اللا تجانس في التركيبة الإجتماعية العراقية، وسبل التعامل


عام 

1. تتشابه المجتمعات البشرية في نواح معينة، وتختلف في أخرى بينها العراق الذي يتميز بتركيبة إجتماعية تفتقر إلى التجانس وبحدود بدأت واضحة عند التعرض إلى ضغوط عدم الأستقرار، وبالحدود التي أعطت كل جماعة من تلك الجماعات التي تشكل تركيبته طابعا يمكن أن يميزها نسبيا عن غيرها من حيث الأهداف، وأحيانا الأفكار، والتقاليد.

فأهل الجنوب الذين وضعوا لأنفسهم تطلعات الأستثمار الأوفر لظروف التغيير، لتعويض سني الشعور بالعوز والحاجة والإهمال المتعمد يختلفون عن أهل الموصل في هذا الجانب، والبصاروة يختلفون في بعض التقاليد عن أهل العمارة، وسكنة الأهوار من العشائر لديهم بعض العادات، والقيم تختلف عن تلك العشائر التي تسكن الصحراء، وغيرها معالم تحتم أن يكون:

أ. النظر إلى موضوع التجانس نظرة واقعية.

ب. أسلوب التعامل من قبل السياسيين، والقادة الحكوميين مع الأبناء "التركيبة الإجتماعية" منسجما وتلك الأفكار والمعايير، والأهداف والتطلعات.

ج. السعي إلى التأسيس على قاعدة من المساواة في النظرة إلى الأبناء.

خاصة في الفترة الحالية التي تشهد نوع من الشد والجذب بين الجميع على اساس عرقي وطائفي يمكن أن يسحب البلاد إلى حافات الحرب الأهلية.

2. مع كل حالات الاختلاف، ومعالم الشد الموجودة فإن عدم التجانس مسألة لا يمكن تعميمها على العراق بشكل مطلق، ولا يمكن أن تكون درجاتها متساوية في كل المناطق، إذ تؤشر الوقائع والأحداث أن هناك أستثناءات لمناطق كان فيها قدر من التجانس على الرغم من أختلاف الأصول المذهبية والعرقية لسكنتها، وهناك مناطق لم تصل فيها شدة عدم التجانس إلى مستوى إثارة العداوان والحقد بالضد من البعض، مثل الأماكن المختلطة، والتي أدى أختلاطها إلى القبول المتبادل لبعض العادات والمعايير، وحَتّمَ أن يتجه الأبناء إلى الوسط في الحكم عليها في كثير من الأحيان.     

3. إن العراق ومثل غيره من المجتمعات فيه منظومة قيمية عامة يشترك فيها غالبية أبناء التركيبة الاجتماعية المذكورة، وفيها من العادات والتقاليد التي تتفرد فيها جماعة دون أخرى الأمر الذي جعل التعامل فيما بينها من جهة، وبينها وبين الآخرين من القريبين والبعيدين "الحكومة، والسياسيين، وقوات متعددة الجنسيات" من جهة أخرى يختلف من جماعة إلى ثانية في بعض الأحيان، ومن منطقة إلى أخرى، وجعل إتجاهات أبنائها نحو الحكومة والأجانب، وكذلك نحو السياسيين مختلفة أيضا، وهذه مسألة ليست جديدة، إذ نرى على سبيل المثال إن الظروف السياسية للبلاد منذ العهد العثماني، وما بعده الانتداب البريطاني، والحكم الملكي، والجمهوريات المتعاقبة بعد عام 1958 دفعت أبناء التركيبة الاجتماعية العراقية إلى أن يختلفوا بالنظرة إلى الحكومة من حيث الرفض، والقبول، وسبل الاتصال وإدامة التواصل، وبالمحصلة تكونت آراء، واتجاهات لم تكن موحدة في هذا الجانب رغم أن الثلاثين سنة الأخيرة قد عززت في العقل الجمعي العراقي بشكل عام اتجاهات فيها قدر من القلق والتوجس من الحكومة يكاد يكون شاملا لعموم العراقيين مع بعض الأستثناءات البسيطة.

وفي هذا الجانب تؤكد وقائع التاريخ على سبيل المثال أن سكنة الوسط والجنوب وطيلة الحكم الملكي وغالبية الجمهوريات ينظرون سلبا إلى الحكومة، وإلى مستوى حرَمتْ مرجعياتهم الدينية العمل الرسمي فيها في بداية تأسيس الدولة، وبالمقابل بدأت النظرة سلبية لسكنة مثلث الجزيرة من الحكومة بعد التغيير عام 2003 مباشرة، ووجه بعض رجال الدين القريبن من السياسة بمنع التطوع في أجهزتها الأمنية والعسكرية، وقبل أن يتبينوا أثر الديمقراطية.

وكأن التاريخ يعيد المواقف من الحكومة إلى عام 1921.

وكأن الحال أصبحت معكوسة بعد عام 2003 بان فيها المعارضين آنذاك داعمين في الوقت الحاضر، والداعمين معارضين حد أستعمال السلاح.    


الغاية 

4. إلقاء الضوء على بعض مؤشرات اللا التجانس في الواقع العراقي، وسبل التعامل مع تركيبته الاجتماعية حكوميا، وسياسيا، مشروع مطروح للنقاش.


نظرة في بعض جوانب اللا تجانس في الواقع العراقي   

5. إن النظر إلى الواقع العراقي نظرة متفحصة يدفع إلى أن يكون تناوله من زوايا مختلفة بينها:

أ. الخصائص الشخصية 

العراقي مثل غيره من البشر، وكبعض منهم، وهو في نفس الوقت ليس مطابقا لأي منهم، خاصة في مجال العادات والتقاليد والقيم التي تكونت عبر تعرضه طويلا لخبرات حياتية كان بعضها قاسيا إلى حد أكسبه خصائص قسم منها قد يكون غير ملموس في مجتمعات عربية، وغربية على وجه الخصوص مثل:

أولا. تقديراته للظلم وقياسه لمعالم الاضطهاد مآسي يعيشها، ويندر أن يتذمر من وجودها في العلن، بل ويمارس قسم من الناس بعض مفرداتها تسلطا على الآخرين أي تقمص شخصية الظالم.

ثانيا. تحسسه للخوف والرعب، وقدرته العالية على التكيف لانفعالاتهما.

ثالثا. تقبل الواقع المعاش وكأن البعض يستطعم الهموم أو يستهويها.

رابعا. القدرية، واللامبالاة، والإيمان بالأمر الواقع وكثرة التبدل أو التلون.

خامسا. المدح حد المداهنة، والذاتية حد النرجسية، وسعة هامش التبرير.

سادسا. البساطة، والطيبة، والاستعداد إلى منح الثقة، وسهولة الانفتاح على الآخرين.

ب. التركيبة الاجتماعية

أولا. قوميا

يتكون العراق من العرب جماعة ثقافية تشكل غالبية سكانه، ومن بعدهم الأكراد جماعة فرعية، يليهم التركمان ومن ثم أقليات قومية أخرى مثل الآشوريين، وغيرهم. وهي جماعات لكل منها ثقافتها ودرجة انتمائها وقيمها وتقاليدها، رغم اشتراكها جميعا ببعض القيم والتقاليد.

ثانيا. دينيا

يشكل المسلمون الجماعة الثقافية الغالبة من سكان العراق، ومن بعدهم المسيحيين، والصابئة، واليزيديين جماعات فرعية تقل كثيرا عن المسلمين، ومن الطبيعي أن يؤثر الدين ومفاهيمه على سلوك تلك الجماعات بشكل ملموس، وينتج قيما ومعايرا تختلف من جماعة إلى أخرى في بعض الأحيان.

ثالثا. مذهبيا 

في داخل تلك الجماعات الفرعية هناك شيعة وسنة بالنسبة إلى المسلمين، وهناك كاثوليك ومن بعدهم الارثدوكس بالنسبة إلى المسيحيين، رغم أن المذهبية في الديانة المسيحية في العراق غير ذات أثر واضح على السلوك بشكل عام.

رابعا. أخرى

هناك في التركيبة الاجتماعية العراقية تفرعات أخرى يمكن أن تميز جماعات ببعض الخصائص والتقاليد مثل القبيلة والعشيرة والفخذ، وإذا ما توغلنا أكثر في المفهوم الخاص بالتركيبة الاجتماعية العراقية نرى بعض الخصوصيات ذات الصلة بالمنطقة أيضا أو بمعنى آخر هناك اتجاهات جماعية ولو بشكل محدود تهيمن أحيانا على مشاعر، ومواقف بعض المحافظات العراقية بدرجات متفاوتة وعلى أساسها أطلقت صفة للانتماء لبعض المحافظات تقترب إلى حد ما من مفهوم الثقافات الفرعية مثل "المصالوة، والتكارتة، والدليم، والبصاروة، والنجفيين ... الخ، وبسبب عدم التوازن في التعامل تكونت لكل جماعة أهدافها وتطلعاتهان ومن ثم بعض قيمها وتقاليدها الخاصة.  

ج. التركيبة السياسية 

العراقيون يقرأون أكثر من أقرانهم في المنطقة "ماقبل ثمانينات القرن الماضي على اقل تقدير"، ونتيجة لقراءاتهم هذه، والظروف السياسية التي عاشوها طيلة القرن الماضي وما سبقه منذ الحكم العثماني بتأثيرات أقل، ورغبتهم في المشاركة والحصول على المكاسب في المواقع تكونت في داخلهم ميولا تبدو وكأنها متقاطعة، إذ تشير الوقائع على أن العديد منهم:

أولا. ميالين إلى العمل السياسي، وإنهم في نفس الوقت "إذا ما تعرضوا إلى الضغط" مستعدين للوقوف بوضع المتفرج على ما يجري من حولهم.

ثانيا. في العمل السياسي يطمح المنتمون أو نسبة غير قليلة منهم إلى أن يكونوا في القمة.

ثالثا. من الصعب إرضائهم أو رضاهم عن ما يجري في محيطهم.

رابعا. من الصعب انصياعهم إلى الأعلى طوعيا.

الأمر الذي أربك عملهم في السياسة، فتوجه غالبيتهم إلى حزب البعث في سبعينات القرن الماضي وما بعدها على سبيل المثال عندما كان في السلطة، وتخلوا عنه سريعا بعد لتغيير عام 2003، وتوجه كثير منهم بعدة اتجاهات مدفوعين بالرغبة في المشاركة، والسعي إلى الحصول على المكاسب، والتربع في المواقع الأعلى فتسببوا في حالة من الفرقة والتشتت، تناغمت مع التوجهات والنوايا الخارجية فأدت إلى إرباك العملية السياسية، وإعاقة الإنتقال إلى الديمقراطية.            

 

الأجنبي في العقلية العراقية 

6. عند مناقشة موضوع اللا تجانس وما تبعه من سلوك شعبي فوضوي بعد التغيير لابد من التعريج على وضع الأجنبي في العقل العراقي بأعتباره طرفا في عملية التغيير، وأحد اللاعبين في الأحداث التي أعقبته، والبداية تنويه إلى أن العراقيون تعاملوا كثيرا مع الأجنبي عبر تاريخهم الطويل، وكانت أرضهم بؤرة توتر وصراع وساحة معارك بين أمم ودول وإمبراطوريات أجنبية، دفعت إلى أن تكون اتجاهاتهم نحو الأجنبي اتجاهات متداخلة تعتمد على:

موقف الدين والمذهب والدولة أحيانا.

وأقل منها المنفعة الذاتية أحيانا أخرى.

وهي بوجه العموم إتجاهات تعامل يمكن تقسيمها تبعا للمراحل كما يأتي:

أ. لغاية عام 1958 كانت تتميز بقدر مقبول من التودد، والانفتاح والرغبة بالاختلاط، بل والتقليد دون تحسس.

ب. مابعد عام 1958 حتى عام 1968 كانت هناك إنعطافة كبيرة في النظرة إلى الأجنبي الذي حملته قوى التغيير إلى الجمهورية مسؤولية التخلف، واقرنت قوى اليسار السياسي وجوده بالأستعمار والأستغلال، فأسست معالم توجس وعدم ثقة من وجوده والتعامل الشعبي معه، وإن خفت حدتها في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي.

ج. بعدعام 1968 ونتيجة للعزل الذي عمله حزب البعث الجناح العراقي، وقسوة الأحكام التي تصدر على من يتعاملون مع الأجانب، تعززت معالم التوجس وعدم الثقة أكثر، وتأسست تدريجيا إتجاهات يشوبها الخوف، والتجنب، مقرونة بالحسد، والرغبة بالتقليد، مع مشاعر عدوان بالضد في بعض الأحيان.

د. بعد 9/4/2003، وكنتيجة حتمية لعملية التغيير على يد التحالف "الأجنبي" فقد تغيرت سريعا لتكون في السنة الأولى إتجاهات بين نسبة ليست قليلة من سكنة الوسط والجنوب يغلب عليها التقدير، والتودد، والعرفان بالجميل، والرغبة بالتقليد، وبين الأكثرية من سكنة مثلث الجزيرة يغلب عليها الشك، والحقد، وعدم الثقة. 

عموما إن تلك الاتجاهات لم تستقر عند حدود معينة بسبب:

أولا. قصر فترة الهدوء التي أعقبت التغيير مباشرة، وعدم التمتع بمنافع التغيير.

ثانيا. أخطاء التعامل التي أرتكبتها قوات الأحتلال، وعاودت إرتكابها في أكثر من مجال والتي يرجع قسم من السياسيين بعضها إلى العفوية حيث المسافة في جوانب الثقافة السائدة، ومستوى التحضر بين الغرب والمجتمع العراقي البعيدة زمنيا، مما جعل  الغربيين من منتسبي قوات الإحتلال، والسياسيين المعنيين بإدارة العراق لمرحلة ما بعد التغيير "وإذا ما أحسن الضن" غير قادرين على التعامل مع الواقع المعاش بضوء المعايير القيمية، حتى إنهم لم يتصوروا أو لا يمكنهم تصور أن نزع العقال من على رأس رجل في الريف لتفتيشه في نقطة سيطرة أو مدخل مقر حكومي على سبيل المثال تعني اهانة لا تعوض إلا عن طريق الانتقام أو الفصل العشائري" أي تقديم تعويض مادي أو معنوي يلغي الرغبة في الانتقام".

وإن التجاوز على أموال الدولة أو سرقتها في بعض مناطق الريف، ولفترة زمنية قريبة يغض الدين المحلي الطرف عن حصولها، وتعد شجاعة يجري التفاخر بها بين المعنيين، وليس ذنبا يحاسب عليه الضمير.

ثاثا. تدخل قوى الإرهاب المضادة التي كونت بأستخدامها العنف المفرط والأنتقام ردعا في العقلية العراقية العامة، أعاد بعض اتجاهات الرفض، وعدم الثقة بالأجنبي وتجنب التعامل معه عند الكثير من العراقيين إلى مرحلة ما قبل التغيير.           

7. لقد وفرت التكنولوجيا الحديثة فرص جيدة للتعرف على الأرض، والطبيعة، وعلى الاستعدادات، وأعطت المعنيين قدرة فائقة للمتابعة والرصد، لكنها ومع ذلك بقيت قاصرة حتى الآن عن التعرف على النوايا الذاتية، وعلى ما تضمره النفوس من تجاوب أو نفور، خاصة في مجتمع مثل العراق فيه الازدواجية والقدرة على تبديل المواقف والآراء عالية بدرجة كبيرة، والتعرف على ما في النفوس في مثل هذه الحالات يتم فقط من خلال التقرب من المجتمع، والتعامل معه بضوء عاداته، وتقاليده ورغبته في إشباع بعض الحاجات، وعلى هذا الأساس يمكن القول أن جميع الأطراف المساهمة في إدارة عملية الصراع على الأرض العراقية يحتاجون إلى المعرفة الصحيحة بالواقع العراقي على المستوى الاجتماعي"قيم، أعراف، تقاليد، معالم سلوك" لأنها ستقلل من هامش الخطأ في التعامل الذي يكلفهم والمواطنين خسائر كبيرة من جهة، وتقرب المسافة بين الطرف الحكومي، والسياسي المعني بالتعامل مع المواطنين من جهة أخرى، لأنها ستوفر عاملي الثقة، والاطمئنان التي يضعها العراقي في أعلى أولوياته في التعامل مع الآخرين من الحكومة وممثليها وكذلك مع السياسيين، وقوات الأحتلال الموجود على الأرض حتى وقتنا الراهن، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن الشك بالآخرين، والتوجس في نواياهم هي من الخصائص التي تحتل حيزا ليس قليلا في الشخصية العراقية.


تفعيل اللا تجانس الإجتماعي لمرحلة ما بعد التغيير

8. من خلال العرض البسيط أعلاه يتبين أن هناك بذور من اللا تجانس كانت موجودة أصلا في البيئة العراقية لكنها غير فاعلة بالقدر الذي يمكنها من إثارة أزمة باستثناء ما يتعلق منها بالعلاقة بين الأكراد والحكومة التي تصل بين فترة وأخرى إلى مستوى الصدام الذي يزيد من شدة اللا تجانس تدريجيا، هذا وتعود عدم الفاعلية إلى عدة أسباب بينها:

أ. قوة السلطة الضابطة " الحكومة" بالمستوى الذي يحدث الكف عن العمل الذي تسعى إلى القيام به الجماعة الفرعية تبعا لمعاييرها ومعتقداتها سواء ما كان يتعلق منها بتحقيق الوجود وإثبات الذات، أو ماله صلة بالممارسة الطقوسية كنوع من الترويح النفسي والتقرب الديني، كما كان يحصل للشيعة في عاشوراء في زمن حكم صدام.

ب. طول المسافة الزمنية بين الأحداث المثيرة  للتوتر، أي أن المجتمع لفترة زمنية ليست قصيرة يسير بوتائر سير إنسيابية تقل فيها الأحداث المثيرة للتوتر والإنفعال الجمعي، وهي فترة توفر عادة فرص للعيش والتزاوج، وتبادل المصالح تقرب بين الجماعات وتسهل عملية تجانسهم.

ج. عدم حاجة الإدارة المعنية إلى استخدام الفرقة كوسيلة للسيطرة والسيادة، إذ وعند أستثناء فترة حكم صدام، لم يكن غيره من الحكام قادرا على الإتكال على الحزب الواحد، والعشيرة والقرية فقط في إدارته لشون البلاد والتي تثير بطبيعتها الجماعات الأخرى بالضد "تفعيل اللا تجانس" وإن رغب البعض في ذلك تحت دوافع معينة فإنه يلجأ إليها بحدود لا تسمح بتفعيل اللا تجانس كما حصل في زمن عبد السلام محمد عارف.

د. محدودية الوجود الأجنبي ميدانيا، إذ إن العراق وقبل 9/4/2003 لم يشهد تواجدا للأجنبي بهذه الكثافة والتنوع، وفقدان السيطرة، الأمر الذي جنبه في تلك المراحل الزمنية العامل الأجنبي في تفعيل اللا تجانس من خلال الركون إلى جهة دون أخرى في التعامل، والتفريق بين الجماعات، والإعتماد على البعض من الأشخاص المحسوبين على جماعات، وهكذا توجهات لأغراض التسهيل في عملية السيطرة وبسط النفوذ والتي تؤدي إلى تفعيل اللا تجانس.       

9. من العرض المذكور يمكننا الإشارة إلى أن هناك عوامل لا تجانس كانت موجودة في المجتمع العراقي، لكنها بقيت كامنة إلا في بعض الفترات التي ظهرت على السطح بأشكال متعددة إثر حصول أحداث مثيرة كما هو الحال عام 1959 في الموصل وكركوك، والإنتفاضة عام 1991، ويمكن الإشارة أيضا إلى أن أحداث التغيير عام 2003 كانت كافية من حيث الشدة لتفعيل اللا تجانس بعد أن تظافرت عدة عوامل منها:

أ. أخطاء الإحتلال

دخل الأمريكان العراق مع قوات تحالف دولي في 20/3/2003 في حرب مع صدام حسين، وهم يمتلكون معلومات استخباريه دقيقة، وقوة ردع هائلة، وإمكانات مادية جيدة، لكنهم وفي نفس الوقت لم يحملوا معهم خبرات تعامل اجتماعية ملائمة لشعب بمجموعات ثقافية متعددة، وظروف عيش صعبة ومعنويات مضطربة، الأمر الذي أوقع قياداتهم الميدانية، ومستشاريهم، وسياسييهم المتعاملين مع الإنسان العراقي في الشارع، وفي المؤسسة، وأحيانا في الحكومة بأخطاء تكررت كثيرا يعود بعضها إلى: 

اولا. تبديل بعض القيادات خاصة الميدانية قبل اكتسابها الخبرة الإجتماعية الملائمة للتعامل الصحيح مع ابناء المنطقة التي يتواجدون فيها.

ثانيا. عدم إعارة موضوع التعامل القيمي مع العراقيين الأهتمام المطلوب أو الذي يلاءم قيمهم وخصائصهم النفسية.

ثالثا. تكرار الأخطاء الميدانية مع التباطؤ في حسم الصراع مع الإرهاب.

رابعا. إبقاء بعض القضايا المثيرة معلقة دون حسم لموضوعها مثل مصير منتسبي الجيش السابق، وقوى الأمن، وبقايا البعثيين، وغيرها أخرى أوقف التغير الايجابي للاتجاهات نحو الأجنبي بشكل عام والأمريكي على وجه الخصوص وأعاد إلى الأذهان بنسب ليست قليلة معالم الشك، وعدم الثقة، وعديد من المصطلحات "السلبية" التي كانت سائدة في العقل العراقي قبل التغيير.        

ب. أخطاء السياسيين المعارضين

إن المحاصصة والتحزب للفئة والجماعة والطائفة لم تكن بدعة جاء بها الاحتلال بعد حدوث فعل التغيير، بل وكانت إتجاهات للتعامل سارت عليها المعارضة العراقية منذ تأسيسها وحتى مشاركتها في الحكم زمن بريمر وأستلامها له من بعده، إذ يرى المتتبع أن تجربتها في العمل كانت تتأسس على:

أولا. شريحة كردية واسعة، تليها شيعية ملموسة، نظمت نفسها في كتل وأحزاب أخذت الطابع القومي الكردي، والديني الشيعي، في حين أقتصر الوجود السني على شخصيات لم تتمكن من أستقطاب عدد يكفي من الأفراد يلائم وجودهم لإنشاء تكتلات سنية تكافئ التكتلين المذكورين، ومع هذا الخلل الواضح، وعدم التكافئ بقي الوجود السني مطلوب لأغراض التعامل مع العالم الداعم ولأغراض إعلامية تسبب في المحصلة إلى وجود  التوجه لتوزيع الأدوار أو الأماكن مهدت إلى تعامل على أساس المحاصصة.

ثانيا. ضعف التيار الليبرالي بالمقارنة مع الأحزاب الدينية والقومية وأصابة بعض قادته بداء الذات المفرط، وجمهوره بالوهن وقلة الدافعية، والفرجة التي دفعت جميعها إلى تمزيقه وتجزأته حدا لم يتمكن من خلاله بمجارات الأحزاب الدينية ذات التنظيم المحكم والدعم الشعبي الواسع، كما إن هذا التيار أو رموزه المعارضين لم يتلقوا الدعم السياسي والمالي إلا من الأمريكان وهو دعم أثار الجمهور بالضد منهم حتى التبادل المعلن للاتهامات، وزاد من الفرقة والأبتعاد عن المركز.

إن ظروف المعارضة السياسية، وتقسيم أماكن وجودها، ومنافذ عملها، ومصادر دعمها أسهمت في توزيعها وأنقسامها طائفيا وقوميا وشكلتها بالطريقة التي دخلت فيها العراق بعد التغيير أحزابا وكتل يغلب عليها اللون والواحد، وإن حاولت إحداها زيادة عدد الألوان في داخلها يحسب المتفرجون والمتعاملون معها اللون تبعا لقيادتها الأعلى أو الرأس في قيادتها.       

ج. أخطاء السياسيين بعد التغيير 

لقد أعتمد بريمر في حكمه للعراق بالسنة الأولى لما بعد التغيير على المحاصصة التي أوجدتها المعارضة، وظروف العراق الخاصة، كما مذكور في أعلاه، وأسس على تسعة أحزاب أو جماعات بينها من أنشأ حديثا لأغراض الموازنة في توزيع المناصب لمستوى الوزراء، ووكلاء الوزارات، والمدراء العامين والسفراء بطريقة وضعت تلك الجماعات:

اولا. في دائرة الطلب لإكمال الحصة التي تثير بالمقابل الأطراف المقابلة لإكمالها، فتعززت صيغة المحاصصة في السلوك الحاكم للبلاد.

ثانيا. الرغبة في إملاء شواغر الحصة "طائفيا، وقوميا، وسياسيا" بالمتيسر من الأشخاص، أسلوبا أسهم في وجود البعض من غير المناسبين في أماكن حساسة، وعزز من سلوك الخطأ والفساد وأضعف قيادة الدولة.

إن اسلوب بريمر وجد أرضية تقبل من السياسيين الفاعلين على الساحة، لأنه يؤمن المصالح الذاتية القريبة، لكنه من زاوية أخرى أسس قاعدة تسابق "صراع" بين الجميع لليسطرة، والتوسع، ومد النفوذ فتشكلت أحزاب جديدة على أساس هذا المبدأ، وأنشق البعض عن أحزابهم لذات المبدأ، وفُتحت أحزاب أبوابها واسعة أمام الجميع لزيادة جمهورها الناخب، وتفننت في الترغيب لزيادة الأعداد على أمل توسيع حصتها في الانتخابات، وهكذا تورمت أحزاب، وأُختُرقتْ أحزاب، وأنتهت أخرى بطريقة غير صحيحة لم تمكن القادة السياسيين من تحديد صيغ عملهم الوطني الملائم لعموم العراق، ولم تمكن الجمهور من تحديد وجهتهم من الأنتماء الوطني الصحيح، فآثروا التوجه إلى الطائفة، والجماعة الفرعية بديلا عن الوطن فزادوا من الفرقة والتشرذم، فكان خطأ كبير، وكان أرتكابه محتوم في طريق العبور إلى المراحل اللاحقة.  

د. أخطاء الإدارة الحاكمة

إن أخطاء الإدارة الحاكمة أمتداد لأخطاء السياسيين القائمين عليها بعد أن قبلوا المحاصصة مرغمين، واعتمدوها مجبرين كطريقة وحيدة لتوزيع المسئوليات حتى اصبح سلوك العديد من الوزراء يطابق سلوك الكثير من السياسيين خارج منظومة الإدارة في مجال:

أولا. الرغبة في التوسع ومد النفوذ حتى أصبح قسم من الوزراء ووكلاء الوزارات أشبه بوكلاء لأحزابهم في تمشية معاملات التعيين لمد النفوذ في جسم الدولة الذي تضخم كثيرا دون القدرة على الانتاج.

ثانيا. الرغبة في الحصر والإحتكار بعد أن أصبح التعيين خارج الملاكات ودون توصيف، مقتصرا على الجماعة والطائفة التي ينتمي إليها الوزير حتى صُبغت وزارات بلون الطائفة والقومية فتعزز الشعور بالفرقة والأنقسام.

ثالثا. السعي لإمتلاك قوة التأثير من قبل البعض من الوزراء والمسئولين الذين مهدوا  لإدخال أفراد المليشيات خارج ضوابط القانون 91 لعام 2004 في جسم الوزارات فأنتقلت بالتدريج بعض الوزارات من وزارة عراقية خدمية إلى أخرى مقاتلة في صراع يصعب التعرف في مجاله على الأعداء الحقيقيين.  

إن صيغة المحاصصة والتقسم والتوافق المطلوبة أدت في ظل التدني بمستويات النضج إلى تقييد الحكومة، والأحزاب السياسية في آن معا أو بعبارة أخرى أصبح جميع المشاركين في الحكومة على وفق هذه النظرية مُقَيَّدين في خطواتهم ومساعيهم، ومُقَييدين لخطوات الحكومة، وأسهموا في إفشال أو تأخير خططها في الإصلاح وأعادة البناء.


سبل التعامل مع الواقع العراقي 

10. إن اللا تجانس معظلة معقدة أسهمت في وجودها عوامل خارجية وداخلية، وتجاوزها والآثار التي خلفتها لا بد وأن يتحملها العراقيون أصحاب المصلحة الحقيقية في تجاوزها، وهي وإن كانت صعبة لكن الركون إلى بعض الوسائل واساليب التعامل يمكن أن يسهم في حصرها بأقل الخسائر في الوقت الحاضر على أمل التخلص منها في المستقبل من بينها: 

أ. إقتناع السياسيين بعدم جدوى السير في طريق الفرقة والمحاصصة، واللجوء بدلا منها إلى الديمقراطية الفعلية في التعامل وإدارة البلاد. والأقتناع كذلك بأن التوافق يتأسس على التواد والتنازل وليس السعي للتوسع ومد النفوذ.

ب. أن تبدل الحكومات المعنية بإدارة البلاد من سبل التوظيف في دوائر الدولة ومؤسساتها، وتعاود العمل بمجلس الخدمة الذي كان موجودا حتى سبعينيات القرن الماضي.

ج. تبديل صيغة الأنتخاب على أساس القائمة المغلقة التي تجلب نواب من طائفة وجماعة وقومية، إلى صيغة التمثيل الفردي "نائب لكل مائة ألف شخص" التي تجلب نواب معروفين، وموثوق بهم من قبل الناخبين، يمثلون مناطق ومدن يعكسون طبيعة التركيبة الإجتماعية الصحيحة دون إثارة الشك الذي يثير اللا تجانس.

د. الأتفاق والسعي الجاد لحيادية القوات المسلحة، وإبعادها تماما عن التدخلات والخرق  السياسي، والعمل على إعادة المشاعر الوطنية لمنتسبيها، ودعم الشعب لوجودها قوى عراقية لحماية أمن البلاد.    

هـ. التعريف الحيادي والجاد بالواقع الحالي للعراق ماديا، واجتماعيا ليتسنى للمتلقين إدراك المخاطر والتقرب من مشاريع الدولة في إعادة الترميم.

و. العدالة المطلقة في التعامل مع الجمهور أمنيا وسياسيا.

ز. العمل على إبعاد العملية التعليمية من التسييس، والإبقاء على المدارس والجامعات منابع لرفد مؤسسات الدولة بالعقول العلمية المتجانسة، القادرة على قيادة النهضة، وعملية إعادة البناء الديمقراطي الصحيح.   

 

الخاتمة 

11. إن المجتمع العراقي مجتمع صعب، شهد تاريخه الطويل العديد من الثورات، وأنواع التمرد، وعدم الرضا، والرضوخ والانصياع، وشخصيات أبناءه في المتوسط شخصيات مركبة تحتل على سبيل المثال خصائص البساطة والميل إلى التعاون حيزا في الذات الإنسانية، وتحتل في نفس الوقت خصائص الرغبة في التسلط على الآخرين، وحب الذات المفرط حيزا لا تقل سعته عن الأول مما يزيد الأمر تعقيدا.

12. إن النجاح في تحقيق أهداف السيطرة، والإقلال من فاعلية اللا تجانس الموجودة حاليا على المستوى الميداني يأتي من خلال السيطرة على الموقف، وتجاوز معالم الصعوبة، والتعقيد في تركيبة العراق الاجتماعية، وخصائص الأبناء الشخصية وهي مسالة تتم من خلال المعرفة الدقيقة بتلك المصاعب والتعقيدات وتحديد سبل التعامل الصحيح من قبل المعنيين وبكافة المستويات.

13. إن الدراسة أعلاه هي عبارة عن مشروع مطروح للنقاش يمكن تطويرة لاحقا من خلال التوسع في الدراسة والبحث ليكون أكثر فائدة للجمهور التائه، وللحكومة المقيدة، وللسياسيين المساهمين في العرقلة والتقييد.    


تشرين الثاني 2005