تصدع النظام القيمي العراقي في ظل حكم صدام حسين وتأثيراته المستقبلية


تـقـــديم   

يعيش الناس في المجتمعات البشرية وضعا يحاولون من خلاله تأمين قدرا من التوازنات المعقولة بين حاجاتهم العضوية والنفسية الأساسية في الحياة وظروف إشباعها، وبين ميولهم ورغباتهم واتجاهاتهم ووسائل تحقيقها. وهو وضع يمكن الوصول إلى حدوده المقبولة ( نسبيا ) بالاستناد على عدة معايير: أولها أن يلتزم الناس مع أنفسهم فيحصلوا على تقدير لذواتهم ورضى عن وجودهم.  

 وثانيهما لعلاقتهم بالآخرين من أبناء جنسهم أفرادا كانوا أم جماعات  فيحققوا قدرا من القبول والتفاعل اللازم لاستقرارهم.

 وثالثهما لأساليب تعاملهم مع أجهزة ومؤسسات المجتمع وروافده فيديموا أمنهم واستقرارهم ومفردات عيشهم بواقع يقبلونه بدرجات متفاوتة.

وهذه المعايير بمجملها تمثيل نفسي داخل الفرد لآثار المجتمع والثقافة وهو تمثيل يحدد استعداده للتصرف بشكل معين يلتزم بحدوده الناس أو معظمهم فيشكل نظامهم القيمي، الذي يعبر عن تنظيم هرمي تتسلسل فيه المثل العليا تبعا لأهميتها. نظام دعمت الأديان السماوية وجوده وعززته الأقوام والجماعات والهيئات والمؤسسات والمنظمات بمستوى قلل نسبيا احتمالات التباين والاختلاف والصراع في النفس البشرية، سعيا لأن يعيش الإنسان بقدر معقول من الرضى والاتزان. 

وهذا يعني أنها أي القيم موجهات للسلوك أدركت البشرية معطياتها من خلال التفاعل الاجتماعي طويل الأمد (لعشرات أو ربما لمئات السنين ) خضعت فيها للتأطير والتعديل والتحوير حتى وصلت إلى مستوى من القبول أو الرفض يدفع الغالبية إلى الالتزام بها ذاتيا. 

وهي على هذا الأساس لم تكون القيم ثابتة بل عرضة للتغير نتيجة التوصل إلى معلومات جديدة وتبعا للظروف البيئية و الاجتماعية المحيطة، وتغيرها على الأغلب لا يكون حادا أو سريعا أو سلبيا في الحالات الاعتيادية وقد لا يكون ملحوظا بدرجة كبيرة لمن يعيشون مرحلتها الزمنية ودائرتها المكانية لأنه إن كان سريعا سيكون مربكا ومثيرا لمقاومة العديد من أبناء المجتمع بسب طبيعتهم الإنسانية المحافظة، وإن كان سلبيا سيدفع إلى اضطراب وتوتر وعدم رضى العديد منهم، كما هو الحال بالنسبة إلى المجتمع العراقي في السنوات الأخيرة. 

النظام القيمي العراقي

العراق بلد عربي تجاور فيه العرب وأقوام أخرى شكلوا منذ آلاف السنين سكانه الأصليين مثل الآشوريين والأكراد، و في فترات لاحقة التركمان والأرمن بشكل ملحوظ، وبالإضافة إلى استقرار تلك الأقوام على أساس المناطق اختلطوا ضمن المنطقة الواحدة في أحيان ليست قليلة، فنرى على سبيل المثال ارتحلت عشائر عربية من جنوب العراق بسبب خلافاتها مع عشائر أخرى واستقرت بين الأكراد في شماله وسكن بعض الأكراد وسط العراق وجنوبه على نفس الأسس ولأسباب غيرها، وكذلك أبناء القوميات والطوائف الأخرى، فعاشوا جميعا على أرضه بتفاهم وتقارب وتناغم معقول في الأهداف والأماني لفترات طويلة أوجدت معايير وتقاليد وأعراف ومن ثم قيما ترسّخت عبر السنين لتساعد أبناء هذا المجتمع على العيش باتزان وأمان وسلام مستوياتها مقبولة.

وإذا ما أردنا استعراض بعض من تلك القيم التي نظمت سلوك العراقيين وسهلت سبل عيشهم حتى وقت قريب لابد وأن ننظر إليها من زاويتين:

1 . الزاوية الأولى ذات الصلة بمجموعة القيم التي تنظم علاقة الفرد مع نفسه والآخرين في مجتمعه ومنها على سبيل المثال:      

أ. التسامح بين السكان والقبول المتبادل بين الأهالي والأقوام التي كونت أرضية للأمن والاستقرار والبقاء بمشاكل أقل أو بأخرى لا ترق إلى المستوى الذي يحس فيه البعض بالرغبة في الانعزال أو الابتعاد عن الآخرين أو أن يحط قسم من قدر القسم الآخر أو أن تنظر مجموعة إلى أخرى كمواطنين من الدرجة الثانية، فكان ( التسامح ) قيمة لم تسهّل سبل العيش  بين القوميات المختلفة فحسب بل وكذلك بين الأديان و المذاهب التي تشكل طبيعة المجتمع العراقي حيث المسلمون و المسيحيون والصابئة و الأزيديون ومن ثم الشيعة والسنة و الآشوريون والأرمن، وهكذا أقوام وطوائف ومذاهب متعددة ساهم التسامح و القبول في عيشها بمستوى من التجانس حتى الربع الأخير من هذا القرن أو لحين استلام صدام حسين المركز الأول في الدولة والحزب على وجه الخصوص .

ب. وهناك الغيرة وحب الخير والعفو أنساق قيم طالما احترمها العراقيون ودافعوا عنها لفترة طويلة من الزمن كانت كفيلة بصيانة الحقوق والوفاء بالعهد والالتزام بالكلمة والإخلاص في العمل وغيرها العديد من المجالات التي ارتبطت بها، عندما كان التاجر يبيع ويشتري بالكلمة فقط ، ويلتزم الموظف بموعد دوامه بعيدا عن تدخل رؤسائه، ويلقي المدرس محاضرته كاملة دون رقيب، ويترك صاحب المحل محله مفتوحا وقت الصلاة ، ويتجرأ فلاح إيداع كل ثروته البسيطة نسبيا عند المختار أو الشيخ أو الجار الميسور، وعندما تعّود الناس تقييم الرجال على وفق التزامهم بوعد قطعوه وكلمة لم يتنازلوا عنها حتى وان جاءت نتائجها عكس ما يريدون، وعندما كان فعل الخير يقدم دون مقابل ... الخ من خصائص أكسبت الفترة السابقة لمجيء البعثيين صفة الالتزام بكثير من القيم  مقارنة بالفترة الحالية.

ج. وهناك الصدق والوفاء والإيثار قيم ارتبطت بعض جوانبها بالأمانة والنزاهة والحكمة التي اعتز بهـا العـديـد من أبناء هـذا المجتمع ودافعوا عن وجودها  لفترات متقدمة من هذا القرن، عندما كانت صفة الكذب مثلبة لا يقبلها عموم العراقيين، وإن وصف بها أحد قل تعامل الناس معه حد الرفض.  والصدق قيمة لا تعني وصفا للعلاقة بالآخرين فقط بل تمتد إلى الذات البشرية  ( الصدق مع النفس ) تلك الخاصية التي تزيد من احترام الفرد لذاته ومن ثم احترام الناس له وتَحول  ـ في ذات الوقت ـ  دون خيانة الآخرين أو الوشاية بهم أو التقليل من شأنهم حتى وان كان الثمن المدفوع مغريا، وهذه كانت موجودة أيضا وبشكل ملموس منذ عام 1968 حيث الحث المستمر للأعوان والمنتسبين على الكتابة عن ما يتعلق بأمن الثورة أو عن الأشخاص المناوئين لها مرحلة أولى أعقبتها مرحلة بدأت بعد عام 1979 بات الطلب من جميع الحزبيين فيها الكتابة حتى على الأقرباء والأصدقاء أمرا شائعا على وفق فلسفة الرقابة الثورية.

د. وهناك قيم أخرى وجهت سلوك الأفراد ونظمت سبل تعاملهم مع الذين يعيشون معهم أو بالقرب منهم مثل التواصل والتواد و التراحم و التكافل وغيرها قيم ساعدتهم على اجتياز المحن والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، عندما كانت العائلة المعوزة في المنطقة أو القرية على سبيل المثال مكفول عيشها نسبيا بجهود الآخرين رغم كون معظمهم من الفقراء بالمعنى التصنيفي للفقر حديثا،  وعندما كانت صلة الرحم على مستوى يعرف الواحد أبناء عمومته وأخواله حتى الدرجة السابعة أو اكثر أحيانا فيتنقل بينهم حرا دون توجس، يطرح ما في جعبته ويعبر عن حاجاته دون خوف فيشعر بالأمان لمعظم الوقت، وعندما كانت علاقات الناس متسمة بالتواد الذي لا يقتصر على الأقارب ويمتد إلى الآخرين في الشارع والحي والقرية و المدينة، علاقة يعتز بها الإنسان و يدافع عنها الأغلبية ، يجد الواحد فيها نفسه و يقارن من خلالها وضعه، وبمقتضاها يدافع ابن القرية أو المحلة عن ابنة محلته وقريته عند تعرضها لاعتداء أو تجاوز، وفيها يساهم الجميع في عملية التقويم والتسيير الاجتماعي . وفي هذا المجال لا تقتصر القيم كموجهات للسلوك على الجانب الإيجابي فقط، فهناك في الجانب المقابل أي السلبي بعض السلوكيات بات البعض منها شائعا فحاول المجتمع التقليل من الأثر الضار لها جهد الإمكان وذلك بوضع معايير قيمية لها اكتسبت صفة القبول لدى غالبية مرتكبيها، إذ أن السرقة كانت في خمسينيات القرن العشرين و ما قبلها على سبيل المثال عادة ليست حميدة في المدن وأكثر قبولا في الريف لكنها سلوك اقترن تنفيذه ببعض المعايير القيمية  منها عدم تطاول السارق على الجار أو على بيت في قريته  ولا على آخر فيه نساء فقط ، و إن حدثت السرقة يمكن استرجاعها مقابل  مبالغ بسيطة وكذلك في السرقة لا يتم اللجوء إلى القتل إلا نادرا. و من يخالف هذه المعايير يعزله المجتمع مع وصف له بالدونية.

هـ . وبنفس هذا الاتجاه هناك قيم يتعلق البعض منها بالحياء و العـــيب وهـي ليست قليلة فمن العيب أن يرتشي الموظــف أو المســؤول أي كان موقعــه و من العيب أن يحابي شخص شخصا آخرا في السلطة ومن العار أن يشي فرد أبناء عشيرته أو محلته ومن العيب أن يتجاوز فلاح على أرض الغير أو على محصوله، و من تكثر عيوبه ترفضه المحلة أو القرية والعشيرة فيرحل عنها أو يجبر على الرحيل "يجلي" منها حسب التقاليد القيمية السائدة.

2 . الزاوية الثانية ذات الصلة بمجموعة القيم التي تنظم علاقة الفرد والجماعة بأجهزة ومؤسسات المجتمع الرسمية وغير الرسمية منها على سبيل المناقشة:

أ. الشعور بالتوحد والانتماء للجماعة  

كان التوحد مع الجماعة والانتماء إلى الأسرة ثم العشيرة صعودا إلى المدينة فالدولة موجودا منذ تأسيس الحكم الوطني في العراق عام 1921 وما قبله واستمر كذلك بنسب أقل بعد تموز عام 1958، لكنه ورغم المغالاة بالتوحد والانتماء للعشيرة والطائفة التي أثارت بعض أنواع الصراع في النصف الأول من القرن إلا أنها ساهمت من الناحية الثانية بوحدة الفعل والكلمة وشدة الإحساس بالقوة في الظروف الصعبة، وعلى أساسها حقق العراقيون موحدين (في تلك الفترة) مكاسب يصعب استيعابها أو إدراك بعـض جوانبها في ظروف التسعينات وملابساتها منها ثورة العشرين وثورة مايس 1941 والاشتراك مع الفلسطينيين في حربهم ضد الصهاينة 1948 ومعارضة الاتفاقات غير المنصفة مع الغرب والاحتجاج على حرب السويس 1956 وغيرها.

ب. حب الوطن والشعور بالمواطنة 

للعراق حضارة عريقة ومجتمع موغل بالقدم ودولة لم تعد حديثة بالمعايير السياسية السائدة، عاش على أرضه العراقيون مقتنعين بمستويات عيشهم نسبيا، متفاخرين بالانتماء إليه، متحمسين للبقاء بين حدوده لفترة من الزمن ليست قصيرة ساهمت في تكوين مشاعرهم الوطنية الإيجابية أو ما يسمى بالروح الوطنية قيمة َضمنت وحدة العراق واستمرار استقلاله وابتعاده عن التوتر والأزمات نسبيا حتى السبعينات من هذا القرن.

ج . وهناك قيم أخرى نظمت علاقة الأفراد بالسلطة والمجتمع إدارة وقوانين ومؤسسات إضافة إلى الوطنية مثل:

الإخلاص بالعمل ولجهة العمل التي لو قارنا مستوياتها السابقة مع فترة التسعينات وما بعدها لوجدنا الفارق شاسعا يمكننا من وصف الأولى بالمقبول، وعلى نفس معيار المقارنة يمكن إضافة الحرص والنزاهة والرغبة في الإنجاز والميل إلى التعاون والدافع إلى المبادرة معايير أعطت العمل بكافة أشكاله قيمة كان يمكن لها أن تنقل العراق خطوات عديدة إلى  الأمام لو لم يحصل تعثر أعاقها في السنوات الأخيرة.

 

التمهيد للانحراف القيمي     

لو تتبعنا إدارة المجتمع العراقي الحديث بشكل دقيق نجد أن هناك تحولات حادة نسبياً أثرت على واقعه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ولكي لا نسهب في عموم تلك التحولات ذات الصلة بالأحداث التي جرت في الساحة العراقية، و لكي لا نعود إلى التاريخ البعيد بالنسبة للأجيال الموجودة على قيد الحياة، ولكي نسهّل عملية الإدراك اللازمة لتصور الموضوع، سوف نبدأ في تحليلنا لمتغيراته مع منتصف عام 1968 أي مع بداية استلام حزب البعث العربي الاشتراكي للسلطة في العراق للمرة الثانية، و نتجاوز مرحلته الأولى عام 1963 رغم وفرة العديد من الشواهد التي تدعم وجهة نظرنا الخاصة به.

وهي بداية تدفعنا إلى تسليط الضوء على أولى خطوات الحزب في تجسيد صورة التشويه وتغليب فكرة الغاية لتبرير الوسيلة.

عندما تعاون الحزب مع متنفذين في حكم عبد الرحمن عارف أمثال عبد الرزاق النايف وكيل مدير الاستخبارات العسكرية العامة وعبد الرحمن الداود آمر لواء الحرس الجمهوري آنذاك في إطار المشاركة الجماعية لإقامة حكم ديمقراطي متعدد الاتجاهات في العراق وانقلب عليهم بعد ثلاثة عشر يوما على نجاح اتفاقهم متهما إياهم بالعمالة للأمريكان والإنجليز والتخطيط لحرف خط الثورة في أول عملية غش للعراقيين على الطريق الثوري لحزب إبان فترة حكمه الثانية، فوضع العراقيين أمام الأمر الواقع.

وأستمـــــر الحزبيين بتأكيد  ثورتهم البيضاء ونيتهم المحافظة على نقاء بياضها، فحاوروا الشيوعيين وكسبوا بعض قادتهم إلى الجبهة الوطنية والقومية التقدمية فأتاحوا الفرصة سانحة لتصفية البعثيين المعتدلين والعرب القوميين، والأكراد الوطنيين ورجال الدين المسلمين والمسيحيين ثم انقلبوا على الشيوعيين  في عملية تصفية لا مثيل لها، فأبقوا العراقيين المنصفين في حيرة من أمرهم. 

وتوجه لمحاورة الثوار الأكراد فأرسل لهم المتفجرات مع رجل دين ( الأعظمي ) حملها بأجهزة خاصة لا علم له بطبيعتها وهو مبعوث للتمهيد إلى تلك الحوارات، فتخلص البعث من شخص أراد له الموت ونجا الملا مصطفى بأعجوبة، وبقي العراقيون مشدوهين من أمر لم يفهموا دوافعه.

وقرر منح الأكراد حكماً ذاتياً في الوقت الذي توجه فيه إلى شاه إيران متنازلا عن حدود العراق في شط العرب ثمناً لاتفاقية ( الجزائر 1975 ) ذبح فيها الأكراد على درب الوطنية البعثية.

وأكد الحزب في مؤتمره القومي الحادي عشر عام 1977 وتوجيهاته بعد اتفاقية الجزائر المذكورة مع الشاه أنها قد جاءت من منطلق القوّة والندّية، لكنه وبعد نكثه للاتفاقية مع بداية حربه ضد إيران أكد صدام في لقاءه بالمجلس الوطني يوم 19/9/1980 أن فعلته تلك جاءت كون الجيش العراقي لم يعد يملك من إطلاقات المدفعية عددا يتجاوز أصابع اليد. فوضع العراقيين أمام كثير من التساؤلات التي لا إجابة لها إلا في عقل صدام حسين متخذ القرار.

واعتاد إغراق السوق المحلية بسلعة ما ولفترة محدودة ليفرغها ثانية، وكان ذلك واضحا في السوقي العراقي غير المستقر بعد عام 1968، إذ وفي الوقت الذي يختفي فيه البيض تتوفر اللحوم. وعندما تختفي الخضار  يتوفر البيض حد التعفن. وهكذا حتى 1979 ـ 1980سنة التمهيد  للحرب مع إيران وما بعدها بقليل، عندما توفرت كل السلع  لمستوى يفيض عن الحاجة وبأسعار رخيصة. مما يدلل أنه  كان عملا مقصودا، أعتاد المسؤولون تبريره، وأعتاد العراقيون تلقى تلك التبريرات ولا فرصة لديهم للتأكد من صحتها.

ويظهر صدام حسين باجتماع مع أعضاء في القيادة أو في دعوة عشاء مع بعضهم ويسمع العراقيون في اليوم التالي أن حادثة قد أودت بحياة أحدهم أو أن قرارا قد اتخذ بإعفاء بعضهم أو نقل البعض الآخر إلى مناصب خارج العراق، فيتابع الجميع ما حدث بتوجس، كما حصل لأعضاء في القيادة القطرية مثل عبد الوهاب كريم  الذي قتل بحادث سيارة وصالح مهدي عماش وعبد الكريم الشيخلي  اللذان نقلا إلى السلك الدبلوماسي سفراء في الخارج ثم توفي الأول في ظروف غامضة واغتيل الثاني في بغداد . وآخرين غيرهم من المستويات القيادية الأدنى.

وتمجد القيادة قادتها في مناسبة ما وتعود لاتهامهم بالخيانة أو التقصير و الانحراف في مناسبة ثانية فتعزلهم بطريقة مهينة أو تسقطهم بانتخابات شكلية ونجد بعدها أن أحدهم قد مات بشكل مفاجئ وآخر أجبر على الانتحار وثالث وجد مقتولاً بطريقة تثير الاستغراب.   

وُتظهر القيادة الجانب المشرق من عملها الثوري السياسي بينما يمتلئ جانبها الثاني بأنواع من الصراع الخفي بين اتجاهين متناقين في القيادة يمثل الأول فيه أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية أمين سر القطر بشخصيته الموسومة بالتروي والميل إلى التجنب  وسرعة الانفعال، ويمثل الثاني فيه صدام حسين النائب آنذاك بشخصيته المعروفة بالقوة والحزم والتهور والمجازفة والشك وسرعة الغضب وعدم الصفح، انتهى بعزل الأول في تمثيلية أبقت العراقييــن متفرجين خائفين من المستقبل المجهول.

تلك كانت أهم التناقضات والأحداث التي أرهقت العقل العراقي ودفعته إلى الحيرة والتشتت، وأوجدت في نفس الوقت خصائص جديدة وعززت أخرى أو زادت من فاعلية وجودها في المجتمع  منها الخداع والمكر والتنكيل والخيانة والكذب والمحاباة والإذلال ……الخ ، وتلاشت أو ضعفت أخرى كقوى موجهة مثل الاستقامة والنزاهة والصدق والإخلاص والإيثار وقول الحق …..الخ ، بالمستوى الذي كان كافيا لخرق النظام القيمي وتهيئته للانحراف سلبيا  حتى  عام 1979 لتبدأ مرحلة جديدة تميزت في سنواتها الأخيرة بتصدع هذا النظام لمستوى يثير الريبة.

  

مرحلة الانحراف القيمي 

أنتهت مرحلة الصراع داخل قيادة الحزب عام 1979 بمجزرة إرتكبها صدام حسين راح ضحيتها ما تبقى من قياديه المحسوبين على الاتجاه الأول أو العقلانيين أمثال عبد الخالق السامرائي وعدنان الحمداني ومحمد عايش وغانم عبد الجليل ومحيي المشهداني ومحمد محجوب أعضاء في القيادة القطرية وعشرات غيرهم من المستويات القيادية الأخرى ( أعضاء فروع وشعب في الحزب ) .

واستلم على إثرها السلطة  بطريقة أذهلت العراقيين وأرعبت البعثيين أنفسهم، فكانت بداية التوجه لحرف القيم والخطوة الأولى لتشكيل الإنسان العراقي الجديد من وجهة نظره، الذي يريده خائفا على طول الخط ، ساعيا لتقديس الحاكم، لا يتحمل المسؤولية، مندفعا لتنفيذ ما يطلب منه دون نقاش، الأناني الذاتي ذو الشخصية المتناقضة، الجاهل بكل شيء إلا ما يتعلق بمصالحه الخاصة، أي المنحرف قيميا. وقد تحقق له ذلك بنسب ليست قليلة من خلال تطبيقه الصارم لأساليب متعددة في الترغيب والترهيب لم يتسنّ  لرئيس آخر على مستوى العالم والعرب إجادة تطبيقها مثله في العصرين الحديث والقديم على حد سواء. 

ومرحلة الانحراف القيمي اقترنت بالفترة الأولى من حكم صدام وخاصة مع بداية حربه وإيران تلك الحرب التي كان لنتائجها وإدارته لها النصيب الأكبر في إرساء هذا الانحراف سواء بتقليل فاعلية القيم الإيجابية أو بتقوية خصائص سلبية كونت في النهاية أنساقاً قيمية لمجتمعه الجديد. وبهدف تأشير هذا الانحراف سوف نناقش أربعة انساق (على سبيل المثال) باتت ظاهرة للعيان في سلوك المجتمع العراقي إبان تلك الفترة وأستمرت إلى ما بعدها هي:

1 .المادية النفعية 

أعتقد صدام أن للإنسان العراقي ثمنا حدده سلفا، وعلى أساسه منح الشهادة أو الاستشهاد مرتبة لمن يُقتل في حروبه العدوانية، ومن ينالها على وفق مقاساته يعطي ورثته المنكوبين قدرا كبيرا من المال  وسيارة خاصة وقطعة أرض سكنية ( مكرمة )، حتى وجدت بعض العوائل الفقيرة نفسها قد تحولت مستوياتها المعاشية إلى أخرى لم تكن تحلم في الوصول إليها حتى لو استمر الأب أو الأخ الأكبر على قيد الحياة  مئات السنين. عندها تناقصت قيمة الأبوة والأخوة ومعنى الشهادة أو حورت سلباً بالمقارنة إلى قيمة المال التي تعززت بعد إنعاشها الأسرة اقتصاديا وتغيير موقعها اجتماعيا. وهي معادلة لم تتوقف تأثيراتها عند الحدود المذكورة بل تجاوزتها لتخدش إنسانية الإنسان وتقلل من تقديره لذاته واحترامه لها عندما اختلت كثير من الموازين وعلى أساسها:

أ. اندفعت بعض العوائل  الفقيرة غير المتعلمة إلى التمني جدياً لاستشهاد أحد أبنائها فرصة للغنى وكسب المال. 

ب. سارع البعض الآخر من الأهل إلى مراجعة دوائر الدولة في سباق محموم لكسب الثمن قبل أن تنتهي مراسيم العزاء وهم مختلفون على تقاسم الغنائم في كثير من الأحيان. 

ج. تجرأ آباء وأمهات مناشدة صدام والتوسط لدى الحزب لأخذ المزيد من أبنائهم إلى مطحنة الموت.

د. كابرت عجوز في إخفاء معالم حزنها وتفاخرت في حضرة الرئيس باستشهاد كل أولادها متمنية عودتها إلى سني الصبا والشباب لتنجب آخرين تقدمهم فدية له في حربه المقدسة.

هـ. غصت الكلية العسكرية بالمتقدمين حداً لا تستوعب فيه المزيد فلجأت الدولة إلى فتح كليتين أخريين لقبول شباب يتزاحمون على أبوابها وهم متجهين نحو الموت شبه المحقق لا يدركون سوى المكاسب المأمولة.

2. الدونية وضعف الحياء 

يتحسب الإنسان في تعامله مع مفردات الحياة ويعيش فيها ملتزما بضوابط تعلّمَ من خلالها أن يؤدي عملا لأنه مفيد وغير مؤذ ويتسم بالخير، ويمتنع عن آخر لأنه مضر وغير مرغوب بالنسبة له وكذلك للآخرين من حوله، وهي أعمال على وجه العموم تدفعه استحياء إلى ترجيح كفة الصحيح على الخطأ وتغليب جانب الخير على الشر لتستقيم الحياة متوازنة مقبولة، لكنها ومع استمرار الحرب وكثرة خسائرها وسوء إدارة الدولة وجسامة أخطائها اضطر الكثيرون إلى التجاوز على ذلك فوجدوا أنفسهم بعيدين عن أي التزام ، غير مكترثين بالقوانين والأعراف والتقاليد، لا يحس البعض منهم ألم الإهانة أو بمعنى أدق يهضمها بسرعة ولا يعير اهتماما لانتقادات الآخرين وتجريحهم  وبمعنى أشمل يتغاضى عنها بسهولة أكثر. وهي خصائص وان كان القليل من مستوياتها موجودا فقد قويت بتكرار الممارسات والتجاوزات الخطأ وعدم الاكتراث لها أو الاستحياء من نتائجها فكونت أنساقاً من القيم أخلت بالحياء العام وأشعرت العديد بالدونية منها:

أ. يسمع مسؤول كبير في الدولة والحزب شتماً من رئيسه بأسلوب لم يسبق أن سمعه في الشوارع والأزقة. ولا يحتج أو يستقيل أو يترك العراق أضعف الإيمان. 

ب. يتسبب قائد فيلق في الجيش بخسارة فادحة في معركة يخوضها تعد نكبة بالمعايير العسكرية ويلصقها سريعا بغيره ليعدمه علنا أمام المنتسبين دون اعتراض أو مساءلة.

ج. يطالب وزير بدعوة عشاء وجلسة شراب أو سهرة حمراء بعد منتصف الليل ثمناً لنقل موظف في وزارته أو منح آخر ترقية لا يستحقها أو إيفاد ثالث خارج العراق، ولا أحد يعاتبه.

د. يتجرأ شخص عادي بإدخال هداياه إلى بيت المسؤول الحزبي أثناء النهار، ولا أحد من الأهل يمنعه.

هـ. يرسل موظف كبير أو مسؤول حزبي مرموق زوجته الجميلة إلى الرئيس لتشكي همومه أو تطالب بالمزيد من مكارمه السخية. دون حرج من النفس أو عتب من الآخرين.     

3. الاستهانة بالوعي الإنساني 

بدأ الحزبيون الثوريون خطواتهم الأولى في التعامل مع المجتمع باعتقاد مسبق أن ما يقومون به أو يؤدونه نابع من استقامة الثورة ورؤاها الصحيحة، وإن أساليبهم في الرد السريع أو تجاوز بعض الضوابط الإدارية تأتي من منطلق حماية الثورة الفتية أو لتخطي مرض الروتين الذي أصاب مجتمع ما قبل الثورة. وقد يكونوا معذورين بداية ثورتهم  ولا شائبة كبيرة على أساليبهم تلك لأسباب نفسية وإدارية، إلا أن المشكلة تأتي بمرور الوقت عندما بقى أولئك الثوريون محتفظين بالسلطة على ضوء نظرية صدام التي تتأسس على  ( أنهم ضحوا من أجلها وبذلوا جهودا جبارة في الوصول إليها فلا بد والحالة هذه من بذل المستطاع للحفاظ عليها وبأي ثمن ) وبذلك اعتادوا أساليب غير سوية وتمادوا بتجاوزاتهم غير المنطقية فبدأ صراعهم مع المجتمع العراقي وفيه ازدادت عدوانيتهم على غالبيته من ناحية وتنامى تمسكهم بالخطأ اعتزازا بثوريتهم من ناحية أخرى، وعند هذه النقطة بدءوا الاستهانة بإمكانات الآخرين وبقدراتهم وآرائهم أي الاستهانة بوعيهم. وهذا ما حصل فعلاً ومؤشراته هي:

أ. عندما سفروا آلاف العراقيين بتهمة الأصول غير العربية مع معرفتهم الجيدة بالطبيعة السكانية والتداخل الحاصل فيها.

ب. وعندما عينوا رؤساء وزارات ووزراء لا يصلحون نوابا لملاحظين في دوائر الدولة وهم على علم أنهم سيخربون العراق بدلا من تعميره، إذ أستوزروا على سبيل المثال للتعليم العالي والبحث العلمي وزيرا لا يصلح إلا مراقبا في البلدية غاضا الطرف عن آلاف الأساتذة المختصين، ولوزارة الصحة مهندسا لا يعرف ما يتعلق بصحته الشخصية غير آبه بالمهنية وبآلاف الأطباء الاختصاصين المشهود بقدراتهم العلمية والإدارية، ولوزارة الدفاع جنديا بدأ حياته سائقا في أحد البيوت القريبة من الرئيس، ثم فردا في حمايته لم تسنح له الفرصة لاستيعاب مفردات التدريب الأساسي أسوة بأقرانه الجنود ضاربا عرض الحائط معايير الضبط والتقاليد العسكرية ومئات الضباط القادة المعروفين بكفاءتهم ووطنيتهم، ولرئاسة الوزارة  قاطع تذاكر في أحد المستشفيات دون أن يفكر بمسؤولية المنصب ومئات القادة السياسيين والأساتذة والعلماء والمختصين المقتدرين، ولنيابة مجلس قيادة الثورة فاشل في تحصيله لم يعمل كاتبا في دائرة حكومية أو جنديا في القوات المسلحة.

ج. وعندما هجّروا مئات القرى وأزالوا مواقعها من على الخرائط وهم يعلمون أنها مؤشرة على خرائط الأتراك والإنجليز وفي ذاكرة العراقيين.

د. وعندما غيروا معالم الطبيعة وردموا الأهوار في الجنوب وهم عارفين أهميتها للثروة السمكية والحيوانية وتأثيراتها على البيئة.

هـ. وعندما أزالوا بساتين عامرة في بلد وديالى ومزارع في أماكن أخرى من العراق وهم مدركين تأثيراتها على الاقتصاد الوطني.

و. وعندما باع رئيسهم صوريا لأولاده وزوجته وأقاربه مزارع الدولة ومعامل القطاع العام والشركات الحكومة رغم معرفته أحقية الشعب العراقي بالاستفادة منها.

ز. وعندما نقش قائدهم إسمه على الطابوق المعمول لترميم الآثار وهو يدرك  أن ما قام به إجراء مخالف لصفتها التاريخية والدينية.

4. الإحساس بالعجز واليأس المستمرين 

بعد خطوات الرئيس أعلاه عم الجهل قطاعات واسعة وتدنت مستويات المعرفة وبات القسر والتسلط والمال المكنوز والولاء للحاكم الأساس في التعامل مع العراقيين بشكل عام.

ومع هذا التجهيل بدء الرئيس سياسة العصا لتخويف من بداخله نوايا ضد الظلم ، والدينار لاستعباد وترغيب وشراء ذمة من يتسم سلوكه بالطمع والانتهازية، فجعل بفلسفته هذه لكل فعل تقديره الخاص إيجابا لتعزيزه وسلباً لإطفائه، تقدير مدفوع مسبقاً أو سيدفع لاحقا، يفتش عنه الكبار قبل الصغار فزاد الانتهازيون بوجهتهم  صوب الرئيس طمعا في رضاه وسعيا للحصول على مكارمه، وتناقص الجادون القادرون على الفعل لكثرة ما أُعدم منهم أو سجن أو سفر أو شرد أو أُجبر على البقاء متفرجا بعد إحباطات زادت شدتها.

فكان الإحساس بالعجز خلل لصالح الوصولية والانتهازية، واليأس اضطراب في النفس البشرية بعد أن أصيب أفراد المجتمع العراقي عامة والشباب خاصة بنوع من خيبة الأمل ومشاعر المرارة، وبعد أن أدركوا حجم الحسابات الخاطئة للرئيس وحكومته فكان سلوكهم سلبياً انسحابيا بعض نماذجه متمثلة بالآتي: 

أ. تتكرر الأخطاء على مرأى من المعنيين بها ولا يجهدون أنفسهم بالمحاسبة عليها أو حتى التنبيه إليها في كثير من الأحيان.

ب. يقتل شخص أمام حشــــد من الناس ولا يرغب أحد منهم بالشهادة عما حدث.

ج. يستغيث جار لمصيبة حصلت ولا مغيث يستجيب لمعاونته في الخلاص.

د. يرى عديد من الآباء والأمهات أخطاء أبنائهم ولا قدرة لهم بالإصلاح ويدركون تحطم مستقبلهم ولا يميلون حتى لمناقشته.

هـ. يعي الغالبية أن وطنهم قد دمر وسيادة بلدهم قد انتهكت واقتصادهم لا أمل قريب في إصلاحه والثمن مدفوع  من أمنهم وصحتهم ولا دافعية لديهم في المساهمة مع الغير للتفتيش عن الحلول.

و. طائرات تقصف ومنشئات تتهدم وثروة تهرّب إلى الخارج وعقول تهاجر مقهورة ولا رغبة في الاحتجاج.       

ز. إعدام الكثير من القادة العسكريين والمدنيين بسرعة لم تدع لهم مجالا للدفاع عن أنفسهم، وعدّهم شهداء بسرعة أكبر ولا ميل للاستفسار عن السبب. 

إن مشكلة العراق والعراقيين أكثر تعقيدا من التجاوز والتناقض والخلل الذي ذكر أعلاه على سبيل المناقشة والاستدلال والتي كونت بحكم التكرار والتعميم انساقاً قيمية سلبية لأنها:

لم تنته عند حدود الثراء الذي أصبح مقياسا لعلو الشان في مجتمع الثمانينات بل لانعكاساته على الشعور بالحيف والعدوان من جانب الكثيرين وبينهم المتعلمين إزاء المسؤولين والأثرياء الجدد.

ولم يتوقف تدني مستويات المعيشة وغلاء الأسعار عند عدم القدرة على إشباع البطون بل ودفع الشباب إلى القنوط والحيرة والإحساس بفقدان الانتماء والثقة بالدولة والعدالة الاجتماعية.

عندها أصيب العديد من العراقيين باليأس والمرارة فتوقفوا عن السؤال عن جدوى العمل أكثر من الحدود التي تحفظ لهم حياتهم وتؤمن لهم عيشهم،  فتأثرت عندها المبادرة والإيثار وتحمل المسؤولية خصائص أعطت العمل والإخلاص فيه قيمة عليا في المجتمع ولفترة من الزمن ليست قصيرة.

ولم يقتصر التسلط والتهديد والتنكيل أسلوباً لتعامل الرئيس مع قادته و وزرائه بل انتقل إلى الآخرين في تعاملهم مع الأدنى وظيفياً على وفق آلية التقمص نزولا حتى العتبة الأخيرة من السلم الوظيفي. فأدى إلى تكوين اتجاهات جديدة بين الناس قوامها التعصب والتفكير المغلق والتمسك بالخرافات والنزعات المضادة للنقد الذاتي.

فبدأت تتلاشى الألفة والمودة والتسامح وحسن النية وروح الجماعة والتضحية من قواميس الإدارة العراقية تدريجيا وأحس الغالبية بالضياع، وبدأ الانحراف باتجاه السلب واضحا ملموسا وكان له الأثر الكبير في إثارة الفوضى والاضطراب وعدم الارتياح لشريحة ليست قليلة من المجتمع ومن ثم التمهيد للمرحلة اللاحقة الأكثر سلبا والأشد تأثيرا على العراق والعراقيين.

 

مرحلة التصدع القيمي

يعد العام 1990 نقطة تحول في التاريخ العراقي وحدثٌ شملت تأثيراته كل مجالات الحياة وبينها النظام القيمي الذي تتغير أنساقه عادة بشكل تدريجي تبعا للإحداث والضغوط وأساليب التعامل تغيرا يتوقف مقداره وسرعة حدوثه على كم تلك المتغيرات من جهة و شدتها من جهة أخرى.

وإذا كانت المرحلة الأولى لحكم صدام حسين ( الحرب مع إيران ) قد  ساهمت بحرف القيم سلبيا فان المرحلة الثانية (غزو الكويت واستمرار تطبيق الحصار)  قد أدت إلى تصديع نظامها، لأن الأحداث والضغوط من الكثرة و الشدة لم يألفه المجتمع العراقي وأساليب التعامل معه لا يمكن عدّها سوية بكل المعايير السائدة في المجتمعات الدولية كافة.

والبداية كانت مع الكويت احتلال وضح النهار رغم وعود أٌعطيت إلى العرب والأصدقاء بعدم المساس بسيادتها.

أوامر بالنهب والاستيلاء والاستباحة للمتلكات العامة والخاصة رغم إعلانها محافظة عراقية خلافاً للمواثيق الدولية، توجيهات بالقتل والأسر وهتك الأعراض رغم ادعاء الاخوة والمصير المشترك. سلوك شاذ ورغبة في الإيذاء وغطرسة خاوية بدأها القادة والأقارب سرعان ما انتقلت عن طريق الإيحاء والتقليد والحاجة وضعف الضمير إلى المستويات القيادية الأقل ومن ثم إلى البعض من العامة، قبلوا مخالفة الأعراف والقيم بغشاوة النفس الأمارة بالسوء يصعب تفسيرها إلا في إطار هوس جماعي شجعه الرئيس كنوع من الانتقام.

ومجتمع يتناسى فيه البعض غير القليل مفردات الحرام وأٌصول الجيرة  تضطرب فيه الكثير من المعايير و القيم ذات الصلة بهما.

 وتوالت الأحداث وتضاعفت حدتها مع استمرار تطبيقات الحصار وازدياد  نسب التضخم  فتحول غالبية الشعب العراقي إلى خانة الفقر بعد أن كان  ميسورا واختل التوازن الطبقي المعروف عندما انقسم المجتمع إلى:

أغنياء نسبتهم أقلية وطبيعتهم الاستغلال واستثمار الفرص والاتجار بالمشاعر، وغايتهم مزيدا من الكسب وإن كان فـُـتاتاً من موائد السلطان.

وفقراء نسبتهم أغلبية وطبيعتهم اليأس والاستسلام  والشعور بالبؤس والشقاء، وغايتهم إشباع البطون وتجنب سيف السلطان.

فتناقصت درجات الرحمة والتواد قيما لتماسك المجتمع واستقراره وقويت اتجاهات القهر والاستغلال والحقد والعدوان فتدنت مستويات ذلك التماسك لمستوى يثير الخوف والتوجس. فسجلت بدايات التصدع القيمي التي تتمثل بعض معالمه بالآتي:

1 . التجاوز على المال العام 

صحيح أن المال العالم في العراق لم يكن  مصاناً بالمستوى المطلوب عبر النظامين الملكي بشكل عام  والجمهوري بمراحله المختلفة حتى أواخر السبعينات على وجه الخصوص بسبب عدم الفهم الصحيح والتقدير الصائب لعلاقته بنمو المجتمع وتطوره ومدى انعكاس ذلك على المعنيين به من ناحية وعدم الرضا عن طبيعة الحكم أو ربطه بالأجنبي من ناحية أخرى، إلا أن مجموعة القوانين والضوابط ومستوى إلتزام القادة بالمحافظة على أموال الدولة آنذاك ساهمت بالحد من تجاوز غالبية المجتمع عليه لكننا وبعد عام  1980 تلمسنا توجه الرئيس وعائلته وأقربائه لاقتسام وتوزيع ثروة العراق المنقولة وغير المنقولة، والتصدق بما تبقى مكارم إلى القادة العسكريين والمدنيين وكبار الحزبيين حصصا تتناسب ومقدار ولائهم لديمومة النظام، على العكس من إتجاهات الأنظمة التي سبقت إذ لم يتبين أن للعائلة المالكة عقارات داخل العراق ولا أرصدة بالنقد الأجنبي خارجه، ومات عبد الكريم قاسم مقتولا من قبل البعثيين ولم يكن له داراً يملكها أو حسابا في مصرف عراقي أو غربي، ومات عبد السلام عارف بحادث طائرة ولم يملك من مال الدنيا إلا بيت من جمعية للإسكان العسكري، وانقلب البعثيون على عبد الرحمن عارف ولم يكن له غير البيت الذي يملكه من الجمعية المذكورة  ولم تسجل أية شائبة عليه شخصيا أو على أحد من فراد عائلته، هذا ولو وضعنا جنب هذا الهوس بالاستحواذ الرغبة بالسيطرة على بعض عوائد النفط ومفاصل التجارة الخارجية والداخلية وخزين الذهب في الخارج والحسابات السرية بالعملة الأجنبية، منها نصل إلى تصور لمقدار السلب والنهب المباشر من قيادة الدولة والتجاوز غير المباشر لعديد من الأهالي كرد فعل منطقي لهذا السلوك من جانب وسعي لاستمرار حياتهم  في ظروف صعبة من جانب آخر.

وعلى أساسها يمكن القول أن هذه الخاصية التي تنامت مستوياتها واتسعت شموليتها عطّلت معايير الضبط السلوكي لشريحة ليست قليلة من المجتمع بعد أن:

سارع الأغنياء المستغلون لمزيد من الاستغلال مدفوعين بهوس الاكتناز وقلق الحفاظ على الأمن الذاتي.

سعى الفقراء في كل الاتجاهات لسد حاجات البقاء على قيد الحياة من المال العام الذي شيعه الحاكم سلفا ووضع له حراسا من طرفه باتوا خصما لطالبي الحاجات.

‌2. اختلال الروح الوطنية 

الوطنية شعور بالانتماء ورغبة بالدفاع وميل إلى التآلف وإحساس بالرضى واقتناع وأمان في وطن رموزه الأرض والناس والنظام لفترة من الزمن.

وهي على وجه العموم ليست ثابتة أو بمعنى آخر ثباتها نسبي، تتأثر مستوياته سلباً أو إيجابا بالعديد من المتغيرات بينها مقدار التمتع بالحقوق والإحساس بالعدالة والمساواة ومديات تحقيق الأماني والأهداف وغيرها أمورا يتعلق مقدار تعزيز وجودها بالإدارة العامة للمجتمع وأساليبها في التعامل معه أفرادا وجماعات. وإذا ما أردنا مناقشة طبيعة هذه الإدارة في العراق خلال الثلاثين سنة الأخيرة ومدى انعكاساتها على الروح الوطنية نجد: 

أ. أن التفرد بالسلطة وإدارة المجتمع على وفق الدكتاتورية أضعف من علاقة الفرد بالدولة كأحد رموز الوطنية.

ب. دخول حربين متتاليتين أهدافهما مبهمة ونتائجهما سلبية وخسائرهما المادية والبشرية فادحة أحبط عموم العراقيين وأثار مشاعر عدوانهم على الدولة ونظام الحكم.

ج. التحول في مستوى المعيشة من الجيد والوسط إلى دون مستويات الفقر أضعف من ترابط الناس فيما بينهم وكذلك مع الرموز الوطنية على وجه العموم.

د. اللجوء إلى الاختطاف والقتل والتعذيب والتنكيل بالإنسان العراقي أثار فيه الرعب والخوف وقلل من تقديره للدولة ومن احترامه لرموزها. 

هـ. التفريق بين عراقي وآخر على أساس القومية والدين والمذهب ومن ثم المدينة والعشيرة وكذلك مقدار الولاء للحاكم قسّم العراقيين أقساما عدة أفقدتهم الوحدة كأحد معايير الوطنية ورموزها.

و. لجوء الحاكم وقادته إلى الكذب والخيانة والمخاتلة والمراوغة أساليب للتعامل مع عموم المواطنين دفعهم إلى وسمه أي الحاكم ومن معه بتلك الخصائص السلبية وقللت من معايير احترامهم له، وبالتالي أفقد الحاكم  وحزبه قدراتهم في التأثير بالمشاعر الوطنية.

ز. التفضيل بمسألة التعيين في قيادات الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة والسلك الدبلوماسي ورئاسة الجمهورية على أقرباء الرئيس وأفراد عشيرته وأبناء القرية والمدينة كون شعورا لدى الكثيرين وكأن الدولة هي صدام وعشيرته وهذا شعور يضعف كثيرا الارتباط بالوطن.     

تلك أمثلة أوردناها للمزيد من الإيضاح وللدقة في الاستنتاج وأخرى عديدة  لا مجال لذكرها أثرت سلبا على الروح الوطنيـة العراقية بعد أن أسقط عموم العراقيين من حساباتهم رموز تعزيزها. 

وإذا ما أضفنا لها كثرة الضغوط المسلطة على النفوس وما سببته من إعياء لها، وقلة الوعي بالأسباب والنتائج وما تمخض عنهما من اضطراب لمداركها، نصل إلى استنتاج مفاده:

أن العداء الذي تكون ضد الحاكم ( صدام ) والدولة ( البعث ) تسرب أو  انتقل إلى الوطن بحكم التعميم فخدشت تلك الروح. وعلى أساسها نرى : أن خبرا عن تقسيم العراق لا يثير الكثير من المشاعر،  وإشارة عن مديونياته الضخمة لا تحرك السكون، وتنويه عن قصف منشآته لا يثير الاحتجاج، ورواية عن إعدام معارضين لا تثير الاستهجان، وحكاية عن اختطاف البنات لا تعير الاهتمام، ونقاش عن أخطار الحاضر وهول المستقبل لا يثير الرغبة بالمشاركة، واتجاه الغرب لتحديد المصير لا يثير التوجس.

وإن بادر عراقي معارض أو جهة أخرى معارضة لطرح أفكارهم عن واقع معاش ومستقبل  مظلم وحلٌ مقترح اجتمع البعض من العراقيين على تجريمهم بالعمالة لأمريكا وبريطانيا أو للسلطة في بغداد عاجزين أن يكونوا بدلاء، أو شركاء لخلل في إدراكهم وضعف في وطنيتهم.

3. التغير في معايير الالتزام العام  

هناك العديد من المعايير التي يلتزم بها الإنسان سواء في علاقته مع نفسه والمجتمع أو في تعامله مع الدولة، نجد أن الكثير منها قد حورَّ  بنسب  متفاوتة أثرت سلباً على النظام القيمي حد التصدع، منها على سبيل المثال.

أ. الشرف 

بدأت الدولة عام 1968 بشكل محدود وبعد عام 1979 بشكل واسع إنشاء محال صغيرة ( أكشاك ) قرب الكليات والمعاهد والدوائر المهمة في بغداد لغايات أمنية استثمرت في كثير من الأحيان لإغواء البنات وإرسالها إلى المزارع الخاصة والقصور الفخمة، واستمر هذا سلوكاً بينا لدى الرئيس وبعض قادته انتقل إلى الأبناء الذين غالوا بممارسته لمستوى العلن في نوادي الصيد والعلوية والفروسية بشكل مباشر وعن طريق وكلاء معروفين بسقوط أخلاقهم بشكل غير مباشر. وفيه كان عدي سباقاً ومن بعده قصي لا هم لهم إلا الإغواء والتوريط ، يليهم بالمرتبة الثانية أولاد خيرالله الذي لم يكن نزيها هو الآخر وآل المجيد المتعطشين إلى الجاه والمال بوسائلهم المعروفة بالترغيب والضغط والإكراه. وهذا سلوك  شائن امتدت معالمه إلى الأقرباء وأولاد البعض من المسؤولين المسعورين الذين لا يجدون ما يتفاخرون به في  جلساتهم الخاصة سوى أعداد البنات التي اختطفت أو سقطت بين أيديهم أو تلك التي قتلت لامتناعها تسليم نفسها ضحية للإغتصاب، ويكون التفاخر أكثر متعةً عندما تكون تلك البائسات من عوائل معروفة بأصولها الاجتماعية أو الاقتصادية أو الدينية وأحيانا من بنات المسؤولين في الدولة والحزب.

إن هذه الصورة في مجتمع اعتاد الالتزام بمعايير الشرف قيمة ذات صلة بالعفة والنزاهة والإيمان، دافع عنها الناس في الماضي بقناعة تامة وقبلوا تقييم الآخرين لسلوكهم على أساسها، قد حرفت كثيرا وبشكل سريع ومربك لأن مقاضاة من أخل بها من أولاد الرئيس ليست جائزة والثأر لمن دنسها من أولاد خيرالله ليست ممكنة، و قتل من نشرها من أولاد المجيد ليست سهلة، وغسل العار بقتل البنت غير المسؤولة عما حصل لها غير منصفة. فاتجه المنكوبون إلى الاكتفاء بالدعاء المكتوم حلاً مناسبا، ومن خارت قواه وضعفت معالم ضميره وتكررت وتائر الاعتداء على عرضه اعتاد قبول المثلبة حتى  وان كان من القادة ورجال الدولة المعروفين.

وجاء الحصار متغيرا زاد الأمر سوءا بعد أن أصبح الصيد سهلا في معادلة الغنى الفاحش والسلطة المطلقة لأولاد المسؤولين والفقر المتقع والحاجة الملحة لأجيال العامة لمستوى تساهلت فيه عوائل مع ابنة لها أو تغاضت عن تصرفاتها بعد أن أمنت عيشها، ويزداد التساهل أكثر عندما تساعد تلك البنت البائسة عائلتها، وإذا ما أضفنا لأرقام الخطيئة أعداد المخطوفات والمحجوزات والخادمات المعتدى عليهن في سجون الدولة وبيوت الأغنياء وأفراد السلطة المسعورين نتلمس عمق الأزمة ونستنتج أن هذه القيمة التي اعتز بها العراقيون عبر الزمن باتت مهددة بالزوال.

ب. الاستقامة

يتكون الضمير الإنساني من عمليات للتعامل الصحيح مع مفردات الحياة  في فترة العمر الأولى يؤكد فيها الآباء والأمهات ما هو حلال أو حرام، صحيح أو خطأ ويتصرفوا على أساسها تصرفات يقلدها الأبناء فيتكون الضمير الذي يدفع إلى الخوف من ارتكاب الخطأ، والارتياح بعمل الصح، وهما اتجاهان موجودان في النفس البشرية لازمان لتكوين نسق الاستقامة .هذا وعند مناقشة مقاديرهما عند العراقيين يمكن القول ومن خلال دلائل السلوك ذات الصلة بهما مثل عمل الخير، التعاون، الصدق، الإخلاص، الود …الخ أنها كانت ملموسة وبدأت بالتناقص في السبعينات والثمانينات ثم تصدعت في التسعينات عند التعرض للضغوط الشديدة المستمرة التي اضطر فيها الآباء التجاوز على بعض مفردات الصحيح في المراحل الأولى ومن ثم بدءوا بارتكاب الخطأ المقصود في مراحل لاحقة، وأعمال كهذه على مرأى من الأبناء تسببت في تعطيل الضمائر: بعدما وصل الأب إلى حال لا يجد فيه مبررا أو مجالا للتكلم عن الحق وهو غير قادر على الالتزام به وإلى النصح بعمل الخير ولا يتمكن  من القيام به أو حتى المنع من ارتكاب الخطأ وبات يكرره على مرأى ومسمع من عائلته البائسة وأبنائه الذين يعدونه قدوة لهم. وفي هذا المجال لدينا الكثير من المؤشرات التي منها نستنتج:

أن الاستقامة قد تدنت مستوياتها، بينها قبول الصديق عمولة وساطة من صديقه عند طلب نجدته للمعونة في التوسط لبيع حاجة يود الحصول من بيعها على قدر من المال، وعدها شطارة ورزق مقسوم. والسكوت عن الخطأ والابتعاد عن قول الحق حتى وان كان متصلا بالمصير والقول عنها موائمة وابتعاد عن الشر وخيانة الأقرب إلى النفس مثل الأخ لأخيه والأب لإبنه، ويعدونها فرصة لا تعوض . وهذه تؤشر جميعها، وإن كان تكرارها محدودا تدميرا أو تصدعا  للنظام القيمي تؤيد حصوله الرواية التي تداولها البغداديون عام  1996 عن الشخص الذي باع سيارته بعدة ملايين من الدنانير وجاء بفلوسه أكياساً وضعها في غرفة نومه وغادر البيت لينام خارجه خفرا، وبعد منتصف الليل شعرت الزوجة بشخصين ملثمين داخل غرفة نومها وكان للزوج مسدسا اعتاد تركه مع الزوجة التي سحبته من شدة خوفها وأطلقت النار على الملثمين فأردتهما قتلى، وبعد أن حضرت الشرطة واستفاقت من الصدمة ورفع اللثام عنهما تبين أن المقتولين هما أبيها وأخيها، وقد جاءا بدافع  السرقة.

ج. التواصل والتواد والتراحم   

نصب صدام حسين نفسه حاكما وحكما وقاضيا وواعظا ومرشدا ومنفذا للأحكام في كل المجالات الشرعية وغير الشرعية، وبهذا التقليد زوج الكثير دون ما وجه حق وطلق الكثير دون ما مسوغ،  بادئا الخطوة بنفسه عندما طلق زوجة من زوجها واتخذها زوجة ثانية، مقدما للزوج المخلوع مكرمة تعينه مديرا عاما لتنازله الهادئ.

علما إنه أي صدام قد شرع قانونا إبان تلك الفترة وما قبلها يحرم بموجبه تعدد الزوجات ( إلا بحدود معينة مثل المرض وعدم الإنجاب مقرونا بموافقة الزوجة الأولى ) لكنه أول من خرقه كما ورد أعلاه معطيا المجال لرفاقه في القيادة التوجه لتقليده في حمى تسارع فيها الكثير منهم للزواج ثانية وربما ثالثة أو رابعة بعضها بقي طي الكتمان حتى وقتنا الحاضر. 

لقد حصل صدام على هذا الحق في شريعة الغاب وتمادى في تعميمه على باقي العراقيين حيث أمر العديد من الأزواج بتطليق زوجاتهم بعد مقابلة الزوجة شاكية أمرا لا يستحق الشكوى أو عارضة عدم رغبتها في الاستمرار بعصمة الزوج، وزوّج في ذات الوقت أُخريات دون موافقة الأهل وشطب من دفاتر السجل المدني نسبَ أبناء إلى آبائهم الأصليين ونسبهم إلى آباء ليسوا حقيقيين وغيرها أمور ومشاكل كان القضاء يستغرق للفصل في الشرعية منها اشهرا وربما سنوات معطيا أطرافها فرصة التواصل وإعادة التواد والتراحم، وهذا أمر لم يقتصر على الأغراب بل وشمل الأقرب له في التسلسل العائلي عدنان خير الله الذي قتل  في حادث طيارة مفتعل وتبين في العزاء ظهور امرأة ادعت انها زوجته ( الثانية ) ولها منه ولد، أبرزت الوثائق الثبوتية التي تؤكد صحة كلامها، حيث أمر الرئيس هذه السيدة بالسكوت وتغيير  شهادة ميلاد الطفل ونسبه إلى أحد أقاربها.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فقد طبق صدام نظام الشمولية والتعميم للعقوبات التي يفرضها بقصد الردع والتخويف، فالمعدوم لأي سبب كان يتحمل أقرباؤه حتى الدرجة السابعة بدايةً وحتى الدرجة الأولى في السنوات الأخيرة الآثار الجانبية للذنب الذي لم يرتكبه، فيفصل من كان في وظيفة حساسة أو ينقل إلى أخرى أقل أهمية ومكسبا في أحسن الأحوال. وقد يسجن أقرباء شخص ترك العراق تفاديا للإعدام، أو اختفى من بين أهله أو من بين قضبان السجن ولا يسلم من ذلك حتى الأمهات وان كانت أعمارهن قد جاوزت السبعين، فبات العديد ينكر أن له أخ أو ابن عم مقيم في الخارج ويتبرءوا والعشيرة سريعا من ابن لهم أعلن معارضته للنظام (رغم كونها صورية بقصد التخلص من البطش) لكنها وفي هذا الجانب تؤشر حالة ضعف خرقت النظام القيمي. وهكذا ضعف التواصل والتواد والتراحم بشكل تدريجي قاد إلى حالة التصدع الشامل.

وإن كان لصدام الدور الأول في خرق هذه القيمة الاجتماعية فقد جاء الحصار وظروفه القاسية للإجهاز على ما تبقى منهـا بعد أن وجــد الابن صعـوبة بتلبية واجب الزيارة لوالديه وهم في محافظة أخرى بسب عدم امتلاكه أجرة الطريق أو خشية ترك البيت لاحتمالات السرقة، واعتاد تأجيلها شهريا ومن ثم سنويا أو في المناسبات في أحسن الأحوال، فابتعد عنهم واتسعت المسافة أو الفجوة الاجتماعية بينهم فضعفت رابطة التواصل والتواد بهم.

وهذه قيم عندما تخرق بشكل حاد ستتشكل بدلا عنها قيم سلبية مثل القسوة والأنانية فبات العديد غير قادر على التفكير إلا بمصيبته هو وبمستقبله هو وبمكاسبه هو وتفكيره هذا سحبه إلى تغليب  مصالحه الشخصية على المصلحة العامة أولا وعلى مصالح الآخرين حتى القريبين منه ثانيا.

هـ. النخوة والتكافل 

أدير العراق في الثلاثين سنة الأخيرة بطريقة تفضي إلى التجزئة والعزل والتفريق بدءا من العائلة والعشيرة مرورا بالمحلة والقرية وإنتهاءا بالعراق أقوام  وطوائف، وكان لفلسفة الرقابة الشعبية والإصرار على استمرارها من قبل القيادة الأثر الكبير في ذلك رغم إدراك البعض في الجهاز الحزبي سلبياتها الجانبية، ولدى العراقيين أمثلة كثرة عن هذا الموضوع بينها على سبيل التوضيح ما دار في اجتماع الكادر المتقدم للحزب عام 1986 الذي اداره أداره طه ياسين رمضان، وسأل فيه عضو شعبة عن جدوى قبول تقارير معلومات عن أعمال واتجاهات آخرين في الحزب وخارجه يتبين في العديد منها أن صياغتها كانت بطابع العداوة ومصداقيتها مشكوك فيها ، فكان رد رمضان إننا لو افترضنا أن مائة تقرير وصلتنا وكان تسعون منها ليس صحيحا وعشرة أو أقل منها فيه بعض الصحة فالحزب هو الرابح لأننا في هذه الحالة ضمنا أمن الحزب والثورة وبالتالي نؤكد الالتزام به نهجا عاما.

إن تطبيق هذه الفلسفة "الرقابة الشعبية" أثار التوتر وعدم الاطمئنان بعد أن تبين أن الخطأ في صياغتها نسبته عالية، خاصة في ظروف العراق التي اصبح الالتزام فيها قليلا والذاتية بينها عالية للحد الذي انتقلت هذه الفلسفة وتطبيقاتها خارج الجهاز الحزبي إلى عراقيين آخرين يمتازون بضعف شخصيتهم وزيادة نسبة الانتهازية فيها، فأصبحت آفة زادت من مقادير البغض والكراهية، وحجمت كثيرا من اتجاهات عموم العراقيين للنخوة، والتكافل الاجتماعي، خاصة بعد اقترانها بالمكاسب السخية التـي يقدمها الرئــيـس في بعض الحالات دون أن يعوا أن التجسس على البعض والصاق التهم بالبعض الآخر حتى وان كانت تحت مظلة الوطنية والضرورات المرحلية ستؤدي إلى تحطيم الوحدة الاجتماعية للعائلة وتسقط من حساباتها قيم النخوة والإيثار، بالإضافة إلى ما تثيره من قلق وعدم اتزان خاصة عندما يجد غالبية المجتمع أنهم متهمون من قبل النظام وحركتهم تتأسس على السعي لإثبات البراءة.

إن الأمثلة المذكورة ممارسات مهدت كثيرا لتغيير اتجاهات العراقيين وقيمهم وجاءت أوضاعهم الاقتصادية المتدنيـة وظروفهم الأمنيـة غير المضمونة بعد انتفاضة عـام 1991 واستمرار الحصار لتكمل ما بــدأه النظـام في هـــذا الجانب، إذ أن الجوع على سبيل المثال لم يفسح المجال للأخ أن يعين أخاه والابن المتزوج أن يقدم شيئا لوالديه بعد أن يشاهد أولاده يتضورون جوعا وإن جاء الأخ أو الأب والقريب منتخيا لم يجد في الذين انتخاهم ما يحفظ ماء وجهه فاعتكف الغالبية يندبون حظهم العاثر منتظرين يوم الفرج الذي لا دور لهم في التعجيل بقدومه.

وهذه أمور لم يؤد تكرارها إلى عدم قدرة الفرد إيفاء الحقوق الدنيا للعائلة والاخوة والصداقة ولم تضعف معايير النخوة اتجاه الأخ والقريب فقط وإنما وضعت العراقيين في حالة لا ينتخون فيها مجاميع متآلفة للتخلص من   مصيبتهم المشتركة ( نظام الحكم ) التي أوصلتهم إلى حالة التردي  وحياة البؤس والعوز والشقاء.

و. الأمـانــــة

لم تعد المحافظة أو عدم المحافظة على مال الغير مشكلة يعيرها العراقيون اهتماما في الوقت الحاضر، وفيها نسمع أن فلانا قد أودع مبلغاً عند صديق ليحافظ عليه أو ليشغـّـله وبعد أن احتاجه طلب مـــــــن صديقه إرجاع الأمانة فأعتذر الصديق لأنه تصرف بالمبلــغ.

وقَسَمْ أبو قراط في أمانة الطب المهنية وضعه البعض من الأطباء جانباً فبات من السهل أن نسمع مريضا في خطر أبقي خارج غرفة العمليات حتى يسدد أهله التأمينات اللازمة.

وقسّمْ الضباط في الكلية العسكرية بصيانة الأمانة والذود عن الوطن نسيه العديد منهم في خضم الحسرة على وطن أحرقه القادة عمدا فبات من المألوف أن نرى بعضهم يتمتع بحرق قرية في الأهوار أو بإزالة أخرى من على حافات الجبال دون أن يجهد نفسه بالتفكير عن المخاطر الحقيقية التي تهدد وطنه.

وميزان العدالة أزاحه بعض القضاة من على مناضدهم وقبلوا الحكم بالإعدام على قوائم أسماء أرسلت إليهم من الرئاسة وهم يعرفون أن من فيها  قُتلَ تصفية أو تعذيبا في أوقات سابقة.

والأمانة العلمية لم يتجاوزها قسم من الأساتذة والباحثين فحسب بل تعودوا التهكم على من يذكرها بحضورهم وأصبح نجاح الطالب بمقابل مادي مقبولاً، وبيع الأسئلة في الامتحانات الوزارية ليس غريباً، وتحوير نتائج البحوث بما يرضي الحاكم دارجا. 

وإذا كان الأمر كذلك فكيف لنا أن نعتب على نائب ضابط في دوائر التجنيد يخفي معاملة تسريح جندي مكلف لحين  تقاضي الثمن المناسب. وعلى مفوض المرور وهو يساوم على ثمن تسوية مخالفة مرورية . وعلى موظف في التسجيل العقاري طلب مبلغا ضخما من المال لقاء تسجيل أرض سكنية    مملوكة لشخص غادر العراق قبل سنين باسم آخر زوراً.

وعلى ضابط في السفر والجنسية حدد مبلغا ليس قليلا لقاء إخراج جواز سفر لشخص ممنوع من السفر.

وعلى ضابط شرطة غيّر إفادات المتهمين وأخفى الأدلة الجرمية لتبرئة مجرم من تهمة قتل لقاء ملايين من الدنانير.

وعلى منتسبي مركز شرطة اتفقوا مع موقوفين بعهدتهم على الخروج ليلا للسطو على بيت أو محل لهم نصيب في مكاسبه.

وغيرها كثير من أوجه الخلل ذات الصلة بالأمانة في كافة جوانبها والتي يتجاوز البعض منها مسائل الخيانة بالصيغ المذكورة في أعلاه إلى أبعد من ذلك بكثير لتصل إلى مستويات الحط من كرامة الإنسان والإخلال بإنسانيته بشكل لا يصدق كما في حالة رجل من بغداد وصل أمن البصرة صيف عام 1998 يسأل عن ابنه المفقود من عدة شهور، بعد أن أعياه السؤال في دوائر الشرطة والمستشفيات ومجيئه كان بتوصية من ضابط أمن في بغداد لصديق في أمن البصرة، وبعد أن إلتقاه على موائد الطعام أكثر من مرة  كان آخرها في كازينو على شط العرب جلسوا وشخص آخر يعتقد أنه مفوض بالأمن ، وأثناء تداول الحديث مر قربهما شاب يبدو على مظهره معاناة لمرض عقلي، فقال الضابط إلى زميله ( هذا هو صيد اليوم أتبعه ) ، وبعد أكثر من نصف ساعة عاد المفوض مشيرا إلى أسم المريض وعنوانه في المنطقة التي تقع خلف فندق الشيراتون، عندها  أستغرب الأب وسال الضابط ما علاقة الأمن بالمجانين، وهنا دخل الضابط إلى الموضوع مباشرة فقال إذا كان عندك شخص محكوم بالإعدام لأي سبب كان فثمنه خمسة وعشرون مليونا فزاد استغراب الأب مستفسرا وما علاقة المريض بالموضوع فأجاب الضابط أن الأمن العامة تأمر في الأشهر الأخيرة أن نرسل لها جثة المعدوم، وهنا يدخل دور المريض إذ أننا وعندما يأتينا طالب فدية إلى أبنه أو أخيه المحكوم بالإعدام نذهب ونجلب المريض من الشارع ونعدمه بدلا من المحكوم فنحصل على المبلغ المذكور وطبعا لا أحد يتابع موضوعه حتى الأهل الذين يعتقدون أنه تاه عنهم أو مات خطئا، وختم حديثه الغريب هذا بالطلب من السامع أن يطمئن على ابنه حتى وإن كان محكوما بالإعدام لان خروجه ممكنا إذا ما تيسر المقسوم.

وهذه وقائع وأخرى غيرها تؤشر هدما لكل القيم الإنسانية، وأرضية لإنهيار قيمي سيخل بالأمن النفس الإجتماعي لعموم العراق.


الآثار المحتملة للتصدع القيمي في العراق 

إن واقع العراق المأساوي من الوضوح حدا لا حاجة لإثباته عمليا، وإن المستقبل فيه مؤلما لا يستحق تسليط الضوء عليه كثير من العناء، لأننا وإن تجاوزنا الاقتصاد عاملاً مؤثراً في كل مفردات الحياة وافترضنا أن ترميمه قد يحدث بعد رفع الحصار وانتهاء الأزمة.

وإذا غضينا  الطرف عن التردي في العملية التربوية والتأخر الحضاري الذي حل في العراق بسببها وأقنعنا أنفسنا اللحاق بالركب ولو من بعيد بعد تحسن الموقف.

وإذا ما تركنا موضوع الجيش وإعداده ووحدته وانضباطه ومعنوياته جانباً واقتصرت ذكرياتنا على مصائب حروب افتعلها صدام، ومشاهد القتل والتدمير التي تخللتها وتمنينا أن لا تكون لنا حاجة بإعادة تنظيم هذا الجيش الذي عد يوما الخامس في العالم.

وإذا ما نسينا أفعال الشرطة والأجهزة الأمنية واتفقنا أغلبيةً على تحجيمها وهدم سجونها وتقليل ميزانيتها واختيار كوادرها من غير القتلة والمجرمين، وبذلنا كل الجهد جماعيا لتقييد حركتها قانونيا .

وإذا ما قللنا من أهمية الاضطراب الإداري في عموم دوائر الدولة وتفاءلنا بإمكانية الترميم على أساس النزاهة والكفاءة والتخصص لمرحلة ما بعد صدام.

وإذا ما عاد المسفرون بعد عشرات السنين من غربة أرهقتهم إنصافا لحقهم في أرض الوطن، وإذا ما رجع المهجرون إلى قراهم ضمانا لحقوقهم وسعيا لاستقرارهم.

وإذا ما استرجع المسلوبون أموالهم وأراضيهم وبيوتهم من المغتصبين.

وإذا ما أعلنت أسماء المفقودين شهداء مدفونين بلا هوية في أراضي الثرثار وبادية النجف وكربلاء وعلى حافات أهوار الجنوب وسفوح الجبال واعترفنا بفضلهم الجهادي علينا وأقمنا لهم النصب التذكارية وفاءاً لذكراهم.

وإذا ما سددت مليارات الدولارات ديون العراق والتزاماته حسنة أو تم التنازل عنها  ثمناً لذبح العراق والعراقيين.

وإذا ما أعيد بناء البنى التحتية سريعاً وعاود العراقيون مزاولة أعمالهم بعيداً عن شبح البطالة والتضخم والاستغلال.

وإذا ما قبل العرب عراق بلا ذنوب في مصالحة التقبيل على موائد الطعام.

 وإذا ما أعيدت للعراق مكانته إقليمياً ودولياً في النظام العالمي الجديد وإذا وافترضنا ( خلافاً لمنطق العلم ) أن كل ذلك قد تحقق وان آثاره المادية قد انتهت بانتهائه أو بعده بقليل.

ونتناول فقط الجوانب الأخرى غير المادية بينها القيمية ( رغم التداخل الحاصل بينهما ) وعلى أساسها نحاول الإجابة عن أسئلة صيغت من بين متن الموضوع وفقراته المتعددة أملاً في أن تعطي الإجابة عنها تصوراً قريباً نسبياً عن مدى التصدع الحاصل في الجانب القيمي للعراقيين والأخطار الناجمة عنه، منها:

ماذا نتوقع من مجتمع جند أكثر من نصفه في الجيش والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية والحزب، وهم يغالون في تنفيذ أوامر السلطات نهاراً وينتقدونها حد الشتيمة في جلساتهم الخاصة ليلاً؟

والإجابة على هذا السؤال لا تتوقف عند ترسيخ وتعميق الازدواجية التي اتهمت بها الشخصية العراقية عبر القرون بل تتعداها إلى ما يحدث من تعارض وتضاد في النسق القيمي بين عنصري الاعتقاد والوجدان وما يحدث بين الاعتقاد والسلوك والوجدان والسلوك أو بين كليهما والسلوك الذي يؤدي بمحصلته النهائية إلى لوم الذات واحتقارها حد المسخ لكيان شخصيتها. 

كيف يمكن أن يستمر المجتمع منتجاً والنفوس خاوية، خائفة، متهمة، تحمد الله على أن عقاب السلطان لم يطالها عن كلام قيل بغير قصد أو عن إبن حاول الضحك على حاله البائس أو ابنة لم تدع أبناء الرئيس يتمتعون بجمالها أو عن عراقي أصل يثير عدوانية الرعاع من أقرباء الحاكم؟

إن حالة العراقيين وقت وصولهم نقطة الحدود في ( طريبيل ) وما ينتابهم من قلق وتوتر قبل وأثناء المراجعة وما يتمتعون به من نشوة وفرح بعد اجتيازها تشبه من كان متهماً بجريمة قتل وبرأ منها أو مسجوناً سجناً مؤبداً وأفرج عنه والتي لا تعطي انطباعا عن عمق المعانات والرغبة في التخلص من حالة الاتهام المستمرة فقط بل وعلى الخواء ومقدار الخلل في كافة المجالات ومنها المجال القيمي. 

كيف يدار مجتمع مثل العراق بأساليب الخداع واتجاهات شراء الذمم والرغبة بتعميم التعود على أكل الحرام ؟

قيادة حكومة صدام لم تسجل في تاريخها اهتماما بالعوز وانخفاض مستويات المعيشة بالقدر الذي تتاجر بها مأساةً لتحقيق أهدافها الآنية المرحلية، كما هو الحال في منع الدواء عن الأطفال والشيوخ حد الموت بحجة نقصه والكثير من أنواعه متوفرة لمستوى إتلافها بسبب انتهاء وقت صلاحيتها وكذلك بالنسبة إلى توزيع المبالغ شهريا على الحزبيين أنصاراً وأعضاء وقياديين لدفعهم وهم جائعون إلى تنفيذ الأوامر في مراقبة الآخرين وإعدام المعارضين ومتابعة الهاربين والسكوت عن الأخطاء والتجاوزات والفضائح، لكنها لم تضع في حساباتها أن تخريب الذمم هذه سيكون سلوكاً يعتاد المعنيون على ممارسته ليس في إطار التعامل مع معطيات أمن الدولة وخدمة القائد فقط وإنما ستمتد ممارسته إلى التساهل مع النفس في التجاوز على المال العام والتقليل من وخز الضمير عند التقرب إلى مسائل تصل حد خيانة الوطن.

كيف يمكن أن يكون الضبط والتوازن الاجتماعي في بلد استبدلت فيه قيم تتعلق بتحريم السرقة، والقتل، والكذب، والغيبة، والنميمة ... الخ بأخرى تبيح اغتصاب دار شخص ترك العراق مقهوراً،  وسرقة أموال آخر كونه من أصول غير عربية؟

 للإنسان ميول واستعدادات باتجاه الشر وأخرى لعمل الخير ولدت معه واستمرت مرافقة لوجوده في هذه الدنيا، وعلى أساسها جاهدت الأديان السماوية بوضع معايير الحلال والحرام وكذلك المجتمعات البشرية بوضع التقاليد والقيم التي تشكل جميعها ضوابط توجيه وسيطرة لغرائز الإنسان ونزواته ولتسهيل معطيات عيشه بأقل ما يمكن من المعاناة والخطأ الحاصل مع النفس أو مع الآخرين. وفي إطارهما عندما تصبح السرقة سلوكاً لا يتوقف عنده البعض، والرشوة حالة مقبولة لا تثير الاستغراب، والزنا مسالة واردة لا تؤدي إلى التحسب، والقتل رغبة أولى في الانتقام، والكذب صفة شائعة بين الجموع، وغيرها، عندها يمكن القول أن خللا في النظام القيمي قد حصل وأن معالم الفوضى والاضطراب ممكنة الحدوث في أي وقت من الأوقات.

كيف لنا أن نتصور مجتمع يعي فيه الجميع ما لحق بهم وبدولتهم من خراب وكثير منهم يكتمونه، وأئمة مساجد يدعون في صلاة الجمعة أن يطيل الله في عمر الرئيس وفي داخلهم يكفرونه بكل معنى الكفر، وجموع خلفهم يرددون كلمه ( آمين ) وهم مقتنعون بظلمه ومسئوليته عن  مأساتهم؟

إذا نظرنا إلى مسألة كتم الحق من الزاوية الدينية فأنها عدّت من الكبائر التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) (سورة المائدة)، وان نظرنا إليها من الزاوية الاجتماعية فإنها تعني قبول الواقع الذي يفرضه الحاكم قبولا يدفع إلى الشعور باليأس والابتئاس والاستسلام، وان استسلم مجتمع بهذه المعايير القيمية في وقتنا الراهن فان الاستعداد لاستسلامه لمعايبر سلبية أخرى غدا سيكون موجودا وبنسب عالية، ويعني أيضا شعور بالذنب أرهق العراقيين وسيزيد من إرهاقهم بمرور الوقت.

كيف لنا أن ننظر إلى عراق مستقبلي نسيَّ فيه عديد من العراقيين عراقيتهم في خضم اليأس بالتعامل مع أزمتهم داخليا وخارجيا وبات فيه الكثير منهم يتخبطون بين حاضرهم البائس ومستقبلهم المجهول ؟

أدخل صدام العراق حرباً مع إيران خسر فيها الكثير من قيم الجيرة والعلاقات النزيهة إسلامياً، وعاود خطأه بغزو الكويت فخسر أخرى عربيا ودولياً، أزعجت العراقيين وزادت من همومهم، عززتها مواقف الدول العربية والعالمية التي عزلت العراقيين وحاصرتهم بالمستوى الذي أحس العديد منهم وخاصة الذين لم يتمكنوا من أدراك الواقع أن معاقبتهم كانت لأسباب لا دخل لهم فيها، وهذه مشاعر وأحاسيس لا يتوقف تأثيرها عند عدم الاعتزاز بالانتماء بل ستؤثر سلبا على الكثير من المبادئ والأهداف ذات الصلة بالوطن والأمة التي تحفظ للإنسان كرامته وحريته وأمنه في وطنه.

كيف يمكن أن نتصور بلد فيه احترام القانون أوشك على الانتهاء وقضاته يختارون تبعاً لولائهم للحاكم ومقدار تنفيذهم لتوجيهاته وبعضهم بات مرتشيا ؟

أن إحساس عموم العراقيين انهم متهمون يدافعون عن أنفسهم طوال الوقت حقيقة تكفي وحدها لوصف حالتهم بالبؤس والشقاء والشعور بالإحباط الذي يولد عدوانا ضد الدولة بشكل عام وقضاؤها على وجه الخصوص، وإذا ما أضفنا إليها حقائق ما يجري في المحاكم وسماسرتها وتجاوز بعض قضاتها لمستوى خوفهم من الحكم ببراءة بريئين أحيانا أو عدم تجريمهم مجرمين أحياناً أخرى، وانفراد شخص الرئيس بالتشريع وعدّ كلامه وتوجيهاته قوانين قابلة للتغير بين لحظة وأخرى جعل القضاء مثقلا واحترامه متدنيا وهذا سيفضي بطبيعة الحال إلى مصاعب في ضبط السلوك غير الصحيح ويزيد من نسب الجرائم ويكثر من  التجاوزات التي ستتسارع وتائرها مع ضعف السلطة وانشغالها بأمن الرئيس وعائلته.

أين يمكن أن نضع مستقبل الأبناء في مجتمع تتزايد فيه حدة الخصائص السلبية مثل التزلف، الوصولية، الانتهازية، المحـــاباة..الخ ، لمستوى بات البعض منها قيما يتمسك بها العديد من الآباء؟

إن الحاجة والعوز يقابلهما عطاء يشبع حد التخمة أساليب تحرف سلوك البعض ممن تتوفر في داخلهم استعدادات معينة  للانحراف، انحراف تزداد سرعته ونسبة حدوثه عندما يجد تعزيزا من السلطة الضابطة ( الدولة ).  كما هو الحال في العراق عندما يبذخ الرئيس مالاً لا  حدود له لمحتفلين في عيد ميلاده وكثير من العراقيين يتقاسمون وجبات الغذاء أدواراً في العائلة الواحدة، ويعطي المكارم أموالا طائلة لقائل شعر في مدحه وملقيَّ خطبة لتمجيده وعشرات من الشعراء النزيهين والأدباء الخيرين والفنانين المتألقين والأساتذة المخلصين تتضور عوائلهم جوعاً ورواتبهم لا تتعدى الأربعة دولارات في أحسن الأحوال. والموازنة غير المنصفة بين الاتجاهين ( الجوع والتخمة ) دافع في زمن الأزمة كوّن سلوكاً للتزلف امتدت معالمه عن طريق التقليد إلى شرائح ليست قليلة من المجتمع وانتقلت مستويات تطبيقه إلى قادة الدولة والحزب نزولا إلى المدراء في السلم الوظيفي حتى أصبح قيمة يؤمن بها الكثيرون، معتقدين أنها ضرورية لعيشهم وكافية لدرء خطر الحزب والدولة عنهم . لكنها ومن الناحية الثانية ستضيع الكثير من حقوقهم وتحول العديد منهم إلى بيادق شطرنج أو راقصين في مسرح الدولة الكبير.

كيف لنا أن نتصور مجتمع ضاع فيه التجانس القيمي على كافة الأصعدة والمستويات؟

نتلمس ونحن في العراق الجديد تناقضات محيّرة في سلوك العديد من رجال الدولة وحماتها وآخرين يعيشون زمانها، منها على سبيل المثال:

قيام مسؤول في الدولة أو الحزب بإعدام مجموعة شباب تحسباً من معارضتهم مستقبلا ويتوجه لبناء جامع وتأسيس تكية لممارسة بعض الطقوس الدينية.

ويغتال أحدهم عراقياً شريفا في الشارع لانتمائه إلى عشيرة أو طائفة يكرهها الرئيس.

ويغتصب آخر فتاة في مزرعته العامرة لشكلها الجميل أو لأصلها العريق ويؤدي بعدها الصلاة التي يدعو فيها من الله العلي القدير أن  يديم عليه النعمة.

ويقبل أحدهم رشوة عن تزوير يتطاول فيه على حقوق البسطاء ويفتش بعد استلامه المبلغ عن محتاج لزكاة لازمة عليه .

ويسعى جار أو قريب لينتفع من جاره المنكوب ويفتخر بفطنته ودهائه أنه  قد سوق له سلعة لا تساوي ثمنها في السوق الاعتيادية، وفي جلساته الخاصة يؤكد على أفضلية الأقارب وحقوق الجيران.

في خضم هذه التناقضات لا يمكننا القول إلا أن التجانس القيمي قد اختلت موازينه وعلى ضوء هذه الحقيقة يمكن أن نتوقع تطرفا في سلوك العراقيين سواء على المستويات العشائرية أو المذهبية أو الفكرية وهو تطرف إذا ما تنامت مستوياته في ظل الإدارة الحالية السيئة سيؤدي بالعراق إلى مستقبل اكثر إيلاما.

ما هو مستقبل أمة شاع بين سلوك أبنائها عدم تحمل المسؤولية وقلت معطيات النخوة حداً كادت أن تنتهي قيمة اعتز بها العراقيون طيلة قرون من الزمان؟

لو القينا نظرة بسيطة على أداء العراقيين في وظائفهم المدنية وأسلوب إدارتهم لمؤسساتهم العسكرية نجد وبما لا يقبل الشكل أن الواحد منهم يتصرف بما يبعده عن أية احتمالات للمساءلة أمام الدولة والأعلى في السلم القيادي وعلى أساسه لا يتحمل مسؤولية أي قرار فيه شك يسحبه لذلك حتى وان كان ضمن صلاحياته، وجاء هذا السلوك بسبب تدخل الدولة ممثلة برئاسة الجمهورية في تفاصيل نقل موظف بدرجة ملاحظ من محافظة إلى أخرى على سبيل المثال، وجاءت كذلك من ميل الرئيس والرئاسة إلى أسلوب العقاب السريع والارتجالي دون اكتراث لاحتمالات البراءة وكذلك من افتراضها النوايا السيئة عند الآخرين وشكها المستمر  في سلوكهم، وهذه إجراءات دفعت مع غيرها العراقيين إلى التلكؤ في اتخاذ القرار وعدم الميل إلى المبادرة تفاديا لتحمل المسؤولية وانعكست آثارها سلبيا على رغبتهم ودافعيتهم في المطالبة بحقوقهم وستؤدي حتما إلى التأخير في اعادة بناء بلدهم المدمر.


الخاتمــــــــــة

مر العراق بظروف غير طبيعية يتحمل صدام حسين المسئولية الأكبر في حدوثها، وهي ظروف شكل استمرارها ضغوطا على عامة العراقيين لمستوى غَيّرَ من اتجاهات إيجابية كانت موجودة لديهم وكون أخرى جديدة بنفس المعايير السلبية أو أكثر منها حدة، وهذا بطبيعته يخل بالنظام القيمي، لأن المحافظة عليها أي القيم أو اكتساب غيرها يأتي أساسا من التمسك باتجاهات أو التفاعل مع آخرين يتمسكون بها، وهو خلل لم يقتصر تأثيره السلبي على الأجيال الحالية بل سيمتد إلى القادمة لأن القيم أنساق لها علاقة بالتنشئة الاجتماعية، والتنشئة عملية إعداد الفرد للحياة في مجتمعه الكبير والخلل فيها يعني إعاقة لذلك الإعداد. 

وإن نظرنا إلى مجتمعنا العراقي من الزاوية القيمية نظرة تحليلية دقيقة على ضوء النقاشات والاستنتاجات الواردة في أعلاه  نرى وبوضوح أنه مجتمع قد تصدعت فيه أكثر مقومات التوازن القيمي، وإذا ما وضعنا بالاعتبار أن المجتمع مرآة يرى الفرد فيها نفسه، نصل إلى حقيقة أن صورة الفرد عن نفسه قد تصدعت هي الأخرى.

وعلى هذا الأساس يمكن أن نفسر معالم سلوك العديد من العراقيين بالإبتعاد عن الألفة والمودة والمشاركة والتضامن والرغبة بالتغيير والسعي للإصلاح وأخذ يقترب أكثر فأكثر إلى القسر والأنانية وعدم تحمل المسئولية والشعور بالإحباط واليأس المستمرين، رغم التزامنا بحقيقة أن للسلوك عوامل أخرى تقرره غير القيم، لكننا وبنفس الوقت لا ينبغي أن نتجاوز حقيقة أخرى تؤكد أن هناك قيم لها بنيان يجعلها تدفع إلى السلوك أكثر من غيرها.

وعلى نفس الأسس يمكن أن نفسر ابتعاد البعض عن التفكير في الحلول المحتملة لمعضلة العراق وتوجه البعض الآخر للاتكاء على الأمريكان والإنجليز لأن يحلوا مشاكله ويخلصونه من الظالم، واكتفاء الآخرين بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى أن يقيهم شره ويعجل بالانفراج ورفع الغمة عن الجميع.

من كل هذا يمكن القول أن العراقيين جميعاً في دائرة للسلوك والقيم مغلق محيطها تتفاعل معطياتها مكونة أنواعا من السلوك وأنساقا من القيم تصب في روافد بقاء الظلم والقهر والابتزاز وتزيد من الثمن الذي يدفعه الناس من حاضرهم البائس ومستقبلهم المجهول. وقبل أن ننهي حوارنا هذا عن القيم والتغير الذي حصل فيها علينا التنويه أن ما تم تناوله ليس مسحا لكل القيم الموجودة في مجتمعنا، ولا تقديرا لنسب التحوير ومقادير التصدع الحاصل  فيها بل جاء البعض منها أمثلة على سبيل الإيضاح وإشارات لغرض الاستنتاج، لغايات بينها:

1.  وضع الحقائق كل الحقائق حتى المؤلمة منها أمام العراقيين.

2 . المساعــدة في توضيـح الصورة المرسومــة للواقــع المعاش. 

3.  رغبة في أن يتحمل كل عراقي نصيبه في إعادة رسم هذه الصورة المشوهة  أي تغيير الواقع وبحسب قدراته المتاحة.

والأهم منها التحسب لمستقبل عراقي سيكون أكثر إضطرابا بسبب هذا التصدع بالنظام القيمي، وأكثر فداحة لثمن ققد يعجزون عن دفعه في المستقبل المجهول.  

  

المراجع

1. جورارد ولندرزمن (1988) الشخصية السليمة، ترجمة حمد الكربولي وموفق الحمداني، بغداد، جامعة بغداد، كلية الاداب.

2. حنا، عزيز ، والعبيدي ، ناظم (1990) علم نفس الشخصية، بغداد، جامعة بغداد.

3. عبد الغفار، عبد السلام (1973) في طبيعة الانسان، القاهرة: دار النهضة العربية.

4. عثمان، سيد احمد (1970) علم النفس الاجتماعي التربوي: المسايرة والمغايرة، القاهرة: الانجلو المصرية.

5. كمال، علي (1983) النفس: انفعالاتها وامراضها وعلاجها، بغداد: دار الواسط.

6. مليكة، لويس كامل (1970) سيكولوجية الجماعات والقيادة، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية.


الزمان. العدد 3063 الأحد 3/8/2008


6/4/1999