تقييد الوعي العراقي في حكم صدام حسين وأثرة على العمل السياسي


عـــــــام

1. لم تتوقف حكومة صدام يوما عن التفكير في السيطرة على الإنسان العراقي، وتسخيره لمصالحها آلة طيعة يؤدي فقط ما تطلبه من أعمال تصب في ديمومة بقائها، وينفذ ما تصدره من أوامر في حروبها العدائية ضد الآخرين خارج محيطها، وسيطرة مطلقة من هذا النوع تتطلب وسائل ضبط صارمة، كانت قد أعدتها منذ بدايات استلامها الحكم عام 1968 حيث التوجه السريع لتعزيز الأجهزة الأمنية الموجودة في الأصل مثل مديرية الأمن العامة، ومديرية الاستخبارات العسكرية العامة، وتأسيس أخرى مثل جهاز المخابرات، ولاحقا جهاز الأمن الخاص، ودفعت بها بقوة لأن تتبادل الأدوار مع الجهاز الحزبي وقوى الأمن الداخلي لفرض السيطرة والقمع في إجراءات مستمرة لم تتوقف يوما عن العمل في أشد الظروف حراجة، وكأنها حرب من نوع آخر تستهدف تقييد الوعي ومسخ الذات العراقية.

2. بدأت تلك الأجهزة والمؤسسات (الضابطة) أعمالها في التقييد بشكل فاعل بعد تولي صدام قيادة الحزب والدولة في تموز 1979 بطريقة خرقت فيها مواد القانون، وتجاوزت على حصانة الانسان العراقي وإنسانيته.

تطورت بعد أحداث الحرب العراقية الإيرانية والإنتفاضة لتدمير ذاتبة الإنسان، وتفتيت المعايير والضوابط التي تعودَ عليها الشعب العراقي منذ عشرات السنيين.

إذ توجهت لاستخدام القهر، والتعذيب، والاضطهاد كمثيرات شبه مستمرة لفترة زمنية طويلة  كونت خلالها استجابات ذات طابع سلبي، وعادات في الشخصية العراقية، عديد منها يقترب من عدم القبول حتى تركت في ذاكرة الإنسان العراقي بكافة شرائحه الاجتماعية، ومستوياته الثقافية، وتعدداته القومية، والدينية، والطائفية أثرا لمفردات الكره، والبغض، وكذلك الحقد، والعدوان على تلك الأجهزة ومنتسبيها، وعلى سلطة الدولة في الضبط الاجتماعي، وكانت في مجملها أعمال تسببت في إثارة الاضطراب في مجالات عدة، وقيدت الوعي بطريقة حالت دون مساهمة العراقيين في العمل لتخليص أنفسهم منه، ودفعتهم إلى التجنب سلوك يبقيه في الحكم أطول مدة ممكنة.


اضطراب الوعي الجمعي

1. العراق مجتمع تبين النظرة المتفحصة لواقعه الحالي أن نسبة ليست قليلة من أبناءه ، وبسبب شدة الضغوط، والتسلط القسري يعانون من هواجس زَرعتها في نفوسهم إجراءات الأمن المتكررة، وأصيبوا كذلك نتيجة لها، باليأس الذي أخل بطبيعة إدراكهم لما يحيط بهم، أو ما مطلوب منهم، بالإضافة إلى شتى أنواع المخاوف التي تعززت، وكبلت حركتهم وحورت معالم تفكيرهم، ودفعتهم لأن يعيشوا حالة تناقض ترسبت مكوناتها في دواخلهم فأصبحت جزءاً من الثوابت العصية على التغيير الطوعي، وهى على وجه العموم موزعة بين:

ما يؤمنون به، وبين ما يطبقونه.

ما يحسون به، وبين ما يعبرون عنه.

خبرات تعلموها طيلة حياتهم، وبين الأساليب التي يطبقونها في واقعهم.

معايير وقيم تلقوها من الذين سبقوهم، وبين الآراء التي يعبرون عنها في العلن.

الالتزام والحق، وفروض شرعتها الأديان السماوية، وبين تجاوزات حتمتها الظروف القائمة.

الرغبة في تغيير النظام من جهة، وبين اتجاهات التهرب من المساهمة فيه بشكل مباشر أو غير مباشر من جهة أخرى.

2. وغيرها من التناقضات الكثيرة، والمتشعبة التي لم تدفع المواطنين العراقيين إلى الحيرة فقط، بل ووضعتهم  بمواجهة اضطراب اجتماعي، لأنها تناقضات تحولت بالتدريج إلى تقييدات غابت بين ثناياها القياسات التقليدية التي كان ينبغي أن تكون موجودة في المجتمع العراقي وأي مجتمع آخر مثيل، كمعايير يرجع إليها الناس في تقييم أعمالهم، ويعودون إليها في النظرة إلى واقعهم وتأمل مستقبلهم.

وعلى أساسها يكون الضمير فاعلاً لمحاسبة النفس على أخطائها.

وبضوئها يبقى الأب قدوة للأبناء، وأداة لمنعهم من ارتكاب الزلل في التجاوز على المنطق المألوف، وفي إطارها يبقى:

إحتجاج الإنسان على ظلم أخيه الإنسان مسموعا.

والرغبة في تقويم الخطأ قائمة.

وغيرها معالم للحياة تشكل على وجه العموم مجالات الوعي المجتمعي الصحيح الذي:

أ. يجمع رؤية الأغلبية.

ب. تتسق فيه التوجهات بين الإدراك، والإرادة.

ج. تتجانس فيه النتائج بين النظرية والممارسة.

3. هذا ولو تم النظر إلى تأثير أساليب، وممارسات الحكومة وأجهزتها الأمنية على المجتمع العراقي من زوايا مختلفة نجده مشكلة قد تجاوزت حدوده الخلل إلى مستوى الاضطراب لعدة أسباب أهمها:

أ. إن مجالات وعي الجميع قد طوقت من قبل الأجهزة الأمنية، وباقي دوائر الحكومة ومؤسساتها الضابطة، بطريقة لا يستطيعون فيها (العراقيون) التعبير بتلقائية عن ما يودون التعبير عنه وإن كان ذا صلة بمسألة عامة.

ب. إن هوامش حركتها كموجهات للسلوك الفاعل قد تقيدت أو كبلت بمفاهيم جديدة لها قدرة هائلة على الكف (إذ أن مجالات الوعي من الأفكار، والآراء، والقيم، والمعتقدات، والمفاهيم هي الأساس في توجه السلوك باتجاه المعنى الموجود في المجال القائم).

ج. إن التقييد المفروض قد خرج من دائرة الفرد أو القلة في المجتمع إلى محيط الجماعة أو الغالبية فيه.

د. إن القيود المفروضة بات وجودها محكماً (وصل حد اكتسابه ثبوت العادة) والتخلص منه ليس سهلا.

هـ. إن التأثيرات الجانبية لم تتوقف عند حدود الدفع باتجاه القيام بالفعل الخطأ، بل تجاوزته إلى امتناع الكثيرين من فعل الصح الذي يمكن أن ينجيهم من القهر، ويخرجهم من السجن الذي انحبست فيه نفوسهم، وشلت حركتهم، ومن الوهم الذي عاشوه أو عيشوهم فيه منذ ما يقارب الثلاثة عقود، وما زال كذلك ونحن في بداية القرن الواحد والعشرين.

4. لقد تم كل ذلك بخطى تدريجية، ووفقا لشعارات ومفاهيم في دائرة وعي سارعت الحكومة، وأجهزتها الأمنية، والأخرى الضابطة إلى إغلاقها أو تقييدها بصورة شبه تامة بالاعتماد على جملة إجراءات أهمها:

أ. الرقابة الأمنية الفكرية الصارمة

لقد شكلت الأجهزة الأمنية المذكورة آلية للرقابة على الطبع والنشر، والتوزيع ، والتداول لم تكن موجودة في العراق سابقا:

إذ أن كتابا لن يستورد إلا من خلال دائرة الرقابة على المطبوعات في وزارة الإعلام، وخبرائها الحزبيين وممثلي الأجهزة الأمنية، وان نـزل إلى السوق واحد منها عن طريق الخطأ في التقدير يسحب على الفور وان كلف خزينة الدولة مبالغ طائلة، ويعاقب الرقيب أشد عقاب.

ولا تطرح مجلة في المكتبات إلا من ساهمت في  إعانتها وزارة الإعلام، وقدمت لرئيس تحريرها الرشوة بسخاء.

ولا يطبع كتاب لمؤلف عراقي إلا ويمر بنفس تلك الدهاليز حتى وان تأخر طبعه  عدة سنوات.

ولا تناقش رسالة ماجستير أو دكتوراه وان كانت في الطب والهندسة أو علوم الحياة، إلا بعد أن تجتاز عتبة الخبير الفكري أي  البعثي.

ولم يكتفوا بذلك بعد عام 1979 واشترطوا إرسالها إلى رئاسة الجمهورية قبل المناقشة بعشرين يوما على أقل تقدير لأغراض تتعلق بالأمن.

ولا يلق شاعر قصيدته في مؤتمر أو حفل، وان كان معروفاً بانتهازيته إلا بعد تمريرها على لجنة الاحتفال التي يتمثل فيها الأمن، وإذا ما كانت  القصيدة قد أعدت للإلقاء في احتفالات الميلاد أو بذكرى الانتصارات التي يمكن أن يحضرها الرئيس تسحب من منشدها وان كان مزكى بتاريخه الوصولي الطويل، وتسلم إليه مع دخوله المكان المخصص لإلقائها.

والسينما هي الأخرى خاضعة إلى نفس المعايير بأفلامها المستوردة، إذ لا يعرض واحد منها في دور العرض العامة إلا بعد مشاهدته من لجنة مشكّلة في دائرة الرقابة من مديرها وأحد موظفيه سكرتيرا للجنة وممثلين عن مديرية الاستخبارات العسكرية العامة، ومديرية الأمن العامة، وجامعة بغداد، واتحاد الشباب، ولجنة أخرى للاستئناف ممثلة فيها المخابرات، وأحد مدراء الوزارة. 

وينطبق هذا السياق على ما ينتج منها في العراق رغم قلته، وضعف مستوياته الفنية، وافتقاره إلى الموضوعية في كثير من الأحيان، إذ لا يبدأ بتصوير الفلم إلا بعد عرض السيناريو على الرقابة كموضوع مكتوب، وبعد حصول الموافقة، واكتمال الإنتاج يعرض ثانية على لجنة الفحص كفلم سينمائي، وهكذا بالنسبة إلى أشرطة الفيديو المستوردة من الخارج أو المنتجة في الداخل.

وما ينطبق على السينما يعمم على المسرح التي تخضع فيه عبارات الممثلين على خشبته إلى التفسيرات، والتأويلات الأمنية التي تلغي العبارة وتغير النص، وتوقف عرض المسرحية في بعض الأحيان، وتأسيساً على ذلك يمكن القول:

إن ثلاثين سنة من الحصار والتطويق الفكري، وكم الموانع الموجودة في طريق الإطلاع على الحقائق من الداخل والخارج تؤشر أن الخزين في مجالات الوعي العراقي بشكل عام تم انتقاءه انتقاءً محدداً وبطريقة شبه قصدية.

ب. التوجيه الإعلامي المقنن

إن الصحف الصادرة في بغداد خلال حكم صدام للبلاد، وعلى قلتها مملوكة للدولة بشكل مباشر مثل الثورة، والجمهورية، والقادسية، وغير المباشر مثل بابل، والعراق. ورؤساء تحريرها موظفون بدرجات خاصة يعينون بمراسيم جمهورية، وكذلك المجلات التي لا تزيد أنواعها عن أصابع اليد، وإن أضفنا إليها المهنية والاختصاصية.

وما ينشر في تلك الصحف، والمجلات رغم طبيعته الغالبة مدحاً وتملقاً للنظام، مصدره توجيهات الرئاسة اليومية على وفق آلية أخرى للتوجيه الإعلامي أعدت لتبدأ من الأعلى، وتنهي بكاتب المقال أو محرر نشرة الأخبار في الإذاعة والتلفزيون التي إذا ما أخذنا في مجالها بنظر الاعتبار أن البث المباشر أو على الهواء مسألة لم  تعد مطروحة في الإعلام إلا استثناءً محدوداً وبصلاحيات ضيقة تحددها رئاسة الجمهورية في كثير من الأحيان، ووضعنا بالاعتبار أيضاً القيود المفروضة على وسائل الأعلام الخارجية مثل:

أولا. التشويش على الإذاعات الأجنبية.

ثانيا. مراقبة الأشخاص، والعوائل التي تستمع إلى محطات الإذاعة العربية والأجنبية أو التي تشاهد بعض محطات التلفزيون العربية، والإيرانية لسكنة المدن الحدودية، وكتابة التقارير عنهم، والتلويح بمعاقبتهم أشد عقاب.

ثالثا. منع استخدام أجهزة استلام البث الفضائي – الستلايت - ومعاقبة المخالف بالحجز ستة اشهر وغرامة فورية مقدارها 300 ألف دينار مع مصادرة الجهاز.

رابعا. عدم السماح باستيراد وتداول أجهزة الراديو، والتلفزيون ذات  القدرات الخاصة بسحب المحطات الأجنبية.

إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار كل ذلك، ووضعناه مع إجراءات منع السفر إلى الخارج أو تقنينه بأقل ما يمكن لفترة طويلة منها يمكن القول:

إن النظام يتعمد بإجراءاته الأمنية إفقار الوعي العراقي، ويتعمد استخدام أجهزته الأمنية أدوات لتحديد مجالات ذلك الوعي بأضيق الحدود.

ج. شمولية التحوير الفكري 

انشغل الحزب بموضوع الفكر منذ تأسيسه عام 1947 وقد بذل مؤسسه ميشيل عفلق وزملاؤه آنذاك جهودا كبيرة لصياغة فكره بالاستفادة من الفلسفة الماركسية، والحركات القومية، والخبرات الغربية فنجحوا بتأطيره مجالا لتطلعات منطقية لأجيال الخمسينات، والستينات، وكانت خطوته الأولـى عندما استلم السلطة في العراق للمرة الثانية عام 1968 تبعييث المجتمع العراقي فكرياً وسلوكياً، وأدواته لذلك:

أجهزة أمنية لفرض التطبيق بالقوة، زادت شدة أستخدامها "القوة والعنف" إبان حكم صدام.

ووسائل تعليمية موجهة تبدأ من دور الحضانة ورياض الأطفال التي يديرها الاتحاد العام لنساء العراق، مرورا بالجامعات التي أغلقت أبواب القبول فيها لبعض الاختصاصات، والكليات بوجه العموم إلا للبعثيين، فتخرجت أجيال منهم أخذت على عاتقها إدارة المدارس التي تغيرت مناهجها أكثر من مرة، وانتهاء بالدراسات العليا التي لم يبعث لها طالب خارج العراق إلا من يوافق عليه أمنيا، ولم يقبل للدراسة فيها داخل القطر، إلا ومن مرت اضبارته على الأمن، علماً أن صلاحية البت في القبول أخيرا كانت لرئاسة الجمهورية ومن موظف يكون على الأقل من أقارب الرئيس أو من أبناء منطقة "تكريت أو ما جاورها "على  الأغلب، بقصد التدقيق ليس على أساس الانتماء الحزبي فحسب، بل وعلى ضوء الأصول الإقليمية، والطائفية، والسلامة الأمنية، والسياسية كما يفهمها الرئيس أمين سر الحزب في كثير من الأحيان.

فتخرج آلاف البعثيين مدرسين، ومدراء، وأساتذة جامعات، وباحثين مرعوبين أمنيا قادوا العملية التربوية التي توجهها الرئاسة، ويشرف على كافة مستوياتها أعضاء الحزب غير المتخصصين، ويراقب مناهجها ضباط أمن توزعوا على الجامعات بمكاتب أصبحت معلنة ورسمية في السنوات الأخيرة.

وهذه شمولية عند النظر إليها من زاوية أخرى خارج أروقة المدارس، والجامعات نجدها فلسفة يسعى صدام إلى تطبيقها في المجتمع العراقي بكل السبل المتاحة:

إذ لم يبتعد عنها عسكري في القوات المسلحة اشترطت الدولة انتماءه للحزب ضابطاً كان أو عسكريا متطـّوعا أو جنديا مكلـّفا أو احتياطا في بعض الدوائر والوحدات المهمة، وما داموا كذلك فانهم يحصلون على تثقيف حزبي مقنن، بالإضافة إلى عمل التوجيه السياسي الذي يعتمد فكر الحزب أساسا لنشاطه.

وفي الاتجاه نفسه لم يتخلص منها موظف في دوائر الدولة اشترطوا لترقيته إلى درجة أعلى أن يكون بعثياً.

أو عاملا انتظم في النقابات المهنية التي يديرها الحزب.

أو شرطياً في مركز حدودي.

أو فلاحا عرف بفطرته البسيطة أن حصوله على البذور، والأسمدة، ومعدات الزراعة المدعومة من الدولة لا يتم إلا من خلال الانتماء إلى الجمعيات الفلاحية المسيّرة من قبل الحزب، وفيهـا تقام الندوات والتوجيهات على نفس الأسس.

كل تلك التوجهات تقاس وتفرض من قبل الحزب، والأجهزة الأمنية ولو بشكل غير منظور، عند التوقف عندها يمكننا التأكيد على:

إن الخزين في مجالات الوعي العراقي بات بسبب تلك التوجهات انتقائيا تفرضه الدولة على الجميع بالقوة عن طريق أدواتها الأمنية، ومحدداته الخارجية عند غالبية العراقيين موجودة بشكل عام، ومتشابهة إلى حد كبير. 

د. تحديد مجالات الوعي    

إن كل تلك المفاصل، والحلقات المذكورة في أعلاه تصب متناغمة أفكارا محددة، وآراءً معينه في وعي لم يسمح لـه الانفتاح خارج الأطر أعلاه، فكانت أساس تشكيل حدوده، وتبويب مجالاته، عززتها الأجهزة المعنية بضوابط أمنية، وأساليب قسرية تهدد كيان الفرد، وتتحكم بمستقبله بقصد الاحتفاظ بها أفكارا طافية علـى سطح الوعي أو بمعنى آخر إبقائها ماثلة للعيان تدفع صاحبها كل الوقت إلى الخوف، والتحسب من احتمالات التقصير في تطبيقها أو مخالفة قواعدها، ومن بين  تلك الضوابط : 

أولاً. لا ينقل موظف من مكان لآخر، ولا يحصل عراقي على وظيفة ما، دون موافقة الجهاز الحزبي، والأمني.

ثانياً. لا يقبل الشباب في الكليات العسكرية، والأمنية إلا بعد الحصول على التزكية الحزبية، والموافقة الأمنية. 

ثالثاً. لا يُرقى ضابط إلى رتبة أعلى أو موظف إلى مستوى أرفع، دون مرور المعاملة بإجراءات الأمن والتزكية الحزبية. 

رابعاً. لا يتزوج العسكري، والموظف بدرجات خاصة، والحزبي بالمستويات القيادية إلا بموافقة الحزب، والأمن.  

خامساً. لا تمنح مقاولة لبناء عمارة حكومية أو تعبيد شارع أو إقامة سدة ترابية لمقاول ما، إلا بموافقة الأمن بغض النظر عن تاريخ نزاهته، ومستويات كفاءته، وإذا ما كانت المقاولة تهم الرئيس، وعائلته، ورئاسة الجمهورية من حوله  فلا بد أن يكون المقاولون مؤتمنين ليس بالموافقات الأمنية الاعتيادية بل بشروط مضافة بينها القرابة من الرئيس والانتماء لعشيرته أو مدينته. 

سادساً. من يشيد فندقا أو يفتح محلاً تجاريا أو مكتبة أو مقهى أو يؤسس  شركة لابد وأن يحصل مسبقاً على الموافقة الأمنية مقرونة في بعض الأحيان بأن يكون وكيلاً معتمداً لأحد الأجهزة الأمنية أو للفرقة الحزبية بالمنطقة. 

سابعاً. من يسافر خارج العراق لا يحصل على الجواز، وتأشيرة المغادرة إلا بموافقة الأمن، ومن يوفد للخارج لأي غرض كان يذهب إلى المخابرات ليحصل على التوجيه اللازم، علماً إن مديرية الجوازات هي إحدى مديريات الأمن العامة.

ثامناً. وفي السنوات الأخيرة لا يبيع صاحب دار داره في بغداد إلا بموافقة الأمن مع حظر على الشراء في بعض المناطق (مثل الأعظمية) تبعاً لضوابط طائفية، وإقليمية، وأمنية.

إن مثل هذه الضوابط الأمنية، وأخرى غيرها مع تحريم انتقاد مفاصل السلطة والحزب، ومنع التعبير عن الرأي المخالف لتلك التوجهات، وقمع النوايا غير المتسقة ورغبات النظام، والقتل بلا محاكمة، والإخفاء العمدي في السجون غير المؤشرة، تدفع جميعها إلى استنتاج:

أن إجراءات النظام الأمنية كانت بقصد تطويق الوعي، الذي نتج عنه إقامة موانع، ودفاعات ذاتية في داخل العقل العراقي (وكأن على أبواب وعي الواحد من العراقيين شرطي أمن يمثل النظام)، وتقييده بقيود لا تسمح بخروج الأفكار غير المنسجمة وتوجهات الحزب أو دخول أخرى من خارجه، وان خرج البعض منها تحت أي  ظرف من الظروف سوف لن تكون لها قوة الفعل في توجيه السلوك، لدخولها صراع مع الأفكار الطافية على السطح من ناحية، وصراع مع شرطي الأمن الذاتي أو الداخلي من ناحية أخرى، وهما صراعان كانت نتائجهما لنسبة ليست قليلة منا خسارة للذات الإنسانية العراقية، وبالنسبة للحاكم استمرار النظام وإن كان سيئا.   


اضطراب السلوك الجمعي

إن مسألة تقييد الوعي لعموم العراقيين الذي إعتمدته حكومة صدام وأجهزتها الأمنية إجراءات لم تتوقف تأثيراتها على فرض السكوت أو ابتعادهم عن التماس بالسلطة، بل وأثرت جانبيا على الأوضاع الاجتماعية والنفسية لكثير منهم، حيث تسببت في معظمها بترك بعض الآثار من أكثرها تأثيرا:

1. إثارة القلق والتوتر 

مما ورد أعلاه يمكننا القول أن الوعي لم تقنن مجالاته فقط، بل وسـّور بأسوار أو قيد بقيود أمنية ذاتية يصعب فتحها من الداخل إلى الخارج. وعلى أساسها بدأت خطوات البعض من العراقيين في تعود الكتمان أو بالمعنى الصحيح التفكير بصوت غير مسموع، ومن جهة أخرى وان امتلأ وعاء الوعي بالمتناقضات وتكلم أحد تحت ضرورات التنفيس فيتجه إلى صديق، أو قريب مؤتمن ليسمعه، ورغم ذلك يعود إلى بيته (بعد أن أفرغ قليلا مما في وعائه الممتلئ) قلقاً متوتراً يخشى من أن ما قاله قد تسرب إلى أجهزة النظام الأمنية حتى من صديقه، ويبقى قلقه هذا ينحت في صحته لأيام معدودات، وإن كان متوازناً بعض الشيء يقتنع بعدها أن ما قاله قد بقي بينه وبين الصديق. ومن كان حظه عاثراً، وتكلم بين أكثر من واحد سيكون قلقه أشد حدة، لأن فرصة وصول ما قاله إلى الأجهزة الأمنية أكثر احتمالاً:

وهذا بمجمله معاناة واستنزاف عصبي وقلق بات شاملا لشريحة واسعة من أبناء المجتمع العراقي.

2 . اضطراب التوقعات 

إن العقل العراقي الذي زود بمعلومات خاطئة، ومحوّرة، ومثيرة للتوتر، بطريقة حشر قسرية أدى بالإضافة لذلك إلى اضطراب التوقعات أيضا إذ بات البعض خائفاً من زميل أو جليس يتوقع احتمالات قيامه بإيصال وقائع حظرها أو معلومة سمعها أو طرفة ضحك عليها إلى أجهزة الدولة الأمنية ، وإيصالها يعني احتمالات دفع حياته ثمنا لذلك إن لم يبلغ هو عنها.

الأمر الذي دفع الضعاف والموتورين، وبسبب اضطراب توقعاتهم إلى المبادرة بإيصالها إلى الأجهزة الأمنية لتجنب شرورها، معتقدين أن غيرهم سيوصلها إلى تلك الأجهزة حتماً، وبعملهم المخزي هذا، وجدوا تبريرا لسلوكهم غير السوي اقتنعوا به دون أن يحسبوا أنهم ساهموا بتكوين سياقات تفكير على مستوى الوعي المجتمعي قد يدفعوا هم أيضا أو القريبين منهم ثمناً باهظاً لتطبيقاته الآنية والمستقبلية.

(إذ أن سيطرة العراقي على ما يحيط به من  متغيرات ليست مطلقة، وتلعب الصدفة فيها دورا كبيرا:

فإن تمكن أحدهم أن لا يتكلم منتقدا السلطة فقد لا يضمن سكوت أخيه بمواجهة نفس الموقف.

وان أغلق أحد أذنيه فإنه غير قادر على غلق آذان أولاده المراهقين في سماعهم طرفة عن النظام.

وبالتالي قد يبادر ضعيف ليكتب عن الواقعة بسبب تعميم هذا السلوك الشائن وانتشاره، فيعاقب الابن أو الأخ عقابا صارما لضحكه عليها أو لمجرد سماعه لها وإن كانت لا تثير الضحك، عندها وقع ذلك الأب "كاتب التقرير" ضحية لعمل اعتقد  في مرحلة من المراحل، وبسبب توقعاته المضطربة أن القيام به سيجنبه شرور السلطة الذي ليس له حدود).

3. عدم تحمل المسؤولية 

إن المشكلة لم تتوقف عند حدود تقييد الوعي أو توجيهه بالوجهة التي يريدها الحزب، والأجهزة الأمنية فحسب، بل وبالفجوة الهائلة بين الممارسة التي تعودها الكثيرون (بسبب الوعي المقيد) وبين تحمل المسؤولية اللازمة للتخلص من هذا الواقع "التغيير"  ففي الممارسات المطلوبة من قبل السلطة التي اعتاد عليها البعض على سبيل المثال:


تقتضي الضرورة أحيانا: 

أن يصفق البعض تأييداً وهم كارهون.

أن يمدحوا علناً وهم حاقدون.

أن يحابوا من في المنصب، والسلطة وهم سئمون.

أن يسيروا في تظاهرة دعماً للظلم، وهم مظلومون.


وقد تقتضي الضرورة أيضا: 

أن يسكتوا عن الجور، وهم بائسون.

أن يقبلوا باطلاً، وهم متدينون.

أن يرضوا البؤس والجوع، وهم شاكرون.

كل هذه الممارسات غير المنطقية التي جاءت بسبب التسلط الأمني، كونت شعورا بالتبلد، وعدم الإحساس بتحمل المسؤولية لم تتوقف تأثيراتها على مثل هؤلاء فحسب بل أعاقت جهود العراقيين الآخرين الذين لم يتأثر وعيهم بطوق النظام، وكذلك الذين استطاعوا تدمير القيود، وتحرير وعيهم مبكراً، لأنهم تحملوا إضافة إلى نضالهم من أجل التغيير أعباء فك الطوق العام عن باقي إخوانهم العراقيين.

4 . النزوع إلى التجزئة والميل إلى العشائرية والطائفية  

إن مشكلة الوعي لم تقتصر آثارها على التقييد بل تجاوزته لتمتد إلى جوانب أخرى شائكة منها التحوير في التوجه، إذ أنه وبعد عام 1958 اتجه الوعي العراقي على وجه العموم من الوعي الجماعي المحدود إلى الوعي المجتمعي العام، أي من الشعور بالانتماء للعائلة، والعشيرة، والطائفة، وغيرها من عناصر الفصل، والتجزئة في المجتمع  إلى الانتماء وبشكل تدريجي للمجتمع المدني الأكبر بصفته مجتمعاً إنسانياً شاملاً.

وبعد أن حققوا خطوات ملموسة بهذا الاتجاه، وتحولوا إلى الكلية في التفكير، والسلوك، واقتربوا على ضوئها من العالم الأكثر تحضراً، عادوا ثانية بسبب الإجراءات الأمنية لفرض الضبط والانضباط القسري إلى نقطة الصفر أو ما قبلها بقليل، ليتمحوروا حول الجماعة الأصغر، عندها بات وعي العديد مفصولاً مجزأ.

يفتش عن انتماء يشبع حاجته إلى الأمن، وانتمائهم  الحصري هذا إلى الجزء دون الكل، وردّة الوعي قرابة نصف قرن إلى الماضي نزع عنهم كليتهم ، وجعلهم أجزاءً متناثرة ، تجاوزت آثارها السلبية كثيرا وجهات نظر الفرد ودوره في المجتمع، وأصابت الغالبية بقصور الرؤية العامة لما يتعلق بمشكلتهم جميعا، مشكلة الواقع الحالي للعراق، ومستقبله بعد أن عادوا من جديد يفكرون بالعشيرة وحقوقها، والطائفة واستحقاقاتها، قبل التفكير بدولة العراق كحضن آمن للجميع.

إن النظام بإجراءاته الأمنية لفرض الانصياع دفع إلى أن يكون العراق (بنسب ليست قليلة) متجه إلى التقوقع جماعات صغيرة أو مجرد تراكم بشري، وليس جماعة فاعلة لها قوانينها، وضوابطها، وعاداتها، وطقوسها، وأفعالها، ووقائعها التي تمتلك مرجعية تسمح بحصر الأفكار، والكلام، والأفعال  باتجاه تحقيق أهدافها، وطموحاتها المشتركة للغالبية، وهذه ستكون من أخطر الأمور على مستثبل العراق إجتماعيا وأمنيا عندما يشعرون بضعف السلطات الأمنية الضباطة.

وبعد إجراءات الفصل، والتحويل لم يترك هذا النظام الجماعة الصغيرة على سجيتها العراقية الأصيلة، وتقاليدها الشائعة التي يدفع كثير منها إلى ضبط السلوك وتوجيهه طوعيا، بل وتدخل في عديد من خصوصياتها، وأول عمل لـه في هذا المجال أن جعل اهتمامات الجماعة ورغباتها وحتى همومها وأساليب إشباع حاجاتها تتضارب:

فتمزقت الجماعة.

وانغلق البعض من أفرادها على  أنفسهم.

وامتنعوا من التفاعل مع الأحداث المروعة للعراق.

فأصبحت الجماعة كئيبة، فاترة الشعور، ولفظية في عديد من توجهاتها.

وابتعدت عن المشاركة بالطاقات والهمم، والقدرات، وكذلك بالإدراكات الحسية، والأفكار والمشاعر، والإرادات كأحد مقومات وجودها، جماعة متفاعلة كما يراها علم الاجتماع. لأن أجراءات النظام الأمنية قامت في الواقع بإبعادها عن أية مشاركة تؤكد وحدتها كجماعة، وأصالتها كمرجعية وطنية، إلا ما يتعلق بأمنه الخاص.

واللا مشاركة أو المشاركة المشوشة أو الفوضوية أو الصاخبة انعكست آثارها السلبية ليس على قدرة الجماعة في أن تصون وحدتها أو تحافظ على كيانها فقط، بل ودفعتها أن تتجه بالتدريج إلى:

أن لا تعمل إلا بضغط خارجي (أي من النظام، وأجهزته الأمنية، والضابطة)، وهذا هو المطلوب، والذي يحصل كثيرا من الأحيان، وبنسب ليست قليلة.     

5 . الإنسحابية وضعف الميل إلى المبادرة 

إن الجو الأمني التحسبي الذي صاغه الحزب، ووضع العراقيين في دائرته بدءاً من المدرسة، والجامعة، ومن ثم المعمل، والمزرعة، والمنظمة الحزبية، والوحدة العسكرية، مروراً بالبطاقة التموينية، والأسواق المركزية، وغيرها ضبطت حركة الفرد بشكل بالغ الدقة والمردودية بطريقة قيدّت حركته، وسهلت سبل التحكم به من قبل الحزب، والأجهزة الأمنية كجهات ضابطة على ضوء الحاجات الرئيسية التي يبحث عن إشباع لها بين تلك المؤسسات الهرمية قيادة، وتوجيها، وبات في المحصلة النهائية:

إنسحابياً لا يميل إلى المبادرة.

ينتظر الأوامر، والتوجيهات من الأعلى.

لا يبت بمسألة، ولا يقدم رأياً أو يبادر بآخر.

كل شيء عنده مرهون بالأعلى، سلسلة تمتد بالمحصلة النهائية إلى الحاكم، أعلى قمة الهرم الذي أوجد نظاماً فريداً للتبعية يعتمد عليه الجميع بغذائهم الفكري وحاجاتهم العضوية، وبمعنى آخر أرادها بطريقة:

تبقي نظام الحكم قائما، وتبعد عنه إمكانية توحيد الأفكار المضادة، والتخطيط باتجاه التغيير أو تؤجلها إلى حين.

6 . الخوف من المجهول

إن النظام الذي أرهق الإنسان العراقي بإجراءاته دفع أجهزته الأمنية إلى المبادرة بإشغال عموم المجتمع بكثير من الأزمات التي زيدت في مجالاته هامش المجهول، وبسببها لم يعد العراقي مستقراً يخطط إلى الغد القريب، بل وعلى العكس خائفا جدا من هذا الغد الذي يحمل في طياته كثيرا من المفاجآت.

هذا وكون الإنسان بطبيعته يخشى المجهول متى كان يمسه شخصياً أو يجرح ذاتيته، أصبحوا أي العراقيين وعلى ضوء هذه الحقيقة أقرب إلى المحافظين في كل شيء:

يقاوموا معظم الأفكار حتى المرتبطة منها بتغيير واقعهم المؤلم، وإن توقعوا صدق النتائج بتغيير لا بديل عنه في الخلاص من مأساتهم القائمة. 

7 . الشعور بالحزن والاكتئاب  

إن الوعي المقيد، المطوق، الموجه، المكبل لا تقتصر آثار التعامل الأمني معه على السلوك العام باعتباره أي الوعي محرك لـه، بل تسببت هذه الإجراءات غير السوية بالتأثير على الجانب الانفعالي للفرد، والجماعة بسبب طبيعة الخزين المأساوي الموجود في الوعي لاثنتان وثلاثين سنة من حكم الحزب.

وهي معاناة لم تختف من مشاعر العراقيين وأحاسيسهم، ولم تضيع في طي النسيان رغم اتساع الفسحة الزمنية فتحولت بتفاعلها مع الضغوط المحيطة إلى:

حالة اكتئاب، وحداد، وسواد، وضيق، وعزلة وندب للحظوظ، معاناتها أشبه بالشاملة لعموم المجتمع العراقي.

8. التيه الاجتماعي     

لو اقتربنا إلى صورة العراق الاجتماعية في ظل التحكم الأمني شبه المطلق، نجد ونتيجة لإجراءات الأجهزة المتعددة أن الكثير من العراقيين قد أُصيبوا بقلق وجودي، بسببه بقي العديد منهم:

أ. ثابتين في أماكنهم، غائبين عن التفاعل مع الأحداث التي تهم إنسانيتهم من جهة، ومجتمعهم من جهة أخرى.

ب . ينتقدون في أغلبهم كل عمل مطروح على الساحة، وإن كان معنيا بمصيبتهم، ويتمنون الخلاص فقط في الأروقة الخاصة وفي البيوت دون التفكير بكيفية ذلك أو جدية المساهمة فيه.

ج. يهرب البعض إلى الخلف، ويهرب آخرون إلى الأمام، ويطالب قسم أو يتمنى أشياء لاعلاقة  لها بالواقع المعاش أو بالأزمة الحاصلة، ويقترح القسم الآخر أهدافاً  لا تستطيع الجماعات الخيرة  "المعارضة وغيرها" النهوض بها.

د. يسعى عديدون طرح أنفسهم بدلاء لقيادة العراق الحالية شرطا لمشاركتهم  بمساعي التغيير أو البقاء متفرجين راضين بالواقع المهين حتى انجلاء الموقف ليدخلوا أو يتدخلوا بالوقت المناسب.

وتلك جميعها معالم قلق أدت نتيجة العيش تحت وطأته فترة طويلة أن يصاب المجتمع بحالة تشبه التيه انعكست سلبا على طبيعة سلوك، وتفكير الكثيرين، وهي معالم لا تقل خطورتها على والوعي، ومستقبل العراق عن بقاء النظام نفسه بينها على سبيل المثال:

أولا. يتوقف البعض طويلا حول نقاط ثانوية لمستقبل العراق، ويتجاوزوا أخرى أكثر أهمية، ويغالون في التدقيق بثالثة لا علاقة لها بموضوع العراق من بعيد، أو قريب.

ثانيا. يضخم قسم المصاعب، والأخطار المتأتية من تعامله مع مشكلة العراق الأساسية، وهي لم تكن كذلك لو بدأ العمل مع غيره وزاد من عدد العاملين.

ثالثا. أخلى عديد من العراقيين الساحة أمام المشاركة الفاعلة بالتغيير، وجهز نفسه لانتقاد من يحاول دخولها، وكأنه يعبر عن عدم رغبته بافتضاح تقصيره من عدم الدخول.

رابعا. أدار البعض ظهره لما يجري من بطش، وقتل، وتدمير، وتعلق بمشاكل ليست من شأنه في كثير من الأحيان.

خامسا. توارى البعض الآخر عن مسؤولياته كانسان، عليه واجبات لتقويم الخطأ، وإعادة بناء وطنه المهدم، وبدلا عنها بدأ يطلق الشائعات، ويكثر من الاقتراحات غير المنطقية، وينسبها أحيانا إلى عراقيين آخرين أخذوا على عاتقهم البدء بالكفاح من أجل التغيير.

سادسا. يهمل قسم آخر المعلومات الأساسية التي خزنها في وعيه عن العراق، وما أصابه من تدمير، وعن مستقبله المجهول، ولا يستعلم عن أخرى ناقصة عن موضوع يهمه وأبناء مجتمعه.

سابعا. تكاسل آخرون أو شعروا باليأس فتركوا مهامهم الوطنية إلى أشخاص أقل قدرة على إنجاحها في بعض الأحيان، وجلسوا ينتقدونهم على الفشل والتقصير، وعدم الكفاءة، لا يعيرون أي اهتمام لكل ما يقترح عليهم أو يقبلوا به آنيا كنوع من المجاملة لينسوه في القريب العاجل.

ثامنا. خلل أو تيه انتقل من الفرد إلى الجماعة ليصيب البعض من قوى وفصائل المعارضة التي تسعى إلى التخلص من الخلل القائم فتوجه قسم منها بسببه إلى:

التفريق بين الجمع بحجج الرغبة بالتوحيد.

وإلى التسقيط بدعوى الإصلاح.

وإلى توجيه التهم، والتقليل من الشأن بنوايا إعادة البناء.

فتركت بتحركها ساحة المعركة مع النظام دون وعي، وانغمست بمعارك جانبية مع حلفائها أعداء النظام، وتسببت، وستسبب دون دراية منها بإطالة عمر الظلم في العراق.  

9. الإحساس بخيبة الأمل 

في العراق أخَلَتْ الإجراءات الأمنية بإنسانية الإنسان، وانتهكت الأجهزة الأمنية روح الجماعة وفاعليتها، إذ لو تابعنا بدقة أسلوب تلك الأجهزة في التعامل مع موضوع الجماعة لوجدنا وبما لا يقبل الشك:

أنه سعي متعمد لإضعاف وحدتها أي الجماعة، حيث الدعم غير المحدود لعشيرة معينة بالمال والسلاح على سبيل المثال، لكنه دعم صيغَ بطريقة الرشوة العلنية، ومشروط بقيامها أي العشيرة معاقبة من يخالف توجهاته، عقوبة تصل حد الموت في كثير من الأحيان؟

وقبولها الرشوة وقيامها بالقتل، والتجسس على الأبناء خيارات مفروضة فقدت  العشيرة بسببها أحد أهم مقومات تماسكها، وتحول بعضها بالتدريج إلى جهاز أمني مضاف لأجهزة الحكومة بعيداً عن روح التفاني من أجل وجودها.

وبهذه الأساليب لم تستمر تلك الأجهزة في تقديم الرشوة، وفرص الكسب، والجاه إلى جماعة ما أو عشيرة معينة إلى أمد بعيد حتى لا تشعر بقوة موقفها فتطالب النظام ثمنا لقوتها، وهو ثمن  قد يخل بالتوازن الذي أراده النظام لها مع قريناتها.

ومن ناحية أخرى فان الأسلوب هذا لم يقتصر على العشائر، والطوائف فقط، بل وسعى الحاكم وحزبه إلى تطبيقه أيضا على دوائر الدولة، ومنها أجهزته الأمنية على وجه الخصوص، إذ يدعم الأمن العامة بكل الإمكانيات ولفترة يتحول جهده في الدعم  إلى جهاز المخابرات، ومن ثم إلى مديرية الاستخبارات العسكرية العامة، ومن بعدها جهاز الأمن الخاص، وبمستوى محسوب لا يشعر فيه ذلك الجهاز أو تلك المديرية أنها قوية وشعورها بالقوة قد يدفعها للتآمر عليه ولو 1 % . 

وكذلك أدت تلك الإجراءات إلى تجاوز صيغ التكافل، والتعاون وتحول بسببها كل شيء لمصالح الفرد، والمكاسب العابرة للفئة الأصغر، فترك مجالاً في الوعي العام لظاهرة الإيماء، والتقليد، والخدر، والركون للأمر الواقع، وبالتالي الخضوع المطلق للحاكم الظالم بمستوى لم يشهد لـه التاريخ  الحديث مثيلاً.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى استمرت تلك الأجهزة في دعم الحكومة ومساعدتها على أن تعبئ في العقل آراء، وأفكار، وشعارات، وتصورات، وتمنيات تبين وبعد أكثر من ثلاثة عقود عدم مصداقيتها:

على إثرها أصيب العقل الجمعي بطعنة قوية ولدت فيه خيبة أمل بدرجة كبيرة، وشعور بالنقص، وحطمت الصورة عن الذات، وهزت الثقة بالنفس، فكان خواء أصيب به الكثيرون، واستفاد منه النظام في الاستمرار بالحكم.

10. الشعور بالعجز وصعوبة الحركة 

إن الإحساس بطعم الحياة، والتصرف في محيطها يعود في بعض  جوانبه إلى مجالات الوعي كمعطيات داخلية، وإلى البيئة المحيطة كمثيرات خارجية، وهي في حالة العراق سعى النظام بأدواته الأمنية إلى تشكيلها على وفق برامج ثقافية، وإعلامية، وتربوية، وتهديدات قسرية أعدت بشكل دقيق، ونفذت من مؤسسات قمع منتشرة على طول الساحة العراقية، مكونا في ذات الوقت بيئة ضاغطة لإجبار العراقيين على تطبيقها، ومحاسبة المخالفين لاتجاهاتها حساباً عسيراً.  وبمرور الوقت تقيد الوعي، واضطربت المفاهيم لعديد من العراقيين، وبسببها:

شعر العديد بالعجز عن المناداة بضرورة التغيير أو المساهمة به، ولو بشكل بسيط.

بات الكثيرون غير قادرين على القيام بما هو مطلوب منهم دينياً، ووطنياً للعراق المنكوب.

وعلى أساسها:

عاش العديد حالة صراع مؤلمة قادت إلى فقدانهم للحركة أو توقفها(المحافظة على الوضع الراهن). 

وبضوئها وبأمور أخرى مضافة لها ضمنَ النظام استمراراً بالسلطة رغم الظروف غير المواتية للاستمرار.


اضطراب الأداء السياسي

قد تكون التأثيرات الجانبية لإجراءت الأمن والتقييد التي تفرضها سلطة صدام على الأداء السياسي للمجتمع العراقي هي الأكثر وضوحا وسلبية من تلك التأثيرات الأخرى على السلوك في مجالات الحياة العامة، والسعي في مجالها كان الهدف ذو الأسبقية الأولى بين الأهداف العديدة التي سعت وأستمرت بالسعي لتحقيقها، رغم إن تفاصيل النتائج قد تكون متداخلة بعض الشيء مع المجالات الأخرى للوعي، والسلوك الجمعي، ومكملة لها في التحصيل العام، وهي على وجه العموم تسببت في حالة من التراخي السياسي والعزوف عن العمل في مجاله لنسبة تعد كبيرة من بين العراقيين بالمقارنة مع الساعين من بينهم للعمل المعارض ..... علنا في الخارج أو بالسر داخل الوطن وهي حالة سلبية قوامها:

1. انعدام الاستقرار والتوازن

 بنى النظام أجهزته الأمنية، وسخر أخرى مثل الحزب، والجيش، والشرطة، وأعدها بالإضافة إلى واجباتها الاعتيادية لأغراض ديمومة حكمه، وحماية خاصة لمسئوليه، وقد حقق نجاحاً تكتيكياً على اقل تقدير، وبنجاحه هذا كون إحساسا بالأمن قوامه عند المواطن العراقي:

فعل تجنب واستشعار بفاعليته.

اقتناع بالقدرة الفائقة على التدمير.

جدوى مؤسساته ورموزه، وسلطاته لردع الفعل غير المرغوب.

لكن النظام وبسبب أخطائه الاستراتيجية كما في حربه مع إيران، وغزوه الكويت، وقبوله الحصار تسبب في تصدع النظام المؤسسي العراقي برمته، وبينه النظام الأمني الذي تأثر بناءه بحدود ليست قليلة مع نهاية حرب الخليج الثانية على وجه الخصوص، تصدعا انهارت بسببه معالم الإحساس بالأمن، وكذلك الشعور بالانتماء، والاطمئنان، وبات اللون الأمني في الذاكرة العراقية لونا داكنا، وصداه محبط، ومثير لكل أنواع التآكل، والوهن، وعدم الاطمئنان، وفي إطاره غابت الشروط الأمنية الكفيلة باستقرار المواطن العراقي، لكنه لم يؤدِ إلى الانفلات بالتوجه ضد السلطة بشكل مؤثر حتى وقتنا الراهن (باستثناء فترة الانتفاضة) التي استطاع النظام السيطرة عليها لاعتبارات دولية وتنظيمية، هذا من جانب ومن جانب آخر لا يعني أن الانفلات غير محتمل الحدوث ثانية إذا ما توفرت شروط تساعد على خرق الجدار أو الغلاف  الخارجي للوعي  كما حصل عام 1991 أو بصورة أخرى قريبة منه لكثرة الرواسب السلبية في وعيه وصلابة الطوق الذي يحاصر مجالاته.

وعلى العكس من ذلك أدى  إلى حالة من التداعي، والتراخي تكّيف لها عديد من العراقيين ، بأن بنوا وأنتجوا نفسيات قلقة متوترة تعيش حالة العنف، والعدوان فيما بينها، حالة قوامها الانتقاد، والتجاوز، وعدم الثقة، وسرعة الانفعال … الخ من الخصائص والتوجهات، بدلاً من تحويلها مشاعرا وأفعالا إلى خارجها أي باتجاه سبب المشكلة (النظام ) وهذه أدت من الناحية السياسية إلى:

أن يعيش الكثيرين في المجتمع العراقي حالة مؤلمة من انعدام التوازن السياسي.

أن يشعر العديد في أيامهم العادية، وفي الأزمات وكأنهم يسيرون في فراغ قاتل مدمر، لا ربان لسفينتهم، ولا قائد لمسيرتهم، ولا بوصلة ترشدهم، بل ضربات يتلقوها من الخارج، والداخل، لا يعرفون كيفية التعامل معها.

عندها انكفأ الكثيرون على أنفسهم ، وعاشوا مشاعر الأسى والتظلمات، وامتهان الكرامة،  وشعور غامر كأن العراق في بعض جوانبه السياسية جسد ميت لا روح  فيـه، عضو جامد لا حراك لـه، فاتر لا قدرة لديه للمساعدة على أن يدافعوا عنه، جسدا تلتهمه النيران من كل جانب، ولم يسع لإخمادها إلا القلة الذين لم يصل عددهم حتى الوقت الحاضر بشكل يكفي لعملية التأثير.             

لقد شوه الضغط الأمني المستمر كل شئ حتى الضربات التي تصيب  في الصميم إذ يتداعى لها الخيال سريعا لينتج فقط دفاعات لحماية الذات على شكل تفسيرات خاطئة لهذا الواقع المحبط فيقول البعض مع نفسه أو مع الآخرين أقاويل بينها مثلا: 

لا فائدة من أي عمل يمكن القيام به.

العراقيون ضعفاء منقسمون على أنفسهم.

النظام مدعوم من القوى الكبرى.

رموز المعارضة العراقية عملاء للأجنبي.

...... إلى ما هنالك من مواقف التبخيس والتعجيز الذاتي، والشعور بالاكتئاب عملت الحكومة بإجراءاتها الأمنية المتعددة إلى تعزيزها سلوكا بين العراقيين، لم تتوقف عن حدود تعزيزه، وإنما توجهت بكل قواها إلى دفع المجتمع للإدمان على ظاهرة  التراخي، والتقاعس، وعدم بذل الجهد اللازم لتفعيل محاولة تغيير الواقع إلى الأحسن وأي كان التغيير.

2. قصور الرؤية السياسية 

إن التأثيرات الأمنية باتت مشكلة معقدة بسبب شدة الضغوط المسلطة على العقل العراقي الذي أدى وبسبب عدم القدرة على تحمله أي الضغط المستمر إلى أن يتجه البعض في محاولة جادة لعقلنة القصور في الفعل المناسب للتعامل مع عموم الأزمة العراقية بتقديرات سياسية، وفلسفية مختلفة أساسها ألوان من المواقف الانسحابية.

وهو اتجاه أدى إلى اضطراب في قوة البصيرة التي عرف بها العراقيون على مر العصور، كانت علاماته واضحة من خلال بعض أنواع السلوك الفردي ، والجماعي غير العقلانية مثل:

أ. تهافت البعض من أبناء المجتمع وإن كانوا قلة إلى التبرع، والتباري لتلبية الرغبات الخاصة لصدام، وتطلعاته غير المنطقية، وكأنهم لا يدركون آثارها السلبية على الآخرين من أبناء شعبهم.

ب. تسارع غالبية البعثيين لتجنيد رفاقهم، والمستقلين في الجيش الشعبي، وفدائيو صدام، وجيش القدس، وكأنهم لا يتحسسون أن تجييشهم الناس قوة للحاكم الظالم، وإدامة لها، واستمراراً لأخطائه التي ستطال حياتهم في أية جولة يرتكبها دون تخطيط أو تمييز.

إن هذا القصور اضطراب في قوة البصيرة انسحبت آثاره ليس على ما يتصل بالسياسة وشؤونها، بل وحتى في الأمور الخاصة، وشؤون الحياة المختلفة، وإدارة المجتمع، وعند مستويات وعي اعتكف فيها البعض مع ذواتهم فاصبحوا شكوكيين مغالين بالتحسب، وهو اتجاه أرادته الحكومة وعززت وجوده الأجهزة الأمنية من خلال تعميم العقاب الصارم على مرتكب الخطأ، وامتداداته من الأهل، والأقارب في أحيان كثيرة.

3 . العزوف عن العمل السياسي 

إن المغالاة بالتحسب المذكورة لا تقتصر آثارها على تجنب انتقاد السلطة فحسب، بل وبالابتعاد عن أي  فعل سياسي خاص بالتعامل مع واقعها في كثير من الحالات، خاصة وانه أي النظام  لم يكتف بتهديد الجانب الأمني من الوعي العراقي بل وضخم من حجم أدواته الخاصة بالتهديد، وبأساليب بينها:

إعدام بعض الوطنيين العراقيين الذين لم يبايعوه أو يعتقد  انهم سيقفون ضده يوماً من الأيام فتخلص منهم على أساس الشك، واحتمالات المستقبل.

وظف الإعدام في إطار التضخيم  لقدرة أجهزته الأمنية عندما يشيع بعد تنفيذه أنه حصل بسبب اكتشافه مؤامرة تستهدف النظام قبل بدء التنفيذ أو مع بدايات التخطيط أو أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية زودت مخابراته قائمة بأسماء عراقيين يخططون ضده.

وبخطوته هذه وسعت أجهزته الأمنية مجالات الخوف ، والتحسب في العقل العراقي الذي انعكس سلباً على الدافعية ومستويات المشاركة في العمل السياسي الوطني، وأبقى نسب غير قليلة من العراقيين في دائرة الحيرة، واللوم في محصلة نهائية:

قبل فيها الكثير ظلماً مستمراً، وموتاً مؤجلاً على المجازفة بقول كلمة حق في مكانها.

عزف العديد عن المساهمة بمقاومة الظلم في أوانه أو العمل مع العراقيين الخيرين من أجل التغيير في حينه، وهم يعون تماما أن المجازفة باحتمالات الموت متقاربة لكلا الاتجاهين باستثناء أن الموت بالأولى مؤجل وفي الثانية أسرع وقعا ، لكن المجازفة في الحالة الأخيرة  تضمن لمن يبقى منهم على قيد الحياة الكرامة، والحرية، ولامتداداتهم من الأبناء حياة اكثر أمنا واستقراراً.

إذ إنه وعلى سبيل المثال كثير من الإجراءات التي يقوم بها النظام وأجهزته الأمنية تعرض العراقيين لاحتمالات الموت اغتيالا أو حكما جائرا أو قتلا بالخطأ.

فالاستماع إلى ما يغضب الحاكم، والحكومة مشاركة يحكم بها موتا على السامع والقائل على حد سواء وان كان الضحية متواجدا بالصدفة.

والذهاب إلى صلاة الفجر قد تعرض للقتل مصلين جاءوا إلى الصلاة خلف شيخ منعته السلطة من إقامتها، فحكمت بقتله ومن معه لعدم امتثالهم لأوامرها.

وقد  يتعرض للقتل  طفل أو امرأة تصادف وجودهما قرب أبطال  تظاهروا احتجاجا على الظلم، أو استنكارا لقيام أجهزته بتصفية أحد الرموز الوطنية، كما حدث في مدينة الثورة إثر اغتيال الإمام الصدر، عندما فتحت قوات الحرس الخاص، والأمن العامة، النار عليهم، فقتل معهم عشرات الأطفال كانوا قد خرجوا من مدارسهم للتو.

وعندما يقصف النظام قرية بمدفعيته أو مدينة بصواريخه لا يفرق بين هذا وذاك.

عندها تكون احتمالات الموت لمن ثار عليه من أبناء القرية ومن تنحى جانبا تفاديا لشره واحدة على وجه التقريب، وهو الأمر الذي لم يتمكن غالبية العراقيين من إدراكه بسبب التقييد الذي فرضته إجراءات الأمن عليهم.

4. شيوع المعارضة الصامتة 

في خضم الحصر الذي كونته أجهزة النظام الأمنية تبين أن العديد من العراقيين لا يريدون التعرف على قيودهم  محاولين القفز من على الحقائق ذات الصلة بها، وهذه مسألة صعبة، تكمن صعوبتها في عملية إعادة توعيتهم بوعيهم المجزأ، المقيد، الموجه، الذي لا يتم إلا من خلال الاقتراب من الحقيقة ، والإمساك بها مباشرة دون أي التواء.

والنظام  بأفعاله القسرية هذه كون مجالاً واسعاً للأمن في الوعي يفضي  إلى حالة من القلق أمام مشاعر الانغلاق، والانحباس داخل مجتمع الدولة الذي تحول إلى مصدر للخطر، والاندثار بعد أن كان ملاذاً أو مصدراً للأمان، والاطمئنان والحنان.

كل ذلك أدى إلى أن يتحول الضجر، والبؤس، والكره للنظام إلى معارضة صامتة، نتلمسها من خلال العديد من الاستجابات وردود الفعل منها على سبيل المثال:                            

أ. التهامس البيني عن دكتاتورية الحاكم، وفجور السلطة فقط بين المقربين جدا.

ب. دعوات الخلاص من محنة أرهقت الكاهل فقط في قلوب المصلين في صلواتهم الخمسة.

ج. عموم المجتمع العراقي مجتمع معارض في النوايا، والأهداف، والكثير يتمنى التغيير بأية وسيلة تفضي إلى الخلاص، لكن القلة هم اللذين حسموا أمرهم، وشرعوا بالعمل فعلا من أجل تحقيقه، وتحملوا العواقب المرتقبة. 

د. يناقش الجميع مأساة العراق ، ويشعرون ضرورة التخلص منها، لكنه لو طلب حتى من اللذين يتواجدون خارج الخطر المباشر تحويل هذه المشاعر، والأفكار إلى أفعال أو الدعوة غير المسموعة إلى دعوة علنية ، يتوقف قسم منهم ويصر على الامتناع، وكأن قوة قد سيطرت على الواحد منهم تفوق مستوى إداراكه للمشكلة، وتأثيراتها الحالية، والمستقبلية.

وهذا التناقض في الخطى جعل العقل العراقي (الغالبية) محكوماً كذلك بسياسة المحاور المتبدلة، والمتغيرة دائماً فمنهم من يؤكد هذا الرأي ثم يعود لمعارضته إن شعر أنه يهدد ذاته أو لا يقبل عليه الأعلى، وكثرة المحاور تصيب الإنسان بالإعياء، وتدخله في قناعة أن اللامعقول يصبح معقولاً، ولكن بشكل غير عقلاني، فيحس البؤس والخذلان.

5. تقاطع المصالح بين الفرد والدولة 

إن طبيعة الإجراءات الأمنية المذكورة في أعلاه كونت تقاطعاً في داخل العقل لمفهوم العلاقة بين الفرد والسلطة ، أي اختلافاً وتناقضاً بين الذاتية (ما هو موجود) وبين الموضوعية (ما ينبغي أن يكون)، وبفعلها هذا أخلت كثيراً بعملية التجانس، والانسجام اللازمة للاستقرار، والتناغم بين العراقي، والسلطة، وهذا التقاطع يعني أن النظام السياسي العراقي يخنق مجالات الوعي ويصيبها بحالات شديدة من العجز، والتشتت بمستوى ساهم بتعزيز سلوك الفردية والذاتية الموجود أصلا في الشخصية العراقية التقليدية.


اضطراب المعايير الوطنية

العراقيون وطنيون مثلهم مثل باقي الشعوب، يرتبطون بأرضهم التي يعيشون عليها أرتباطا جيدا، حتى لم تعرف عنهم هجرة جماعية إلى الخارج مثل السوريين والمصريين واللبنانيين وعرب الشمال الأفريقي حتى مجيئ صدام للسلطة، وتسببه في تغيير تلك المشاعر بالإرتباط التي ترسخت في النفوس لمئات السنين، كنتيجة حتمية لأساليب الأمن، والضغوط شبه المستمرة خلال عملية إدارة المجتمع والدولة، التي شملت آثارها المجالات الآتية: 

1. ضعف روح المواطنة  

إن تصرف أو سلوك الفرد مرتبط دائماً بحركة التفاعل، والتشابك بين شخصيته، وحاجاته الأساسية، وتركيبة المحيط الذي يتحرك فيه، وبمعنى آخر أن كل ما يصدر عنه ناتج عن محصلة لتفاعلات كيانه البيولوجي، والنفسي مع البيئة التي ينتمي إليها، تفاعل يظهر على شكل علاقة احتواء عنصرها الأكبر (المحيط البيئي) لعنصرها الأصغر (الفرد نفسه).

وعندما ننتقل بالصورة من السلوك الفردي إلى السلوك المجتمعي نجدها صورة لا تختلف عملياً، إذ أن السلوك في المواقف العامة ينتج من التفاعل  بين أولئك الأفراد بخصائصهم وميولهم، مواطنون موزعون على بقعة جغرافية معينة.

وبين المقومات، والعناصر الضابطة لمجتمعهم.

علاقة تحدد مشاعرهم تجاه المحيط، وميولهم للتعامل مع كل المتغيرات ذات الصلة به، دفاعا عنه، وتضحية من أجله، ومساهمة في بنائه، وتطويره، فتشكل مع غيرها ما يسمى بالوطنية.

والوطنية بهذا المعنى تسمية لإطار أو بنية لعناصر متعددة، تترابط فيما بينها، شبكة من العلاقات متداخلة إلى حد كبير.

وهي اتجاه عام من الناحية الارتباطية التي تنظم أسس ومحتوى تلك العلاقات التي تجمع الغالبية في بنية محددة، بنية تتجسد من خلال القناعة، والثقافة، والقيم، والمواقف، والأحكام، والأماني، والطموحات:

معطيات تضفي على أصحابها أفرادا، وجماعات اللون، والشكل، والمنحى الفكري، وتسمح لهم بالتالي التعاون فيما بينهم أو مع جماعات أخرى لتحقيق الأهداف العامة فتعبر عن وطنية عالية المستوى أو الانسحاب سلبا من كل المواقف ذات الصلة بتلك الأهداف فتؤشر هبوطا بمستوياتها.

ولو عدنا إلى موضوع العلاقة  بين إجراءات الأمن في مجال الوعي والادراك لعموم العراقيين، وعلاقته بالمشاعر الوطنية ومستوياتها، وناقشناها بتجرد وحيادية ــ جهد الإمكان ــ نجد أن هناك الكثير من الاضطرابات، والتناقضات غير القليلة في العناصر المكونة لها جاءت بسبب طبيعة الإدارة الأمنية القسرية وغير المتوازنة للمجتمع العراقي، وبسبب أخطاء النظام، ونواياه غير الحسنة، وعلى أساسها يمكن القول:

إن الوطنية كمشاعر لعديد من العراقيين في الوقت الراهن على قدر من الفوضى، واللاعقلانية.

لأننا لو عدنا ثانية لإجراءات النظام في إطار الأمن، وسياسة التبعيث، والتعريب، نتلمس أن جميعها قد أدت بالإضافة  للاضطرابات المذكورة إلى احتواء الفرد، أي سلب قدراته على التفكير العقلاني في أمور حيوية منها مشكلة العراق وما يتعلق بها، وتركته:

جسماً بيولوجيا يتخبط في المحيط غير المضمون.

يفتش عن حاجات تبقيه على قيد الحياة.

يحاول إشباعها بلا انقطاع، دون النظر إلى المحيط"الوطن" من حوله.

أي إن عملية التفاعل بين عناصر الوطنية لم تحدث  بالشكل الطبيعي، وتلك كانت من أكثر التأثيرات خطورة على العراق في وقتنا الراهن، وستكون كذلك في المستقبل، لأنها أدت إلى أن يكون البعض من العراقيين وفي أحيان  ليست قليلة:

أ. مواطنون موزع كثير منهم دون شعور بالانتماء العام أو بقليل منه، تسيطر عل بعضهم  النوازع، والأهواء الشخصية، والانتماءات الجماعية المختلفة.

ب. مواطنون لا رغبة لعديد منهم بالتعاون مع أخوتهم، ولا دافعية للعمل من أجل صيغة قد تساعدهم على الخلاص أو حتى التقليل من همومهم.

والدولة من حولهم فقدت كثيرا من مقوماتها فلا هيبة لها، ولا مصداقية، ولا قدرة لحماية السيادة، ولا إمكانيات لتأمين العيش للغالبية من الأبناء .

عندها اختل طرفا المعادلة  واختلت النتيجة (الوطنية) المتأتية من تفاعلهما، واضطرب الشعور بها، وباتت صفة يحاول البعض الابتعاد عنها بعدما كان يتفاخر بها، وأكثر من ذلك اندفع البعض الأخر يتهرب منها مهاجراً أو لاجئاً أو باحثاً عن جواز سفر لدولة أخرى أو واقفاً على  الطريق لا يتجرأ البوح بعراقيته الأصيلة.

2. الميل إلى تدمير بعض المعايير الوطنية

بالإضافة إلى ضعف الروح الوطنية نجد أن الصورة أكثر عتمة عندما نتلمس قيام البعض بمعاداتها، والسعي لتدميرها رمزاً اعتقدوا بسبب ضغوط الأمن، وإجراءاتها التعسفية:

أنها وهمُ أو مشاعر ارتبط وجودها بالحاكم الفرد فتوجهوا لضربها بأماكن مختلفة، ضربات لا تخل بطبيعة الطوق المفروض لتقييد الوعي، ولا توقظ شرطي الأمن القابع على محيطه، وإنما تتجه لتدمير كل ما يرتبط بها، وكانت قسم من ضرباتهم متمثلة بالآتي:

أ. عدم المحافظة على أملاك الدولة، والمال العام، والسعي لإتلافه وتبذيره، وتحليل الاستحواذ عليه شرعيا.

ب. التقصير المتعمد في تأدية الواجبات، وان كان البعض منها يهم المواطنون.

ج . استشراء الرشوة أسلوبا في تمشية المعاملات الرسمية، وغير الرسمية.

د. انتشار التزوير وشيوعه صفة لا تثير الدهشة، والاستغراب.   

. .. الخ من أنواع الهدم، والتخريب في البنية العامة للمجتمع، وبطريقة  يمكن تشبيه العراق على وفقها في وقتنا الراهن:

سفينة وسط بحر متلاطم الموج، كل راكب من ركابها يسعى لعمل ثقب فيها نكاية بربانها أو لضجره من كثرة أعطالها التي أبقته بعيدا عن الوصول إلى البر، دون أن يعوا أن غرقها يعني احتمالات موتهم جميعا وبنسب كبيرة.

إنه اختلال في أطراف المعادلة أدى إلى زيادة الضبابية في تصور مصالح المجتمع العراقي، والانصياع لها أو التطابق معها، وفي مجال الوطنية يعني الانصياع أو الالتزام:

العامل الكفيل بإضفاء صفة الاستقرار، والأمن على الدينامية، والجماعة.

وإذا ما فقد الاستقرار كما هو الحال في العراق يعني أن التطابق أصبح في أدنى حالاته، وأخذ بإعطاء مكانه للتفكك إلى جماعات صغيرة تغلب على توجهاتها المصالح الذاتية، ويحكم سلوكها التعصب، والأنانية، وتغيب عنها الروح الوطنية. 

3 . ضعف الإرادة الوطنية

إن الأساليب الأمنية المتبعة، وبعد أن أبعدت العراقيين عن احتمالات التطابق كما ورد أعلاه أثرت على جوانب أخرى من الفاعلية المطلوبة لتكوين الإرادة، والإدراك اللذان يعدان جوهر الفاعلية الذاتية لعمليات الوعي، ولب عناصر الوطنية.

الإرادة التي تعني الإصرار والسعي والفعل، مجالات في عقل العراقيين تقلصت بشكل كبير، وبتقلصها أصبح الشعور بالوطنية وان وجد بمستوى معين  ليس ذات جدوى لتحويل الشعور إلى فعل لصالح الوطن، أو الحيلولة دون القيام بفعل ضد مصالحه أيضا في ظروف صعبة مثل ظروفنا الحالية.

والإدراك الذي يرتبط مع الإرادة (إذ أن المعروف في هذا الجانب أن لا إرادة دون إدراك ولا إدراك دون إرادة، وبالتالي فإن الوعي الذاتي هو إدراك وإرادة، فمن حيث هو حكم على الموجود أصبح إدراكا، ومن حيث هو تحكم به أصبح إرادة) ويشترك معها في نفس البنية العقلية.

والنظرة إليه تبين أنه قد تعطل هو الآخر أو ضعف على مستوى المساعدة  لفهم ما يحيط بهم أي العراقيين من وقائع، وأخطار واتجاهات:

إذ لم يع بعضهم الأخطار البعيدة المدى لحكم الحزب، ونواياه، وغاياته، وارتباطاته رغم وضوح البعض منهـا مثـل أعمـال القتـل، والاغتيـالات، وافتعـال الحــروب، والتدميــر، والدكتـاتوريـة، والطـائفية، والإقليميـة، وغيرها أعمال، كأن العقل قد تعطل أو تكاسل إبان حدوثها فلم يعد يدرك ماهيتها.

(رغم إن هذا هو حكم لا يمكن عده حكما مطلقا من الناحية المنطقية، إذ أن البعض من العراقيين أدركوا ذلك مبكرا، وكان وعيهم عصي على التقييد رغم إجراءات النظام المشار إليها، لكن واقع حالهم يشير إلى أن البعض منهم  دفع حياته ثمنا لهذا الإدراك، والوعي، والبعض الآخر غادر العراق في غربة طويلة كانت هي الأخرى ثمنا لهما، وهي إجراءات للنظام كانت مقصودة لتقييد وعي غيرهم من العراقيين).

هذا وعندما يحصل ذلك أي عدم الإدراك  ستضعف الإرادة، وتنخفض  مستويات الشعور بالمواطنة بحدود كبيرة.  

4. الشعور بالاغتراب والعزلة عن الوطن 

إن من عناصر الوطنية التي اختلت جوانبها مسالة الانفصال الاجتماعي عن الوطن (العراق) لدى نسبة ليست قليلة بعد أن وضع النظام نفسه بديلاً رمزياً عنه، بفسحه المجال واسعاً لتمجيد حاكمه بطلاً ومنقذاً ومخلصاً وحيداً، وعندما فشل في أن يكون كذلك، تقلص الإحساس بالوطن كحضن آمن، وهربت كثير من موجودات الوعي إلى اللاوعي الذي أصبح بالنسبة للكثير علبة محقونة  بصور غير متجانسة، في معظمها:

بقايا ذكريات للخوف، والهلع.

رموز للخطر، والتهديد.

وهذه الصور المحفوظة على مستوى اللاوعي، لا تلبث أن تتحول إلى عناصر اضطهاد، وإحساس بالاغتراب يصعب على بعض المواطنين مواجهتها أو وضع حواجز لها أو موانع تحول دون قيامهم بما يخل بوطنيتهم.

إن الشعور بالاغتراب قد ترك بصماته على سلوك العراقيين بشكل قدري، فطبع الوعي بطابع السوداوية المتشائمة، ودفع البعض إلى أن يسّخر كل حركة يقوم بها أو سلوك يؤديه في سبيل تعويض هذا النقص، رغم أن نتائج هذه المحاولات لا تجدي نفعاً للتعويض، وستبقي عملاً لا إرادياً تكمن أهميته في أدائه حركة أكثر مما تنفع في اتجاهاته لتحقيق الأهداف.

وهذا تناقض دفع من ناحية أخرى إلى الشعور برغبة للشكوى يعود معظمها إلى وطن غاب أو حضن آمن انتهت فاعليته ويئس من احتمال عودته قريباً، وعلى أساسها ابتعد البعض عن الوطن بمشاعره، محاولاً استبداله ولكن ببديل ضائع هو الآخر.

5. اختلال النظرة إلى عناصر الوطنية ورموزها            

إذا ما أضفنا لغياب الوطن، والشعور بالاغتراب انتهاء دور مؤسسات الدولة التي يمكن أن تلعب دور الحضن الدافئ لعموم العراقيين كما ورد في أعلاه، نصل إلى تفسير منطقي لغياب العاطفة، والاطمئنان، والتآزر، والتعاون كعناصر للوطنية، ونستنتج على ضوئها:

أن عدم الدفء الذي أشّرَ ضعفاً لمستويات الوطنية أصبح كذلك مصدرا للقلق، والتأزم، والارتباك، والفوضى، والحزن لغالبية العراقيين، وهذه على وجه العموم اضطرابات ضغطت كثيراً على العقل، وجعلت الأمزجة:

مشبعة بالتشاؤم، واللامبالاة، والتباطؤ، وتأنيب الضمير.

إحباط تحول إلى مشاعر عدوان على الذات بدلا من إسقاطها على الخارج "مصدر الإيذاء"

وعلى هذا الأساس يمكننا أن نفسر كيف أن البعض يتسابقون لانتقاد أي عراقي تجاوز ماضيه، وحزم أمره معارضاً للنظام، ودعا الآخرين للتمرد ضده لمجرد مشاهدته على شاشات التلفزيون قبل أن يسمحوا للعقل باستيعاب الموضوع المطروح، ومحاكمته منطقيا، ومن ثم إبداء الرأي المدعوم .

وعلى أساسه نفسر أيضا تبرع البعض باتهام أي جهة معارضة بالعمالة للأجنبي لمجرد قيامها بمفاوضة دولة لها دور وحصة بالقضية قبل أن يسمحوا للعقل بالمناقشة العلمية.

… الخ من اتجاهات العدوان الموجهة  إلى تجريح الذات العراقية أو إلى الرغبة في تدميرها أحيانا عندما تصل الحالة إلى اتهامها بالعجز، والقصور، وترديد عبارات اليأس:

نحن لا نستطيع.

لا نقدر.

لا أمل لنا 

….. الخ من عبارات لو تفحصناها بشكل دقيق نجدها سموم  يقدمها البعض من العراقيين للبعض الآخر دون أن يدركوا أنها ستقدم إليهم بنفس الطبق.

وعلى ضوئها نفسر أيضا توجه البعض الآخر اتجاها معاكسا حيث التمجيد للذات المنكوبة بطريقة ينسحب فيها من المواجهة، ويغرق أو يسرف في البكاء على مجد لم يستطع المحافظة عليه كالآخرين من العرب وغيرهم. وهذه أيضاً محاولة للهروب من مواجهة الواقع الحقيقي الذي يحياه على مستوى وعيه المحاصر.

 

فرص العراقيين في التعامل مع نتائج التقييد

إن التكلم عن موضوع توجه حكومة صدام في إجراءاتها الأمنية المتعددة لتقييد الوعي، وإلقاء الضوء على تأثيراته الآنية والمستقبلية فيما يتعلق بالسلوك، والأداء، والحالة النفسية العامة التي تعد من بين أهدافها الاستراتيجية ..... يثير عند المتابعين سؤال يتعلق بسبيل الخلاص من هذا الطوق الذي كونته الحرب المستمرة على الذات العراقية، وهو أمر ليس يسير بوجود سلطة صدام، ومع ذلك فإن لأولئك المتابعين فرصة أن يدركوا بعض جوانبه إذا ما تم النظر لموضوعه من زاويتين:

الأولى: الزاوية الاجتماعية النفسية التي تقتضي التحرك الآني لفك الطوق الأمني للوعي العراقي المقيد ذاتيا.

الثانية: الزاوية المهنية الإدارية الخاصة التي تتطلب النظر إلى  طبيعة التعامل مع الواقع الأمني العراقي واستراتيجية الدولة المقبلة في التعامل مع مواطنيها ما بعد التغيير، وإقتراح صيغ إعادة تنظيم أجهزة ووسائل الضبط الاجتماعي لتجاوز الآثار السلبية السابقة، وضمان عدم تكرار الخطأ ثانية، وهذا أمر يترك عادة للمهنيين والمختصين دراسته بشكل علمي.

وما يتعلق بالزاوية الأولى فإن أمر تناولها عرضا في الوقت الحاضر مقبول وممكن، لأن كل جوانبها تتعلق بالإنسان العراقي ومساعيه الذاتية للتخلص من حصر الطوق، و بالقوى الأخرى المنظمة من خارج جسم الدولة التي يمكن أن تساعده في مشكلته المعقدة خاصة وإن الوعي والآثار السلبية لما آلت إليه إجراءات الأمن التي عرض بعضها في ثنايا هذا الموضوع مجسـّم لمساحة الحياة التي يتحرك فيها العراقيون مواطنون كما يتصورونها من جهة، وكما يعيشونها من جهة ثانية، وهي بالتالي مساحة مستوى الطموحات، والتطلعات، والمعانات، والآراء، والمعتقدات متقاطعة مع واقعهم الراهن أفرادا، وجماعات.

وفي بداية مناقشتنا لكيفية التعامل مع واقع كوّنه الفرد الحاكم، والأجهزة الأمنية علينا أن نشير إلى بعض الاختلافات الكمية لفاعلية الطوق المفروض على الوعي في حالة الفرد، وإلى مستواه في حالة الجماعة (الجمهور).

إذ نرى وعلى مستوى سلوك الفرد بوجوده مع فرد آخر قريب منه، وضمن الواقع العراقي في وقتنا الراهن، أن الواحد منهم قادر أن يتمنى تغيير نظام الحكم في العراق بجلسة نقاش خاصة إذا ما كان المقابل صديقا حميما أو قريبا موثوقا.

وقادر فيها أيضا أن يتصور طبيعة الحكم الديمقراطي الملائم للعراق، وبإمكانه مناقشة الحرية هدفاً لعموم الإنسانية، وغيرها مساحات أو مجالات للوعي الفردي، لكنه يجد نفسه مكبلاً بقيود التوجس، والتحسب، والخوف، مجالات ذات فاعلية أكبر في وعيه بوجود الجماعة التي يتغير في إطارها التصرف أو السلوك، وهو تغير يتناسب طرديا مع حجم الجماعة، وعدم معرفتها بالنسبة للمتكلم، وبمعنى آخر:

إن المجالات المعنية بالتقييد تكون فاعليتها أنشط مع زيادة حجم الجماعة، واتساع هامش عدم معرفة بعض أفرادها للبعض الآخر كمثيرات خارجية. 

وعلى وفق هذا التصور فإن مناقشة كيفية التعامل ينبغي أن تأخذ المنحى المجتمعي بالاستناد على الجهد الفردي، لأن تأثيرات الأخير على الواقع العراقي لا تفيد كثيرا إلا في إطار الجماهير أو الأغلبية المصابة بآفة تقييد الوعي، لأن الوعي الذي لا يتخطى الفرد إلى الجماعة، ويتجلى فيها سيبقى مشروعاً في ذهن صاحبه، ولا أهمية لـه من الناحية العملية إلا بتجاوزه المستويات الفردية إلى المستويات التي تقنن ضبط علاقة الفرد بجماعته، خاصة وإن مجالات الوعي الإيجابية التي يمكن أن تعلق عليها الآمال في عمليات فك القيود لعموم العراقيين إن لم تخرج من الفرد إلى المجتمع قد تضمحل أو تفقد فاعليتها بسبب صراعها المستمر مع مجالات اليأس، والخوف التي تنتج مع تقادم الزمن مواقف دفاعية عكسية في بعض الأحيان.

وفي مناقشة كهذه لكيفية فك القيد أو تحرير الوعي علينا أن نأخذ بالاعتبار أيضا أن مسألة التعامل مع الجوانب الخاصة بالإنسان مثل المشاعر، والأحاسيس، والرغبات، والميول ليست سهلة في مجتمع مغلق يمتلك صدام مفاتيحه ويحرص على المحافظة عليها بأي ثمن كان، ذلك لأن:

لا وسائل فيه يمكن استخدامها للتعامل الصحيح.

ولا الدولة تسمح بأية خطوة تتنافى وتوجهاتها لتقييد وعي أبناءه عشرات السنين.

ولا الأدوات المملوكة للحكومة ذات الصلة بمشكلة العراق مفتوحة لما يمكن أن يتقاطع ومصالحها الآنية والمستقبلية.

وتأسيساً على ذلك ستكون مناقشة مستلزمات تحرير الوعي "فك القيد" على مستويين:

1. المستوى الفردي غير المنظم 

وفي مجاله يمكن أن يأخذ جميع العراقيين في اعتبارهم أن تكون نقطة البداية لتحرير الوعي من داخلهم.

أو أن يبادر المثقفون، والمتخصصون، والسياسيون، والأدباء، والفنانون في أن يرشدوهم لأن تكون البداية:

سعي للفرد في أن يبدأ مع نفسه أولا، ومن ثم يوسع البداية مع الآخرين القريبين منه.

يبدأها بالانفتاح على ذاته المقيدة ليفهم طبيعة، وآثار التقييد.

بتحدي ضوابط القيد المفروضة عليه.

أن يقتل شرطي الأمن الذي وضعه النظام في عقله، وبموافقته اللاإرادية.

أن يفعل شيئا للتحرر من هذا القيد، لأن الفعل أساس الانطلاقة للحرية، والتحرير في آن معا  أو كما يقال (ليس على الإنسان أن يكون حرا ليبدأ بالفعل، بل هو حر بقدر ما هو فاعل لفعل، وبالتالي بمقدار تحرره من خلال هذا الفعل).

أن يقتحم الواحد نفسه من الداخل، ويزيل الطوق الموجود بشكل إرادي واعي.

أن يجلس كل على انفراد في زاوية من زوايا البيت، ومن لا بيت لـه فليجلس على حافة رصيف لشارع مهجور، يفكر منطقيا: 

أين كان العراق وأين أصبح؟

لماذا يفعل صدام كل هذا الدمار؟

هل يبقى الواحد من العراقيين معزولا سجينا إلى ما لا نهاية؟

هل يقبل موت الروح، وبقاء الجسد؟

ألا يعني السكوت بقاء للقيد، ودمار تدريجي للعراق؟

…………. الخ من أسئلة وأفكار مثيرة ؟

أن يفكر المعني قليلا قبل الإجابة، ويستعرض ما ترسب بالذاكرة من أحداث، وبقايا معالم تدمير، وخراب لأكثر من ثلث قرن من الزمان، عندها سيجد غالبية العراقيين أنهم: 

أ. مسجونون طوعا في سجن كبير أسواره كل حدود العراق، وحراسه الأجهزة الأمنية التي لا ترحم. 

ب. تبلدت مشاعرهم، واضطربت أمزجتهم، وباتوا قلقين طوال الوقت، حزينين معظم الأحيان.

ج. تغيرت معالم أهدافهم المنطقية في الحياة أو تلاشت إلا ما يتعلق منها باستمرار البقاء على قيد الحياة.

د. لا راحة لأغلبهم، ولا استقرار، ولا أمان، ولا متعة من متع الدنيا التي أرادها لهم الله سبحانه وتعالى، ولا أمل في الانفراج بالصدفة. 

أن يتوقفوا بعدها من تقليب الصفحات في مجالات وعيهم، وقبل مغادرة المكان يفتشوا مع أنفسهم عن حلول ممكنة التطبيق، عندها سيجدون أن الأسهل لهم، والأقرب من إمكاناتهم هو:

خرق الطوق الذي قيد وعيهم.

تهديم أسواره النفسية.

محو المجالات التي حشرت في داخله عن الخطر، والخوف، والتحسب.

تلك هي بعض التصورات الممكنة التطبيق لبدايات التحرر، يتطلب من الفرد العراقي الراغب بالتحرر بذل المحاولة في أن:

يبدأها مع نفسه لأن من لا طاقة لـه على الفعل مع ذاته ليس باستطاعته الحرية، ولا بمقدوره تحرير الغير.

أن يجربها مع أقرب الناس إليه، والتوسع بها تدريجيا لمساعدة الآخرين على تحرير ذواتهم.

اتجاهات أو توجهات ينبغي أن تكون جزءً مهماً من الحياة اليومية أو هي الحياة التي سيكون لها طعم جديد، وأهداف جديدة تفوق في أهميتها مجرد إشباع البطون.

أن يتذكروا مع كل خطوة ينجحوا فيها أنها وإن كانت على مستويات ضيقة أو بسيطة ستتسع رقعتها بحكم التراكم الكمي للجهود، وستتحول حتما إلى فعل وأداء يساعدان في العمل من أجل التغيير. 

إن فعلوا ذلك سيكونون أحراراً، لأن الحرية ليست بداية أولى بشكل مطلق للفعل، ولا هي بهذه الصفة شرطاً ضروريا لـه، وحده فعل التحرر من قيود الوعي الذي يؤدي إلى الحرية، وأنه وحده طريق التحرير من هذا الواقع المرير.

عندها سيعودون إلى عراقيتهم الأصيلة، ويتوقفوا عن مطالبة الغرب بتحريرهم أو حتى العرب المشغولين بمشاكلهم، وهمومهم التي لن تنتهي في القريب.

إذا كانت البداية كما ورد أعلاه، عقلية عقلانية، تـُخـضع مختلف الفعاليات لمراقبة الفكر الفذ النير الواعي، سيجدون أنفسهم مدفوعون أفرادا يفتشوا عن الأدوات والوسائل، عن الطرق والسبل، التي ينظموا بها أنفسهم وحدة واحدة لها فعل التغيير، لأن التجمع، والإنظمام، والائتلاف، والتوحد، والتحالف مع قوى منظمة تعارض الظلم، والاستبداد ستزيد من فاعلية تحرير الوعي المجتمعي، القادر وحده على التغيير.

2. مستوى الفعل المنظم   

عند تناول الموضوع من جانب الجهد المبذول لتحرير الوعي العراقي، لا يمكننا إلا وأن نشير ورغم عدم السهولة التي تم التنويه إليها إلى أن العراقيين الخيرين شخصيات، وجماعات، وتنظيمات لم يتوقفوا عن محاولة إعطاء الوعي بشكل عام سمة التماسك، والتكامل، والقدرة المرجعية، وإشاعة جو الانتماء، لكنها محاولات على وجه العموم لا تتناسب في واقع الحال مع حجم التقييد الحاصل "التخريب" من ناحية، والجهد المخصص من قبل النظام لمقاومة أية محاولات لتحريره من ناحية أخرى.

(إذ إن صدام ورغم الضغوط المسلطة عليه من جوانب متعددة يعطي موضوع الأمن، والتعامل مع القوى المضادة الأولوية الأولى مقارنة بالتعليم، والبناء، والأعمار، وكذلك يخصص لـه المبالغ الطائلة دون ما حساب على الرغم  من الأزمة التي يواجهها بالنقد الأجنبي، ويعطي أجهزته الأمنية، والحزب الأوامر في أن يكون هذا الموضوع أعلى سلم مسؤولياتها، بهدف الإبقاء على الواقع المعاش وعدم إعطاء أية فرصه للمكبوتات أن تخرج إلى الوعي وتتحول إلى سلوك معارض).

لذا أصبحت معظم المحاولات التي تقوم بها بعض الجماعات، والجمعيات، والمؤسسات، والفصائل المعارضة في هذا الجانب وإن كانت نزيهة، وخيرة، وصادقة، وأمينة تسير أحيانا خطوة إلى الأمام، وتصطدم بالطوق الموجود لتتراجع خطوات إلى الخلف مكونة في بعض الأحيان:

صراعات قوامها الفرقة، والتباعد.

قناعات أساسها عدم القدرة على تجاوز حالة اليأس والركود.

تعليق الأمل على ما يأتي من الخارج.

انتظار الفرج من الخالق.

وعلى وجه العموم فان من المنطقي التوجه صوب المؤسسات البعيدة عن سلطة الدولة وإلى المعارضة العراقية، والجمعيات غير الحكومية، والصحافة المنصفة القادرة وحدها على التعامل مع هذا الواقع في الوقت الحاضر (رغم أن جسم بعضها مثل المعارضة هو الآخر مصاب بذات الاضطرابات، التي انتقلت إليه من العراقيين الذين يشكلون هيكليتها) وفي مجالها يمكن الأخذ بالاعتبار:   

أ. أن تعي تلك التنظيمات والهيئات أولا الأخطار المترتبة على هذا الواقع، ومن ثم تبدأ بتنسيق جهودها في مجاله، ويمكن أن تكون البداية استثمارا لحنين العراقيين إلى الماضي الذي لم يستطع النظام تفكيكه بشكل كامل (لأن الماضي يعيش بعض منه في اللاوعي، ويظهر على شكل حنين يحرك الفرد بالرموز على الأغلب) ومن خلاله يمكن خلق وعي وطني، و صدى، ورجع بعيد من الناحية الزمانية لمجالات معينة قامت يوما على مصالح عموم العراقيين.

هذا وإذا ما تفاعل عديد من العراقيين مع الجهد المنظم الذي يبذل في هذا المجال وجرى التركيز على هذه المعطيات، وتنشيطها في الوعي الحالي، ومحاولة تعميمها جماعيا ستتحول مجالات الوعي بالتدريج:

من قلق الفراغ، والتحسب، والإحباط.

إلى الثقة، والرغبة، والاقتدار.

التي تنتج أمنا اجتماعيا قادرا على توجيه السلوك ضد السلطة الظالمة.

ب. أن تبادر تلك الجهود المنظمة في كل مجالات عملها، وتحركها، وإعلامها ،ومؤتمراتها لأن:

تعطي مثالاً في سلوكها الهادئ المتزن بعيداً عن التناحر، والفرقة، والانقسام، والتشتت.  

تثبت قبولها الاختلاف بالرأي مع الغير. 

تتوجه لتقدير ودعم الجهد المبذول لفك القيد مجالات إيجابية في وعيهـا الجمعي.

تساعد العراقيين بكل الوسائل المتاحة على الانتقال من دوامــة الانفعال إلى خضم الفعل باتجاه تحرير الوعي، ولو بحوار مع الذات ينتقل تدريجيا  إلى حوار مع الآخرين يمتد إلى الوعي المجتمعي. 

ج. أن تقوم بالدعوة إلى عدم السكوت على جريمة تقييد الوعي، وتدفع إلى أن ينادي الجميع بأعلى أصواتهم:

أن النظام الحالي بفعلته تقييد الوعي أصبح كارثة على الحاضـر والمستقبل.

وأن تنبه في ذات الوقت إلى حقيقة أن العراقيين بسكوتهم قد خسروا أنفسهم لفترة طويلة، وسيخسرون العالم من حولهم إذا ما استمروا بالسكوت، وهي حقيقة تقتضي الضرورة أن يمسكوا بها مباشرة، ويوسعوها في مجالات الوعي المجتمعي دون أي التواء أو تأجيل.

د. أن يخصص هامش أوسع في الإعلام الموجه لإزالة أوهام علقت في الوعي، وساعدت على تقييده كل الفترة السابقة منها على سبيل المثال:

قدرة أجهزة صدام الأمنية الخارقة على معرفة كل فعل يقوم به العراقيون بالضد من الحكم.

دعم الغرب، وأمريكا لبقاء النظام.

رغبة الدول العربية ببقاء النظام ضعيفا، وعدم تأييدها لقيام حكم ديمقراطي قوي.  

... الخ من الأوهام (وإن كان لبعضها أساس من الصحة) التي ساعد النظام على توسيع رقعتها في الوعي لتقييده من جهة، وللحد من قدرته على التفكير من جهة أخرى.

هـ. التوسع في نشر الحقائق بكل الوسائل المتاحة لأن الكثير مما يعيه أبناء العراق عن عراقهم ليس حقيقيا، والكثير من الحقائق الخاصة به لا تقع ضمن وعيهم. وأن يتم البحث عنها بكل الأمكانيات المتاحة حتى تنزع النقاب عما يسمى بالوعي الزائف، وخداع الذات.

و. أن تنسق تلك الجهود فيما بينها (جهد الإمكان) لوضع استراتيجية معلنة للتغيير إلى الديمقراطية، استراتيجية تسهـم مع غيـرهـا من العوامل في إخراج الوعي العراقي من حالة الركود شبه التام إلى الفعل المؤطر باتجاه هدف يستحق المجازفة في العمل من أجله.

ز. سـد الثغرة أو الفجوة التي كونها النظام في الوعي المجتمعي، وذلك من خلال:

إعادة تمثيل، وتجسيد، وتحريك الماضي على مسرح الحاضر الراهن، وبما يسمح بالحديث عن إحياء الضمير العراقي، ورموزه، وقادة العراق.

كتابة التراث الذي حاول النظام طمسه وتزييفه، كتابة جديدة انتقالية ممتعة يلعب الماضي فيها دور الموجه للمستقبل.   

إن التكلم عن الوعي يعني التكلم عن ذلك الجزء المفترض من النفس البشرية الذي تبقى فيه الوقائع، والأحداث، والذكريات، والمعلومات معطيات قابلة للاسترجاع دون جهد، قادرة في ذات الوقت على التأثير في السلوك الإنساني على مستوى الأفراد، والجماعات في آن معا.

والتركيز عليها بهذه الطريقة جاء لعدة اعتبارات أهمها:

  • الاعتقاد وعلـى ضوء الكثير من الحقائق أن العراقيين يواجهون مشكلة تقييد وعيهم ومن بين تلك الحقائق على سبيل المثال أنهم:

يعرفون تمام المعرفة، أي يعون أن النظام الحاكم دمر العراق تدميرا شاملا.

يتلمسون بكل حواسهم وقائع هذا التدمير الذي ما زالـت كثير من صوره عالقة في مجالات وعيهم.

يتذكرون أنه كذَبَ:

في مجيئه للسلطة.

وفي حربه مع إيران.

وفي غزوه الكويت.

وفي تعامله مع وقائع الحصار.

وفي علاقاته معهم.

وما زالوا يتلمسون استمراره على الكذب، عادة يصعب التخلص منها أو مرض لا يمكن شفاؤه، لكن عديد منـهم لا يستطيـعون التعبير عنهــا، وبعضهم ينكرها في نقاشه مع الآخرين، فأصبحت مشكلة مرهقة من ناحية، وعائق لتوجهاتهم من أجل التغيير من ناحية أخرى.


الخاتمة

1. إن تققيد الوعي، كبت للمشاعر والإنفعالات، مرده أو نتيجته تدمير للذات الإنسانية، وبذا أصبحت مسألة التخلص منه، والآثار الجانبية للتخلص ليست سهلة بعد أن تعوده الكثير من العراقيين، وشكلوا سلوكهم على أساسه لفترة زمنية طويلة نسبيا، عليه سيكون التخلص الآني من الآثار المترتبة (في حالة حصول أنقلاب مفاجئ أو تغيير سريع، أو موت للحاكم مقرون بقدان السيطرة) من أكثر الأمور تعقيدا لأية إدارة تأخذ على عاتقها مسؤولية الحكم آنذاك، على هذا الأساس يتطلب من المعارضة العراقية أو السياسيين العراقيين غير المنتظمين بأحزاب معارضة والذي يفترض أن يتحملوا المسؤلية أو قدر منها في حالة حصول أي نوع من التغيير، ومسؤوليتهم تحتم أن يفكروا من الآن بخطورة هذا الموضوع، وبالكيفية التي يمكنهم التعامل معه من خلال:

أ. العمل على توجيه العراقيين إعلاميا للتحرر من القيود المفروضة على وعيهم، لأنها الخطوة الأولى من أجل:

إنضاج فكرة الخلاص.

وتوسيع هامش المشاركة فيه.

وفتح ثغرات عقلية مناسبة لتصريف الإنفعالات السلبية لتجنب الآثار الجانبية المحتملة مستقبلا، أي بعد عملية التغيير شبه المحتومة.

إذ وعند نجاح وسائل الإعلام المعارضة الموجهة في تحقيق هذه الغاية لدى نسبة وإن كانت قليلة من العراقيين ستتم عملية إنتقال فعل الخلاص من هذا القيد المؤلم إلى الآخرين عن طريق العدوى والتقليد، بسرعة كبيرة، وسرعة الإنتقال تأتي من كون التقييد ضغط على الإنسان يحاول التخلص منه بأسرع ما يمكن.

وإذا ما وجد الفرصة متاحة سيبدأ بنفسه ويساعد القريبين، ويشجع الآخرين على تقليده، عندها سنجد أن الغالبية قد بدأت، وأن القيود قد انهارت، وإن نظام الحكم قد فقد السيطرة النفسية على زمام الأمور، وهذا بطبيعة الحال سينعكس إيجابا على فكرة تغيير النظام الحاكم ومساعي المساهمة فيها، لأنه سيدفع الكثير من العراقيين إلى التوجه لتنظيم أنفسهم، وهو توجه يعني تجميع قواهم، وتوحيدها لأداء فعل التغيير بشكل قوي ومؤثر لا يقوى النظام على تحمل صدمته، وهو في أضعف مستوياته.

ب. إن تحرير الوعي من الآن سيكون أكثر نفعا لكل العراقيين من الناحية الأمنية، والاجتماعية، وسيهيئهم للانتقال إلى مرحلة ما بعد صدام بهدوء، وبأقل ما يمكن من الخسائر، لأنه سيسمح بخروج الشحنات الانفعالية السلبية المكبوتة بشكـل تدريجي، ومنظم، وباتجاه واحد هو النظام.

على العكس من الانتظار حتى وقوع فعل التغيير المفاجئ، الذي سيؤدي إلى خروجها حزمة واحدة، وبسرعة كبيرة، وباتجاهات مختلفة قد تحدث اضطراباً، وتخريباً لا يتحمل العراق أوزارها في مثل تلك الظروف. 

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن خروجها التدريجي المنظم من الآن سيسمح للعقل العراقي أن يعمل بكفاءة وفاعلية أكبر وقت الأزمة أو عندما يحدث التغيير، لابتعاده عن الفوضى والانفعال.  

2. إن موضوع الوعي وتقييده في الواقع موضوعا لا يتعلق بالعراق وحده رغم أن الوضوح فيه أكثر من باقي المجتمعات الأخرى لظروف حكمه القاسية، لكننا ومن باب الإنصاف يمكن الإشارة إلى أن بعض النظم في العالم النامي على وجه الخصوص تؤدي أساليبها في الإدارة إلى تقييد الوعي وبدرجات مختلفة تتباين تأثيراتها من مجتمع لآخر، تبعاً لبعض الخصائص الشخصية لتلك المجتمعات وشدة الإجراءات الأمنية التي تقوم بها الدولة، وهي ليست قليلة في عالمنا المعاصر.        

وهو من ناحية ثانية موضوع حساس سيحاول كل عراقي عند التعامل مع بعض تفصيلاته تطبيق المقاسات عليه شخصياً أو على القريبين منه، وعلى أساسها سيعطي رأياً داعماً لوجهة النظر المطروحة أو مخالفا لها، لكن إعطاء الرأي الصحيح في مثل هذه المواضيع لا يأتي بهذه الصورة، لأنه يتجاوز الفرد إلى الجماعة أو بالمعنى الدقيق الغالبية منها، وهو ما تم أخذه في الاعتبار لمناقشة جوانب هذا الموضوع  وفي تحليلاته للمتغيرات المؤثرة فيه، وكذلك في اقتراحات التعامل معه.

3. وأخيرا لابد من الإشارة إلى أن موضوع قيام صدام وأجهزته الضابطة بتطويق وعي المجتمع العراقي، وتخريب قدراته بشكل منظم وكأنه في حالة حرب معه من بين المواضيع الشائكة، وكذلك الحال بالنسبة للكيفية اللازمة للتخلص من الآثار المحتملة، لأن المعنيين بالتعامل معه من الرسميين مستقبلا، وكذلك المجتمع الضحية، وإن أتيحت لهم فرصة التخلص من منفذي فرض الطوق "أي أجهزة الأمن الضابطة" بعد التغيير سيجدون أنفسهم بمواجهة واقع يبدو القرار فيه صعب، يتمثل بالتناقض الحاصل بين:

الحاجة الماسة لأدوات ذلك الطوق المجحف (الأجهزة الأمنية) لضبط السلوك الذي قد ينجم عن الخروج غير الموجه للانفعالات السلبية "الإنفلات الإنفعالي" أي المحافظة على وجودها التنظيمي كأجهزة ضبط اجتماعي في مرحلة تغيير قد تتميز بعدم الاستقرار.

وبين اتجاهات التخلص من هيكليتها التي اقترنت في العقل بأعمال القتل، والاغتيال، والحجز، والإعدام، والتسفير، والتشريد، والتخويف، وغيرها أعمال تثير انفعال البغض والعدوان، وتضعها هدفا لمساربه بين عموم الجمهور الضاغط في تلك المرحلة القلقة. 

الأمر الذي يتطلب التوفيق أو الموازنة الدقيقة بين الاتجاهين أي الرغبة في التخلص منها بغضا، والحاجة إليها وجوبا، وهذه مسألة مع صعوبتها فإن خبرة الثورات في العراق، والعالم الثالث تؤشر إمكانية النجاح في مجالها بالاستفادة من حقيقة أن الاتجاهات، والولاءات لعموم منتسبي الدولة، وأفراد الأجهزة الضابطة من الحكم السابق إلى الحكم اللاحق، مسألة واردة، وهي في عراق التغيير المرتقب ستكون موجودة بدرجة تفوق شدتها جميع التغييرات التي حدثت في السابق، لأن العراقيين عانوا من وطأة الضغوط لفترة زمنية طويلة يفترض أن تولد لديهم القناعة بضرورة التنازل عن كثير من رغباتهم واهتماماتهم لضمان إنجاح عملية التغيير، وبعكسه أي عدم التنازل سيكلفهم ثمنا باهضا من تبعات الفوضى والإضطراب.

هذا من جهة ومن الجهة الثانية التي تتعلق بالأفراد سواء منهم المنتسبين إلى الحزب أو لأجهزته  الأمنية الذين نفذوا توجيهات الحكومة في فرض الطوق وتخريب المجتمع فإن صدمة التغيير المحتمل في الأيام الأولى، والخوف من العقاب ستدفع نسبة كبيرة منهم إلى التنصل من ارتباطاتهم بالنظام السابق، والاستعراض العلني بتوجيه النقد لمرحلته، خاصة عند الكادر الوسط، الذي يأخذ عادة الدور الفاعل في قيادة، وتوجيه العمل في المؤسسات المعنية.

كما إن هامش التزلف، وتبديل المواقف في الشخصية الوظيفية العراقية ملموس، يمكن الإستفادة منه ولو مؤقتا مع المرحلة الأولى للتغيير، عندما يجد المعنيون بالإدارة ف حال حصوله أن العديد من أولئك المنتسبين، سيتبرعون طوعا لخدمتها، والوقوف إلى صفها بدرجة كبيرة"إذا ما أحسن التعامل معهم"، وهذا سلوك انتهازي معهود، رغم سلبيته سيتيح الفرصة لاستثمار خبرات وكفاءات لا غنى عنها، وسيجنب البلاد مآسي الإنفلات في فترة تغيير يمكن أن تكون حرجة بسبب شدة وفترة الطوق المفروض.