العوامل النفسية في المصالحة العراقية وجوانب الإعاقة والتفعيل


مجتمع ما قبل المصالحة

1. لم يكن المجتمع العراقي مستقرا من الناحية الأمنية والسياسية والأقتصادية لنصف قرن من الزمان، ولم يكن العراقيون في معظمهم مقتنعين بوقائع وظروف عيشهم للعقدين الأخيرين من حكم صدام، ولم يكن العالم من حولهم في المحيط الإقليمي والعربي منصفا في النظرة لمشاكلهم، ولم يكن تجانسهم الإجتماعي محكما، ولم يكونوا هم بطبيعتهم عبر تاريخ عيشهم الطويل سهلي الإنقياد. عوامل أستنزفت قدراتهم، وكونت في داخل العديد منهم قدرا من التناقض الوجداني * المثير للتوتر، زادته  شدةً، الصدمة الإنفعالية للحرب عام 2003، وما نتج عنها من صراع في النفس العراقية بين القبول بالحرب وسيلة تغيير وحيدة لخلاص مرغوب، وغد أفضل مطلوب، وبين رفضها وسيلة قهر وتدمير، ومستقبل مجهول.  

وعمم حصوله بين الجمهور سرعة تغيير نظام الحكم من الدكتاتورية المفرطة "صدام" إلى الديمقراطية المنفلتة "سلطة الإحتلال" وما تمخض عنها من مشاعر متباينة بين المسرة الناتجة عن تبديد الضغوط المقيدة للوعي، وبين النفرة المقيتة لإدارة المحتل المباشرة للبلاد.

كذلك بين مشاعر الربح الناجم عن مشاركة الغالبية في الحكم، وبين الإحساس بالخسارة المتأتية من فقدان الأولوية في الحكم.  

وعززه الغياب المفاجئ لسلطة الأمن الضابطة، وما تسببته من متعة إثر التخلص من هاجس الخوف للبعض الأعم، وأسى البعض الآخر بعد أنهيار أسس الأستفادة والإرتكاز.   

2. لقد تفاعلت ترسبات الماضي وما تحمله من تناقضات، مع وقائع الحاضر وما تحويه من صراعات، وسط مجتمع منهك القوى، ومهيئ مسبقا لتقبل حصولها، بحكم الإنجذاب بطبيعة أفراده إلى الإنفعالات التي تروح عنهم، ومحاولاتهم الغريزية للكسب والإستغلال، فكونت حالة نفسية واسعة الأنتشار قوامها التوتر الإنفعالي، وأساسها السلوك العدائي الذي يقترب عند البعض غير القليل من الإضطراب (1)، وتباينت أشكالها "الحالة" ومستوياتها شدتها من شخص لآخر ومن جماعة لأخرى، حتى أضحت في الأشهر الأولى التي أعقبت التغيير عند العموم حالة تقترب من التهيج الإنفعالي الذي أختلطت فيه مشاعر السرور برغبات التعويض.

وعند قيادات النظام، وأجهزته الأمنية، والأقرباء وضعٌ يتسم بتوتر شديد فيه مشاعر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

* التناقض الوجداني حالة إنفعالية تكونها ظروف العيش الضاغطة، تعبر عن وجود الشيئ ونقيضه داخل النفس فيما يتعلق بالمشاعر "الحب والكره"، والرغبات "القبول والرفض" والتمنيات "الحلال والحرام" والتوجهات "إقدام وإحجام" وغيرها التي تفضي إلى التوتر وعدم الإرتياح (2). 

الخوف من الإنتقام قد أمتزجت مع قلق المجهول.

وعند السياسيين الجدد "معارضو صدام" نشوة المسرة المفعمة بالأمل غير المقيد بحدود المعقول واللامعقول.  

إنها حالة تشير بعض الأدبيات النفسية إلى أن مستوياتها الشديدة أي التي يتجاوز فيها الإنفعال بجانبيه السلبي ذو الصلة بالخوف والخشية وغيرها، والإيجابي الممتد إلى البهجة، والمسرة وغيرها، الحدود الطبيعية يؤدي إلى زيادة الطاقة المبذولة في العمليـات الثـلاثة المكـونة لتركيبته (الوعـي، السـلوك الصـريح، الأسـتجابات الفسيولوجية)، وتشير أيضا إلى أن العلاقة بين هذه العناصر الثلاثة غير متسقة لذا تؤدي الزيادة الحادة في مستوياته إلى قوة إحداها وضعف الأخرى "تبعا لمؤثرات المحيط الضابطة" (3) وفي حالتها قد يتجه الشخص المنفعل بشدة أو المجموعة المنفعلة بقوة على سبيل المثال إلى أعمال الإنتقام أو أستخدام السلاح كأستجابة فسيولوجية في التعامل مع الموقف المثير في حال توفر الظروف المحيطة، أي أنها أستجابة قويت على حساب مركب الوعي الذي ضعف فأضعف السلطة الذاتية الضابطة "الضمير" في السيطرة على ذلك السلوك العدائي، وهو سلوك سرعان ما ينتشر بين الجمهور القريب في حال عدم تدخل السلطة الضابطة فورا لتقوية مكون الوعي "معاقبة السلوك الخطأ" تمهيدا لإطفاءه بتكرار العقاب الرادع في الزمان والمكان المحددين، وانتشاره يسمح بإنطلاق الغرائز بإتجاه الإشباع غير المقيد  للحاجات خارج سلطة الذات سواء منها المؤجلة من الماضي "تعويض" أو المساعدة للتقوية وإثبات الوجود الحاضر"تعزيز" فتعم الفوضى وينتشر الإضطراب.

3. إن الإنفعال الشديد في ظروف الحرب والتغيير إلى واقع جديد مسألة طبيعية في كل المجتمعات البشرية، إلا إن غير الطبيعي فيما يتعلق بالعراق هو عدم التدخل السريع والحاسم لمستوى إتهام البعض سلطة الإحتلال بعد 9/4/2003 بالتغاضي عن تطوراتها السلبية عندما أبقت الشارع العراقي المنفعل خارج معايير الضبط، والسيطرة "إنفلات" في الأيام الأولى على وجه الخصوص.

وأوكلت مهام السيطرة على الشارع الذي تزايدت في محيطه شدة الإنفعال، إلى العسكر "قوات الإحتلال" بدباباتهم الثقيلة، وقواتهم المحمولة، والراجلة في الأشهر اللاحقة.

وعندما عَبَرتْ رسائل نفسية غير صحيحة إلى العقل المنفعل في الشارع غير المستقر، دَعمّتْ أي زادت السلوك الخطأ قوة على حساب الوعي في مكونات الإنفعال، وتمادت بإرتكاب بعضها حد عدم التعامل مع أعمال التجاوز على المال العام، وبيع السلاح في الساحات والشوارع العامة بشكل علني، وكذلك حل الجيش والأجهزة الأمنية بالقرار الرقم 2 في 23 ذار 2003 (4)، والتفضيل في التقريب والإبعاد من المركز وسلطة القرار، ومكاسب التغيير، ومن ثم تعميم فكرة الإجتثاث على شريحة واسعة من العراقيين، والمحاصصة في الإدارة، وتسير شؤون الحكم في البلاد.

إن تلك الأجواء وتفاعل المتغيرات، وشدة التناقض الوجداني في ظروف ضعف الضبط والسيطرة إثار الكثير من معالم الخلاف، لم يأبه المعنيون بها، حتى تركوها جانبا وهم مشغولون بالحكم وإدارة شؤون البلاد، ولم يدركوا تأثيراتها على الحكم ومستقبل العراق، حتى أستفحل أمرها بشكل فاق القدرة المتاحة على الحل، إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار أن تراكم الخلافات وإن كانت إعتيادية وأستمرار بقائها فترة أطول وعدم تيسر الحل السريع لجوانبها، يسمح بتضخيمها في العقل الذي يَشرع من جانبه بصياغة الحلول التي يراها تؤمن أهدافه، فتتسع الهوة ويزداد التعقيد ويتحول الخلاف الإعتيادي إلى أختلاف تنافري "خصام إجتماعي"، وهذا ما حصل في الساحة العراقية التي جذبت بسبب ذلك الإختلاف لما بعد التغيير مباشرة قوى إرهاب وتكفير "خارجية" ترى في القتل والتخريب، والإلغاء وسيلتها الوحيدة لفرض الحلول في ساحته التي تسعى جاهدة للبقاء فيها واحدة، وتغيب الآخرين.

وجماعات مسلحة متطرفة "داخلية" ترى في القتل والتهجير والتفجير طريقتها الوحيدة لإملاء الشروط على الآخرين في ساحة لا تتفق في محيطها إلا مع الإسلاميين المتطرفين القريبن منها وتلغي الآخرين بالقوة. 

وأخرى وطنية "مقاومة" ترى بقتال الإحتلال حقا شرعيا يمهد للحصول على الحقوق، غلفت أهدافها وتحركاتها التعبوية بالشريعة والدين الذي يقربها من البعض في الساحة، ويبعدها عن آخرين لا يرون في فلسفتها الدينية أرضية مناسبة للتفاهم ووضع الحلول. 

وجذبت كذلك دول ترى جميعها في الإحتلال، وطبيعة الإختلاف الحاصل في ساحة تواجده "العراق" نوعا من الصراع يؤثر على مصالحها القومية، وهي وإن تحركت على أساس تلك المصالح والفهم المشترك لوسائل إدارة الصراع، لكنها قد سعت دون إستثناء إلى توسيع هامش تأثيرها في ساحة الإختلاف عن طريق الدعم، والتمويل، والمد المعنوي، والسياسي، والقتال بالإنابة.    

وجذبت أيضا مليشيات وأحزاب مشاركة بالعملية السياسية، وغير مشاركة ترى الدفاع عن مساهمتها ومكاسبها بكل الوسائل المتاحة بينها أستخدام السلاح أمر مطلوب، وتعتقد أن تقوية وجودها في الساحة من خلال التطويع وتكديس السلاح حتمي ومحسوب، فأسهمت في مضاعفة شدة الإختلاف حد الخصام المخل بالأمن الإجتماعي.  

وهكذا أمتد الجذب ليجد المجتمع العراقي الذي عاش ومازال تحت وطأة الضغوط أو غالبيته أنه دخل أو أُدخلَ دون وعي منه ساحة أختلاف شائكة فيها الخصام على أشده، وفيها العديد من الأبناء مؤيدين، ومعارضين.

داعمين، ومحرضين.

مقاتلين مدافعين، وآخرين مهاجمين.

ناقدين بحرقة، ومصفقين بحماس.

تناقضات وجدانية قل فيها الوسط العقلاني، وبعدت المسافة بين طرفي معادلة، حورت الخلاف إلى إختلاف تنافري، ما يدور في داخلها الأخطر على حاضر العراق ومستقبله، وأبقت تفكيكها السبيل الوحيد للخروج من هذا الخطر بجهد متعدد الأوجه يفضي إلى سلام إجتماعي متساند هو الأساس في المصالحة الوطنية.    


عوامل توسيع الإختلاف

1. خلال الفترة التي أعقبت التغيير أو بالمعنى الأدق بعد مايقارب العام من حصوله برزت على السطح بشكل ملموس محاولات أستخدام القوة المسلحة لتنفيذ أهداف الإختلاف بينها إفشال عمليته، وإعاقة الإنتقال إلى الديمقراطية بدأتها القاعدة التي وجدت لها حضنا آمنا في المنطقة الغربية والمناطق المتاخمة من بغداد، بتعاونها مع بعثيين وعسكريين سابقين، ومتدينيين محليين، وطفيليين نفعيين لتنفيذ أعمال عنف منظمة تطورت تدريجيا لتأخذ شكلا طائفيا بقصد التمهيد للحرب الأهلية، الوسيلة الأخيرة من وجهة نظرها لحسم الإختلاف إلى جانبها بقوة السلاح.

إن أعمال القاعدة، وافعال أخرى غيرها بعد فترة من التغيير كسرت حاجز الخوف من القوات الأمريكية في الشارع العراقي الذي كونته صدمة الحرب وتحقيق الأنتصار السريع في ساحتها، وشجعت عراقيين آخرين في الغالب من العرب السنة في مثلث الجزيرة لتكوين تنظيمات مقاومة مسلحة دخلت ساحة الإختلاف المضطربة بمطالب غير واضحة غالبيتها خروج الأمريكان، وأفكار مشوشة عن الحكم والمستقبل بغياب ملموس للمشاريع السياسية التي يفترض وجودها للتعبير عن أهدافها الأستراتيجية، وبتعاون غير مشروط مع جميع الأطراف التي تلتقي في أهداف الإعاقة والتخريب.

وهي بوجه العموم تطورات لأستخدام السلاح مصحوبة بعنف طائفي منظم أشعرت البعض من الأطراف الشيعية المنظمة مليشياتيا بالوجود في ساحة إختلاف يحتم  الدفاع عن أهدافهم فيها تقوية الصفوف تسليحيا، لتفادي الهجمات التي أخذت تتسع وتشتد، ومن ثم الأنتقام من حصولها، فتوجهت إلى مضاعفة خزينها، وزادت موجودها من الأفراد المقاتلين تطوعا  أو تجنيدا بأجر مدفوع، وكثفت من أتصالاتها بأطراف خارجية كانت قد دخلت أو أقتربت من الدخول إلى الساحة.

وأستثارت فصائل أخرى لتحقيق ذات الأهداف أو أسهمت في تحوير وسائلها بأتجاه أستخدام السلاح مثل جيش المهدي الذي دخل الساحة بزخم غير أعتيادي.

ودفعت قوى وأحزاب شيعية وسنية أخرى تحت ضغط الإحساس بالخطر والتهديد إلى زيادة حماياتها وتسليح منتسبيها حتى وجد العديد منهم أنهم اصبحوا أطرافا في دائرة إختلاف مسلح أتسعت رقعتها لتشمل غالبية المناطق في المثلث المذكور، وأمتدت تدريجيا إلى بغداد في طريقها إلى محافظات الوسط والجنوب التي بدأت تنتج معطيات إختلاف محلي من نوع آخر وصلت حد الخصام في البصرة والناصرية وكربلاء والديوانية.

إن المشكلة في موضوع الإختلاف "الخصام" ليس التوجه فقط إلى أستخدام السلاح طريقة وحيدة لفضه بالوقت الحاضر، بل ومعها المشاركة الواسعة من قبل سياسيين وعلماء دين، وشيوخ عشائر، ومسؤولين حكوميين للإبقاء عليه وسيلة ممكنة للحيلولة دون تحقيق الأهداف المطلوبة للغير في الساحة، وكذلك تعزيز قناعة اللجوء إليه في المحيط الخارجي كوسيلة وحيدة من أجل الحصول على الدعم المالي اللازم لتنفيذ خططه في الميدان، وفي الوسط الداخلي للحصول على المزيد من الأفراد المنفذين.   

2. إن الإختلاف في بعض النقاط أو الأصول التي تصل حد الخصام ومنها الإحتقان الطائفي، الأشد وقعا على سبيل المثال، وإن أختلف العراقيون في مسألة وجوده أصلا من عدم الوجود، فهو في الذاكرة العراقية موجود، يؤكد ذلك الظهور السريع لإنفعالاته في أول فرصة سنحت للظهور، والتأسيس عليه في تفعيل وإدامة الإختلاف، وسعة أنتشاره سبيلا للمناقشة والحوار، وهي جميعا عوامل لا يمكن أن تتشكل من فراغ.

ولا يمكن أن تتكون في يوم وليلة بعد التغيير.

ولا سبيل إلى فرضها من سلطة عليا بقوة السلاح.

والذي حصل منطقيا وكما ذكر في أعلاه أن أساليب التعامل، ووسائل الإعلام  أسهمت في إزالة الأغطية "الموانع القيمية" كأحد عناصر الدفاعات النفسية التي كانت تحول دون الظهور الكافي لتكوين حالة الإختلاف التخاصمي في العقل العراقي، ومن بعده عززت عن طريق الإثابة مستوى الظهور، ومع ذلك يبقى الموضوع المثير في هذا الجانب الحيوي يتعلق بسرعة الأنتشار، وشدة الحالة التي أوصلت العراقيين إلى حالة الإختلاف التي تؤكد وجود أصول له تمتد إلى الماضي وأخرى تنبع من الحاضر الأكثر تاثيرا من بينها:         

أ. الكبت الإنفعالي

لقد عزز صدام حسين أو نَشطَ رواسب الخلاف الموجودة بتعامله غير المتوازن في موضوع الولاء المفروض للحكم على أسس قومية وطائفية عندما قدم توزيع المناصب والمكارم إلى العرب أولا دون غيرهم من الأكراد والتركمان، ومن بعده إلى عرب المحافظات الغربية والشمالية دون عرب الجنوب، ومن ثم عرب تكريت دون غيرهم من أبناء الجزيرة، وأخيرا التفضيل المعروف لأهل العوجة على باقي أهل تكريت حتى أختزلها في النهاية بآل المجيد، فكّونَ بفعلته هذه ولاءات مختلة أو مجتزأة إلى الحزب الحاكم وله شخصيا دون العراق بطريقة عززت إنفعالات خلاف بين الشيعة والسنة حول الحكم وأحقيته، وأسلوب إدارة الدولة وشرعيتها، وبين العرب والأكراد لما يتعلق بالأكثرية وحقوقها، والأقلية ودورها، وبين الأكراد والتركمان وغيرهم كانت مكبوتة في العقل الجمعي لمئات سنين مضت.

وأستثار في ذات الوقت شعور بالحيف عند البعض من الطوائف، والمتعة بالقبول عند البعض من الطوائف الأخرى زادت من شدة التعزيز، وقربت الخزين الإنفعالي السلبي المكبوت من سطح الذاكرة الذي وجد له مجالا للخروج كشحنات إنفعالية عدائية طائفية مع أول فرصة تَمَتُع بالحرية المطلقة "إزالة الموانع القيمية" (5)  حصلت بعد التغيير.

ب. القصور السياسي                            

كان لمحاولات التطبيق الفوري للديمقراطية بعد التغيير، متزامنة مع الغياب الكامل للسلطة الضابطة أثر في أنتهاء سلطة الخوف المسيطرة على التفكير، كأحد عناصر الدفاعات النفسية الأخرى التي كانت تحول دون خروج المكبوتات الإنفعالية غير السوية إلى واقع الحياة، وبأنتهائها خرجت تلك المشاعر سريعا وبعدة أتجاهات بعضها عدواني يفتش عن هدف للتفريغ، فوجدت الطرف المُختَلف معه واحدا ممكنا دون أية موانع للردع والكف المفروض.

تلك محاولات صاحبها قصور في العمل السياسي لإرضاء المجتمع توافقيا، أستغلت جيدا من القاعدة وجهات أخرى خارجية لتضخيم حال الخلاف ونقله إلى مستوى الإختلاف "الخصام" الذي أدخل المجتمع العراقي في أتون صراعات أثنية زاد البعض من السياسيين وعلماء الدين شدتها بسبب:

عدم إدراك البعض منهم ماهية الربح والخسارة المتأتية من عموم عملية التغيير حتى لجأ قسم ممن شعروا بالخسارة إلى السلاح وسيلة تعويض حفزت من شعر بالربح إلى أستخدامه للدفاع عن المتحقق، وزيادة كمه، فوقعا سوية في فخ الغير الذي خطط لأستخدامهما سوية، أدوات إختلاف مسلح.

وبسبب طريقة إدارة البلاد على أساس المحاصصة التي دفعت إلى التقوقع الجماعي، أي الإندفاع إلى تقوية الطائفة، والقومية والحزب كجماعات فرعية تسعى بكل الوسائل لتوسيع حصتها على حساب العراق جماعة أكبر، لعمومهم فيها حصة العيش المطلوب.

وكذلك بسبب الوهن وعدم النضج السياسي الداخلي الذي دفع العديد من الأحزاب والحركات إلى الإرتكاز على الخارج للدعم والتأييد، وتحقيق المنافع حتى قوي الدور الخارجي، وقويت أدواته للقتال بالإنابة في ساحة الإختلاف المسلح.  

إن الأسباب المذكورة كونت جميعها دوافع نقل قوية لخلاف معقول إلى إختلاف مرغوب من أطراف تمتلك السلاح والرغبة في أستخدامه، دون قدر ولو بسيط من ثقافة الإختلاف حتى وجد بسببها وعوامل أخرى  البعض من العراقيين البسطاء، والمحرومين، والمنفعلين وجدانيا:

أن الحماية من تهديد الأطراف المقابلة في ساحة الأختلاف تتحقق في رهن الولاء إلى الطائفة والعشيرة، والفخذ، والمنطقة، والحزب، والكتلة، والعصابة،  دون الدولة التي ضعفت أجهزتها في الحماية والضبط، مع تصاعد وتيرة العنف للتعبير عن الإختلاف.

وإن الأنتقام وسيلة ردع مناسبة تحقق بغياب الضوابط القيمية كف مقبول للفعل العدواني الموجود، وقدر من الترويح الآني "تنفيس الإنفعال"، ويجدوا في التسامح بنفس الوقت إتجاها للتمادي بإرتكاب التجاوز، وتحمل المزيد من الضغوط.

وهي مواقف تكررت كثيرا حتى أفقدت الدولة هيبتها في الردع، والمقاضاة، والتوجيه، وقلصت سلطة الحكومة في السيطرة والضبط، وأضافت عوامل تعزيز لأستخدام القوة والسلاح سبيلا للتعامل مع الإختلاف.   

ج. التدخل الخارجي

وجدت بعض دول الأقليم أن التغيير إثر الحرب في العراق وضع القوات الأمريكية قريبا من حدودها، ووجدت في أهداف الحرب المعلنة من قبل الأمريكان دعوة لأن يكون العراق مركزا للديمقراطية في المنطقة قد يخل بأستقرارها، فأدركت أنها تحت التهديد المباشر لذاك القرب الذي وضعها في خانة الأعداء  كما هو الحال بالنسبة إلى إيران وسوريا.

وأعتقدت أخرى مثل الأردن والسعودية أن المؤشرات الأولية لتطبيقات الحكم الديمقراطي في العراق، وأساليب البعض من الأحزاب المغالية في الأستفادة من أوجه التطبيق تفسح المجال للأغلبية الشيعية في السيطرة على مقاليد الحكم بطريقة قد تفضي إلى تحالف شيعي يمتد من إيران إلى العراق مرورا بسوريا إلى جنوب لبنان ، يؤثر في مواقف الشيعة الموجودين في المنطقة الشرقية للجزيرة العربية، ودول الخليج، وبما يخل بالتفوق الطائفي الإقليمي السني الداعم من وجهة نظرها لقدر مقبول من الإستقرار، وهو خلل تعتقد في حالة حصوله كافيا لتأسيس بؤرة صراع من نوع جديد تهددها وباقي المنطقة التي تكثر فيها بؤر الصراع.  

ووجدت ثالثة مثل تركيا أن الديمقراطية الجديدة وسبل إدارة الدولة تمنح الأكراد  العراقيين وضعا فيدراليا غير مرغوب منحة لاكراد تركيا، الأمر الذي يزيد من مطالبتهم بالحصول عليه وبما يثير الأضطراب في بلادها.

ووجدت رابعة مثل الكويت أن الفرصة مناسبة جدا للتخلص من كل رواسب الغزو وعقد الأحتلال التي عانت منها عام 1990، وإنها كذلك لإقامة علاقات توازن مع عراق جديد لا ينبغي أن يكون قويا حد الشعور بالعظمة من جديد، فسمحت للقوات الأمريكية وقوات متعددة الجنسيات أن تنطلق من أراضيها، وأسهمت بدعم الجهد الخاص بالتغيير، وأرسلت مترجمين، وفرق تتبع ميداني لما تبقى من المفقودين، وأسست علاقات مع شخصيات وجماعات دون أن تتمكن من السيطرة على مخارج السلوك لمن دخل الساحة، ودون أن تتمكن كذلك من القفز على آلام الإحتلال حتى أبقت بعض أوراقها عوامل لعب في ساحة الإضطراب.    

ووجدت خامسة مثل اسرائيل أن الوقت أكثر من مناسب للتقرب من العراق والدخول في ساحته عامل تأثير لإدامة الإخلال بالتوازن الاستراتيجي بينها من ناحية، وبين العرب من ناحية ثانية، مما يمهد لأستقرارها وأستمرار البقاء بأقل الخسائر الممكنة.

إن الرؤيا الخارجية لدول المنطقة والأقليم تتفق أو تلتقي في معظمها عند نقطة واحدة قوامها أن الوضع الجديد في العراق عامل تأثير سلبي على واقعهم السياسي والأجتماعي، يحتم الدخول في ساحته للتقليل من شدته وآثاره، كما هو حال إيران وسوريا والسعودية وتركيا والأردن، دون الكويت التي ترى في الوضع الذي أزاح عن كاهلها صدام إمكانية لاستثماره، وضعا يوفر لها التدخل في بعض جوانبه، أوراق لعب مناسبة للبقاء جارة بقلق أقل جهد الإمكان، وعلى العكس من إسرائيل التي ترى فيه عامل تأثير إيجابي يمكن أن يعزل العراق عن محيطه العربي، ويقلل من إندفاعه المعهود قوميا، ويمكن أن تمد ساحته المضطربة باقي الساحات القريبة بأسباب، إثارة  الأضطراب التي تسمح لها باستغلال حصوله فرصة مواتية في التعامل مع العرب استراتيجيا، وهذه تقديرات وقناعات لدى دول المحيط دفعتهم جميعا إلى:

أستثمار أمتدادات الوجود الطائفي والعرقي للجماعات الأثنية من الخارج إلى الداخل، وتوثيق الصلة، وتقوية المصالح المتبادلة لزيادة هامش التأثير في أتجاهاتها السياسية وتوجهاتها الميدانية وبدرجات متفاوتة.

كذلك إستغلال حاجة بعض الجماعات والأحزاب والحركات السياسية إلى تقوية وجودها للدفاع عن نفسها ماديا وتسليحيا للحصول على هامش تأثير وتحرك أوسع في ساحة الإختلاف. 

الأستفادة من الفوضى والفراغ السلطوي، وغياب الجهد الأمني الحمايوي للدولة والمجتمع بإنشاء محطات، وخلايا أستخبارية في عموم البلاد وجدت أستجابات سهلة للتجنيد على أساس مادي وعقائدي قادر على التأثير في ساحة الإختلاف.    

ومن ثم التأسيس على علاقات سابقة مع بعض فصائل المعارضة العراقية بتقويتها وتعزيز صلاتها إلى مستوى التحكم بالفعل العسكري، والأستخباري في الميدان لصالح التحرك العام في الساحة.

وعموما إن مساعي الخارج قد وجدت في الخلافات الطائفية، والفوضى، والأحتقان في الداخل قاعدة عمل تعبوي تسهل أنجاز مهامها الأستراتيجية في الوقاية ومد النفوذ، وتعديل التوازن، فأسهمت في تعقيد الإختلاف وزيادة شدته.

د. الفعل الإرهابي   

بعد أنتهاء العمليات العسكرية وتغيير النظام في 9/4/2003 وقبلها بقليل أنسحب كثير من منتسبي الجيش والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية إلى مناطقهم في مثلث الجزيرة في حال من الإحباط، وأحيانا الشعور بالذنب، بين أهل غير راضين عن التغير، فتوجه بعضهم من الضباط بالرتب العالية والحزبيين البعثيين من الكادر المتقدم بتنظيم أنفسهم مجاميع "فصائل" مسلحة لمقاتلة الدولة ونظامها السياسي الجديد بسرعة ويسر بسبب شدة الإحباط، وكم الشعور بالخسارة التي استثارت في داخلهم مشاعر عدوان بالضد من النظام الجديد، وتوجه بعضهم لتشكيل تنظيمات مقاومة، وتوجه البعض الآخر إلى الجماعات الإرهابية المسلحة ليكون أداتها في التخريب والقتال.

كما إن حل بريمر السريع لكيانات عسكرية وأمنية وإدارية هم فيها كثيرون، وضعهم في حال البطالة والعوز المادي أي مهد الطريق أمام التنظيمات الإرهابية، والمسلحة لكسب العديد منهم بسهولة.

يضاف إليها كثافة التواجد العربي المسلم الذي دخل العراق قبل التغيير وتوجه نحو المنطقة الغربية بشكل خاص والمثلث المذكور بشكل عام بعد التغيير وفي داخله أستعداد عال لمعاودة القتال، والذي وجد تعاطفا عشائريا، ومحليا مع منتسبيه، وتسهيلات لتحركه ساعد على سهولة تأثيره على العسكريين والشباب والحزبيين ومنتسبي الأجهزة الأمنية من أبناء المنطقة والعشيرة بأتجاه تجنيدهم أو حثهم على الأنتظام في العمل العسكري المسلح. وهذه مع عوامل الجغرافية حددت بداية فعل الإرهاب في المنطقة الغربية من العراق، وشكلت قاعدة عمل وأنطلاق له إلى المناطق الأخرى خارجها حتى شملت عموم المثلث المذكور، ومن ثم بغداد متسببة في زيادة رقعة وشدة الإختلاف من جانب، وواضعة العمل العسكري، والترهيب التخريبي أهدافا لحله من جانب آخر.

3. إن تلك العوامل الخارجية المتفاعلة مع العوامل الداخلية وجدت أرضية لها أي قبول نفسي من خلال الخروج غير المنظم لمكبوتات "رواسب" الخلاف، فأسهمت وأطرافها واللاعبون، والمحاربون بالإنابة "الأقوياء في الساحة" في تعزيز الموجود منها، وتوسيع مكوناتها، حتى أصبحت جميعها مثيرات لإختلاف حد الخصام المخل بالأمن الإجتماعي.


ماهية المصالحة 

1. يبين واقع الإختلاف في المجتمع العراقي تدخل متغيرات "بعضها مقصودا والآخر عفويا" بمستوى تأثير أخل بمكونات الإنفعال "كما مبين في أعلاه" وهو إختلال تم استغلاله جيدا من قبل الخارج، وآخرين في الداخل لتقوية الأستجابة الخطأ على حساب الوعي والسلوك القويم، وتوجيهها كعامل حل مرجح أو وحيد لمعالم الإختلاف، بغية تحقيق الأهداف في ساحة باتت تتوسع بتقادم الوقت، فعم الإضطراب وعدم الإستقرار، وحصلت إعاقة لإعادة البناء والإعمار، وهو أختلال وناتج إضطراب لم يقتصر حدوثه على العراق، ولم يكن حدوثه جديدا في هذا المجتمع المليئ بأحداث الإختلال، إذ أن مراجعة بعض التحولات والإنقلابات التي جرت في تاريخه القريب في الأعوام 1948 و 1958ـ 1959 و1991 على سبيل المثال يبين تكرار حصول الأختلال، ويبين أيضا أن السلطة الضابطة قد تدخلت في حالته بقوة وسرعة لتفكيكه وفرض السيطرة، أي إعادة الوعي لتعديل التوازن بمكونات الإنفعال.

لكن الجديد في موضوعه هو أن سلطة الضبط في عراق ما بعد التغيير مباشرة لم تكن بيد العراقيين، وأهداف الأحتلال الاسترتيجية منطقيا لم تكن متسقة تماما وأهداف العراقيين، الأمر الذي كوّن واقعا لإختلال الإنفعال تميز بطول الفترة الزمنية التي أستغرقها حتى جسد بالتكرار عادة أستخدام القوة والسلاح لتصريفه، وقبول أستخدامها وسيلة سهلة لتحقيق الأهداف.

وتميز أيضا بعدوى إنتشار الإختلال الذي لم يتوقف عند الشرائح البسيطة، ولا عند المستويات الثقافية المتدنية، بل وأمتد باشكال عدة إلى قطاعات واسعة من المجتمع ليصل بمسافات متباينة إلى أحزاب وحركات سياسية أسست على حصوله قاعدة للاستحواذ ومد النفوذ، وكذلك.

تجار حققوا بوجوده مكاسب أغرت الآخرين على التقليد.

وبعض علماء دين لجأوا إلى أصوله للإيغال بالتحريض والإنتقام.

وعشائر وجدت في مجاله، وسعا لهامش التحصيل.

ومغامرون أستندوا على ممارسته، أسلوبا للغنى السريع.

وكذلك عسكريون رأوا في طريقته مناسبة، لإثبات الوجود.

ومن ثم وطنيون لجأوا إليه، وسيلة للمقاومة وإخراج المحتل وإعادة ترتيب حكم البلاد.

إن شدة الإختلال وسعته، وطبيعة الشخصية العراقية التي نقلت الخلاف إلى أختلاف أسست وضعا ميدانيا في ساحته أستثار أصحاب الطموح "الوهمي" لتحقيق أهدافهم.

وفَتحٌ الأبواب واسعة لمن يريد أن يحارب الأمريكان لقتلهم، وكذلك لمن يسعى لإغراقهم في مستنقع القتال، ومن يأمل إعاقة نهوض العراق وتحقيق التفوق في التوازن الاستراتيجي معه على المدى البعيد.

وأغرى من يود التكفير عن الذنوب، ويسعى للثأر وإعادة عجلة التاريخ إلى الماضي القريب.

وجميعهم وجدوا في هذه الساحة، من يدعم، ويأوي، ويستخبر، ومن يوفر مقاتلين، ومنفذي عمليات تخريب بأرخص الأثمان.

2. إنه إختلال يمكن أن يعاد توازنه تلقائيا في بعض الأحيان عندما تضعف شدة السلوك غير السوي، وتتبدد مشاعر العدوان في حال عدم وجود التعزيز بأفتراض خروج الشحنات الإنفعالية المكبوتة من النفوس التي تحررت من القيود،  وإدراك المجتمع الذي حصل فيه الإختلال حجم الخسارة المترتبة في المحيط " قوة الوعي".  

لكن هذا لم يحصل في العراق، بعد أن أسهمت القوى المنتفعه من حصوله في ترسيخ وجوده وإدامة الإختلال بمستلزمات شحن متتالية، عن طريق الأساليب القسرية الوحشية المستخدمة في القتال، وووسائل الإعلام والحرب النفسية التي إزالت أو إضعفت عناصر الموانع "الدفاعات النفسية" التي كانت تحول دون الخروج غير المنظم لمكبوتات الذاكرة العراقية الممتدة لمئات السنين، فسمح الضعف والإزالة لما يتعلق بالطائفية، والعرقية، والعشائرية، والمناطقية، والأجتماعية، والشخصية، والجنائية أن تنطلق عند العديد من الجماعات الحاكمة والمحكومة بأتجاهين متضادين متخاصمين أو أكثر، مساراتهما الرغبة الجامحة في تحقيق الأهداف "الذاتية" وفقا للإعتقاد بصواب الرأي المطلق.

والسعي لإعاقة تحقيقها بالنسبة للآخر، وفقا للإعتقاد بعدم صواب الرأي المطلق.

إنه تضاد أي تناقض وجداني بغياب السلطة الوطنية القوية "بعد التغيير مباشرة"، وتدني مستوى النضج الإجتماعي والثقافي والسياسي لدى المجتمع بشكل عام أبقى السلوك العدواني مجالا فاعلا لتصريف ذلك الإنفعال.

وأوجد هوة نفسية للإختلاف بين الطوائف، والأقوام، والشرائح والطبقات، وصلت عند البعض حد الخصام الذي لم يجد العديد من المتواجدين في دائرته من المساهمين والمؤيدين للتغيير وعمليته السياسية، والرافضين لــه والمقاومين لحصولــه، والمتوجسـين، والخاسرين، والمستفيدين إلا القوة وسيلة فض لحالاته، حتى بات وجوده مشكلة نفسية سياسية أبقت المعنيين في إدارة الدولة والمجتمع، وكذلك المقابلين لهم في نفس الساحة يدورون حول عموميات للتراضي سميت بالمصالحة، دون الولوج إلى داخل المشكلة لحلها على أساس التفكيك الشامل للإختلاف "الخصام الإجتماعي" الذي يوفر سلاما إجتماعيا يلتقي في ربوعه العراقيون متصالحين مع أنفسهم ومع بعضهم البعض.

مؤسسين لحياة أفضل لأجيالهم الحالية والمستقبلية.

إن عدم الولوج هذا يدلل على ضعف الإدراك العام بماهية المصالحة من جانب، وسعة الإختلاف في تفكير الأطراف المعنية بها من جانب آخر.

أمران أو أستنتاجان تؤيدهما حقيقة أن الحكومات العراقية المتعاقبة لمرحلة ما بعد بريمر لم تكن دوافع العنف لتحقيق أهداف الإختلاف غائبة عن بصرها، ولم تكن كذلك بالنسبة إلى الأحزاب والكتل السياسية الفاعلة في الساحة والمتواجدة عليها في آن معا. كما يدرك الجميع واقعها، ويعي إثارتها التوتر والإحتقان، وإعاقتها خطوات إعادة البناء والإعمار، ويتكلمون جميعا عن وسائلها الهمجية في القتل والتهجير والتجاوز والاستئثار ومد النفوذ، والأغتيال والتهميش، وعن خطرها على حاضر البلاد ومستقبلها. لكن البعض منهم وبتأثير كم الإختلاف في داخله يسكت عند حصولها من أطرافه الطائفية، ويتغاضى عن آثارها عندما لا تقترب من محيط دائرته الحزبية، وبعضهم الآخر يحاول إضعاف الجهود المبذولة في التحرك لإيجاد الحلول المناسبة لها إذا ما جاءت من الطرف المقابل عندما يشعر بانها قد تحسب له، وترجح كفته في الميزان المتأرجح لساحة الإختلاف، وهذه حقيقة تؤشر بالإضافة إلى ضعف الإدراك، كم التعقيد في موضوعها، وتؤشر أيضا عدم إمكانية النظر إليها مجرد عملية تراضي أعتاد العراقيون على حلها بجلسات الدواوين فقط، وإن تشمل ضمنا بعض جوانب التراضي.

ولا يمكن عدها قبول توافقي بتعويض الخسائر التي شعر البعض بحصولها بعد التغيير فحسب، وإن تحتوي ضمنا بعض محددات التعويض في مشروعها.

ولا تقتصر على تقاسم السلطة وإن دخل التقاسم في صلب موضوعها، ولا على التوافق في سياقات إدارة الدولة وإن كان التوافق أحد أركانها.

إنها منهم جميعا وإجرات تمهيدية لحصولها مثل الردع "كف التعويل على السلوك الخطأ".

وتقوية الوعي " الإقناع بصواب الرأي وحسن النوايا".

وتبني سلوك القدوة في العمل والتعامل "إعادة الثقة".

لأنها مفهوم شامل يرتبط ويتداخل مع مفاهيم أخرى للتهدئة، وإنهاء العنف والإحتقان، وإقامة العلاقات التبادلية، يتطلب التقدم في مجال تحقيقه أتخاذ كافة الإجراءات، ومن جميع الأطراف المعنية لإنهاء حالة الإختلاف "الخصام" بتفكيك أوجهه السياسية، والطائفية، والنفسية، والقومية بما يؤمن قدرا من الرضا والقبول الذي يرسي دعائم السلم الإجتماعي المتساند.

وهي مفهوم عام لا يمكن لأحد من الحكومة التي طرحت مشروعها والأطراف المعنية بها، والداعمة لتحقيقها من تحديد نقطة أنطلاق أو خط شروع للبدء، ولا نهاية ومسطرة قياس للمتحقق، لأنه تعبير عن عملية تبديد للضغائن والأحقاد، لابد وأن تكون مستمرة، وإعادة تكوين وعي وعلاقات إيجابية بين الخصوم، لابد وأن تكون دائمة، وعملية تبديد للمكبوتات الإنفعالية السلبية لابد وأن تكون قائمة.

وإنها عملية إدراك لدن الأطراف المشاركة بالخلاف والضحايا النتاجة عن حصوله،  لابد وأن تحور الأفكار النمطية السلبية التي يحملها كل طرف عن المقابل إلى أخرى تتأسس على مبدأ القبول والتواد والتراحم، قواسم مشتركة وأهداف عيش مستقبلية. من هذا ستكون المصالحة وستبقى عملية نفسية التوجه والأبعاد. وسيبقى السلم  الإجتماعي محورها في الحاضر والمستقبل.   

عوامل الإعاقة في مشروع المصالحة 

إن المفهوم المذكور للمصالحة كتفكيك للإختلاف، وإرساء قواعد السلم الإجتماعي التكافلي الذي سعت الحكومة الى تحقيق بعض جوانبها ذات الصلة بالتراضي التصالحي، وشاطرتها الرأي جميع الأحزاب والقوى المساهمة في العملية السياسية، والموجودة خارجها، وأقتربت من موضوعها  بعض فصائل المقاومة المسلحة مع أختلاف الرؤى، يبين الخوض في تفاصيلها كثر المتغيرات المؤثرة فيها.

ويبين أيضا وجود عوامل عديدة مازالت تحول دون تحقيقها كما يود المجتمع العراقي الأحوج إلى ذلك، أو بمعنى أدق وجود عوامل تقف حائلا دون نضج يؤمن قدر من الرضا، والقوة الكافية لإعادة صياغة العلاقة التفاعلية بين الأطراف اللازمة لتحقيق السلم  الإجتماعي.

وهي عوامل مادية ونفسية لبعضها علاقة بإدارة الدولة والمجتمع، وبالعملية السياسية، والإعلامية، يمكن تسميتها لأغراض هذه الدراسة بالعوامل الإجرائية. ولبعضها الآخر صلة بالعمل المسلح الذي أتخذ في ساحة الإختلاف أبعادا وسعة باتت تحول دون تحقيقهما أو تعرقله يمكن تسميتها ولنفس الأغراض بالعوامل المسلحة وكما يأتي:    

1. عوامل الإعاقة الإجرائية  

إن المصالحة بأبعادها المختلفة ومتغيراتها المتعددة، ليست عملية روتينية، ولا يتم تحقيقها بسهولة، ولا توجد ضمانات لنجاح تحقيقها في وقت محدد، لأن ساحة الإختلاف بطبيعتها في العراق متداخلة "شائكة" ومثيرة للتوترات، وحساسة إتجاه عوامل التأثير من كل الجوانب المحيطة، وهذا يعني أنها تنتج ضمنا عوامل إعاقة تبدأ بصيغ خلاف تتضخم إلى مستوى الإختلاف.

وأخطاء ترتكب فتزيد من شدة الإختلاف.

وأفكار يتم الأعتقاد برسوخ وجودها توسع شقة الإختلاف.

وتمادي في بعض جوانب السلوك الإستعراضي والسياسي والإداري يعمق الهوة في ساحة الإختلاف.

وغيرها تدخلات، وهنات وتصرفات تعرقل إعادة صياغة العلاقات العامة بين الجماعات الفرعية للمجتمع بما يحقق سلمه الإجتماعي، يمكن عدها عوامل إجرائية من أهمها:   

أ. التخندق الطائفي 

الطائفة من الناحية الاصطلاحية تسمية أطلقت على فرق اسلامية تكونت في أغلبها إبان العصر العباسي لتعبر ظاهريا عن تحول تلك الفرق من ساحة العمل السياسي أو الثقافي الى العمل الديني، وشملت أهل السنة، والشيعة بفروعها الاسماعيلي، والاثني عشري، والزيدي، ومن ثم الدرزي، شاع التمسك بها في المنطقة العربية، والعالم الاسلامي، بشكل يفوق كثيرا الغرب المسيحي الذي ضعف تأثيرها تدريجيا بعد إنفصال الكنيسة عن سلطة الدولة، وإبتعاد الدين عن التدخل في السياسة.

أما الطائفية فهو الجانب الانفعالي لمصدر التسمية "الطائفة" الذي يشير الى الانحياز في الولاء إلى الجماعة التي ينتمي اليها المعني، والتعصب بالضد من الأخرى وهي مفاهيم ذات أسس دينية عقائدية، تكونت لتجميع الموالين بوسائل الاقناع أو بحد السيف لدعم سلطة الدولة، أو لمعارضتها سياسيا أمتدت في العراق حتى وقتنا الراهن لتكون مشكلة بين الشيعة والسنة قوامها عدم التمكن من حسم الصراع فقهيا لمن يتفوق بمنطق الحجة، أو عسكريا بقوة السلاح، بعد أن كونت السياسات الخاطئة في التعامل معها هويات وثقافات أحادية، مُحكَما إليها بين غلاة الطرفين، ودفعت باتجاهات الصراع نحو الإختلاف السياسي بين حاكم في السلطة، ومعارض من أجل الوصول إلى أدراجها بأسلوب قوامه التحدي، والرغبة في الحصول على كل شيئ، والحيلولة دون حصول المقابل على أي شيئ، مما أثر بشكل كبير على مفهوم الوطن الذي يتأسس على مشاعر ولاء مشتركة، وجغرافية مشتركة، وتاريخ تحركت الكثير من أحداثة في إطار المشاركة(6).

إن التكتل الذي ظهر واضحا في العراق ما بعد التغيير، والشعور بالتهديد من مصادر متعددة، وسبل التعامل مع شئون الحكم على أساس التوزيع "غير المتكافئ" لبعض الوظائف، والمهام أحيانا  كونت إختلافا "إنفعال موقفي" أستفادت منه الطائفة، وغذته سلوكا شائعا في كل شؤون الحياة التي تطرح للنقاش حيث الوقوف المبسق بالضد في صفين متقابلين، الأكثر وضوحا، وتأثيرا في مجالها بالوقت الحاضر هي الصفوف المتقابلة من السنة ـ والشيعة إلى الحد الذي يدفع إلى تحديد الموقف من بعض المواضيع المطروحة تأييدا أو معارضة، مدحا أو انتقادا قبل الرجوع إلى المنطق وإلى الثوابت عند الجماعة، والطائفة، والمذهب، والدين، حتى أصبح الإختلاف عند البعض المؤثر في الساحة خصاما، وسمة غالبة تحول دون التفاهم لإيجاد حلول مقبولة لعدد من المشاكل التـي تعصف بأمن وأستقرار البلاد.

إن الوقوف بالضد يعني الإختلاف، والحكم المسبق بعدم الاتفاق يعني إستعداد للإختلاف، كما إن الأفكار التي تكونت بسبب الأحداث، والموروثات الحضارية بعدم التلاقي تحمل في طياتها مشاعر بالضد أساسها الإختلاف الذي بات يميز اللقاءات التي تجري على مستوى الناس العاديين، والسياسيين المشاركين بالحكم، وغير المشاركين تتعلق بجدل غير مجد حتى على المسلمات، والبديهيات المتفق عليها في السابق، أسهمت مراحله المتقدمة في تكوين نفرة تعيق المصالحة الوطنية.

والنفرة التي تعززت في السلوك خلال هذه الحقبة الزمنية كونت رغبة شديدة في إثارة المقابل"التناحر" أتسعت بشكل غير مسبوق في التاريخ العراقي الحديث متخذة أشكالا طائفية بطريقة أصبح الفعل المؤدى في مجالها وسيلة تحقيق لغايات لا تدرك أبعادها الطائفة، ولا تعي مخاطرها القريبة، والبعيدة على المجتمع العام للعراق، والخاص للطائفة ذاتها.

إن الفعل ورد الفعل الذي تأسست عليه عوامل النفرة أصبح قادرا على سحب أطراف في الحكومة، ومشاركين في العملية السياسية، والموجودين بالضد منها، وهيئات دينية إلى دائرة التناقض الوجداني "الإختلاف" الذي يجد فيه المعني سياسيا كان أو عالم دين أو عضو مليشيا أو تابع، ومقلد أنه يفتش عن هدف لتصريف غضب أختلافه، في الوقت الذي جعل نفسه هدفا لغضب مقابل يجرى تعميمه إلى باقي أبناء الطائفة، وبسببها وعوامل سياسية أنتشرت أعمال الخطأ، وتعززت في النفوس مشاعر الخوف، والحقد، وزادت نسبة الخطر لإشعال نار أقتربت من فتنة حالت وتحول دون تحقيق المصالحة.

هذا من جانب ومن جانب آخر فإن الأفكار التي تتمحور حول النفرة الطائفية تدفع المعنيين تحت تأثير إنفعالاتها السلبية إلى الإبتعاد نفسيا عن الطرف المقابل، وإن تم الإلتقاء مكانيا بدعوى التفاهم والمصالحة، وإعادة ترتيب العلاقات، تكون النوايا الداخلية غير المعلنة في الغالب بإتجاه الإبتعاد الذي يدفع بشكل غير مباشر إلى وضع الشروط التعجيزية وتقديم المطالب غير المنطقية، عليه أصبحت هذه النفرة الطائفية من أقوى المعرقلات.  

إن الطائفية التي عَزَلتْ العديد من السنة، وغَذتْ إنتظام بعضهم في فصائل وجماعات ضد الحكومة أصبحت مثيرة لإستجابات إختلاف حد استخدام السلاح، ووسائل أخرى غيره لفرض واقع عدم الرضا، وتوسيع مساحة اللاقبول، ومثيرة لأستجابات الضد لعديد من الشيعة حد أستخدام السلاح لتأمين الردع، والإنتقام، ومثيرة لأستجابات البعض من علماء الدين في التدخل بالسياسة، ومقاومة التدخل في شؤونها للبعض الآخر حد الأستقواء بالخارج إيغالا في التدخل، والنجدة لإيقافه، فدخلت "أي الطائفية" مثيرا للإختلاف، ومعرقلا لحصول المصالحة في آن معا.

ب. الوجود المليشياتي

تأسست ميليشيات عراقية قبل التغيير كأحد مظاهر المعارضة لنظام صدام حسين، وتأسست أخرى بعده، كنتيجة حتمية لملأ  الفراغ الأمني الحاصل بعد الانهيار الواسع لمؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية الضابطة، وكرغبة متزايدة للانتقام نتيجة الهجمات الموجهة طائفيا، ولمتطلبات السيطرة وتوفير الحماية الذاتية لبعض الأحياء، والمسؤولين والبرلمانيين، وهي في غالبيتها أنخرطت في العنف الطائفي الذي عم العاصمة وبعض المحافظات، راعية حركة التطهير والترحيل القسري، وأعمال القتل والإغتيال.

وعموما فإن المليشيات عُرفَتْ تعريفات عدة تبعا للمنحى السياسي والفكري للقائمين على التعريف، ومع ذلك فإن ما ينسجم منها وهذه الدراسة هو أنها جماعات أو منظمات ذات أهداف سياسية،  تستخدم السلاح بصورة غير قانونية (7).

وعلى وفق هذا التعريف فإن الجماعات المسلحة بإمرة الأحزاب السياسية المشاركة في العملية السياسية، والمشمولة بالأمر 91  الصادر من سلطة الائتلاف المؤقتة في السابع من حزيران ٢٠٠٤، هي من ضمن المليشيات، كذلك بعض القوى التي تكونت بعد السقوط وأحتلت مكانا ملموسا في التأثير على الشارع العراقي مثل جيش المهدي، والحمايات الخاصة لبعض الأحزاب والسياسيين التي توجهت لتنفيذ أهداف الحزب أو القائد السياسي تجاوزا على مهامها في تأمين الحماية.

لقد تطور فعل المليشيات سلبا مع تطور فعل الإرهاب، وضعف سلطة الأجهزة الأمنية والعسكرية الضابطة حتى أصبحت بالتدريج أحد المعاضل التي تواجهها الحكومة في طريقها إلى تحقيق فعل المصالحة الوطنية، لأن وجودها المخل بهيبة الدولة أصبح عائقا إلى الحد الذي لم تستطع فيه الحكومة إقناع المعنين من الخصم والموالين بوجودها سلطة حسم وترضية وحكم منصف بين الجماعات المتناحرة في ساحتها الأجتماعية المعقدة، وأدى كذك إلى الأستحواذ على السلطة الفعلية لبعض مفاصل الأجهزة الأمنية، الذي وفر لها إمكانية التحكم بمصائر الناس في بعض المناطق، وأعطاها قوة تأثير في الغير إلى مستوى المنع والحيلولة دون القيام بالمصالحة من جهة، وتعاظمٌ بالقوة الذاتية قلل من دافعية المشاركة بها من جهة ثانية.    

إن من الآثارالسلبية للمليشيات في موضوع المصالحة مساهمتها في نقل الولاء من الدولة إليها كجماعة فرعية أصبحت بوجوده مرجعا يبت في المصالحة قبل الحزب، ويحول دون حصولها، لأنه يتنافى ومصالحها الخاصة، كما كان لها الأثر الكبير في تأجيج الإحتقان الطائفي للحصول من وجوده على عناصر شابة ترفد صفوفها بدماء جديدة، وتأجيجه بالمحصلة وسع من هوة الأختلاف، ونقل وسائل السيطرة فيه إلى أستخدام القوة التي تعيق التصالح في جميع الأحوال.

إن الوجود المليشياتي يؤدي إلى إثارة الأضطراب، وأستمراره يدفع البعض من ذوي التحصيل العلمي المحدود والشباب المنفعل المحروم في المناطق الفقيرة إلى التوجه نحوها  حكما في فض المشاكل والتجاوزات، وقاضيا للحكم على بعض الدعاوي والمنازعات يشعرها بأحقية الإنابة عن أجهزة الدولة، ويوفر لها منافذ كسب جيدة يصعب التنازل عنها لصالح المصالحة الوطنية وإعادة أستقرار البلاد.

إن ظروف البلاد الأمنية غير المستقرة وقوة المليشيات الميدانية، وسهولة الحصول على المتطوعين والسلاح دفعها أكثر من مرة إلى صياغة وخلق أوضاع تبرر وتدعم وجودها مما يعيق أية عملية تصالح تتطلب أولى خطواتها أستخدام القانون والحكمة لفض الإختلاف، بدلا من السلاح الذي يوسع دائرته.   

هـ. أخطاء الإدارة 

العراق وكما ورد سابقا دولة ذات تركيبة أجتماعية تجانسها ضعيف، يسمح لمبكوتات الماضي ومتغيرات الحاضر في تسيير بعض أهدافها الذاتية عن بعد، وتكوين مواقف الضد وعدم الرضا لأطرافها، تجاوزا على معايير الوطنية والولاء المفترض للدولة، وبسببها وأمور أخرى بقي العراقي موسوما بالشك، وصعوبة الرضا عن الحاكم والدولة (8)، وميالا لإرتكاب الخطأ والإعاقة، سلوك سلبي عند نسبة غير قليلة من العراقيين يعرقل في حال الشعور بضعف السلطة أية مشاريع للمصالحة.

كما إن الديمقراطية التي أريد لها أن تتحقق في العراق وأن أعطت الأغلبية الحق في تشكيل الحكومة وقيادة البلاد، إلا أنها وبسبب معالم التخلف في فهم الديمقراطية سلوك أنساني في كل معالم الحياة بات هذا العطاء، والقصور في تفسيره يشكل سلوك الخطأ لبعض مسئولي الحكومة، حتى كون لها مشكلة توسيع دائرة عدم الرضا اللازم لتحقيق المصالحة بل وزادت من شدة الأحتقان، وهناك أمثلة كثيرة تعزز هذا الأستنتاج بينها على سبيل المثال عندما توجه الوزير من الكتلة التي فازت في الأنتخاب الديمقراطي أو التي تآلفت مع الفائز أو توافقت معه، بجلب طاقمه الإداري والحمايوي من نفس الحزب والطائفة التي ينتمي إليها، وأعاد توزيع المناصب المهمة بطريقة الأستحواذ، إدى إلى إثارة الآخرين من باقي الطوائف والأحزاب بالضد منه والحكومة وأسهم في زيادة سعة الفرقة وشدة الأحتقان التي أبعدت  إحتمالات تحقيق المصالحة.

وعندما وجد مسؤول في أجهزة الدولة العليا صعوبة البوح بتدخل دولة جارة في شؤون بلاده الداخلية بالوقت الذي كان فيه واضحا في التركيز على أخرى يقل تدخلها كثيرا، كوَّنَ مفهوما للتشخيص والحل يتأسس على أساس طائفي زيَّدَ من شدة الأحتقان، وأبعد الطرف المقابل عن خطوط التلاقي من أجل المصالحة.

وبعدما عجزت الحكومة عن تبديل وزير أو مسئول يشار إليه بالتقصير وكثر الفساد، بسبب قيود التوافق، أندفع البعض من المسؤولين إلى مزيد من الفساد، وإلى صياغة الكثير من الأقاويل التي شوهت الحقائق في أشد الظروف خطورة، وأخلت بدعوى المصالحة.

وبعد أن أهملت العملية الإعلامية المركزية مشاعر قسم من العراقيين، وركزت على مشاعر آخرين بتناول مناسباتهم الدينية بإفراط، أثارت بالضد مشاعر أطراف في التركيبة الأجتماعية ومهدت إلى أمتلاء عقولهم بالنقد، وأحيانا بقدر من الكراهية التي أسهمت في إعاقة خطوات المصالحة.

إن الأمثلة المذكورة، وعديد من أخطاء القادة السياسيين والإداريين والإعلاميين التي أرتكبت منذ التغيير وحتى وقتنا الراهن تؤشر وجود قصور واضح المعالم في فهم معنى المصالحة كعملية نفسية قوامها الرضا والقبول أو قدر مقبول من وجودهما تكونه وتديم استمراره الإدارة العليا للدولة والمجتمع، المتمثلة في وقتنا الراهن برئاسة الجمهورية، والحكومة، والبرلمان، وتؤشر أن أخطاء الإدارة المعرقلة لعملية التصالح لا تتوقف عند أفعال الوزير، ووكيله والمدير العام، بل والأهم منها أسلوبها "الإدارة العليا" في التعامل مع المجتمع العراقي بحيادية، وجهدها في إقناعه بالحلول التي تقدمها لقضاياه المصيرية.      

و. التلكؤ في التشريع

إن الحقد والكراهية والمقت الطائفي، والإزاحة والاستحواذ معايير إختلاف تعيق جهود المصالحة، وهي من الناحية النفسية إنفعال يشتد لمستوى تشكيل السلوك العدائي، أو ينحسر تبعا إلى عوامل بينها وجود القوانين والتشريعات في الضبط والسيطرة، وكفاءة الأجهزة الأمنية المهنية بتطبيقها فعليا.

على هذا الأساس يتم اللجوء إلى إقرار القوانين الملاءمة من أجل التقليل من الآثار السلبية للسلوك الأنساني غير السوي "العدائي" أي الذي لا ينسجم والأهداف العامة للمجتمع، وهذا واقع حال سارت عليه جميع المجتمعات المتطورة، وحققت نجاحات باهرة في ضبط وتوجيه السلوك البشري، وتسير مسرعة على خطاه العديد من المجتمعات النامية لتحقيق نفس الغاية، بينما لا نجد هذا التوجه ملموسا في عراق ما بعد التغيير أو أن وجوده، والسير في  طريقه بطيئا لا ينسجم وكم السلوك المخالف للأهداف العامة في الشارع العراقي.، وهذا البطئ جاء نتيجة حتمية لدخول البرلمان العراقي طرفا في ساحة الإختلاف مما تسبب في أستشراء الخطأ والتجاوز والتخريب والإعاقة بمستوى يفوق من حيث الكم والتأثير ما متاح من جهد حكومي لأغراض المصالحة، وحال دون سرعة تحقيقها كما يراد لها أن تكون، هذا وأضاف لها القيد الأمني الجغرافي المزيد من التعقيد بعد أن أفقد التواجد الحصري في المنطقة الخضراء عموم المجتمع العراقي قدرة التفاعل والدعم  الجماهيري لقواه السياسية الموجودة هناك في تحقيق مشاريعها المهمة بينها المصالحة الوطنية، وتسبب في الحد من تحركهم المفروض لأغراض تبديد الأحتقان وتقريب وجهات النظر التي تمهد للمصالحة.  

إن العراق بلد حكمته قوانين الديكتاتورية لأكثر من خمسة عقود بأسلوب تشريع وتنفيذ أنتج خوفا شديدا من الحاكم، وأمتثالا لأوامره تحت مظلة الشعور بالتهديد، وكّون أجهزة ضبط وسيطة بين الحاكم والمجتمع، أمتازت بالقوة والتسلط، لا تأخذ بالأعتبار الجوانب الإنسانية بقدر ما تعمل لتحقيق أهداف القائد والحزب الحاكم في البطش والسيطرة، وأفضت إلى صياغة مجتمع يقاد بضغط القوة، ويوجه مركزيا من الأعلى باستخدام القوة، وهذه وضعية سادت في العراق عدة عقود من الزمان ألزمت الناس إلى الأستجابة إليها والتعامل معها قسريا وليس ذاتيا، فكونت باستمرار تكرارها وطول فترة التكرار ردود فعل سلبية إتجاه الألتزام بالقواين العامة، وميل إلى المخالفة كلما سنحت الفرصة إلى ذلك، وأستعداد للتجاوز على رموز الدولة والمال العام كلما كان ذلك ممكنا.

وهذه ردود فعل وأستجابات أي سلوك غير سوي أسهم مع غيره من أنواع السلوك المشابهة في عدم توفير الأجواء المناسبة للمصالحة، ومع جسامة هذا الخلل في أعتياد العراقيين للإستجابة إلى القوة بقى التشريع المناسب للقوانين المناسبة في الوقت المناسب هو من بين العوامل التي تعين السلطة التنفيذية لتحقيق خططها في المصالحة، ويبقى البطئ والتقصير في مجالها من بين عوامل الإعاقة لتحيقها، خاصة وإن فراغ قانوني قد حصل بعد التغيير بسبب تعطيل بعض القوانين وعدم الرغبة في تنفيذ أخرى والفراغ السلطوي في تنفيذها بعد حل الأجهزة الأمنية المختصة بالتنفيذ.

ز. الإعلام المضاد 

تَنقلُ بعض الفضائيات العربية عن عمد أخبار الأعمال الإرهابية المخلة وتزيد عليها إثارة وتشويقا للمتابعة، وتظهر في أفلام ولقطات متلفزة عملياتهم التخريبية والمسلحة، وتكرر ظهورها حتى تترك في أذهان المتلقين أنطباعات عن أنتماءات وطنية لهذه الفصائل، وكفاح ضد الاجنبي المحتل، وتجري مقابلات خاصة مع القريبين أو المؤيدين من تلك الفصائل تلمح في الأسئلة الموجهة والمختارة جيدا إلى قدرتها وأمكانيتها في التأثير.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تقوم بعض الفضائيات بتحوير الأخبار المتداولة عن العمليات الأرهابية لتضيف إليها أو تحذف منها ما ينفع في تغيير طبيعة الخبر إلى صالح العمل الإرهابي، وبعملها هذا تقدم دعما معنويا للإرهابيين والمسلحين المختلفين، وشحنا أنفعاليا لازما لديمومة تواجدهم في ساحة الإختلاف، وأستمرار نشاطهم المسلح فيها، كما تحقق لهم إدامة نفسية لزخم التجنيد المحلي والعربي الأسلامي من خلال صورة الجهاد والمقاومة التي يقدمها ذلك الإعلام عن الأفعال الإرهابية التي ترتكب في ساحة الإختلاف العراقية، وتساعدهم في تعزيز النعرات الطائفية لدفع بعض العرب والمسلمين من الخارج والبعض الاخر من الداخل للدخول أطراف في مشاريع الفصائل المسلحة بدوافع دينية طائفية، وهي الدوافع الأقوى في التجنيد، وتحقيق سلوك الإنخراط في العمليات القتالية والأنتحارية. 

لقد أستخدمت جميع الفصائل المسلحة الأنترنت لنشر الأخبار والوقائع بالصور، واستخدمته كذلك لإدامة الأتصال والتواصل فيما بين أعضائها بالداخل ومؤيديها ومموليها في الخارج، حتى أصبحت من أهم الوسائل لإدامة وجودها ومتابعة أخبارها، وحشد الجهد بالضد من مشاريع الحكومة بينها المصالحة.  

إن حرية الإعلام التي تكونت بعد السقوط أعطت مجالا لوسائل الأعلام المسموعة والمكتوبة والمرئية وفرص جيدة للأستعراض ونشر الأخبار يصعب السيطرة عليها إلا من خلال الإجراءات المقننة لتقييد الحركة ميدانيا وبحكم القضاء أو بصلاحيات الطوارئ للحيلولة دون إطلاع المشبوهة منها على بعض العمليات، وهذه مسألة ليست يسيرة في ظروف التوسع بقدرات الأتصال.

كما يمكن التأثير غير المباشر عليها بتوظيف جهد فني لمتابعة المواقع المشبوهة والمثيرة للإختلاف على الانترنت ومحاولة ضربها " عن طريق الفايروسات" والتدخل في محتوياتها، وهذه تقنية يمتلكها الآخرون وغير متيسرة للأجهزة الأمنية العراقية بالوقت الحاضر، من هذا أصبح الإعلام المضاد مثيرا للتوتر وعامل إعاقة لجهود المصالحة بكافة مراحلها.             

ح. إن العوامل الإجرائية المذكورة بات تأثيرها في الإعاقة تأثيرا مباشرا، وهناك عوامل أخرى لها تأثير غير مباشر يتعلق بعضها بضعف الاستعداد الدولي والأقليمي للدخول بقوة تسهم في مد المشروع بجرعات منشطة، وقصور الفهم العربي لطبيعة التركيبة الأجتماعية العراقية التي عزلت العرب وأبعدتهم عن الدخول أطرافا مؤثرة.

يضاف لها قصور أداء الأحزاب السياسية المشاركة في السلطة لما يتعلق بالمصالحة، وأفتقار اللجان المعنية بموضوع المصالحة للمختصين في جوانب علم النفس والأجتماع، الأمر الذي صبغ تحركها بصبغة إعلامية أستعراضية أكثر من الإجرائية الكفيلة بتحقيق التقدم في مجالها، ومعها التدني في مستوى النضج في المجتمع العراقي الذي حال حتى وقتنا الراهن دون إدراك أخطار الإختلاف "التخاصم" على الحاضر والمستقبل، ودون فهم الديمقراطية، وأستيعاب حقوق المواطنة وواجبات المواطن، وغيرها التي تنتج المزيد من التناقض والسلوك العائق لتحقيق المصالحة.  


2. عوامل الإعاقة المسلحة   

لقد تأسست في العراق بعد الحرب، وفي النصف الثاني من عام 2003 على وجه الخصوص العديد من المنظمات، والجماعات المسلحة التي وضعت أعلى أهدافها أستخدام كل وسائل العنف، وأنواع السلاح لفرض حلولها في خلاف ترى نقاطه الأساسية، وأهدافها في التعامل معه تتمحور حول:

الوجود الأجنبي: خروج قوات متعددة الجنسيات "الإحتلال".

التغيير: إجهاض المحاولات التي تسعى إلى تحقيقه كما هو مطلوب ديمقراطيا. 

شكل نظام الحكم: العودة إلى طبيعته السابقة بالنسبة إلى البعثيين والبعض القريبين منهم، وحكمٌ بصبغة أسلامية تتدرج من تطبيقات الشريعة الإسلامية إلى دولة أسلامية سلفية كلما تم الإقتراب من مفاهيم القاعدة ومناصريها.  

إن ساحة القتال لتحقيق أهداف الإختلاف بقوة السلاح، قد أصيبت مثلها مثل الساحة السياسية بالتشظية، وكثر التنظيمات التي صُنفت بعضها على المقاومة الوطنية المسلحة، وبعضها الآخر على الإرهاب، وأنتهت بعض فصائلها كما هو حال بعض الأحزاب والقوى في الساحة السياسية بسبب الفشل في الحصول على الدعم اللازم للإستمرار، أو نتيجة التبعثر وأنتقال المنتسبين لأطراف وفصائل أخرى، وما تبقى منها أو الأكثر نشاطا من بينها حتى نهاية عام 2007 فصائل تختلف فيما بينها في أسلوب فرض الحلول المناسبة للمشكلة العراقية، وأن ستخدمت جميعها السلاح في محاولة الوصول إليها في مرحلة من مراحل وجودها. 

وتختلف في أسلوب التعامل مع الغير "عسكر الحكومة وموظفيها، والمواطنين التابعين وغير التابعين" في ساحة القتال، حيث الأستهداف أسوة بالأجنبي للبعض المتطرف، والأستثناء من ذلك كدم عراقي لمن يقترب من مفهوم المقاومة الوطنية.

وتختلف أيضا في النظرة إلى الجانب الطائفي، وكيفية التعامل مع ناسه الموجودين في الساحة بأمتداد من مستوى التكفير للبعض القريبين من القاعدة إلى قبول التعايش بالنسبة للقريبين من فعل المقاومة.

إن الإختلافات الأيديولوجية، والمنهجية المذكورة بين الفصائل المسلحة على سبيل المثال، وأخرى غيرها باعد بينها وأبعد بعضها عن خط التلاقي مع الغير للتفاهم وإيجاد الحلول مما زاد من شدة التعقيد في ساحة الإختلاف وأسهم في الإعاقة غير المباشرة لمشروع المصالحة.

هذا وبعد أكثر من أربعة سنوات لعملها في الساحة أتضح فيها أن لا أحد منها حتى الوقت الراهن يمتلك القدرة على فرض الحلول التي تراها مناسبة بأستخدام القوة وحدها في ساحة يتواجد فيها الأمريكان الذين يمتلكون القوة الأكبر، ومن بعدهم الحكومة التي تزداد قوتها بالتدريج، وهذا واقع وإن يمهد منطقيا إلى إمكانية التعامل معها تصالحيا، لكنه وعلى وفق تركيبتها الدينية السلفية يصبح عائقا أمام تحقيقه عمليا، ومع ذلك فإن درجة التدين السلفي، والإرتباط الخارجي، والمشاعر الوطنية، والتركيبة النفسية تجعل تعميم موقف الإعاقة لجميعها غير صحيحا، وتسمح بتقسيمها فيما يتعلق به إلى ثلاث مستويات:      

أ. المتشددون

تلك الفصائل المسلحة التي تنتهج فكرا تكفيريا، وأرتباطا خارجيا، بخصائص نفسية  تدفعها إلى رفض جهود التصالح، وتدفع الأطراف المقابلة لها في ساحة الإختلاف إلى الإصرار على الرفض، والأكثر قربا من بينها للتشدد هي:  

أولا. التوحيد والجهاد / تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين

تنظيم أسلامي سلفي تكفيري متطرف، بدأ اول نشاط ملموس ومؤثر له في الفلوجة، ليتوسع نفوذه وتواجده في الأنبار وبغداد وديالى وصلاح الدين، وأقل منها في كركوك وأخيرا في الموصل.

يعد هذا التنظيم الأول والأكثر تطرفا من بين التنظيمات الأخرى التي أعتمدت القتل الطائفي أسلوبا للتعبئة، وحشد الجهد لكسب الدعم، والتأييد لعملياته الإرهابية، ومع ذلك فإن فاعليته قد أنتهت في السيطرة على المدن والمناطق السكنية التي تمتع بها لعامي 2005 ـ 2006 ، وقلت بعض  أنشطته التخريبية بشكل ملموس بعد منتصف عام 2007 حتى تكاد أن تكون قد أنتهت في الأنبار مع نهاية العام، وأنحسرت في ديالى، وبغداد، وتركزت على الموصل حيث حشدت القوات الحكومية مدعومة بقوات متعددة الجنسيات في شباط 2008 لحملة تعتقدها الأخيرة على تنظيمه الذي ذكرت تقارير لها وللأمريكان أن مقاتليه بدأو يتركون الساحة العراقية إلى خارجها، وهذا يؤشر تحولا حاسما في غير صالح التنظيم يمكن إرجاع اسبابه الرئيسية إلى دخوله في قتال مع تنظيمات المقاومة العراقية المسلحة في ساحة عملياتها المحلية التي تفوقت بها في أكثر المعارك التي دارت في الأنبار، وبغداد، وديالى.

وإلى وجود مجالس الصحوة، واللجان الشعبية التي وضعت أعلى أهدافها محاربته بداية في الأنبار ومن ثم في ديالى، وأطراف بغداد، وتوجيهها ضربات شديدة إلى أتباعه، وتضييقها الفاعل على مصادر دعمه الإداري.

يضاف لها فاعلية الجهد العسكري العراقي المدعوم من قوات متعددة الجنسيات في بغداد، وديالى وأخيرا في الموصل، وتتابع الضربات الموجهة إلى قواعده، ومقراته، وطرق إمداده.   

كذلك عدم تعاطف الأهالي كحاضنين سابقين لوجوده بينهم، وتعاونهم مع القوات الحكومية أستخباريا بسبب الخسائر الكبيرة التي تكبدوها من هذا الوجود، وآراءه المتطرفة في تطبيق الشريعة الإسلامية غير المنطقية من وجهة نظرهم "الأهالي" الذين لم يعتادوا مثل هكذا تطبيقات. 

والتحرك الخارجي "النسبي" من دول الإقليم العربي بالضد من نشاطه الإرهابي سواء على المستوى الرسمي مخابراتيا أو الشعبي فيما يتعلق بالإفتاء، الأمر الذي حد من أعداد القادمين إلى العراق بقصد القتال وتنفيذ العمليات الإنتحارية، وأعاق عمليات التمويل نسبيا.

إن أهداف هذا التنظيم أبعد من موضوع تحرير العراق، وإمداداته البشرية والمالية من الخارج، وقادته وكادره المتقدم في الغالب من غير العراقيين، لايمكن التفاهم معهم سلميا، سيبقون أقوى المعرقلين لعملية التصالح لتمتع غالبيتهم بخصائص نفسية سلبية مثل الإصابة بداء "ذهان" التعصب.

والإنغماس في النفور حد المقت، وفي الكراهية حد الإنتقام، والسعي لتغذيتها في نفوس الأتباع لإستمرار القتال وتحقيق الهوية.

وتمجيد الذات، كعنوان للبقاء المتميز في الحياة، والخلود "الجنة" ما بعد الممات.

وإنعدام الشعور بالذنب مستوى الإخلال بالمعايير والقواعد الإخلاقية.         

ثانيا. أنصار السنة

تنظيم إسلامي "سني" سلفي متطرف يقترب فلسفيا من القاعدة في تطبيقات الشريعة الإسلامية، وينسق معها في عديد من الحالات، بدأ نشاطه في الأنبار وبغداد وديالى وصلاح الدين والموصل.

وهو تنظيم يعتمد على العراقيين من ذوي التوجه الإسلامي السلفي من العسكريين، والشباب المتطرفين طائفيا مع قليل من العرب الذين لا يحتلون مراكز قيادية عليا في هيكله التنظيمي.

يؤسس هذا التنظيم على التطرف الطائفي في توجهاته القتالية والتثقيفية، ويعاني أكثر قادته من هاجس الكراهية، والرغبة في تغييب المقابل التي تجعلهم أبعد ما يكون إلى التفاهم والتصالح، والتواد بعد أن أنغمسوا كثيرا في الأعمال الأنتقامية والقتل، والإختطاف التي تعرقل خطوات المصالحة.      

ثالثا. أنصار الإسلام

جماعة إسلامية سلفية، جهادية تأسست من إندماج حركتي جند الإسلام والإصلاح الكرديتين قبل حرب عام 2003 ، يغلب على قيادتها وأهدافها التطلع الكردي، إذ تسعى إلى إقامة دولة أسلامية في إقليم كردستان، ومع ذلك يتواجد بين صفوفها القليل من الأفغان العرب.

على هذا الأساس أقتصر نشاطها في كردستان مع محاولات للإمتداد غير مجدية إلى الموصل وكركوك، وخلاياها في الأنبار قد أنتهت فاعليتها تماما، ومقراتها وقواعدها تتركز قريبا من حلبجة وعلى أمتداد الحدود العراقية الإيرانية التي تكسبها مرونة في التحرك، وحماية مقبولة من هجمات القوات المحلية لأقليم كردستان، وفرص للتواصل والحصول على الدعم الإداري، والمالي ومع ذلك تعرضت إلى ضربة صاروخية من قبل القوات الأمريكية إبان الحرب "نيسان 2003" كانت مؤثرة بمستوى تسبب في تشتت مقاتليها الذين هرب معظم من تبقى منهم على قيد الحياة إلى إيران، ورغم عودة غالبيتهم ثانية إلى ذات المنطقة والسعي لإعادة التنظيم من خلال توحيد بعض الجماعات السلفية، وتجنيد آخرين لكن أنشطتها غير فاعلة حتى الوقت الراهن. 

لهذه الجماعة علاقات مع القاعدة، وقاتل بعض قادتها في أفغانستان، وهم لا يختلفون كثيرا من الناحية النفسية عن قادة القاعدة في جوانب التعصب، والكراهية، وتمجيد الذات التي لا يمكن أن تقربهم يوما من التفاهم مع الدولة، والسلطات المحلية، ولا  الجلوس مع القوى التي تحاول التصالح وإعادة بناء البلاد. 

رابعا. جيش الفاتحين

تنظيم أسلامي "سني" سلفي تكفيري "عشائري"، يتركز نشاطه في بغداد وسابقا في الأنبار "قبل الصحوة" وله نشاط محدود في كركوك وسامراء.

يقترب في نهج تفكيره وأسلوب عمله من القاعدة، وله علاقات تنسيقية معها، سبق وإن انظم إلى جبهة الجهاد والإصلاح ثم أعلن الإنفصال عنها.

وهذا التنظيم مثله مثل القاعدة لا يضع حدودا لعملياته المسلحة بالضد من القوات الحكومية، وقوات متعددة الجنسيات، ويبرر أستهداف المدنيين وسيلة أسقاط للحكومة، وضغط على الأمريكان بإتجاه إجبارهم على الخروج من البلاد.

وهو كذلك تنظيم متشدد غير مرن، لا تنفع الوسائل السلمية وأساليب التفاوض للتخفيف من غلواء تشدده، كان أسوبه وفلسفته وسيبقى عائقا في الطريقق لتحقيق المصالحة.  

خامسا. كتائب ثورة العشرين        

تنظيم عراقي عربي سني يحوي بين صفوفه القليل من العرب، والكثير من العسكريين السابقين، خاصة الضباط من الحرس الجمهوري والحرس الخاص، وبعض منتسبي الأجهزة الأمنية.

كانت قاعدة تنظيمها في الأنبار ومن بعدها بغداد، وقليل منها في الموصل، لكن الأمر قد تغير في الربع الأخير من عام 2007 بعد تدخل الصحوات في القتال الذي أجبرها على الحد من أنشطتها في عموم المحافظة.

أختلفت قيادة التنظيم مع القاعدة لمستوى المجابهة المسلحة في أكثر من مكان عام 2007 .

تؤسس الكتائب على الطائفية، والتطرف في النظرة إليها اسلوبا للتعامل مع الواقع المعاش، ومع دوافع الكسب للتنظيم، ومناحي التثقيف، وهي تنظيم يقترب إلى حد ما من النهج الفكري للأخوان المسلمين مع بعض التشدد.

إن النظرة المتشددة للتنظيم نحو الآخرين في ساحة الإختلاف، والتطرف الذي يميز معظم قادتها يضعها مع الجماعات المعرقلة للمصالحة، وإن وقفت بالضد من القاعدة.

سادسا. جيش الراشدين 

تنظيم أسلامي "سني" سلفي تنتشر كتائبه "خلاياه العاملة" في بغداد والأنبار وديالى.

يقترب نهج تفكيره الإسلامي المتشدد، وأسلوب عمله التنظيمي من كتائب ثورة العشرين.

إن نهج التفكير غير المرن لقادة هذا التنظيم ، وطبيعة الأعمال التي نفذت في ساحة القتال، تدفع إلى تصنيفه على المتشددين الذين يضعون العقبات في طريق المصالحة.  

ب. المرنون 

مجموعة الفصائل التي يمتلك بعضها قدرا من المرونة السياسية، ويقترب بعضها الآخر من مشاريع المقاومة الوطنية العملية، والتي تتصف في العموم بقدر مقبول من الإنفتاح على الآخرين، ومعقول من الأبتعاد عن الحقد والإنتقام الطائفي، بما يؤهلها أن تكون طرفا في التفاهم ، ويمهد للتعامل معها سياسيا، وإن بقي بعضها معرقلا لمشروع المصالحة، والأكثر نشاطا من بينها هي: 

أولا. العودة 

تنظيم واجهي لحزب البعث، يتكون في معظمه من بعثيين عسكريين، ومنتسبي الأجهزة الأمنية السابقين، ومدنيين بدرجات متفاوتة، وغالبية نشاطه محصور في مثلث الجزيرة، وبشكل متفرق في الجنوب خاصة البصرة، مع أنتشار لخلاياه في ديالى وبغداد وصلاح الدين والموصل وكركوك، وقليل من أعضاءه في الأنبار والناصرية.

أما في باقي محافظات الجنوب فتواجده يقتصر على قليل من الخلايا، وأفراد يتوزعون حسب مناطق سكناهم، يرتبطون مع مفاصل قيادية في التنظيم بشكل فردي.

وهو تنظيم يفوق نشاطه التحريضي "النفسي" عملياته العسكرية المسلحة التي لم تكن فاعلة بالمقارنة مع باقي فصائل المقاومة، على الرغم من أنتهاجه سياسة الأذرع العسكرية للتنظيم التي أخذت أسماء متعددة تبعا للفروع والشعب الحزبية العاملة في الساحة.

هذا وقد تأثر نشاطه سلبا بعد انشقاق محمد يونس الأحمد عن جناح الحزب الذي يقوده عزة الدوري.

وعلى وجه العموم إن خلاياه المسلحة من العسكريين والحزبيين السابقين ليست رصينة تنظيميا، تعتمد في تحركها على مشاعر الإرتباط بالماضي الذي لم تتحرر من قيوده النفسية، ومع ذلك يتمتع قادته بخبرة ومرونه سياسية تفوق التنظيمات الإسلامية الموجودة والعاملة في ساحة الإحتراب، كما إن تركيبته القيادية، ونهج تفكيره المرتبط كثيرا بمجد الحزب السابق، وكم الشعور بالخسارة من فقدانه في داخل عقول منتسبيه، وعدم الإعتراف بالخطأ لفترة حكمهم التي لا تحتاج إلى إثبات، يجعله أحد أهم الأطراف التي تعيق عملية التصالح في الوقت الراهن، لكنها وبنفس الوقت تقدمه طرفا مرنا يمكن الإلتقاء معه في أحد المحطات ليست القريبة من الآن، خاصة جناح محمد يونس الأحمد الذي يتمتع قادته بنظرة أكثر عملية في نقد الماضي وأستشراف المستقبل.

ثانيا. الجيش الإسلامي

تنظيم لعراقيين ذوو توجهات أسلامية "سنية" وبقيادة، ومنتسبين في الغالب من العسكريين السابقين، معظم نشاطه في بغداد، والموصل، وصلاح الدين، وشمال بابل، وكان له تواجد في الأنبار أنحسر بتأثير وجود الصحوة.   

يرتكز في نشاطه الميداني، وثقافته العامة، وأهدافه المعلنة على إخراج قوات متعددة الجنسيات، بتصنيفها قوات احتلال.

وقف بالضد من القاعدة عام 2007 ودخل معها في قتال مباشر في العديد من المناطق بينها أحياء بغدادية في الكرخ، والعامرية، والغزالية على وجه الخصوص، ويخالفها وباقي التنظيمات المسلحة المتطرفة الرأي فيما يتعلق بالقتل والتهجير الطائفي الذي لا يجيز حدوثه.  

إن أعماله المسلحة بالضد في ساحة الإختلاف، حتى دخوله طرفا في مقاتلة القاعدة التي يختلف معها بشدة، وآراء قادته في التعامل مع أبناء الطوائف الأخرى عراقيا، وأهدافه المعلنة، تقلل من توجهاته للإعاقة، وتقربه من دائرة التحاور والنقاش، والتصالح بقدر يفوق غيره من التنظيمات المماثلة.  

ثالثا. الجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية (جامع)

تنظيم أسلامي "سني" عراقي، ينشط في محافظتي ديالى ونينوى، أهدافها المعلنة مقاتلة القوات الأجنبية "قوات متعددة الجنسيات" لإجبارها على ترك العراق.

للجبهة تصورات في التعامل مع المشكلة العراقية تعد الأكثر نضجا من باقي التصورات التي تطرحها التنظيمات المسلحة الأخرى.  

يعد أسلوبها وطروحاتها الفقهية، والسياسية الأقل تطرفا من بين الطروحات التي تتداولها باقي التنظيمات الدينية السلفية، وهي في قتالها لا تحل قتل المدنيين والعسكريين العراقيين، وأبناء الطوائف الأخرى.

إن أساليب عمل الجبهة في الساحة للفترة الماضية التي خلت من أستهداف العراقيين، وطبيعة أهدافها التعبوية في إخراج القوات الأجنبية، وسبل تعاملها غير المتشنج في الميدان، تجعلها الأقل ميلا للإعاقة من جهة، وتسهل عملية الأتصال بقادتها من جهة أخرى، كما تمهد إلى فتح قنوات للتعامل معها سياسيا.

رابعا. جيش محمد 

تنظيم عراقي عربي "سني" معظم منتسبيه من الأجهزة الأمنية السابقة والحرس الجمهوري، مع خليط من أعضاء حزب البعث، وأبناء عشائر، وبقايا مقاتلين عرب "قلة"، تأسس في الأنبار ونشط فيها، ومن ثم أمتد إلى بغداد وديالى، والموصل، وسامراء، لكن نشاطه أنحسر أخيرا، حتى توزع بعض منتسبيه على تنظيمات أخرى، وكمنت بعض خلاياه في بغداد، والموصل. 

يقترب من حزب البعث في نهج تفكيره، إلى الحد الذي يعده البعض أحد الأجنحة العسكرية للحزب.

إن هذا التنظيم خليط بإمتدادات بعثية، يجعل قادته أكثر تأثرا فيما يتعلق بمشاريع التصالح والتفاهم بقادة حزب البعث، ومع ذلك فإن الصفة العسكرية لغالبيتهم، وتأهيلهم القيادي الميداني يمكّن الأطراف المقابلة للتعامل معهم  تعاملا فيه من التفاهم ما يفوق الرغبة بوضع العراقيل.  

 خامسا. القيادة العامة لمجاهدي القوات المسلحة 

تنظيم عسكري يقوده ضباط جهاز المخابرات السابق، وبعض الضباط من الحرس الجمهوري، أكثر أنتشار له في بغداد والرمادي وقليل في الموصل.

يتبنى شعارات وطروحات حزب البعث العربي الإشتراكي "جناح عزة الدوري" غير البعيد عن عمليات دعمه المالي والمعنوي.

يستند عمل التنظيم ونشاطه العسكري المسلح على أساس حرب العصابات بالضد من القوات الأجنبية.

إن طبيعة التنظيم، وأبتعاده عن التطرف الديني المذهبي، وخصائص قادته من العسكريين تفتح المجال للتحاور معه، وتسهل قبول التفاهم بأقل ما يمكن من العراقيل.

سادسا. كتائب الفاروق 

يحسب هذا التنظيم على الحركة الإسلامية العراقية "السنية" وتعد جناحها العسكري من الناحية التنظيمية، وتظم بين صفوفها عسكريين سابقين، وحزبيين بعثيين من المستويات التي تقل عن الوسط، بدأت عملياتها في الفلوجة ثم عموم الرمادي فبغداد، مع محاولات في البصرة، ولها تحالفات مع فصائل مسلحة أخرى بينها القيادة العامة لمجاهدي القوات المسلحة على وجه الخصوص.

إن قادتها وكادرها المتقدم عراقيين غالبيتهم عسكريين، ومع ذلك فبين صفوفها القليل من العرب الوافدين.

تعتمد في عملها التعبوي على تشكيل سرايا قتالية صغيرة، بصلاحيات تنفيذ ذاتية، وفي تمويلها المالي على حزب البعث بالدرجة الأساس، وتقتصر عملها المسلح بالضد من قوات متعددة الجنسيات.

إن الأفكار المرنة نسبيا للكتائب في التعامل مع المواقف والأختلاف، وطبيعة عملياتها في ساحة القتال تفتح الطريق أمام الأتصال بها، والتعامل معها، وهي في موضوع الإعاقة تقترب من موقف حزب البعث في جميع الأحوال.

سابعا. جيش المهدي 

تشكيل إسلامي عراقي "شيعي" مسلح أعلن عن وجوده منتصف عام 2003 في النجف، وضع أعلى أهدافه إخراج قوات متعددة الجنسيات "الإحتلال" من العراق، ومع ذلك اشترك بعض أنصاره في قتال بالضد من مليشيات شيعية، وأخرى سنية في أكثر من مناسبة، وأتهم قسم منهم بتنفيذ عمليات أختطاف، وبالقسوة والتطرف في المواجهة  الميدانية مع الخصوم.

ترتكز قواعده من الشباب المحرومين في علاقاتها التراتبية وتنفيذ أوامر قيادتها على ولاء عاطفي، تحركه مشاعر الرغبة بالخلاص من واقع الحرمان عن طريق هذا الجيش، بإعتقاد أنه المؤهل لمثل هكذا مهام "الخلاص".

لكنه يفتقر إلى الخبرة العسكرية في القيادة، وإلى الخبرة المهنية في تنفيذه المهام القتالية، وبدلا منها  يستند في تخطيط وقيادة العمليات على مدنيين، وبعض ضباط الصف والجنود المدفوعين بمشاعر الحرمان تم تدريب البعض منهم داخل وخارج العراق، على العكس من باقي تنظيمات المقاومة المسلحة التي طعمّتْ مفاصلها القيادية بالضباط من كافة الرتب لأغراض التخطيط والقيادة.

تشكل عمليات أختراقه من قبل الشباب النفعيين، والمخالفين، وعملاء المخابرات الأجنبية مشكلة لمرجعيته العليا في جوانب القيادة والسيطرة التي تجد صعوبات في ضبط إنحرافات بعض القواعد بإتجاه التنفيذ الميداني للأغراض الخاصة، كما تشكل عمليات أختراقه لبعض أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية مشكلة لقياداتها الحكومية في الضبط، وحشد الجهد لأغراض القتال.          

إن مرجعية جيش المهدي مشاركة في العملية السياسية على مستوى البرلمان، وهي وإن أنسحبت من الحكومة، فإن وجودها الضمني، وتعبيرها الرسائل المتكررة حول رغبتها في المعارضة السلمية، وتجميد نشاط جيشها، يهيئ فرص سهلة للتعامل مع جيشها في موضوع التخفيف من حدة الإعاقة والإختلاف، كما إن تركيبة منتسبيه الإجتماعية على مستوى القواعد تسهل ذلك بمجرد التقليل من الحرمان بإيجاد فرص عمل مقننة.

ثامنا. المليشيات الحزبية 

في ساحة الإختلاف لا يقتصر النشاط على الأطراف التي وقفت بالضد من الحكومة والعملية السياسية، وقوات الأحتلال المذكورة في أعلاه، بعد أن عززت الأحزاب الفاعلة المشاركة في العملية السياسية من قوة، ووجود مليشياتها المعترف بها رسميا من قبل الأمريكان والحكومة العراقية حسب الأمر 91 لعام 2004، وأخرت عملية دمجها كما ينص القانون، وكونت أخرى مليشيات أستعانت بقوتها للسيطرة على الشارع، وعلى الأطراف المقابلة حتى أصبحت جميعها "الأحزاب الفاعلة" تمتلك مليشيات نفذت في ساحة الإختلاف عمليات قتال دفاعية وأنتقامية، وأنتقلت بتنفيذها هذا من الطرف المفروض لدعم العملية السياسية وتثبيت الأمن والإستقرار كما ينص القانون إلى خانة الإثارة في ساحة الإختلاف، والمشاركة في التأزم الناجم عن الإختلاف، وعموما يعد التفاهم فيما بينها هو السبيل الوحيد لتجاوز الإعاقة والتمهيد للتصالح المطلوب.    

ج. الجبهويون 

إن تصنيف الجماعات المسلحة فيما يتعلق بالإعاقة إلى متشددين، ومرنين لا يكفي بعد أن برزت متغيرات عدة مع بداية عام 2007 من بينها.

إدراك أهالي المناطق الساخنة بفداحة الخسارة من وجود القاعدة على أراضيها، وتحركهم عشائر، وجماعات في المنطقة والمحلة على شكل صحوات ولجان،  لمحاربتها والتفوق عليها في أغلب مناطق تواجدها، بإستثناء الموصل التي تنتظر الشروع في معركة قد يسلك أهلها تحت تأثير نفس المشاعر التي تسهل رحيلها وتقلل من أثر التشدد بشكل عام.

إندفاع العديد من الفصائل المقاومة المسلحة إلى الوقوف في الصف المناهض للقاعدة والإشتراك في مقاتلتها أيضا، وتحول بعض مقاتلي تلك الفصائل تحت تأثير الولاء القبلي إلى صفوف العشيرة دعما لها في ساحة القتال.

ومن بينها أفول مشاعر التأييد لفعل المقاومة المسلحة بين الجمهور العراقي "في مثلث الجزيرة" مع ظهور علامات الرفض، والتساؤل، وإبداء الرأي.  

كذلك التدخل الإيراني واضح المعالم للتمويل والدعم السياسي، والمعنوي.

إنها متغيرات مع مشاعر الإحباط من عدم تحقيق التقدم في القتال بالضد من قوات الحكومة، وقوات متعددة الجنسيات بما يقوض العملية السياسية، والسعي منها لتقليل التقاطع وأثر الإختلاف، دفع قادة الفصائل المسلحة المذكورة في أعلاه وأخرى أقل فاعلية في الساحة إلى التفكير بعمل جبهوي يؤمن لهم ذلك مع حشد الجهد المطلوب للتعامل مع الموقف الجديد لما بعد القاعدة، والصحوات التي أختطفت فيه العشيرة جل الأضواء على حساب الجماعة الدينية والعقائدية.

إنه تفكير جدي لعموم الفصائل المسلحة لمعالجة مواطن الضعف، وإدامة الدافعية المطلوبة للعمل والبقاء على أساس ديني لم يستثن منه حزب البعث العربي الإشتراكي المعروف بعلمانيته الذي وجد في الطريقة النقشبندية زادا في ديمومة الوجود في الساحة المقاومة، فكانت أربعة جبهات كما يأتي:

اولا. جبهة الجهاد والإصلاح

أعلن في آذار 2007 عن تأسيس هذه الجبهة لغاية مفادها حسب البيان التاسيسي تكوين جيش بإمارة واحدة يضع برنامج عملي عراقي، يستند إلى تعاليم الشرع الإسلامي لمحاربة الأمريكان والأحزاب والجمعيات والحكومات العلمانية تضم في تشكيلتها:

الجيش الأسلامي.

جماعة أنصار السنة / الهيئة الشرعية. 

جيش المجاهدين.

حركة المقاومة الإسلامية / حماس العراقية.

الجبهة الاسلامية للمقاومة العراقية ( جامع). 

وساحة عملها تشمل بغداد، ديالي، صلاح الدين، الانبار ،الموصل.

توجهات الجبهة دينية سلفية، لا تؤمن بالتكفير، وإن حسبت بعض فصائلها على المتشددين مثل ( جيش المجاهدين، وأنصار السنة).

تعتمد في تمويلها على الجماعات الإسلامية السلفية في الخارج، وبعض الأشخاص المؤمنين بهذا النهج أسلوبا لتحقيق الحكم الإسلامي في الداخل.

هذا وتحظى الجبهة بمباركة الحزب الإسلامي العراقي الذي يحاول توسيع نفوذه عليها من خلال حركة المقاومة الإسلامية التي ترتبط به.

تتمتع بعض فصائل هذه الجبهة بالمرونة، والبعض الآخر بقلتها، ومع ذلك تقترب أخيرا من المرونة العملية في نظرتها للتعامل مع قوات متعددة الجنسيات، مما يفسح المجال للإهتمام بوضعها في مشاريع التفاهم مجتمعة أو كل على أنفراد، كما إن تشكيلتها التي سبقت الجبهات الأخرى لم تؤثر على نوع وكم العلميات القتالية والتخريبية التي تناقصت نسبتها في النصف الثاني من عام 2007 وحتى الوقت الراهن، ولم ينقلها إلى التنسيق والتعاون الكامل في ساحة القتال السياسية والعسكرية.  

ثانيا. جبهة الجهاد والتغيير.

أسفرت الأتصالات عن أتفاق الفصائل الآتية لتشكيل هذه الجبهة:

كتاب ثورة العشرين.

الحركة الاسلامية لمجاهدي العراق.

سرايا جند الرحمن.

سرايا الدعوة والرباط.

كتائب التمكين.

جيش الراشدين.

وساحة عملها تشمل ديالى، بغداد، التأميم، صلاح الدين، الأنبار.

توجهاتها تقترب من الأخوان المسلمين، تركتها بعض الفصائل التي تنتهج التصوف مثل جيش المسلمين، وكتائب محمد الفاتح.

أفكارها على وجه العموم فيها قدر من التطرف الطائفي تمثله أقوى الفصائل فيها (جيش الراشدين، وكتائب ثورة العشرين).

إن هذه التشكيلة أكثر تشددا في مواقفها تجاه القوات الأجنبية والحكومة العراقية، وأكثر أقترابا من هيئة علماء المسلمين التي تعد أحد داعميها الرئيسين ماليا ومعنويا، بعض فصائلها مجرد تسميات لا أثر لها في الساحة العسكرية، وبذا يعد نهجها وأسلوب عملها معرقلا لأية مشاريع مصالحة في الوقت الراهن وفي المستقبل على حد سواء.

ثالثا. جبهة الجهاد والتحرر.

تتكون هذه الجبهة من:

جيش الطريقة النقشبندية.

جيش المرابطين.

جيش الصحابة.

جيش المصطفى

تذكر الجبهة أسماء فصائل عديدة ضمن تشكيلتها، وهي في الأساس ضباط قدامى يسعون لتشكيل فصائل مسلحة. أو حزبيين يحاولون توسيع رقعة عملهم.

أو أذرع عسكرية للفروع والشعب الحزبية "البعثية" التي تحاول أن تعطي الجبهة سعة في الساحة.

من الناحية العملية لا نشاط لها ولا قوة تأثير مثل ( جيش الحمزه، جيش الرسالة، جيش ابن الوليد، كتائب التحرير، جيش تحرير العراق، سرايا الشهداء، جيش الصابرين، كتائب الجهاد على أرض الرافدين، جيش الفارس لتحرير منطقة الحكم الذاتي، سرايا الجهاد في البصرة، سرايا الفلوجة الجهادية، سرايا الطف، الجبهة الشعبية الوطنية لتحرير العراق، سرايا تحرير الجنوب، جيش حنين، سرايا ديالي للجهاد والتحرير، سرايا المجد لتحرير العراق).

ساحة تواجد فصائلها الرئيسية بغداد، صلاح الدين، ديالى، الموصل.

توجهات هذه الجبهة إسلامية صوفية، لحزب البعث/ جناح عزة الدوري الثقل الأساس دعمها معنويا، توجيه أعمالها ميدانيا، والسيطرة على تحركها، وهو كذلك مصدر تمويلها الرئيسي، وعموما فإن طبيعة نهجها معرقل لفكرة المصالحة، ويضع صعوبات في الألتقاء معها في أية مشاريع فيها الحكومة والمشاركين في العملية السياسية طرفا مباشرا.     

رابعا. جبهة الجهاد والخلاص الوطني.

إن الفصائل التي أتفقت على تشكيلها هي:

جيش المسلمين.

جيش رجال الطريقة الرفاعية.

قوات الصحابة.

جيش صفوة الصفوة.

جيش محمد الفاتح.

جيش انصار المجاهدين.

القيادة العامة للقوات المسلحة – الجيش العراقي.

وساحة تواجد فصائلها بغداد "جنوبا"، بابل "شمالا" ديالى، صلاح الدين، سامراء، الموصل.

توجهاتها إسلامية صوفية لها علاقات بحزب البعث بجناحيه الدوري، ومحمد يونس الأحمد (9).

إن النظر إلى فصائل هذه الجبهة فرادا، وإلى نهج تفكيرها يبين أنها مرنة بعض الشيئ في رؤيتها لواقع الإختلاف، وفي التعامل مع قوات متعددة الجنسيات، حتى إنها ترى في الحوار طريقة ممكنة للوصول إلى حلول مقبولة، وبذا تكون رؤيتها أقرب إلى التفاهم والقبول كأساس للمصالحة منها إلى العرقلة.    


تقدير مستوى الإعاقة المسلحة  

إن التنظيمات المذكورة في أعلاه هي الأكثر نشاطا على الساحة العراقية، ومع ذلك هناك تنظيمات أخرى يعد نشاطها محدودا في المنطقة والمحلة، أو هلاميا غير ذي جدوى، تكونت بدفع من أشخاص وجماعات لغايات محددة، وهي على وجه العموم لم تسجل حضورا فاعلا وانتشارا ملموسا، وبالتالي لا جدوى فيما يتعلق بالتعامل معها تعاملا قد يشتت من الجهد الميسور للجهات المعنية بالتهدءة والإصلاح، ويزيد من عوامل الإعاقة.     

هذا وإذا ما أستثنينا في ساحة عملها جيش المهدي والمليشيات التي تشارك أحزابها ومرجعياتها في العملية السياسية، فسيكون التقييم العام لواقع تلك القوى المسلحة فيما يتعلق بمستوى الإعاقة التي تسببها للعملية التصالحية كما يأتي:

1. إنها تنظيمات ذات صبغة طائفية، ما يقارب من نصفها سلفي التوجه، والتفكير، يقتصر جل نشاطها على مثلث تبدأ قاعدته من بغداد إلى ديالى وتمتد ضلعاه إلى الأنبار فصلاح الدين وتنتهي قمته في الموصل"مثلث الجزيرة" باتت تؤثر وتتأثر بالمحيط العربي "السني" الذي يحسم التفاهم معه جل نشاطها المسلح ويقدمها خطوات كبيرة بإتجاه التقليل من جهد الإعاقة ووضع العراقيل.   

2. غالبية القادة الفاعلين لتلك التنظيمات باستثناء القاعدة هم عراقيون من منتسبي الأجهزة الأمنية وقوات الحرس الجمهوري، وبدرجة أقل من الجيش السابق، ومنتسبيها خليط من عقائديون يرون في الجهاد ضد الأجنبي فريضة واجبة، وآخرين من المواطنين البسطاء آثروا رفع السلاح دفاعا عن مجتمعاتهم، وبينهم من وجد في السلاح وسيلة عيش وأرتزاق.

وهو خليط فيه قدر من اللا تجانس العقائدي، والفكري يضع عقبات أمام عملية التفاهم البيني مع قادته، لكنه بنفس الوقت يوفر للحكومة وأجهزتها المعنية فرص جيدة للتعامل الأستيعابي لقواعده التي تقترب كثيرا من قبول فكرة الأستيعاب.

3. إن جل أهدافها المعلنة خروج قوات الإحتلال، يضيف إليها البعض إقامة نظام حكم إسلامي، ومع هذا الوضوح، فإن معظمها "باستثناء حزب البعث" لا  تمتلك برامج سياسية واضحة المعالم، وأقتصرت أنشطتها للتجند وإدامة الدفع المعنوي  على محاربة الأجنبي المحتل، مادة قابلة للتأثير والإيحاء على شريحة المتضررين من التغير، وهذا نقص يضعفها في مجال التأثير على الشرائح الإجتماعية المثقفة من ناحية، ويقلل من حججها للأقناع في ساحة الحرب النفسية من ناحية أخرى، هذا ويعد التحوير الذي حققه الأمريكان لتوجهاتها في القتال عاملا مساعدا في التخفيف من شدة الإعاقة في صفوفها.

4. على الرغم من أمتلاك بعض التنظيمات القريبة من حزب البعث، والتابعة له معطيات فكر عروبي "بعثي" لكنها غلفت توجهاتها بلمسات دينية طائفية نجحت في مجالها تعبويا لتحقيق أستثمار جيد لقوة دفع الدين السياسي في العراق، والمنطقة الساخنة منه على وجه الخصوص لتحقيق قدر مقبول من الإقناع لأغراض المشاركة التعبوية، وإدامة المطاولة والمعنويات.

وحققت بسببها تواصلا نافعا مع الخارج "العربي والإسلامي" بمستوى يؤمن دعما ماليا، واسنادا سياسيا، ومعنويا مطلوبا في هكذا نوع من القتال، وإن أنحسر كثيرا نهاية عام 2007.   

وأمنت بوجودها إعلاما مناسبا بقنوات فضائية مؤثرة، وصفحات أنترنت مرنة، ومع ذلك بقيت تحركاتها مبهمة "غامضة" نسبيا بسبب عدم فاعلية أجنحتها السياسية في طرح أفكارها، وخشيتها تعيين ناطقين بإسمها قادرين على التعريف بها، كذلك بسبب عدم فاعلية الأجهزة الأمنية والأستخبارية، والإعلامية العراقية في رصدها ومتابعة التعريف بالثغرات المؤثرة على أنشطتها، وكم الجهد الدولي المبذول للتضيق والتطويق الفني لأنشطتها.

وعلى وجه العموم فإن الغلاف الديني لتوجهاتها أصبح عامل إعاقة أكثر منه عامل تقريب وتفاهم.

ومع ذلك فإن الغموض الذي غطى تحركاتها، لم يكن جميعه سلبيا بالنسبة إلى البعض منها بعد أن تمكنت من التأسيس عليه في الحصول على الدعم من الأوساط الشعبية العربية والمسلمة في أحيان ليست قليلة، كما أبقى "الغموض" أجهزة الحكومة المعنية بالتصالح والتفاهم في حيرة من أمرها لما يتعلق بتحديد الأكثر مناسبة وفاعلية للتعامل معه من بين الموجودين بكثرة في ساحة الإختلاف، فزاد من درجة الإعاقة.     

5. إن التفاوت في النظرة إلى العراق وأبناء الطوائف الأخرى وإلى التغيير بين التنظيمات المسلحة المذكورة أنعكس على مواقفها من الإعاقة، والمصالحة، وعلى قدرة الحكومة والقوى السياسية المشاركة في سحبها إلى هذا المشروع الحيوي، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن عدوى التشرذم، والإصابة بداء الذات المفرط، التي أنتقلت إليها، والتعصب الذي تعاني منه، حالت دون أتفاقها على أستراتيجيات موحدة في النظر إلى القضايا المهمة بينها المصالحة، ورجح كفة الإعاقة في توجهاتها على العقلنة والتفاهم.  

6. لقد ضعفت القدرات القتالية لغالبية الجماعات المسلحة المذكورة أعلاه، وقويت المليشيات التابعة للأحزاب المشاركة في العملية السياسة، مما يؤدي إلى إحتمالات حرف عملية التصالح بعيدا عن هذه القوى، ومع ذلك وبضوء تركيبتها، واساليبها القتالية، وتوجهاتها الفكرية يمكن تصنيف مواقفها لهذا الغرض على النحو الآتي:

أ. جماعات لا جدوى من الأتصال بها والأكتفاء بأستخدام القوة في التعامل معها لإنهاء نشاطها وأخراجها من الساحة تماما مثل تنظيم القاعدة، وأنصار السنة، وأنصار الأسلام. 

ب. جماعات يفترض أدامة الضغط عليها، وإن أمتنعت عن المشاركة بأية جهود للمصالحة، إذ سيضعها الضغط في مواقف قد تقربها تدريجيا بأتجاه التقليل من الإعاقة، وربما التقرب خطوات أكثر بإتجاه المصالحة مع أول بوادر نجاح ممكنة.

ج. جماعات سيؤدي الأتصال بها إلى تحييد أنشطتها القتالية في المراحل الأولى التي تبقى فيها بوضع المراقب لتطورات الموقف، وتقدير كم النفع والخسارة، ويمكن أن تلتحق بالركب في مراحل متقدمة.

د. جماعات يمكن أن يؤدي الأتصال الفاعل والصحيح بقياداتها إلى قبولها مشروع المصالحة والتزامها به أصوليا، وهي الجماعات غير الفاعلة في ساحة القتال والإعاقة على الأغلب.

7. إن النشاط الميداني لتلك التنظيمات المسلحة في بغداد ـ الأنبار ـ ديالى ـ صلاح الدين ـ الموصل ـ البصرة ـ بابل والذي ضعف بعد منتصف عام 2007 وبداية عام 2008 خاصة في الأنبار وبغداد، ووقوف غالبيتها بالضد من القاعدة، ومشاركتها في القتال لإخراجها من العراق، ودخول متغير الصحوات في بعض مناطق عملها، عوامل ترجح قبول غالبيتها مبدأ التقليل من الإعاقة، إذا ما أديرت عملية التفاوض بشكل جيد، واقترنت بأصلاحات سياسية وأجتماعية ملموسة على مستوى الدولة والمجتمع.

8. إن حزب البعث والموالين لنظام صدام لا يشكلون نسبا كبيرة من بين المقاتلين في ساحة الإختلاف العراقية، لكنهم يمثلون أكثر الداعمين والمحرضين، وأكثر المؤثرين في جوانب الدعاية والحرب النفسية، كما يتواجد قسم منهم في المفاصل القيادية لبعض الفصائل وإن لم يكونوا بصفتهم الحزبية، وهذا واقع يرجح كفة الإعاقة على المشاركة بالمصالحة، ويفترض أن يعطي بسببه المعنيون بالمصالحة لهذا الحزب وواجهاته جهدا أكبر في التعامل، وأن تعطي الدبلوماسية العراقية في مجاله جهدا أكبر للتفاهم مع سوريا والأردن اللتان يتواجد على أرضهما الكثير من القياديين البعثيين.  

9. إن التلكؤ في تحسين مستوى العيش، وتفشي البطالة، وضعف السيطرة على الشارع وسعت تنظيمات جيش المهدي وجعلته أكبر الفصائل الشيعية المسلحة أستقطابا للشباب المحرومين، وتأثيرا في ساحة الإختلاف، كما إن طبيعة قيادته، وفلسفة الإجتهاد، وتركيبتها في الوسط والجنوب "الشيعي" أبقته حتى الوقت الراهن في خندق الرغبة بمقاتلة القوات الأجنبية، وإن حاولت بعض سراياه لحسابات المصالح المحلية مقاتلة القوات الحكومية من الجيش والشرطة في بعض الأحيان، والاشتباك مع مليشيات الأحزاب الفاعلة أحيانا أخرى لتدخل ساحة الإختلاف بقوة، ويتسبب سلوكها في الإعاقة المؤقتة على اقل تقدير.

هذا وعلى الرغم من أن مرجعيته وقفت في العلن بالضد من هذه التوجهات، وجمدت أنشطته القتالية للمرة الثانية، لكن ضعف الإرتباط بين قواعده وقياداته، وتطلعات منتسبيه لتعويض الحرمان بأي شكل متاح، والأفتقار إلى المهنية في القيادة والسيطرة يجعل هذا الوقوف هش، قد ينقلب مع أي تطور سلبي إلى صراع على الشارع الشيعي يزيد من حدة الإختلاف، وشدة الإعاقة في آن معا.        

10. إن المنطقة الجنوبية التي لم يسبق أن شعرت بخسارة التغيير عام 2003 ، والتي بنت مواقفها مؤيدة له، وللحكومات التي نتجت عنه، فإنها في الفترة الأخيرة بدأت تعاني من إتساع هامش الإختلاف الجاري بين القوى السياسية الفاعلة في محيطها بسبب إتجاهات التوسع والإستحواذ ومد النفوذ، وتعاني من سوء الإدارة، وفشلها في حل المشاكل وتأمين الخدمات، وفرض القانون، ومن غياب خطط التعامل النفسي لمكافحة الدعاية وأعمال التحريض، الأمر الذي سيعيق من جهود المصالحة، ويضيف المزيد من العراقيل في طريق تحقيقها.   

11. إن المتغيرات المذكورة في أعلاه، وسعة التدخلات الخارجية في منطقة الوسط والجنوب العراقي أسهمت في إيجاد جماعات مسلحة، ترى غالبيتها في أستخدام السلاح الميسور وسيلة ترجيح لكفتها في ساحة الإختلاف، تتنامى قوتها تدريجيا لقدرتها الجيدة على تعبئة وكسب مؤيدين منفعلين، وسهولة دعمها، وتوجيهها من الخارج، وأسهمت كذلك في إنتاج نوع من الإختلاف الإجتهادي تفوق خطورته في حال إتساعه تلك المخاطر التي تكونت في الساحة الممتدة من بغداد شمالا حتى الموصل، لأنه إختلاف قد يسحب الشيعة لمقاتلة بعضهم البعض، وأنتقال بعضهم لمقاتلة الحكومة التي تمنعوا من قتالها حتى الوقت الراهن، ويضيف المزيد من العرقلة والتعقيد لخطوات المصالحة.      

12. إن طبيعة التشكيل لعموم الفصائل المسلحة، وظروف عملها، وَسَمتّها كقوى مسلحة بخصائص قد تختلف فيها بالعراق الحالي عن غيرها في المجتمعات الأخرى مثل إتكالها المفرط على القادة في كل العمليات ذات العلاقة بالأتصال والتواصل، والتقدير، والتعبئة والإمداد، وإعتمادها على الخارج في التمويل مع بعض الأستثناءات، كذلك ضعف التجانس العقائدي بين منتسبيها بسبب تعدد الدوافع وتنوعها، وقوة العدائية في نفوسهم بالتعامل مع الغير، وتتسم أيضا بضعف الوعي السياسي، وتدني مستويات التحصيل لمستوى القواعد على وجه الخصوص، الأمر الذي لا يمكن التعويل عليها وإن قاتلت القاعدة في تكوين مواقف ضاغطة بأتجاه المصالحة شعبيا بقدر ما يعرقل وجودها كل جهد بالإتجاه التصالحي المطلوب.

13. إن توجه الفصائل والجماعات المسلحة لتكوين جبهات بقيت في الغالب مشاريع عمل جبهوي أكثر من كونها وحدة عمل سياسي، وفعل ميداني، تكونت فكرة تشكيلها على أساس الحاجة الملحة إلى تجاوز الضعف الذي نجم في قوتها وتدني مستويات دافعية منتسبيها بداية عام 2007، وهي بوجه العموم محاولات يصعب فيها تجاوز إتجاهات التفرد، والذات المفرط في شخصيات قادتها الأمر الذي سيبقي الكثير من العقبات في طريق نجاحها عسكريا، وسياسيا، ويقلل من فاعليتها كعمل تعبوي واستراتيجي موحد في أي مشروع مصالحة، وسيبقى عرقلتها موضوع مرهونة فاعليته بفصائلها تفرديا وليس جبهويا.  

14. إن جميع الجبهات المنوي تشكيلها ذات توجهات إسلامية "سنية" تحمل بذور أختلاف فكري: صوفي ـ سلفي.

وتطبيقي: تطرف ـ أعتدال.

وهي وإن حاولت التجمع ضمن جبهات أربعة على أساس الإسلام السياسي الطائفي، والتقارب النسبي في بعض الرؤى والمجالات، لكنها معرضة للتصدع، وقد شهدت تنقلات لبعض أصحابها بين الجبهات وهي مازلت في طور التشكيل، مما يقلل من تأثيرها مجتمعة على جهود المصالحة.

15. وضعت غالبية الجبهات المذكورة الحوار أساسا ممكنا في التعامل، وإن كبلته بشروط مسبقة، مما يعني وجود مرونة في التعامل مع الآخرين من الحكومة، والأجنبي، ستزداد تدريجيا مع الوقت، وكم الخسارة في ميدان السياسة والقتال.

16. إن التسريبات الواردة عن توليفة الجبهات المذكورة، وتنقل الفصائل المكونة لها بين هذه الجبهة وتلك، وأختراقها من قوى ومخابرات أجنبية، وإتكال بعضها في الدعم والتموين على حزب البعث المحضور داخليا، يجعل أمر إقامتها عمليا أمرا صعبا، ونجاحها في العمل السياسي والقتالي الجبهوي مشكوك فيه، ويجعل التعويل عليها في التقليل من شدة الإعاقة لمشروع المصالحة غير مجديا.    

17. لقد شرع العمل المسلح بالضد من الحكومة العراقية ومشاريعها في الإعمار وقواتها المسلحة وكذلك بالضد من قوات متعددة الجنسيات، بأساليب مختلفة، ونهج تفكير مختلف، وأهداف مختلفة تدفع إلى تقسيمه تبعا إليها إلى:

أ. إرهاب يؤسس على الذبح، والتعذيب، والتفجير، والقصاص، والتهجير، والأغتيال مثل القاعدة، كوسائل ترهيب مقنن للأطراف المقابلة، كون سريعا ردود فعل إنتقامية من أطراف شيعية حورت بعض أهدافها في الميدان لتوقف هذا النوع من الترهيب، ولتنتقم بشكل غير محدود عن طريق مليشيات أعادت وحورت نشاطها لتدخل ساحة الإختلاف، وكون من ناحية أخرى جهد حمايوي لقادة الحكومة ومسؤوليها وبرلمانيها بالغ البعض في تنمية قوته حد عدم التمكن من التحكم بمنتسبيه الراغبين في المشاركة بالإنتقام وزيادة متغيرات الإختلاف.   

ب. مقاومة مزدوجة فيها الدوافع الوطنية لإخراج قوات الإحتلال، بالدوافع الإنتقامية لمقاتلة القوات الحكومية، وإعاقة مشاريعها في إعادة البناء، أتخذت من الأغتيال والتفخيخ ونصب الكمائن والأختطاف أساليب ووسائل رئيسية في قتالها المستمر.

ج. مقاومة وطنية أعتمدت مقاتلة الإحتلال أسلوبا لتنفيذ نهجها، وأستخدمت في قتالها هذا العبوات الناسفة، والقنص، والكمائن، والتفخيخ، وهي الأضعف في ساحة القتال.

د. أعمال عصابات وجدت في الساحة العراقية بيئة مناسبة لتحقيق أهدافها في الكسب تفرعت أو أنشطرت إلى أخرى مع أستمرار التوتر والأضطراب، حتى باتت لها حصة في ساحة الإختلاف من خلال تنفيذ بعض الأعمال بالوكالة أو لصالح الجماعات المسلحة خاصة في مجال الأختطاف، والإغتيال، والتخريب، فزادت من شدة الإختلاف. 

18. إن الأعمال التي قامت بها الفصائل المسلحة بالضد من الحكومة وعمليات الفرز والتشخيص، وعدم قدرتها على تحديد برامجها السياسية وتجنبها الإعلان عن قادتها، كونت حالة مجهول في ساحة المصالحة، وإن الأعمال التي قامت بها بعض الأطراف المشاركة في الحكومة والعملية السياسية لتقييد حركة الحكومة، وأفشال خطواتها في التغيير وإعادة البناء، بشكل غير مباشر عمقت حالة المجهول التي تعد من بين العوامل الرئيسية للإعاقة.    

19. مهما يكن حجم الجهد المبذول من قبل الحكومة في مجال الأتصال بالفصائل المذكورة وأخرى غيرها لأغراض سحبها إلى ساحة المصالحة الوطنية سيبقى قاصرا، وغير مفيدا إذا لم يتم التمهيد له بعملية سياسية تفتح أفاق للرضا، والقبول تعطل مثيرات الإختلاف، وترسي قواعد سلام إجتماعي تكافلي رصين.


إتجاهات المصالحة

إن النظرة العامة على واقع العمل الإرهابي، والمقاوم المسلح في الساحة العراقية تبين أن وجوده، وأسلوبه في التعامل، ودوافعه ليست هي العوامل الرئيسية في الإختلاف، وبالتالي لا يمكن إيقاف عجلة المصالحة عند دائرته أو أقتصارها عليه، لأن الجزء الذي يمثله في هذه الدائرة لم يكن هو العامل الوحيد في تكوين حالة عدم الإستقرار، ولم يكن هو الحاسم في إتمام عملية المصالحة، وإن يمهد إخرجه من ساحة الإختلاف لأنطلاقها في أجواء مناسبة تسرع من حركة الإنطلاق. 

كما تؤشر الفقرة الخاصة بالفصائل المسلحة العاملة بالضد من الدولة وقوات متعددة الجنسيات أن غالبية قادتها وكثير من منتسبيها من الضباط السابقين للجيش العراقي والأجهزة الأمنية، وبعثيين، وعديد من الشباب العاطلين عن العمل والمحرومين والمترددين على المساجد بسبب البطالة وكثر الفراغ، كانت دوافع إنضمامهم إلى العمل المسلح متباينة بين الدينية لإقامة دولة إسلامية سلفية أو تطبيق الشريعة الإسلامية في الدولة القائمة.

وبين الأقتصادية بهدف الحصول على دخل مقبول للتعامل مع ظروف العيش الصعبة، والأخرى العشائرية إنسجما مع أبناء العمومة في مواقفهم القتالية بالضد من الأجنبي والحكومة، وتوافقا مع مفهوم الحمية والفزعة في التعامل مع توجهات العشيرة.

وبين الوطنية لمقاومة الإحتلال والسعي إلى إخراجه من البلاد، وعوامل أخرى إنفعالية تثير الرغبة في الإنتقام سياسيا وطائفيا. 

وهي دوافع تتداخل أحيانا عند الفرد والجماعة لتكون حزمة دوافع تحركها في ساحة الإختلاف الحالية حاجة مادية، وتغلفها مشاعر دينية في كثير من الأحيان، وهذه دوافع مع عوامل أخرى جعلت الأهداف عند الجانب المسلح في ساحة الإختلاف  متباينة تمتد على متصل أحد أطرافه الإرهاب والطرف الآخر المقاومة، وأمتدادها المتداخل هذا يجعل المصالحة كمسعا تقليديا للتوافق، لا يمكن تعميمه على جميع المسلحين الموجودين في ساحة الإختلاف بنفس سياقات وأساليب التعامل.

كا إن تعدد الأطراف الموجودة في ساحة الإختلاف وكثرتها، وأختلاف مواقفها ونهج تفكيرها، وتشعب أرتباطاتها بالخارج، وضعف النضج السياسي لغالبيتها، وطبيعة مواقفها عوامل إذا ما وضعت مع خصائص الأطراف الأخرى "المقابلة" في ساحة الإختلاف تجعل النظر إلى عملية التصالح تتجاوز التراضي بمفهومه الإجتماعي، والتوافق بمفهومه السياسي إلى الجهود الحثيثة لمد جسور الثقة بين الأطراف، وتقديم الحلول المرضية لمشاكل تثير الإختلاف، أي تجعلها "المصالحة" عملية هي الأخرى متعددة الأوجه، وتحركٌ بمختلف الإتجاهات لتكوين سلام إجتماعي تكافلي قابل للأستمرار، وهو تحرك يعد من وجهة النظر العلمية عوامل تمهيد أو تأثير أساسية في تكوينه، يمكن تصنيفها لأغراض الدراسة بالآتي:

1. التحرك السياسي التصالحي 

في ساحة الإختلاف وكما مبين في أعلاه كثير من المتغيرات المثيرة للتوتر، وفيها كثير من العوامل المعيقة لخطوات تطبيق المصالحة، غير السلاح، يمكن عدها عوامل غير مادية "نفسية إجتماعية"، يؤدي حلها والتعامل الصحيح معها إلى إطفاء الإثارة أو التقليل منها بالمستوى الذي لا تكون فيه قادرة على تكوين إنفعال الضد السلبي المثير للإضطراب، وبالتالي تصبح مساعي تجفيف منابعها الإنفعالية، والتقليل من قوة الدفع النفسي للإحتراب السياسي والعسكري، وإضعاف إتجاهات أستخدام السلاح كوسيلة للتعبير عن الإختلاف، وحل المشاكل التي تسبب الإحتقان، أهدافا للمصالحة تتحرك الحكومة وأجهزتها والقوى السياسية لتأمين حصولها بطرق مختلفة، وبمعنى أدق تلزم المثيرات غير المادية في ساحة الإختلاف، الحكومة ومن معها مشاركا في عمليتها السياسية، ومؤيدا لخطواتها بالتحرك في عدة أتجاهات، تحركا يمكن وصفه بالتحرك التصالحي سياسيا، ونفسيا، وإعلاميا، وإداريا، وإقتصاديا، لأنه تحرك في جانبه السياسي إذا ما تمكن من إقناع أحد أطراف الإختلاف داخل العملية السياسية بحيادية هذه العملية وجدواها، وأهميتها على سبيل المثال سيقلل من إندفاعه للتشكي وإثارة عرب الإقليم بالضد من الحكومة، ويسهم بشكل غير مباشر بتغيير الخطاب الإعلامي، بإتجاه التهدءة النفسية، وخلق أجواء الثقة المتبادلة اللازمة لأية عملية تصالح ناجحة.

 والتحرك الإداري الفاعل الذي يقنع بعض الأطراف المشاركة بالحكم، بعدالة التعيينات في أجهزة الدولة، وعدم تسييس القوات المسلحة مثلا، سيلزمهم بنقل الصور الصحيحة عن حيادية الحكومة لأطراف الإختلاف، ولحلفاءه في الخارج فيقلل من إتجاهات المقت والإحتقان، ويهيئ فرص أحسن لدعم الحكومة في السيطرة وإعادة البناء التي تؤمن ظروف وأجواء المصالحة الفعلية.

والتحرك الدبلوماسي الذي يحول دون تدخل إيران في الشؤون الداخلية وفي جوانب الإختلاف، سيقنع الكثير من أطرافه الداخلية بوطنية الحكومة، وقدرتها على إدارة العملية السياسية في الظروف الصعبة، وبضرورات الوقوف معها والتخلي عن مشاريع إعاقتها، ويقنع الأطراف الخارجية بعدم إنحيازها طائفيا، ويهيئ إلى إعادة قبولها في المحيط الإقليمي العربي "السني" القادر على غلق كل منافذ الدعم والتمويل لغالبية أطراف الإختلاف.

والتحرك المشترك، حكوميا وبرلمانيا، وحزبيا لإزالة الشوائب التي علقت بالعملية السياسية، وإنهاء دورة الخطأ والفساد، وحل المعاضل الشائكة لتعديل الدستور، وإقرار القوانين الملائمة للعيش الأفضل، وحل ما تبقى من مشاكل الأجهزة المنحلة، ودمج المليشيات سيخفف من حدة التناقض والإحتقان، ويوفر فرص أفضل لتحقيق السلام الإجتماعي.  

والتحرك السلوكي بأتجاه الوسط لجميع الأطراف والكتل السياسية الفاعلة في الساحة، والإبتعاد عن المغالاة في تحديد الأهداف، والسعي لتعزيز الوسطية نهجا في الأداء والأدبيات الحزبية، سيسهم في قبول المواطن نفس النهج، ويدفعه لقبول وأستيعاب توجهات الحكومة النابعة من هذه الفلسفة، والوقوف تأييدا لها كأساس لتحقيق الرضا العام واحد من أهم أعمدة المصالحة.

والتحرك الديني للمرجعيات السنية والشيعية في الأبتعاد عن التدخل في السياسة وحشد الجهد المتاح في الوقت الحاضر لرأب الصدع الحاصل بين الطائفتين وتقريب وجهات النظر الفقهية والشرعية، سعيا لتحقيق وحدة الهدف الإسلامي سيكفل مع غيره من إجراءات وتوجهات تحقيق المصالحة. 

والتحرك التربوي لإبعاد المناهج الدراسية وإدارة العملية التعلمية بكافة مستوياتها  عن التسييس التديني سيكون وحدة تفكير وطني، تكفي للتخفيف من زخم الإندفاع والتطرف الطائفي، وتسهم مع غيرها في تجفيف منابع الإثارة الإنفعالية السلبية في مجال الإختلاف، فتمهد للمصالحة وتعزز وجودها على المدى الطويل.

وهكذا تنطبق الأمثال على كل أنواع التحرك ليس في المجال السياسي والإداري التطبيقي للحكومة ومؤسسات الدولة فقط، بل ويشمل الإعلام الحكومي الذي لا فرص له بالإقناع والتأثير إلا أن يكون متوازنا ودقيقا إلى حد الحساب المتأني مثلا لإقامة الأذان وتوقيتاته، وأصوله الطائفية، ولرجل الدين المستضاف من الطائفة المعنية، وللوزير المطلوب مقابلته، والموضوع المراد مناقشته، والمناسبة الدينية والتاريخية المنوي تغطيتها، وغيرها، لأن الإنحياز بالخطاب الإعلامي، والإخلال بتوازن الظهور، وبعرض المواد، يستفز الطرف المقابل بالضد وإن كان المستضاف من أكثر المسلمين علما وورعا، وأكثر المسؤولين حرصا وإخلاصا، والمادة المعروضة من أدق المواد وثوقا، وصدقا، بسبب التحسس والإحتقان الطائفي المسيطر على نهج التفكير لشرائح واسعة من المجتمع العراقي.

وغيرها من مجالات التحرك التي تهم نتائجها المواطن في كل بقعة وركن من أركان الوطن، وعلاقاته العامة مع المؤسسات الحكومية، والغير من المواطنين في عراق يجب أن ينظر القائمين على إدارة عملية المصالحة فيه أي صانعي السلم الإجتماعي  بمنظار دقيق، ويتعاملون كذلك بميزان لا يقل عنه دقة، لأن المجتمع الذي يتحركون فيه مجتمع خاص وتجربة التصالح في ربوعه تجربة خاصة فيها مشكلة الإختلاف ليست بين مجموعتين متمايزيتين إثنيا أو لغويا أو دينيا فقط كما هو حال العديد من المجتمعات التي حدثت فيها أضطرابات إختلاف، وأنتهت بتصالح طرفين متقابلين، بتدخل طرف ثالث قريب، وإنما هي مشكلة عدم رضا، وفقدان ثقة، ونفور، ورفض باتت فيها مؤسسات الدولة طرفا ورعاياها أطرافا، وهي وإن تنطوي على أشكالات أقل نسبيا من اشكالات التناحر الأثني التمايزي المطلق، لكنها عمليا بحاجة إلى جهود مميزة أساسها الإدارة السليمة، والتحرك الجاد في كل الأتجاهات، وبعكسه تبقى مثيرات التوتر "غير المادية أي النفسية" في ساحتها موجودة لإنتاج المزيد من الإختلاف أي الإضطراب.

على هذا الأساس يكون التحرك التصالحي عملية فاعلة مستمرة، وهي عملية نفسية فيها حصة كبيرة للسلوك الذي يتأسس على تقريب المسافة النفسية بين أطراف الأختلاف، وفي بداية يكون التحرك فيها من وعلى المشاركين في العملية السياسية والقائمين عليها وهم في الوقت الراهن:

أ. الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة

التي تعتقد في معظمها أن أساس  الأختلاف يعود إلى مواقف حاملي السلاح بشقيه الإرهابي والمقاوم فقط، وإن مشكلة الأضطراب الأمني الناتج عن الإختلاف مرهونة بأستخدام المذكوريين للسلاح، وتنفيذ عمليات التخريب فحسب، وباتت بسببه صياغة المصالحة من وجهة نظرها في الغالب على أساس الجهود التي تبذل لمنعهم من أستخدامه، وأستجلاب بعضهم عن طريق التراضي "التصالح" إلى المشاركة في العملية السياسية التي تمثل للجميع كم الحقائب الوزارية، والدرجات الوظيفية التي يحصلوا عليها من هذه العملية.

وهذا تصور غير دقيق، وصياغة منقوصة، لأن إضطراب الإختلاف في العراق وكما موضح آنفا لا تتوقف المشاركة فيه "إثارته" عند أولئك المسلحين المنتظمين في فصائل وحركات، وغيرهم في الساحة يعيقون العملية السياسية بمسالك تضر بقدر قد يفوق السلاح أحيانا.

وإن ساحة الإختلاف لا يقتصر التواجد فيها على المسلحين، وسلوك العدوان كأحد مثيرات الإختلاف لا يخرج فقط عن طريق السلاح، وهناك غيره من أعمال الهدم والفساد والتعطيل، والتشويه، التي تستفز، وتثير الكثير من الإختلاف، قد يفوق أحيانا ما يثيره السلاح.

مما يدفع إلى التأكيد على وجود أطراف أخرى غير مستخدمي السلاح مساهمين في بقاء الساحة مثيرة للإختلاف، من بينها الأحزاب السياسية الفاعلة والمشاركة منها في العملية السياسية على وجه الخصوص، لأن جميعها أمتلك مليشيات أستخدمت السلاح في قتال بالضد من الغير، وإن لم يكن هذا الغير قوات متعددة الجنسيات ولا القوات الحكومية.

وجميعها تعاملت مع العملية السياسية بمنطق المكسب والحصة التي لم تتنازل عن حدودها في أغلب الأحيان.

وغالبيتها عرقل في بعض المراحل من إنسيابية العمل السياسي، ومن تشريع قوانين، ومن تحرك الحكومة للتعامل مع معاضل محددة، وهذه مع أخرى تعد أوجه أختلاف ومثيرات لإضطرابه في آن معا.

كما إن سعي وزيرها الممثل في الحكومة للأستحواذ على كل الوظائف والموارد على سبيل المثال تحريض للغير على الأستحواذ، كون سباق في هذا الجانب أمتد إلى كل مفاصل الدولة وسبب مزيدا من الإختلاف.

وتنقل مسؤولي بعضها إلى دول الجوار العراقي للأستقواء بهم على أطراف الإختلاف المشاركين مثلهم في العملية السياسية، دفع باقي الأطراف إلى الهرولة صوب الآخر، فأسهموا بهرولتهم جميعا في جر الدول لأستمرار البقاء في ساحة الإحتراب "الإختلاف" وأصبح بعضهم أدوات قتال، وإثارة إختلاف بالإنابة.

وإنعدام الثقة بين هذه الأطراف في تعاملها مع بعضها ومتطلبات إدارة العملية السياسية الذي أخل بمستلزمات العيش الأساسية للمواطن، وإعاق مشاريع إعادة البناء والإعمار التي أنتظرها طويلا، قلل من تأثير توجهاتها لتهدئته، وزاد من شدة الإختلاف.     

وسعي قسم منها لتحقيق بعض الأهداف بمنظور الطائفة والقومية على حساب العراق وطن للجميع، وتمرير قوانينها بالتراضي الطائفي القومي بطريقة لم تسهم بتهدئة قلق الطائفة والجماعة القومية، بقدر ما أثارت شهيتها لأستغلال الوضع الهش في تحقيق المزيد من المكاسب التي أسهمت في توسيع رقعة الإختلاف.

والأدبيات المنشورة في تمجيد الطائفة والقومية والجماعة لغالبية تلك القوى وإعلامها الخاص أسهم في تجزأة الولاء وتحويله إليها دون العراق، وقلل من مناعة المواطن العراقي في مقاومة الإختلاف، وإلى المستوى الذي أنسجم فيه مع توجهات الخارج في تفكيك العلاقة الترابطية التقليدية بين الطوائف والأقوام وزاد من تعقيدات الإختلاف، وغيرها العديد من الأخطاء والهنات، والإيماءات، والإيحاءات غير الصحيحة التي تمارس، وتتكرر ممارستها في دائرة إختلافها، والتي لم يكن جميعها مقصودا بطبيعة الحال، مما يعطي التحرك التصالحي سياسيا بين هذه الأحزاب والحركات الأولوية في الطريق إلى إكمال باقي أشطر المصالحة مع القوى المسلحة، وغيرها الواقفة خارج العملية السياسية وبالضد من خطوات إنجازها.

على هذا الأساس تتحمل هذه القوى المسؤولية الأكبر في تحقيق التصالح السياسي، والشعبي، ويبقى النجاح في مجالهما مرهونا بحسن النوايا وتبادل الثقة بين القادة السياسيين المشاركين في الحكم، لأنها مشاعر تنتقل بالحث إلى المنتسبين القريبين من الكتلة والحزب، ومن ثم إلى الجمهور العام في المحلة والمنطقة والشارع، وفي الهور وأعالي الجبال، يمكن أن تؤسس قاعدة تسامح وتواد وتراحم، وإتجاهات وطنية للتمسك بثوابت المصلحة الوطنية العليا للعراق.

إن حسن النية مسألة لا يمكن أن تحصل فجأة ولا تأتي بإيعاز من الخارج بل هي فهم للواقع المعاش وقبول بحصوله، وأعتراف بالقدرات الذاتية، وأقرار بقدرات الآخرين، ومن ثم إدراك لماهية الخطر المحيط بالسياسي وكتلته وطائفته.

وهي في موضوع المصالحة سلوك في التعامل والتفاوض بين الأطراف يمهد إلى القبول بوجهات النظر المطروحة والسماح بمناقشتها منطقيا.       

إن التحرك لتحقيق التصالح السياسي بين أطراف العملية السياسية الخطوة الأوفر حظا للتخفيف من حدة الإختلاف، لأسباب بعضها ميداني يتعلق بأمن التحرك وسهولة عقد اللقاءات بين أطراف لها يتواجدون جميعا في المحيط الجغرافي المحدود للمنطقة الخضراء.

وبعضها الآخر نفسي ذو صلة بتيسر اللغة المشتركة فيما بينهم، والتي جربت مرارا  للتفاهم والتوافق، وإمكانية إعادة تجريبها في هذا الجانب، وبأشتراكهم جميعا في الرغبة بالنجاح أملا في ترك أثر إيجابي لهم ولأحزابهم في عقول العراقيين القادرين وحدهم على إبقائهم في المسؤولية من جديد.

لكنه من الناحية العملية صعب التنفيذ لبعد المسافة النفسية اللازمة لتوفير الثقة بين الأطراف، ولتجذر الأرتباطات بالخارج، وعدم أستيعاب ماهية المصالحة، وأمراض الذات، وضعف مستويات الإدراك بعواقب أضطراب الأختلاف حاضرا ومستقبلا، وهي صعوبات تناقض، لا يمكن تجاوز آثارها المعيقة لعملية المصالحة إلا بجهود حثيثة قوامها:

أولا. التخلص من مخلفات الماضي وموروثات الحقد المتأصلة في النفوس، وهي جهود تحتاج وقتا لتصريف أنفعالاتها، ونضج لجودها لم توفره المرحلة الراهن حتى وقتنا الراهن.

ثانيا. الأنفتاح على الآخرين والتسامح مع القريبين منهم والبعيدين، وثقافة التسامح لا تشغل حيزا كافيا في العقل السياسي العراقي الحالي، وبما يكفي لتكوين سلوك التواد وإعادة صياغة علاقات قبول تؤمن السلام الإجتماعي المنشود.  

ثالثا. المبادرة للوقوف قدوة في الصفوف الأولى لأقناع باقي العراقيين أن الواقفين قادة سباقون في التنازل عن المصالح الذاتية لأغراض المصلحة العامة للدولة والمجتمع، في ساحة إختلاف وسطها الجميع من الخاسرين، وإنهم محايدون في التعامل مع العاملين معهم من الطوائف والأقوام الأخرى، وكذلك مع الأحداث الجارية من حولهم، وهم عراقيون في مواقعهم بالمفاصل العليا للقرار، وسلوكهم مؤطر بالوطنية وغير مقيد بالحزبية، ولا الطائفية أو القومية، وإنهم واعين بأن هامش توسيع الربح السياسي الخاص في عراق المصالحة أمر غير ممكن، ومساعي تعويض الخسارة بالقوة والمراوغة السياسية في مجاله غير مجدية أيضا، وهذه أمور صعبة التحقيق مع هذا الجيل الذي تشبع بمشاعر اليأس والإحباط، والعوز في صراعه مع صدام، والذي لم تسنح فرص مقارعته لفترة زمنية طويلة من أنتاج الرموز القادرة على الوقوف في تلك الصفوف، وبتلك المواصفات مع بعض الاستثناءات التي لا يمثل وقوفها قدرة تأثير حاسمة وسط الفوضى والإضطراب.

رابعا. الإلتزام النافذ لبرامج واضحة لعمل الحكومة، والتوجه إلى تطبيقها بعيدا عن التجريح، واللوم، والتحريض التي تذكي جميعها الأحقاد وتوسع مجال الخطأ والانتقام، وهذه إلتزامات يصعب التقيد بها لضعف العقائدية في السلوك، ولضبابية  الفكر الذي يحكم السلوك.

خامسا. ومع كل هذه الصعوبات فإن تحركها السياسي التصالحي لا بد من وجوده لتذليل بعضها، وإرساء قواعد تذليل بعضها الآخر، لأنها الجهة الحاكمة، والفاعلة في ساحة التصالح والإختلاف، وتحركها المفروض أن يبدأ من إدراكها حقيقة الإختلاف، وفتح صفحاته في دوائرها المغلقة لا أن تتهرب منه بدعوى عدم الوجود.

سادسا. أن تفك الأسوار النفسية التي قيدت نقاشات العراقيين العلنية عبر الزمن الطويل أي منعتهم من إجراء الحوارات الودية حول الكثير من قضايا أعتقدوها مهمة، بسبب تدخل الحكومات وأطرافها في الحكم المسبق على مواد النقاش ونتائجه المطلوبة، فتسبب المنع في أن تكبتها وتتناقلها الأجيال المتعاقبة كأحكام مطلقة، تقترب من الأحكام الإلاهية، وتسبب كبتها بتحويل إنفعالاتها إلى سلوك عدوان، وعدم رضا، وأحتجاج، وإعاقة، وإن غُلفت في بعض المراحل الزمنية بمواقف أنتهازية خشية العقاب، وحالت من ناحية أخرى دون أكتساب المجتمع العراقي قدرة ملائمة على تصنيف الرؤى والأفكار خارج سياقات الصح المطلق مقابل الخطأ المطلق أو الأبيض والأسود.

سابعا. أن تخفف من حدة التناقض الوجداني في سلوكها وهي في الطريق إلى المصالحة أي تتجاوز إعاقة التضاد في داخلها بين الرغبة في إجراء المصالحة، والسعي إلى تحقيقها، والحث على خوض غمارها من جهة.

وبين التصلب في مواقف حزبها، والتشدد في مطالب قومها، وإبطال مطالب غيرها، وأقتصار الصح الشرعي في جانبها، والقصور في الجانب المقابل لها من جهة أخرى.   

ثامنا. إن أهم ما يقع على الأحزاب المشاركة وغير المشاركة فيما يتعلق بالمصالحة هو خلق أجواء التفاهم والثقة فيما بينها وإدارة العملية السياسية التي حالت وما زالت تحول دون تقدم خطواتها إلى الأمام، أجواء يفسر فيها كل طرف سلوك الطرف المقابل بنوايا لا تثير الإنفعال، وفيها روح المشاركة سلوك للمعنيين، يمتد في حالة وجوده إلى باقي الأطراف التي تنقله إلى المجتمع الأكبر "العراق" بمستويات تجعله "المجتمع" ضاغطا على باقي الأطراف لتحقيق المصالحة، والعكس صحيح أيضا إذ أن الشك، والريبة، والتفرد معالم سلوك تنتقل في حالة وجودها عن طريق هذه الأطراف أيضا إلى ذات المجتمع الأكبر لتجعله عامل إثارة وأنتاج مزيد من الإختلاف، ومشارك بأجيال جديدة لفرض حلوله بقوة السلاح.  

ب. الحكومة 

التي تعد من بين المشاركين أو أهم المشاركين في مشروع المصالحة لإمتلاكها سلطة القرار، ووسائل التنفيذ، والقدرة على إدامة التواصل والأتصال، ومن الناحية العملية يقع عليها العبأ الأكبر لقيادة وتوجيه جهد المصالحة بكل أوجهها ومجالاتها، لأنها تمتلك جزءً مهما من وسائل تبديد التوتر والإحتقان الموجودة في الساحة عن طريق التحرك الإداري، والسياسي لوزرائها ومسؤوليها لإيجاد قناعات مناسبة، وعن طريق وسائلها الإعلامية لتسهيل قبول تلك القناعات وتكوين أجواء ومعالم تهدئة من خلال المواد التي تساعد المتلقي للفصل النفسي بين المقاومة والإرهاب، وبين السلوك التصالحي وما يتثر الإختلاف، بين الولاء للوطن ملاذا للجميع، والإنحياز للجماعة الأصغر "الطائفة، القبيلة، الإقليم" خسارة للجميع، وغيرها من مفردات ومواد تدعم القناعات الإيجابية للتفاوض، والتحرك، والأستيعاب، والردع التصالحي.

إن التحرك الحكومي عمل متواصل متناسق لجميع أجهزتها، لا ينبغي أن يبقى رتيبا، لأن تعزيز الأتجاه الصحيح يتطلب من الناحية النفسية تقديم إثابات مع كل خطوة مصالحة تتقدم إلى الأمام للأطراف المقابلة لها في العملية مثل إطلاق سراح البعض من المعتقلين عن طريق قوانين العفو والمبادرات الخاصة، وتعيين قسم من الأتباع أو المعارف بوظائف حكومية، وتقديم مساعدات عينية لمناطق التواجد الساخنة مع كل بادرة تهدئة وأستقرار التي يتيح تحقيقها لصانعي المصالحة "السلم الإجتماعي التكافلي" المضي قدما نحو تبديل النمط السلبي للعلاقات القائمة إلى نمط إيجابي يعمل على تهيئة الأرضية المناسبة للبناء التصالحي. 

وفي مجال تحركها ستجد الحكومة عادة ما يصاحب هذا التحرك طرح أو تقديم المزيد من المطالب الشرعية الضرورية أحيانا، وغير الشرعية "التعجيزية" أحيانا أخرى، لابد وأن تدرس جميعها سريعا، وتحقق الأسهل والأكثر لمعانا في الدعاية الداخلية، والسعي لإثبات أسباب عدم تحقيق الأخرى بشكل غير مباشر لا يظهر الحكومة بمظهر العجز في الإدارة العامة للبلاد.   

إن عملية التحرك التصالحي عملية شاملة للتعامل مع المتغيرات غير المتعلقة باستخدام العنف والسلاح في ساحة الإختلاف، إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار وجود فرص نضج مقبولة للتحرك بعد تراجع القاعدة وأعمال الإرهاب وتلقيها المزيد من الضربات المؤذية في ساحة الإحتراب، على أن يكون محور التحرك موجها لأغراض سحب من يقل عنده التطرف والعدوان إلى التقرب من رؤاها التصالحية ، وتحييد من يكثر عنده ذلك جهد الإمكان، أي أن يكون التحرك شاملا لكل الجبهات، ومنفتحا على كل الأطراف والقوى السياسية من خارج الحكم، وداخله لتحشيد كل الطاقات المتاحة للمعاونة في هذا المجال.

هذا وإن أطراف وعوامل الإختلاف الممتدة إلى الخارج في جوانب التأثير والتاثر يجعل جزء من التحرك لأغراض التصالح مرتبط بالتفاهم مع المحيط الإقليمي العربي السني بجهاته الخمسة المحاددة للعراق، وهذه عملية نفسية سياسية بحاجة إلى تظافر كل جهود الدولة الدبلوماسية، والإعلامية، والأستخبارية، والإدارية التطبيقية لإزالة قناعات، وتكوين أخرى تبدد الشكوك، وتكون تفاهمات، ومصالح مشتركة تمهد لإعادة العراق إلى مكانته العربية والدولية التي تهيئ بطبيعتها الأجواء إلى مصالحة أكثر شمولية، وسلام إجتماعي أكثر ديمومة. 

ج. البرلمان 

الذي يعد مشرعا ومراقبا، ومركزا للحل وضبط العمل وتوجيهه، أصبح بسبب تركيبته التي تعود لطريقة الإنتخاب التي كونت كتلا سياسية تقاسمت مقاعده، وصاغت قراراته بالتوافق على أساس الحصة خارج قبته، ونقلت إليه صراعاتها التي أقحمته طرفا في ساحة الإختلاف، حتى أصبحت مؤهلات بعض أعضاءه، ومكاسبهم المفرطة، وغياباتهم، وعطلهم، وتجاوزات حمايات البعض منهم، وسبل التصويت على بعض قراراته، وسجالات الأعضاء، وغيرها الكثير مثيرات لليأس والإختلاف.

إن البرلمان الحالي الذي يعد الصورة المثيلة لواقع الأحزاب السياسية الفاعلة في العراق، والمصنفة طرفا في ساحة الإختلاف يصعب عليه التحرك خارج أهدافها وتوجهاتها، ليكون جهة تفكيك لمتغيرات الإختلاف على أساس المصالحة المرجوة، لأن تشكيلته الحالية تعزز في واقع الأمر كل أوجه الإختلاف.

عليه يمكن القول أنه من الصعب أن يكون له دور خارج أحزابه في عملية التحرك التصالحي، لأنه لم يشهد ولا مبادرة تشريع لقانون يسهل حراك المصالحة، وأعاق أكثر من مرة تشريع قوانين تسهيلها، وحور المطروح منها تبعا لأهداف الكتل والأحزاب لمستوى إفراغ بعضها من محتوياته التي أريد لها أن تكون، فكان أحد عتبات الإعاقة الموجودة أمام الحكومة والعملية السياسية في مجال المصالحة على وجه الخصوص، وجل ما يمكنه القيام به لدعم موضوعها هو التفتيش عن تشريعات تنشر ثقافة التسامح وتعزز وجودها في السلوك العراقي، ومحاولة أقناع أعضاءه بضرورة الظهور بمظهر المتصالحين مع أنفسهم والآخرين الموجودين قريبا منهم.

وإذا شاء أن يتقدم أكثر عليه أن يشكل مجموعة بحث علمية رصينة لمتابعة الموضوع، وتقديم المقترحات من الناحيتين القانونية والنفسية لتحديد وجهات تحركه في مجالها الواسع.         

2. الأستيعاب التصالحي 

إن أي عملية تصالح تبنى أساسا على إقتناع أطرافها بحقيقة أو أكثر مثل إنجاز بعض الأهداف المطلوبة، أو كفاية ما تحقق منها في الزمن المحدد، وإحتمال تحقيقها عند الدخول إلى دائرة التصالح أو أستحالة تحقيقها بأستخدام القوة أو إن كلفة الأستمرار بأستخدام السلاح أو اسالسيب الإعاقة أكثر ثمنا من الدخول إلى دائرة التصالح.

وغيرها قناعات بعضها قد تكون شخصية تتعلق بتحقيق الذات لقائد الحزب أو الجماعة المناوئة، وبعضها عامة، وأخرى وطنية، يبين النظر إليها أن قسما منها  يتأمن من خلال برامج الحكومة وأنجازاتها العامة، وأخرى عن طريق التحرك السياسي المباشر للحكومة أو التحرك  الإجتماعي بدفع غير مباشر منها، في المناطق التي تمتلك فيها العشيرة أو المرجعية الدينية أو الشخصيات الواجهية نفوذا كافيا لتكوين مثل تلك القناعات، برسوخ يجلب أصحابها طوعيا إلى دائرة "التصالح" والقسم الآخر يمكن أن يتأمن بطرق خارج تلك السياقات المتبعة للتحرك السياسي والأجتماعي، التي يمكن عدها تحركا من نوع آخر قوامه الإستيعاب لتكوين قدر من الرضا والقبول أو تعزيز ما تكّون منه عند الجماعات التي أنضجت تقربها الأحداث من أهداف الحكومة في الوقوف ضد التشدد والإرهاب، إثر قيامها وهي المختلفة سابقا مع الحكومة وقوات متعددة الجنسيات بقتال تنظيم القاعدة، والمساهمة في الحد من نشاطه في عموم العراق.

وعند العشائر التي شكلت في الأنبار على وجه الخصوص، ومن ثم ديالى وصلاح الدين ومدن أخرى صحوات ولجان شعبية قاتلت القاعدة أيضا، ووقفت بالضد من العمل المسلح لها، ولباقي الفصائل التي يحسب نشاطها على المقاومة في مناطق نفوذها.

إنه تحرك يتأسس على حقيقة وجود أستعداد نفسي لدى العديد من المقاتلين المسلحين لتغيير إتجاهات بنادقهم، أو رمي أسلحتهم والإنضواء تحت سلطة يمكنها التفاهم مع الحكومة الساعية للمصالحة، لتعزيز ذلك الأستعداد، وهو تحرك يقصد به في هذا العرض تلك الإجراءات التي تتخذها المؤسسات المعنية بتوجيه من الحكومة لسحب المسلحين من ساحة القتال إلى ساحة الخدمة الرسمية في أجهزة الدولة العسكرية والأمنية، والمدنية عن طريق التعيين، والتطوع، والتشغيل، والتقاعد بقوة دفع تبعدهم طرفا حاملا للسلاح في ساحة الإختلاف، وتقربهم من التفاعل مع الحياة الإعتيادية، وهو تحرك يحقق النجاح في مجاله بالإضافة إلى خروج بعض أدوات القتال من الساحة، إضعاف مؤثر لسلطة القادة المتشددين في الفصائل المسلحة، ويزيد مصاعبهم في المحافظة على ولاء منتسبينهم، وعلى دافعيتهم بأستخدام السلاح، وإلى مستوى قد يلزمهم بالتقرب التدريجي من الحكومة ومشاريعها التصالحية أو يقنعهم بترك الساحة والخروج منها بأقل الخسائر الممكنة.

ويجنب في ذات الوقت تنظيمات الصحوة واللجان الشعبية وغيرها التي قاتلت القاعدة في أن تُستغل من جهات خارجية لأستخدام السلاح بالضد من الحكومة.

كما يسهم في تحقيق قدر من الأمن يمكن أن يكون كافيا للبدء في تنفيذ بعض مشاريع إعادة البناء في المناطق الساخنة يساعد في تحقيق جهود المصالحة بأتجاهاتها الأخرى، ويقلل الحجج التي يتخذها البعض ذرائع لتحريض الإقليم العربي على الحكومة طائفيا.

ويوفر فرصا مناسبة، ووقتا ملائما لإعادة تنظيم وتأهيل القوات المسلحة لتكون قوة بيد الحكومة قادرة على تأمين التوازن مع دول الأقليم الكافي للحد من أنشطة دوله في التدخل بالشؤون الداخلية للبلاد، وهو بالتالي يكّون وضعا سياسيا مستقرا تنتفي الحاجة بوجوده إلى قوات متعددة الجنسيات التي يؤدي أنسحابها السلمي إلى إنهاء حرج الدولة العراقية إقليميا وشعبيا ويوفر أجواء أفضل للمصالحة.

إن الإستيعاب التصالحي عملية لا تتوقف عند حدود السحب التدريجي للمقاتلين في قواعد التنظيم المسلح، بل ويمكن مدها أبعد من ذلك أي إلى مستوى القيادات السياسية والعسكرية التي وقفت بالضد من القاعدة، وتفوقت عليها في ساحة القتال، من خلال تنظيم عملية أسناد مقنن لبعض تلك الفصائل وقادتها.

وإقامة صلات تفاهم وثقة متبادلة معهم جهد الإمكان، مع الأخذ بالإعتبار إن مستوى الإحتقان والتطرف والتخلف الحضاري في البيئة الأجتماعية لساحة الإختلاف العراقية مازالت تدفع البعض غير القليل إلى التمادي في الأبتعاد عن اللقاءات المباشرة بالأطراف المقابلة له فيما إذا كانت من الحكومة والمحسوبين عليها والمشاركين معها في العملية السياسية، وهذا أمر يمكن تجاوزه عن طريق التحرك غير المباشر بواسطة أطراف ثالثة قادرة على أن تقرب المعنين من خطوط التهدئة، وتبعدهم عن أستخدام السلاح وسيلة لفض الإختلاف.

إنها معادلة في التحرك يمهد التقدم في مجالها للحكومة أن تكون طرفا مباشرا في كل الخطوات اللاحقة، وفاعلا في تقليل كم الإعاقة التي يكونها المتشددون بالضد من مشروع المصالحة.  

3. الردع التصالحي 

إن القناعات التي تمهد للتصالح يتأمن بعضها وكما ورد أعلاه عن طريق التحرك السياسي، وبعضها عن طريق الإستيعاب التصالحي، وبعضها الآخر يتأمن تدريجيا من خلال الكف التراكمي لمثيراتها بالإستخدام المنظم للقوة، وبتكرار يكفي لتحقيقه "الكف" وإيجاد قناعات في عقول المعنين لمستوى يدفعهم تدريجيا بأتجاه محور المصالحة أو الخروج نهائيا من ساحة الإختلاف الذي يعني الأمن الذي تنشده المصالحة، والقوة المستخدمة عسكريا وأستخباريا لهذا الغرض عملية يمكن تسميتها بالردع التصالحي، وأداتها في العراق الحالي هي القيادة العامة للقوات المسلحة التي تقود جهدا عسكريا منذ بداية تشكيلها بالضد من قوى الإرهاب والمقاومة في آن معا، وهي وإن حققت تقدما كبيرا في بغداد ومناطق أخرى من العراق، فعليها أن تسعى جاهدة لتكّوين حالة الردع "الكف النفسي" عند الأطراف المقابلة لها في الساحة وبما يُحوّل التراكمات إلى قناعات تفضي إلى ترك السلاح لمن يحمله، ونبذ التحريض لمن يتبعه، وتستمر بمساعيها للحيلولة دون تكرار العمل المسلح.

إن الردع مفهوم في الأستراتيجية يعني أمتلاك القوة أو التهديد بأستخدامها، لمنع حدوث فعل الحرب أو القتال (10) يمكن أستعارته في موضوع التصالح في جانبه المتعلق بالأستخدام الفعلي للقوة للتعامل مع الجماعات المتطرفة في مواقفها من الحكومة والعملية السياسية بهدف الحيلولة دون أستمرارها بأعمال التخريب والقتال، أي تطويعها بأتجاه التقرب من الحياد ثم التفاهم ومن بعده التصالح أو حتى العزل وإنهاء قوة التأثير.

وكذلك للحيلولة دون رفدها بمتطوعين جدد، ودون قيام جماعات مسلحة جديدة، من خلال الإقتناع بالقدرة العسكرية الفائقة في أستخدام القوة المسلحة لكف سلوك التطرف وأستخدام السلاح.

والردع وبضمنه التطويع على هذا الأساس عمل عسكري، أستخباري، نفسي في آن معا، يحتم وجود الجهد العسكري المتاح لهذا الغرض قريبا من الجهد الحكومي المعني بالتحرك التصالحي ليفهم الجميع سبل وإمكانات ونتائج التحرك، لأن الموقف قد يتطلب الضغط في بعض الأحيان، وربما التخفيف في أحيان أخرى.

هذا وكل الاتجاهات المعنية بالمصالحة بينها الردع بحاجة إلى عمل نفسي قريب من أعلى سلطة قرار معنية لتحليل ردود الفعل، وصياغة معالم الضغط والتأثير، وتحديد نقاط القوة والضعف في جانب الخصم، ومن ثم متابعة وقياس المتحقق "المردود".  

إن القوات المسلحة ولكي تمتلك القدرة على تكوين حالة الردع النفسي التي فقدتها تماما بعد عام 2003 لابد وأن تستعجل إكمال جاهزيتها، وتتجه إلى الإكتفاء الذاتي في عملية القتال، وأن تكون هي الطرف الداعم لأي جهد شعبي أو عشائري يستعد لمقاتلة التطرف والإرهاب مثل الصحوات واللجان الشعبية بدلا من قوات متعددة الجنسيات التي أنشأت الفكرة وطورتها، والدعم قد لا يتوقف عند حدود التسليح والتجهيز، ليمتد إلى تأمين وسائط النقل وتقديم المشورة الفنية والمعلومات ، كما يجب أن تكون جاهزة دائما لمد فريق التحرك التصالحي "السياسي" بما يحتاجه من معلومات لتأمين المناورة والضغط اللازمة لإتمام عمليات التفاوض بنجاح، وقد تقتضي الحاجة وفي بعض مراحل التحرك التصالحي، وبأضيق حدود ممكنة أن تكون القوات المسلحة ممثلة في التفاوض فنيا لتحقيق التطويع السريع ضمن دائرة التحرك.

إن تأمين الردع المطلوب في ساحة الإختلاف لا يقتصر على عمل الجندي والضابط في ميدان القتال، بل ومعه تحركات أخرى مثل الجهد الإستعراضي للقوات المسلحة في المناسبات، وبعد تحقيق أنتصارات مهمة.

إن كل إتجاهات المصالحة وبينها الردع الكافي لتكوين أستجابة التطويع والمنع تحتاج إلى الجهد الأستخباري الذي يعد محور هذه العملية وعمادها، لأن التحرك السياسي والفعل العسكري يحتاجان معا أستخبارات فنية ونفسية ملائمة عن قادة الخصم، وقوى التأثير، ومستوى التعاطف والتناحر الإجتماعي في ساحة القتال، وتقدير كفاءة وولاء المقاتلين في الميدان، ومعرفة فرص النجاح وإحتمالات الفشل، كما يحتاجون أيضا إلى تقارير دورية عن ما يجري في الساحة تعطي تصور أوضح لقادة العملية السياسية، وفريق التحرك يساعد في أتخاذ القرارات الصحيحة.

إن الأستخبارت الملائمة لعملية الردع تبدأ من المستوى التعبوي لرصد فعل الفصائل المسلحة، وتحديد درجة الثقة والألتزام بالخطوات المتفق عليها فيما إذا كانت هناك إتفاقات، وتدقيق هوية العسكريين المنتسبين إليها من الجيش العراقي السابق، وهذا يسحبها حتما إلى أعداد خطط للمراقبة السريه طيلة العمليات الخاصة بالتفاوض أو التلاقي لتأكيد المعلومات.

إن هامش التحرك الأستخباري قد يتجاوز المهام المذكورة، ليمتد إلى تنسيق العمل مع الجهات العسكرية والمخابراتية لكافة مراحل التنفيذ بهدف الحصول على أوفر معلومات مناسبة لأنجاح عملية التصالح.

إن دور الأستخبارات في عملية المصالحة، دور غير مرئي أي غير مباشر لأن التواجد الأستخباري واضح العيان قد يثير حساسية الأطراف الموجودة ويؤدي إلى العكس مما هو مطلوب، وهو مشاركة تتطلبها كل الخطوات التي تتخذ من قبل الحكومة وفرق التحرك، ومن قبل القيادة العامة كأعمال قتالية لأغراض الردع والتطويع، على هذا الأساس يتطلب السعي للنجاح في مجالها أن تكون الأستخبارات قريبة في متابعاتها ومعلوماتها ودراساتها لما يتعلق بمثل هكذا اعمال.

إن المصالحة بكل أشكالها وسبل التحرك لتحقيقها أقتناع بواقع موجود، وبحلول مطروحة ترضى عنها الأطراف المعنية، وتدافع عن تعزيز وجودها القوات المسلحة، ودفاع من هذا النوع يتطلب حياديتها المطلقة، وأبعاد الغير عن التدخل في شؤونها بما يؤهلها لأن تتخذ كافة الأجراءات بينها العسكرية بالضد ممن يتسبب في إثارة الإضطراب وبتخويل من الحكومة.

وعلى هذا الأساس أصبحت القوات المسلحة التي تقود الجيش والسياسة العسكرية للدولة طرفا غير مباشرا يمهد لإنجاح المصالحة أو يتسبب في أفشالها من خلال التنفيذ الحرفي لقرارات الحكومة في عزل وتحييد بعض الأطراف، وتدمير أخرى تعتقد الحكومة جازمة بأدلة ثبوتية أن وجودها يضر بعملية المصالحة، وهذا يدفعها إلى أن تبقى في المكان الوسط بين الأطراف والجماعات التي تعلن أنضمامها إلى مشروع المصالحة أو رغبتها بالأنظمام، مع تجنب التقرب لقادتها ومسئوليها بما يوحي بالإنحياز أو الوقوف المسبق بالضد من أي منهما، ولتحقيق تلك المعايير لابد وأن تبتعد كمؤسسة مهنية عن الخوض والتدخل في الجوانب السياسية للمصالحة، وتفادي تمثيل الحكومة طرفا في التفاوض إلا ما يتعلق بالجوانب الفنية لضمان بقائها سلطة ضبط، وَتدخلٌ لحماية المصالحة عندما يقتضي الموقف ذلك.

إن الحيادية المطلوبة للمؤسسة العسكرية، ووحداتها المنتشرة حتى مستوى الفصيل  في ساحة القتال لا تتعلق بالمواقف السياسية، والدينية، والإجتماعية العامة، بل وكذلك بالتعامل العسكري الميداني مع أطراف النزاع المطلوب دخولها مشروع المصالحة الوطنية، ولتأمين هذا الأمر بدقة عليها أن تُقَسم جهدها في التعامل مع أطراف الإختلاف في محيط تواجدها تبعا لمواقفهم وأهدافهم القتالية، دون تجاوز أهداف الحكومة وتوجيهاتها.

فتخفف الضغط  العسكري مثلا على جماعات القبول "التي قاتلت القاعدة" لافساح المجال إلى من تبقى من قادتها خارج دائرة التصالح لأتخاذ قرار الدخول إليها، ولقواعدها الفسحة لتأييدهم عند أتخاذ القرار، في الوقت الذي تشدده على جماعات الرفض المتطرفة سعيا إلى تكوين حالة الردع وإلى عزلها ميدانيا عن باقي الجماعات، ومن ثم التقليل من شأن تأثيرها في ساحة الإختلاف.

وأن تتعامل بطريقة مختلفة مع الجماعات الوسطية التي لم تحسم أمرها في الدخول إلى المصالحة أو الوقوف بالضد منها، وتلك التي يكون موقفها القتالي مشوشا أو غير محسوما، والتعامل هنا يفترض أن يكون بطريقة المهارشة النفسية العسكرية التي تشعرها بقدر من الخسارة مع فسح المجال لها للمناورة في رد الأنفاس.

إن الحيادية في التعامل الميداني اللازمة لتأمين الردع التصالحي ودعم التوجهات الأخرى للمصالحة في كل الظروف والمواقف، ومن قبل جميع الوحدات والقيادات العسكرية ذات الأحتكاك المباشر بالمجتمع أمر صعب بحاجة إلى جهد متميز لتذليله بعد أن أدخل التوجه  الطائفي، القومي، المناطقي  مع بداية تشكيل الجيش في تحديد ساحة عمل وحداته  بالمنطقة القريبة "وإن لم يكن مكتوبا" مما أخل بموضوع الحيادية في التعامل من خلال الإنحياز المحتمل إلى أبناء المنطقة، وبالضد من المناطق الأخرى في ظروف التناحر الطائفي والعشائري الموجودة حاليا، وهذا واقع يثير حصوله أستجابات الضد من الحكومة، ويقيد من قدرتها في أستخدام الوحدات والقيادات العسكرية بكفاءة خارج المنطقة.  

وبعد أن غابت الضوابط والمعايير القانونية للمؤسسة العسكرية، وجرى التساهل في عملية التطويع في هيكليتها على أساس القوائم المرسلة من بعض الشخصيات السياسية والبرلمانية في أحيان ليست قليلة حتى أدخلَ إلى صفوفها البعض من أفراد المليشيات، ومهدَ للغير من الأحزاب والكتل السياسية، والدينية بالتدخل في مهام جيشها، وغض عن الخروقات الحاصلة في تنظيمها حد القيام بتجنيد بعض منتبسبي الجيش للعمل وكلاء لها برواتب تزيد بالنسبة إلى البعض عن رواتب خدمتهم العسكرية، مما كون قوة تأثير داخل الوحدة العسكرية تَحولُ أحيانا دون تنفيذها المهام بالشكل الصحيح أو الأمتناع عن تنفيذها أو الأسراف باستخدام العنف عند التنفيذ تبعا للأتجاهات الطائفية لأبناء المنطقة المطلوب التنفيذ في محيطها، وبهذا فقدت الوحدة أو القيادة العسكرية الحيادية المطلوبة في التنفيذ، وبفقدانها هذا أصبحت عائقا أمام المصالحة، وعامل إفشال لخطواتها. 

إن الردع التصالحي وفي كل مراحل عمله التنفيذية يتطلب من المؤسسة العسكرية وأجهزتها أن تكون قوية وحاسمة، لأن الموقف يقتضي الضرب بشدة أحيانا على بعض الأطراف التي يعيق وجودها وفعلها في الساحة عملية المصالحة وإن كانت قريبة من تشكيلة الحكومة طائفيا أو قوميا، لأن التلكؤ والتقصير يضعها في خانة العجز فيحول دون خشية الآخرين من مقاتلتها، أو خانة الإنحياز فيزيد من حقد البعض فيدفعهم لمقاتلتها.

إن وضع المؤسسة العسكرية في ميزان المصالحة وضع حساس بسبب حالة الإختلاف في ساحة العمل السياسي الذي يدفع البعض من بينهم مشاركين في العملية السياسية وأطراف في ساحة الإختلاف إلى التجني عليها كمؤسسة وطنية، وتحميلها أحيانا بعض تبعات الإختلاف لمآرب خاصة، ونوايا غير حسنة، وجهل بأسلوب القيادة والسيطرة، الأمر الذي يجعل أي خطأ في التعامل يقدم مادة سهلة لإتهامها بالمحاباة إلى طائفة دون أخرى، وأمتداد النفوذ لجماعة دون أخرى، وهو إتهام ينعكس سلبا على فاعليتها في عمليتي الأستيعاب والردع التصالحي المعنية بهما مباشرة، وهذا واقع حال يفرض على قيادتها العليا أعباء القيام بجهود حثيثة للتقليل من هامش التحسس، وتفويت الفرص على الغير للتحريض، والسعي لزيادة فاعليتها في التأثير من خلال الألتزام المطلق بالضوابط والقوانين العسكرية، وحث القادة العسكريين الميدانيين في هذا المجال لأن يكونوا قدوة حسنة لمنتسبيهم من الضباط والمراتب التي تبقيها مؤسسة وطنية يهابها الجميع، ويؤيد عملها الجميع أيضا.  

ولا مناص للقيادة العامة في موضوع التحسس، وتكوين حالة الردع النفسي إلا أن تكون صارمة في تجنيب جميع مفاصلها القيادية الخضوع للتأثيرات الجانبية للكتل والأحزاب السياسية التي يحاول بعض أفرادها تحقيق أهداف خاصة من خلال تخويفهم بسلطة الحزب والمرجعية الدينية أحيانا، وبهذا الصدد لابد لها أن تضع إجراءت لحمايتهم من أية تجاوزات تضعف قدرتها في الردع والتأثير، دون التغاضي عن ضرورات العمل الجاد لإعادة الولاء الضمني للعسكري إلى الوطن العراقي بعيدا عن توجهات تجزأته إلى الطائفة والقومية.

وإجمالا يمكن القول أن الحكومة في طريقها إلى تحقيق المصالحة تحتاج إلى قوات مسلحة كفوءة، وقادرة على الدفاع الفاعل عن حدود البلاد، وتأمين الردع الكافي للحيلولة دون القيام بأعمال الإرهاب، وتحتاج في نفس الوقت إلى أجهزة أمنية وأستخبارية متمكنة لتأمين المعلومات اللازمة وتحقيق الأمن المفروض، وهي حاجة تتطلب دعم السلطات التنفيذية والتشريعية في الدولة لهذه المؤسسات العسكرية والأستخبارية بقدر عال المستوى.    


النضج في عملية المصالحة

1. في النزاعات الدولية وإختلافات الخصام المحلية التي نجحت فيها جهود المصالحة في العصر الحديث عادة ما يوجد طرفين أو أكثر بقليل في ساحة صراع ليس بعيد عنها طرف ثالث يمتلك علاقات، وقابلية إقناع لأطرافها المتخاصمين، وهذه حقيقة عند مقاربتها مع طبيعة المشكلة العراقية نجد وكأن الإختلاف في ساحتها  قد صيغ بطريقة فيه الجميع مشاركون وليسوا محايدون، والأطراف الثالثة بعيدون غير مؤثرون. 

فالأمريكان الموجودين في الساحة كقوات أحتلال على سبيل المثال هم طرف في الإختلاف، وكذلك العرب المحيطين، والبعيدين نسبيا مع قليل من الإستثناءات لمن لا يمتلك قدرة التأثير، والأحزاب والحركات السياسية أقحمت نفسها طرفا، والحكومة  بكل مؤسساتها باتت طرفا، وكذلك رئاسة الجمهورية والبرلمان، وأدخلت المرجعيات السنية والشيعية طرفا، حتى فقدوا جميعا صفة الحياد الثالثة في مصالحة تعتمد أصلا على عملية ربط بين طرف ثالث قادر على جر أطراف النزاع بعيدا عن المواقف المتصلبة، وبين عاملي الرغبة في إجراء المصالحة أي المضي قدما في تسوية أوجه الإختلاف.

وتوفر المقترحات المناسبة لتقريب وجهات نظر أطراف الإختلاف.

على أن يكون الربط في وقت مناسب لإجراء المصالحة يسميه المختصون في سيكولوجية النزاع بلحظة النضج (11) التي يعدوها القضية الأكثر حيوية  لصناع المصالحة في ميدان تحقيقها بإعتقاد أن مقترحات الحل إذا لم تقدم في الزمن المناسب لم تحض بفرص مناسبة للإقناع، وهي فسحة زمنية يمكن أن تُدرك تلقائيا أي أن أوجه الخلاف تنتج نضج حلها، مثلها مثل مشاكل عديدة يقتنع أصحابها يوما أن الوقت قد حان لحلها بطرق غير أستخدام القوة، ويأتي الإقتناع "النضج" هنا كنتيجة للتعب، والملل، وتوقع الخسارة.

وهي كذلك يمكن التدخل لتسهيل إدراكها أي العمل بالوسائل العسكرية، والسياسية، والإعلامية النفسية لتكوين فترة زمنية فيها أستعداد وأقتناع لقبول الحل السلمي يتفوق على باقي الحلول.

2. إن طبيعة الوضع في العراق ومخاطره في تفاقم الإضطراب الذي قد لا يبقي العراق عراقا كما كان لا تسمح بترك أوجه الخلاف تنضج وحدها زمنا لقبول حلولها تلقائيا، عليه لابد من التفكير في التدخل بالقدر الممكن لتكوين الزمن الذي يدرك خلاله المتخاصمون أفكارا تساعد على قبولهم الحلول المطروحة سلميا، وإن لم تكن عامة لجميع معالم الإختلاف، فلبعضها، ولقسم من أطرافه، والإدراك هنا عملية نفسية تتم من خلال واحدة أو أكثر من النماذج الآتية.

أ. إذا ما شعر المتخاصمون، المستهدفون أنهم في مأزق فيه الضرر المتبادل محتمل، وقد يفضي إلى حدوث كارثة وشيكة، وإذا ما أحسوا بأن جميع المسالك أمام الحلول التي يعتقدونها من وجهة نظرهم أي التفردية مغلقة بمستوى يبقي الحلول المشتركة "التصالحية" مخرجا وحيدا، عندها ستتكون فسحة زمنية محدودة تظهر خلالها الأطراف المتخاصمة أو بعض منها أستعدادا للتداول بشأن مقترحات طالما تمنعوا عن مناقشتها في السابق، وخلالها يمكن أن يتحول قادة الإختلاف عن عقلية الإستئثار والانتصار لصالح التوافق الذي لا يعود التحول في مجاله فقط إلى مجموعة إجراءات تتبع من قبل المعنيين بالمصالحة، بل وإلى أستعداد أطراف الإختلاف نفسيا لاستثمار الفرص المتاحـة، ومواجهـة الخيارات الصعبـة، وتقديم التنازلات المتبادلة (12)، وهذه فسحة زمنية بواقع نفسي إذا ما تيسرت يمكن أن تُنتَجُ للحكومة كأحد الأطراف قوة دفع لوضع الطرف المسلح في ساحة الإختلاف على وجه الخصوص في موقف يشعر أنه في مأزق ضار أو كارثي،  يقربه من الإعتقاد بالتفاوض وسيلة خروج مناسبة، أي إنها في الحالة هذه توسع من فرص نضج النزاع لجهود الحل في العقل المقابل لها، وهذا أسلوب يدفع المعنين إلى الشعور بالوقوع في مأزق فيه:

إدراك للضرر المتبادل.

أعتقاد بعدم وجود نهاية قريبة.

عدم إمكانية الحصول على نجدة.

وما يهم في حالته أن تديم الحكومة زخم الدفع العسكري أو النفسي بشكل متواصل لإبقاء المعنيين في خضم ذلك الشعور، وكأنهم محتجزين في حالة لا يكون لأستمرار أختلافهم فيها أية مكاسب، ويتعين البحث عن مخرج أي بديل.

إن المأزق الذي يُعبر عنه على وفق نظرية المباريات (13)، بالانتقال من المحصلة السلبية التي تميز الوضع القائم "الإختلاف" إلى محصلة إيجابية "التصالح" وإن يتأسس في الغالب على أستخدام القوة العسكرية من طرف الحكومة "الردع" لدفع بعض الأطراف إلى الطريق التصالحي، على أعتبار أن الجناح العسكري في أطراف الخلاف هو الأهم في معادلة إدراك الوقوع في المأزق، فإنه لا يعني أن تكبيد الأطراف المستهدفة خسائر جسيمة هو الشرط الوحيد لحصول مشاعر الوقوع في المازق، وإنما الدفع لإدراك حصولها، والإعتقاد بإمكانية التوصل إلى حل تفاوضي، والحصول على تنازلات متبادلة، وباية وسيلة متاحة.

وبمعنى أدق أن الحاجة إلى التصالح لا تستدعي دائما وفي كل الظروف والمواقف حصول مأزق ضار متبادل فعليا، بل يكفي أن يُدرك المأزق من الطرف الموجود بالساحة أو الجهة التي تقف وراءه داخل وخارج الحدود، كما إن استخدام القوة العسكرية لتحقيقه تقتضي من الحكومة أن تأخذ بالإعتبار أن قوتها العسكرية غير الكافية لتأمين الردع المناسب قد تزيد شدة المقاومة المسلحة، ويمكن أن تعطي المتطرفين في الجانب المقابل لها مبررا لمزيد من تعبئة المؤيدين والأتباع.

وعلى وجه العموم فإن الشعور بالمازق وإحتمالات الكارثة يمهد لمصالحة أشمل وأكثر ديمومة إذا ما أدركت حصوله جميع الأطراف المسلحة في ساحة الإختلاف، ففي حال العراق الحالي مثلا لا يفترض العمل على وضع تنظيم القاعدة وحده في حال الشعور بالمأزق، وإبقاء الأطراف التي آزرته وتخلت عن مؤازرتها، وتلك التي حاربته منتشية بنصر التفوق عليه، لأن هذا  سيحفزها على المطالبة بحصة أكبر من حجمها، وقد يدفعها إلى التنحي عن المشاركة بالجهود المبذولة لتحقيق المصالحة، أملا في الحلول مكانه في العقل المتلقي، وتحقيق أنتصارات، تعتقدها ممكنة بعد أفوله أكبر وأقوى التنظيمات، عليه لابد وإشعارها هي أيضا في إحتمالات الوقوع في مأزق الضرر إذا ما تمادت وأبتعدت عن النظام وعن المشاركة في جهود المصالحة. 

إن كل تلك الأعمال العسكرية والنفسية لدفع الأطراف نحو الشعور بالمأزق يمكن أن  يساعد الطرف الثالث في حال تيسره بتسريع عملية إدراك أفكارها عن طريق التحاور وتعبير المعلومات المثيرة لإعادة تقييم المواقف والحسابات، ومن خلال الحيادية وتفهم الحقائق والأبعاد خلف جدران النزاع.

ب. إن الشعور بالوجود في مأزق ضار يتأسس على تعلم مواقف جديدة من خسائر حاصلة أو محتملة الحصول قد لا تكون عوامل تحقيقه متاحة للحكومة في التعامل مع جميع الأطراف، ولا ينبغي في مثل حال العراق الذي تتعدد فيه أطراف الخلاف بوضعها جميعا في مواقف تشعرها بالوجود في مأزق، وبدلا منه أو معه أحيانا يتم العمل على دفع أطراف منها للوقوع في وهم النصر المبني على كلف الخسارة، وهو أسلوب تعامل لعمليات نفسية متواصلة تجعل في محصلتها الطرف المعني ينظر إلى الخسارة الفادحة في بداية المطاف ثمن مقبول للحصول على إنتصار لابد من تحقيقه، ومن ثم دفعه بإتجاه تقديم المزيد منها في ساحة الإحتراب وإلى مرحلة تشعره بالذنب والإحباط لعدم كفايتها في تحقيق النصر كما كان معتقدا في البداية.

إنه أسلوب مصيدة يبدأ بتفعيل آلية تبرير الخسارة في عقلية الخصم، وينتهي بتفعيل مشاعر الإحباط حيث التناقض الوجداني الكافي للإنهاك والسحب إلى دائرة التصالح أو الدفع خارج ساحة الإختلاف، يمكن أستخدامه مع بعض الجماعات المحلية التكفيرية المتطرفة التي تتواجد قاعدتها الرئيسية ومجال عملها في منطقة محددة أو محافظة معينة يفترض إمكانية التحكم في مقترباتها عسكريا، وهو من زاوية أخرى أسلوب تصعيد في حدة قتال يقترب من مفهوم الردع، فيه تفوق لقوات الحكومة بقدر يكبد المستهدف خسارة كبيرة، ومزيد منها حد الإنجرار بسبب فداحتها إلى حالة إحباط كافية لإخراجه من ساحة العنف أو تحويل إتجاهاته من القتال صوب المصالحة سبيلا وحيدا للمحافظة على القليل المتبقى، وعلى ماء الوجه.

وهو من الناحية العملية أسلوب توريط فيه الضغط العسكري النفسي تدريجي غايته جر طرف النزاع المستهدف إلى أن يتوهم في البداية بأن أي بديل عن الانتصار الكامل غير ممكن، وإن مقايضة التضحيات بأية اتفاقية مهما كان شكلها غير صحيح، وإن الصدام جسر يربط بتحقيق أهداف معينة، أما التكاليف والتضحيات، مهما عظمت فهي دعائم ضرورية لهذا الجسر المطلوب عبوره إلى ضفة الإنتصار، خاصة وإن التضحيات  "الخسائر" عادة ما ينظر إليها في البداية تضحيات قابلة للتحمل وهامشية، ما دامت قد تمكنت من تجاوز مراحل ترى بأنها أصعب مقارنة بما سيأتي، لينجر بالمحصلة في المراحل اللاحقة إلى الأستفاقة من حالة الوهم المحبطة.  

أما عملية النضج في إطار هذا السلوب ولهذا النوع من النزاعات المستعصية فتأتي من خلال الجهد النفسي المقرون بالفعل العسكري عبر أربعة مراحل أولاها الإشارة الإعلامية لبعض أعمال الخصم في وسائل إعلام ثالثة مع ذكر الخسائر لتكوين الوهم.

والثانية أستنزاف الموارد المتاحة للخصم عبر إثقاله بتقديم المزيد من الخسائر والإلتزامات لتكوين التبرير.

والمرحلة  الثالثة تتعلق بتضخيم هالة الخسائر التي لحقت به، والتقليل من شأنها في طرف الحكومة، عن طرق وسائل الإعلام وأدوات الحرب النفسية التعبوية لتكوين الإحباط.

والرابعة تعتمد على الدفع بإتجاه الأستفاقة من الوهم وإدراك الحقيقة تحت ضغط الإحباط واليأس، ومن ثم البحث عن مخرج بسبب أستنفاذ الموارد.

وبناء على هذا التدرج، فإن المنعطف الحاسم لإنتاج فترة النضج يكمن في الأنتقال بين المرحلتين الثالثة والرابعة، التي يكف فيه قادة النزاع عن الإعتقاد بأن  التضحيات هي الثمن المضمون لتحقيق النصر، وبدلا من ذلك الإقتناع فعليا  بضرورة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وهو أنتقال نفسي عبر مشاعر إحباط تدفع إلى التخلي عن تقديم الوعود بتحقيق النصر، والتوجه بدلا منها إلى القبول بما هو متاح.

إن العمل على وفق الضغوط التصاعدية في ساحة القتال التي تنتج فترة النضج تحتاج إلى جهد مضاف لتغيير نمط التفكير التي أعتاد علية قادة النزاع، وهنا يأتي دور الطرف الثالث الذي يسهم في إتاحة الفرصة للتأثير في مساره، حتى يمكنه في بعض الأحيان أن يخلق الشروط الملائمة للتسوية، عوضا عن انتظار ظهورها، وهو طرف يقوم بوساطة تأخذ بعين الاعتبار إيجاد الطرق المثلى لمساعدة المتنازعين على وقف النزيف في الموارد عبر تبني سياسات ملائمة، وعبر تحرير صانعي القرار من الأجنحة المناوئة للمصالحة، وعلى وجه العموم فإن هذا الأسلوب الذي يمزج بين الفعل العسكري والنفسي يحتاج تطبيقه إلى أجهزة معنية بالعمليات النفسية، وإلى خبراء نفسيين في بعض مفاصل الإعلام وسلطات القرار.

ج. إن الأساليب المذكورة لا تخلو من سلبيات أستخدام القوة لإنتاج فترة النضج، ومن الصعوبة في حال الإختلاف العراقي إيجاد طرف ثالث، عليه يمكن التفكير بأساليب أخرى رديفة تعتمد على نافذة الأمل، أو فرص جذابة للتصالح يمكن التحكم بفتحها أو غلقها تبعا لمجريات العملية التصالحية، وهذا أسلوب يتجاوز محددات النضج وإن كان وجودها مهما لصناعة المصالحة، لأن عدم بلوغ النزاع مرحلة النضج لا يعني إيقاف جهود المصالحة، بل لابد من تحديد العقبات التي تحول دون المضي قدما لحله، ومن ثمة اقتراح الطرق التي يمكن من خلالها التعامل مع هذه العقبات إلى أن يصبح الحل ممكنا، لذا وعندما يصل حال الإختلاف إلى نفق مسدود فإن إنضاج الحل قد يكون ممكنا من خلال منح أطرافه أملا ينبع من مقترحات جديدة يتم التداول بشأنها.

إن أسلوب إعطاء الأمل أو ما يسمى بنافذة الأمل يحتاج إلى تظافر جهود كل المسالك  الحكومية والحزبية المشاركة بالحكومة، وأجهزتها الإعلامية لتنسيق جهودها في صياغته "الأمل" وفتح نوافذه، وبشكل مستمر طيلة فترة الإختلاف، وتحتاج إلى جهد مميز للتحليل والرصد لتحديد طبيعة الآمال التي تتمحور حول:

بروز إمكانية الحصول على مكاسب من المصالحة بتكاليف أقل من الأستمرار بالخلاف.        

وجود بوادر لإمكانية تقاسم السلطة، لم تكن موجود سابقا، وهذا محور مهم في حالة الإختلاف العراقي وطبيعة الشخصية السياسية العراقية التي تعتبر المشاركة في السلطة تعزيز للوجود، الأمر الذي جعله إحد الفرص الأكثر جاذبية لتكوين أمل.

ومع ذلك يبقى هذا الأسلوب محدودا في تجاذبات الإختلاف في الساحة العراقية الحالية لأنه بحاجة إلى مؤسسة متخصصة لصياغة نوافذه وإلى إعلام مهني محايد لترويج المصاغ منها، كما إن غالبية الأطراف المساهمة في الخلاف تعتمد السلاح وسيلة فضه الرئيسية، الأمر الذي يصعب فيه تكوين قناعات أمل تقرب من المصالحة لدى قادتها دون استخدام القوة لتأمين الأهداف، إلا في حدود ضيقة وبين جماعات محددة.

3. إن بلوغ "لحظة النضج" بوصول استراتيجيات الأطراف المتنازعة إلى مأزق، يعتبر مهم جدا، لأن حدة المعاناة سوف تردع الأطراف لاحقا عن اللجوء إلى العنف، فصور الخسائر والدمار والتكاليف المرتفعة الناجمة عن تبني استراتيجيات تصعيدية كفيلة بتثبيت دعائم الأمن والاستقرار اللازم لتكوين المصالحة وإدامة أستمرارها، ومقابل ذلك، فإن إيجاد فرص جذابة متبادلة، والتمعن في آليات الوهم والإحباط مهمة هي أيضا لإنضاج تسويات مستديمة تنبذ الدمار وتتبنى الإدارة البناءة للإختلافات، لكنها أساليب وبسبب طبيعة الإختلاف في الساحة العراقية، وكثر تعقيداتها لا يجدي العمل بتعميم أستخدامها في جميع الأماكن والأوقات وعلى جميع الأطراف، والأجدى تقسيم العمل بينها جميعا، فالحكومة التي تعاظمت الأعباء الملقاة على عاتقها في ظل العجز في موارد القوة المتاحة، وكثر القيود، لابد وأن تأخذ بالإعتبار إنتقاء الإختلافات التي تبدي إمكانيات للتسوية لتضعها في مأزق الضرر المتبادل، وأخرى التكفيرية المستعصية تنيط مهمة التدخل في إيقاعها بالمصيدة إلى القوات المسلحة التي تملك بعض موارد القوة لإخراجها من الساحة أو تحويل إتجاهاتها قريبا من المصالحة، وهكذا الحال لباقي أوجه الإختلاف، ومسارت المصالحة التي لا يمكن geovisit(); أن تكون كافية لتكوين حالة الأستقرار المرجوة حتى ولو توصلت إلى اتفاقات لوقف العنف، دون أن تدعم بقناعات وآمال لفرص حياة أفضل.


الخاتمة  

1. المصالحة عملية شائكة ومعقدة لا تجدي نفعا عند أختزالها بالتفاهم مع بعض القوى المسلحة بالضد من الحكومة لإيقاف نشاطها العسكري والتخريبي على الرغم من أهميته في تهيئة ظروف تحقيقها التي تستند على الأستقرار، وهي كذلك شاملة لا تتوقف عند الحد من أعمال الإعاقة بل وتمتد إلى فعل الجماعات السياسية غير المسلحة في تبنيها نهج التخريب الفكري والمعتقدي، وعرقلة الجهود لإتمامها، وإلى توجهات الجماعات والأحزاب الدينية لإثارة الأحتقان والفرقة الطائفية، وتتوسع في تحركها بإتجاه مسعى العشائر والتجمعات الدينية الطائفية غير المتحضرة في تجزأة الولاء وتحويله أو سحبه من الوطن إليها فى المحيط الضيق لتواجدها.

2. إن مفهوم المصالحة مفهوم واسع يحتوي ضمنا عديد من المفاهيم ذات الصلة بالتواد والتسامح وحسن العلاقات بين أبناء المجتمع الواحد، وهو على هذا الأساس ثقافة لا تنتشر بين يوم وآخر ونهج تفكير وإجراءات عمل منسقة لا تتحقق على أرض الواقع بالتمنيات، والنوايا الحسنة فقط، بل وبها وعمل شاق للحكومة وأجهزة الدولة، والأحزاب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني وبما يؤدي إلى تأمين قدر من الرضا لشعب عرف بصعوبة الرضا عن نهج الحكومة وبرامجها، ودفعه إلى أن يقف خلفها ويدعمها، وهو على وجه العموم عمل إداري، عسكري، نفسي، سياسي مستمر يتطلب الكثير من الوقت والجهد المتواصل.   

3. إن مشروع المصالحة الوطنية وأن تعددت أطرافه تبقى الحكومة محوره الرئيسي، ومحرك الدفع على طول الطريق.

ويبقى الإقناع وسيلته الأساسية لتأمين قدر من الرضا والقبول.

وتبقى أفكار مثل عدم جدوى أستخدام العنف، وبطلان الطائفية، ومصداقية الأساليب المتبعة في حل مشاكل البلاد، وجدية الأجهزة في التعامل مع ما مطروح لتجاوز الأزمة، وحق الجميع في المساهمة بمشاريع إنقاذ البلاد، وفاعلية القوانين المشرعة لتنظم الحياة، وما يدور حولها مادته الإعلامية النفسية.

من هذا يتوضح أن المصالحة عملية رضا وقبول أساسها الإقتناع، والإقتناع مسألة نفسية لا يدركها العقل عن طريق المناقشة والحوار فقط رغم أهميتها معرفيا، بل وتتطلب في بعض مراحلها إجراءات إقتصادية، وخدمية، وسياسية، وإعلامية، وعسكرية لتدعيم إدراكها.

وتتطلب قدر من الترغيب للحث على إدراكها، والترهيب لكف الفعل الذي يحول دون إدراكها.

وهي بالتالي عملية متعددة الأوجه إذا ما تم النظر إلى موضوعها من زاويتي الجهد المبذول لتحقيقها في الوقت الراهن، وعوامل الإعاقة في طريق تحقيقها ذات الصلة بكم الاحتقان، وسعة التدخل الخارجي، وخطط محاربة الإرهاب، وهامش التمسك بالمواقف والأهداف للقوى السياسية الفاعلة، وغياب التآزر الجماهيري، وتفشي مستوى الفساد، وإنعدام ثقافة التسامح والتواد، وتصدع عوامل الثقة بين الطوائف والأقوام، وتدني مستويات الرضا والقبول، وغيرها عوامل إعاقة تؤشر صعوبة تحقيقيها بما متيسر من جهد مبذول حاليا، لكنه مؤشر وإن كان واضحا لا يعني الفشل وإنما عدم ملاءمة الجهد لإزاحة عوامل الإعاقة وتكوين حالة الإقتناع، ويعني من جانب آخر عدم تيسر النضج الكافي لحلها، وهذا يضيف على الحكومة والأحزاب السياسية والكتل البرلمانية مهام وطنية لمد الجهد الميسور بقوة دفع أكبر، وتواتر أسرع  أملا في التوصل إلى أجواء تمهد إلى قدر من الرضا، والإقتناع يؤسس قاعدة  سلام إجتماعي تكافلي مضمون في بقاءه على الأمد البعيد.  


المصادر 

1. Khalid Troli series of articles “reconciliation in the central futures of the new Islamic discourse” newspaper renewal Moroccan number: 842, 843,845,847,849, the month of January 2004. خالد الطراولي سلسلة المقالات "معالم مركزية المصالحة في الخطاب الإٍسلامي الجديد" صحيفة التجديد المغربية أعداد: 842، 843، 845، 847، 849، شهر جانفي 2004. وموقع "تونس نيوز"

2. محمد حمدي النجار (1998) في الإرشاد النفسي السريري، الرياض، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب.

3. جان بول سارتر (ب ت) نظرية الإنفعال، دراسة في الإنفعال الفينومينولوجي، ترجمة وتحقيق هام الحسيني، بيروت دار مكتبة الحياة.

4. CPA/ORDL23May 2003 /02

5. سعد العبيدي (2003) أزمة المجتمع العراقي، قراءة نفسية في التدمير المنظم، بيروت، دار الكنوز الأدبية.

6. مهدي عامل ( 2003) في الدولة الطائفية، بيروت، دار الفارابي.

7. دائرة المعارف البريطانية

8. علي الوردي (2007) شخصية الفرد العراقي، السعودية، دار الورق للنشر.

9. وليد عبد الملك الراوي (2007) واقع القوى المسلحة في العراق.

10. العميد الركن إبراهيم إسماعيل كاخيا، الآفاق الاستراتيجية لنظرية الردع، مجلة الفكر العسكري السورية، العدد (6) عام 1998.

11. William Zartman (2006) Peacemaking in International Conflict: Methods and Techniques, editor (revised edition).

12. William Zartman (2005) Negotiating With Terrorists,(revised edition).

13.Leach Steve, Approaches To Public Policy, , George Allen CO. London, 1982

 

3/3/2008