرها أمور تدفع إلى الاستقامة والالتزام تدريجيا.

ط. الدعوة لتشكيل محكمة إدارية خاصة بمحاربة الفساد في الوزارة.

ي. مفاتحة مجلس الوزراء لإصدار قانون التقاعد الذي يفسح المجال إلى إجراء عمليات تطهير منظمة بأقل ثمن مدفوع.

ك. تشكيل قسم معني برصد  ظاهرة الفساد و متابعة الحد منها في دائرة التفتيش.

ل. إعادة العمل بموضوع التقييم نصف السنوي الذي كان معمولا به في السابق لكافة المستويات الوظيفية للوزارة على أن يكون من بين الفقرات ما يتعلق بموضوع الفساد .

م. وضع ضوابط جديدة لاختيار الموظفين بمستوى مدير قسم فأعلى.

ن. إعادة العمل بضوابط الترقية السابقة وذلك بجعلها مرتين في السنة وضمن سلطات رئيس الوزراء على أن تصدر بمرسوم جمهوري.

س. توحيد الجهد الأمني المتاح في الوزارة بتنظيم واحد توكل إليه مهمة متابعة موضوع الفساد بالإضافة إلى مهامه الاعتيادية في الأمن.

ع. توزيع الفقـــرات الخاصـــة بمنافذ الفســــاد علـــى الجهات المعنية فـــي الوزارة لغـــرض معالجة كل حالة على حدة وبإشراف مركزي من الوزارة.

 

الخاتمة  

1. إن الفساد الذي يتعلق بإساءة استعمال الوظيفة يحدث عادة عندما يقوم موظف بقبول أو طلب رشوة أو ابتزاز الغير بهدف الحصول على مكاسب خاصة أو تسهيل انجاز معاملات غير مشروعة، وهو عمل من شأنه أن يفقد القانون هيبته  في المجتمع لان المفسدين يحاولون عادة تعطيله وإبطال مفعول القرارات التنظيمية والأمنية، وإذا ما تأكد للمواطن العادي المرة تلو المرة إن القانون في سبات عميق وأن الغرامات واللوائح لا تطبق ضد المخالفات الصريحة لأمن المجتمع الإداري والاقتصادي والاجتماعي فلابد والحالة هذه أن يفقد ثقته في هيبة القانون وسلطانه، وتصبح مخالفته هي الأصل واحترامه هو الاستثناء.

2. إن مكافحة الفساد هذا الإخطبوط المستشري في جسم الدولة العراقية والمجتمع،  وخاصة في الداخلية عملية ليست باليسيرة، ونجاحها يتطلب التوعية المركزية بآثاره وأخطاره، والتعاون الجاد بين كل الجهات المعنية والمجتمع، ومن ثم العمل على تغيير طبيعة البيئة الخصبة لنموه وانتشاره من خلال عمليات تحسين مستوى العيش والأداء، والدفع باتجاه رفعة الوطنية واحترام الذات العراقية.

3. إن التوجه للتعامل مع الفساد يتطلب التحرك على مستوى الدولة العراقية بكافة وزاراتها ومؤسساتها لأن عدواه يمكن أن تنتقل من دائرة إلى أخرى عن طريق الحث والتقليد، ومع ذلك يبقى الجهد المستقل في كل مؤسسة بينها الداخلية مسألة لا يمكن الاستغناء عنها من أجل النهوض بالوزارة إلى المستوى المطلوب.


المصادر 

1. مي فريد، الفساد رواية نظرية، السياسة الدولية، العدد 143, 2001, ص 224-228.

2. أسامة الغزالي (2003) واقع الفساد الإداري في مؤسساتنا، الحقائق و المتغيرات، القاهرة،  ص 267-268.

3. صحيفة المشرق، 20/10/2004 .

4. صحيفة القاصد، 4/11/2004.

5. صحيفة الصباح 1/11/2004.

6. محطة الإذاعة البريطانية، ندوة عن الفساد في العراق خلال السنتين الأخيرتين، أراء و مقترحات و مقابلات، 5 شباط2005.


آب 2005