الأزمة العراقية من وجهة النظر الإنسانية والسياسية / الإنسان العراقي والأزمة


عــــــــام 

1 . الإنسان العراقي كغيره من بني البشر لـه طباعه الخاصة وعاداته الاجتماعية وتقاليده السائدة، وله كذلك خصائصه وإمكاناته وقدراته ، ويشترك وإياهم في تطلعاته وطموحاته لأن يعيش بقدر معقول من الأمن والاستقرار، ويقترب منهم في اتجاهاته وتوجهاته.

لكنه ومن ناحية أخرى يختلف عنهم بتقديراته للظلم والبؤس والاضطهاد التي يعيشها، ولا يشبههم بمستويات تحسسه للخوف والرعب والشقاء التي يعانيها، ولا يدانيهم بالطاقة المتبقية في داخله للتعامل معها مأساة بكل المقاييس البشرية، لأنه - أي العراقي - يعيش ظرفا لم تشبه تفاصيله الظروف التي عاشها أو يعيشها أبناء جنسه على كرتنا الأرضية، ويتعرض لضغوط لم تقترب في شدتها للضغوط التي اعتاد البشر التعرض إليها وتحملها في كل المراحل التاريخية. إذ لم يسمح له استنشاق الهواء النقي رغم عدم تلوث أجواء العراق فعليا.

ولم يفسح له المجال لقول كلمة حق  رغم تمتع غالبية الشعوب في وقتنا الراهن بحرية الرأي والتعبير.

ولم يقبل منه ممارسة الطقوس الدينية التي يؤمن بها رغم كونه موحدا.

ولم تعطى له فرصة الاطلاع على التطور الحضاري رغم تصنيفه منبعا للحضارة الإنسانية.

ولم …………….. ولم . 

وبسببها اصبح إنسانا له خصائصه ومعاييره وإمكاناته وأساليبه الخاصة التي لم يستطع غالبيتنا وحتى نحن العراقيين من فهم طبيعتها وإدراك دوافعها، ولم يتمكن معظمنا من تقدير مستويات تأثيرها على حاضرنا ومستقبلنا، وربما شاطرنا في ذلك الآخرون من حولنا أو البعيدون عنا.  

لقد عاني البعض منا أضطرب التوجه وفقد القدرة على تحديد الأهداف والأولويات التي ينبغي  الوصول إليها في مسعى العيش الكريم، وأضاع البعض الآخر طريق الوصول إليها في زحمة الحياة الضاغطة.

وعندها فقدنا الاتصال بالأخوة والأشقاء وبالغرباء من أبناء جنسنا، فخسرنا إمكانية محتملة للحصول على المساعدة اللازمة لتحقيق الأهداف أو فرص متاحة للتعرف على طريق الوصول إلى تحقيقها.

وعندها تجاوزنا على حقيقة أننا أصحاب الأزمة وأننا الأولى بحلها، وأبقينا النظر شاخصا إلى الغير سواء كان:

حاكم عسى أن يعود إلى رشده ويبدأ الحل بتجاوز أخطائه.

أو شقيق عسى أن تتحرك في داخله رابطة الدم ويساعد في حلها.

أو جار عسى أن ينظر إلى حقوق الجيرة والقيم المشتركة ويعاون في حلها. 

أو الأقوى في العالم عسى أن تتقاطع مصالحه والحكومة الحالية فيلتفت إلى حل مناسب لها. 

2 . تلك كانت حقيقة لبعض جوانب الحياة العراقية التي تكونت بسبب الأزمة ثم ساهمت في استمرارها، حقيقة أغفلناها طيلة السنوات التي  أعقبت حدوثها، وبإغفالها أبقينا أنفسنا في دائرة مغلقة قوامها العزلة والتشكي ومحاولة الابتعاد عن الواقع والتنصل من المسؤولية، وإغفالنا لها ساهم من جهة ثانية بأن يهملها أو يغض الطرف عنها غيرنا من السياسيين وأصحاب الشأن والمعنيين خارج بيئتنا،  فتركونا في تلك الدائرة  لقصور في إمكانات البعض منهم أو لعدم قدرتنا في إثارة بعضهم أو لتخوف البعض الآخر من التعرض لما تعرضنا له، أو لأن قسما منهم لم يجدوا فيها " الأزمة " تقاطعا يمكن أن يفقدهم بعض مصالحهم. فكانت كارثة لحاضر مؤلم ومستقبل مجهول.

 

ماهية الأزمة  

3 . الأزمة مصطلح لا تختلف النظرة إليه من الناحية اللغوية عندما يتعلق بالفرد عنه فيما إذا اتصل بالجماعة، وهي في موضوعنا هذا يمكن عدّها:

الحالة الطارئة التي يعاني منها المجتمع العراقي بسبب حدوث مواقف متعددة أثارت ضغوط وردود فعل سلبية لم يستطع العراقيون بما متيسر لهم من إمكانيات متاحة في الوقت الحاضر من السيطرة عليها أو التعامل الصحيح معها باتجاه حلها حلا مناسبا. 

4 . والأزمة حالة لا يعني النظرة إلى نتائجها من الزاوية السلبية فقط لأن بعضها وإن كانت سلبية إلا  أنها قد تكون  فرصة لشحذ الإمكانات وتطوير القدرات واكتساب الخبرات في حياة البعض من الشعوب كما حصل للألمان واليابانيين بعد الحرب العالمية الثانية، وقد تحدث حالة من الخراب والعجز وعدم التوازن أو حتى الانهيار كما هو الحال بالنسبة للأفغان والعراقيين. وهذه نظرة تدفع إلى التأكيد على:

أ . أن قيـام الأزمة وطبيعة  نتائجها لا يعتمد  فقـــط علـى ماهية المواقف المسببة لها بل وبمستويات تفاعلها مع الإمكانات المتاحة للتعامل معها.

ب .لا تـــحدث الأزمة بسبب الضغوط والعوامل الخارجية فقط، بل وبحدود تفاعلها مع العوامل الداخلية المهيأة لحدوثها.

والعوامل الخارجية في الأزمة العراقية على سبيل المثال تتعلق بشكل مباشر أو غير مباشر بمسالة التوازن المطلوب بين العراق وإيران من جهة وبين إيران وجيرانها العرب من جهة أخرى، وبينهم جميعا وإسرائيل من جهة ثالثة، كذلك الحال بالنسبة للتوجه الدولي لاستنزاف الفائض في الأموال العربية، وتغيير شكل الصراع وربما انتقال بؤرته من فلسطين إلى الخليج، ومساعي إعادة ترتيب الخارطة العربية والإسلامية، وبالتمهيد للنظام الدولي الجديد وغيرها عوامل دولية متعددة كان العراق بموقعه المتميز وظروفه الخاصة الأكثر ملائمة لأن يكون الطرف الفاعل في حدوثها أو الوصول إلى نتائجها الحالية. 

أما العوامل الداخلية فيمكننا التأكيد بأن في العالم قوى عظمى متنفذة قادرة على إثارة الفتن والأزمات، إلا أنها لا تمتلك عادة كل المتغيرات في يد واحدة لمستوى تستطيع فيه التحريك كما هو مرسوم في خططها تماما، ولنعطي أمثلة على هذا التأكيد من أزمتنا العراقية:

لو لم تغزوا الحكومة العراقية الحالية دولة الكويت لما أعطت مجلس الأمن مبررا يضفي فيه صفة دولية لتواجد جيوش الدول العظمى في منطقة طالما فتشت بين جوانبها على فرصة مناسبة لتحقيقها، ولما أجبرت العرب على الموافقة لاستقدام تلك الجيوش على أراضيها والتمهيد لحدوث الأزمة.

ولو لم تصر الحكومة الحالية على عدم الانسحاب من الكويت لما وفرت الفرصة الملائمة للدول العظمى في أن تدمر العراق وتستنزف أموال العرب، ولما دفعت بالعرب حتى الذين لا يتفقوا مع التواجد الأجنبي على الأرض العربية في أن يشتركوا معها في الحرب والتدمير، وحدوث الأزمة.

ولو لم تتمادى الحكومة العراقية الحالية في عدم الانصياع للقرارات الدولية والهروب إلى الأمام في وهم الصمود والانتصار، لما شجعت الدول العظمى على الاستمرار بفرض الحصار وتعميم الدمار، وتفاقم الأزمة.

ولو نظر الضباط العراقيون إلى الأمام نظرة تحليلية لاستثمروا الموقف بعد الانكسار وثاروا على الظلم والطغيان وساهموا بحل الأزمة.

ولو تكاتف العراقيون جميعا، المظلومون منهم ، والمتضررون  الساعون إلى حياة أفضل مع ثوار الانتفاضة في 1/3/1991 لما طال عمر الأزمة.      

ولو حصل أن وحدت المعارضة العراقية صفوفها وفعلها الموجه ضد النظام أو المخصص للتعامل مع أطراف خارجية فاعلة لما استمرت الأزمة.

 .… الخ من متغيرات منها نصل إلى تأكيد أن هذه الأزمة تكونت بتفاعل العوامل الخارجية في أعلاه وعديد من العوامل الداخلية من أهمها على سبيل المثال:

أولا. طبيعة الإنسان العراقي.

ثانيا. تركيبة المجتمع العراقي.

ثالثا. شكل نظام الحكم العراقي.

رابعا.  الخصائص الشخصية للحاكم العراقي.                


طبيعة الإنسان العراقي والأزمة   

5 . لو يفسح لنا المجال بمراجعة كتب التاريخ بعيدا عن التطرف والانحياز.

لو تتاح لنا الفرصة لتحليل حروب الأمس ومعاركها والأحداث.

لو يعطى لنا المجال باستذكار سيرنا الذاتية والأجداد.

لو نتمكن من استعراض آراءنا التي قيلت في تلك السنوات والأفكار.

لو نستطيع الرجوع إلى حواراتنا التي جرت مع المسؤولين الإداريين والسياسيين والمقترحات.

لو يسعفنا الحظ أن نستدرج لذاكرتنا القريبة ما كان يدور في جلساتنا الخاصة من نقد للحكومة وتشريح للأخطاء.

لو قارناه بما كان يقال في لقاءاتنا العامة من تعظيم للحكومة والإنجازات.

لو تساعدنا الظروف المحيطة لتسليط الضوء على كم الإشادة بالحاكم ومدح جلالته والتهويل.

لو يزودنا العلماء والمختصين بمقدار العداء الكامن في النفس العراقية للحاكم وحكومته والزمان.

لو شاء لنا أن نتوقف قليلا أمام ظواهر لم تكن موجودة في المجتمع العراقي قبل مجيء بعث صدام والمأساة.

لو حدث كل ذلك وسعينا بعين الناقد المبصر وبموضوعية الباحث المنصف ورؤية المواطن الصالح، سعيا نحاول أن نرسم فيه صورة للوجه الآخر من الشخصية العراقية، للوجه الغاطس منها، لخصائصها السلبية التي تكّون بعضها أثناء الأزمة وبسببها، واستثير البعض الآخر منها موروثا اجتماعيا نسي العراقيون معظمه في نهضتهم قبل مجيء الحكومة الحالية، وتجاوزنا في مسعانا هذا خجلنا ورغبتنا في مديح أنفسنا وآمنا مثل غيرنا من أمم العالم أن الوجه الغاطس من الشخصية موجود كما هو حال الوجه الناصع منها الذي لا حاجة للإشارة إليه، وحاولنا أن نركز مثلهم على العيوب والمثالب والأخطاء، لأدركنا البداية المنطقية ووضعنا الخطوة الأولى بالاتجاه الصحيح للتعامل الفاعل مع الأزمة، خطوة سنحاول أن نبدأها بداية صحيحة من خلال مسح عام لبعض الاضطرابات التي أصابت الوجه الآخر لشخصيتنا العراقية بسبب الأزمة أو نشطت من خلالها، ولمستوى باتت فيه ظاهرة اجتماعية قابلة للملاحظة والقياس وأضحت في محصلتها النهائية من بين أسباب ديمومتها. منها على سبيل المثال:    

أ . الإنسحابية 

 لقد عُرف العراقي سابقا بعدم قبوله الخطأ، وصعوبة الاقتناع بما هو موجود أو الإيمان بالأمر الواقع، واستمر كذلك حتى السنوات الأخيرة التي سُحقت فيه  هذه الخصائص كمكونات للجرأة وذلك: 

بإعدام من حاول أن يكون موضوعيا  في نقده.

وبسجن من رفع صوته أعلى من صوت المسؤول.

وبمعاقبة من كتب مقالا  يشير إلى عيب في جسم الحكومة المتهرئ.

وبالمقابل كُرم من المال العام قائل مدح في غير مكانه، وكاتب موضوع في غير زمانه، وناظم قصيدة في غير أوانها. فانسحب الخيرون بالتدريج تفاديا لحيف  محتمل أو تجنبا لحرام ميسور، ومع ضغوط الأزمة وحاجة الحكومة إلى المدح لتحسين صورتها وإلى العقاب لديمومة بقائها، أصبح الانسحاب وعدم الالتزام والابتعاد عن المواجهة وخاصة فيما يتعلق بالإدارة والسياسة على وجه الخصوص إحدى الخصائص الشائعة بين العراقيين.

ب . اللامبالاة

تعرض العراقيون عبر الثلاثين سنة بشكل عام والعشرة الأخيرة منها بشكل خاص إلى الكثير من ضغوط الحروب والحصار والقهر والجوع والاستعباد والتشريد والقتل، حتى بات من الصعب أن نجد عائلة عراقية لم تعان من واحدة أو أكثر من الويلات الآتية: 

أولا. قتيــل فــي حرب إيران أو في حرب الخليج الثانية أو مقتول بسبب انتمائه إلى حزب سياسي غير البعـث العراقي سواء بالحكم عليه إعداما أو بدس السم له قبل إطلاق سراحه من السجن أو بدهسه في سيارة مجهولة وضح النهار أو باغتياله خلسة على طريق زراعي.

ثانيـا. محكـــوم بالسجـــــن لتهمـــة لفقت له من حزبيين فـي الحكومة لعدم انتمائه لهم أو لشك باحتمالات معارضته لهم أو لمجرد انتقاده لبعض أخطائهم.

ثالثـا. محجوز في مراكز الدولة أو سجون العائلة الحاكمة لشك في ولائه أو لعدم اتفاقه معهم على تقسيم الغنائم أو لخلافات خاصة وتصفية للحسابات.

رابعا. مُسفّر إلى الخارج لأسباب طائفية، ومهجر من دياره لاعتبارات عنصرية، ومهاجر أو لاجئ في دول أخرى لأمور سياسية أو اقتصادية.     

خامسا. مفصــول أو محـــــــال على التقاعد من وظيفته أو عاطل لم يُنظر بتوظيفه لعدم مسايرته الحزب والثورة.

كل تلك الضغوط المسلطة ولفترة زمنية محدودة أصابت الشخصية بنوع من اللا مبالاة وعدم الاكتراث لما يحدث في الوقت الحاضر و ما سيحدث لاحقا، وبسببها أصبح الفرد غير راغبا بالمشاركة في الهموم والأحداث وكذلك رافضا التفاعل معها.  

ج . المدح والمداهنة

لقد استخدمت الحكومة الحالية سياسة السيف والدينار خير استخدام، فشمل الموت عقوبة على وفق هذه الفلسفة شريحة واسعة من العراقيين أحدث فعل الكف عن القيام بما يغضبها " الحكومة " في داخل الكثيرين، وفي الجانب الثاني منحت هذه الحكومة الأموال الطائلة والأراضي والوظائف والسيارات والأوسمة والأنواط وفرص الترقية والدراسة والسفر والحج لمن يكون منها أو يتقرب إليها مادحا أو مصفقا أو راقصا، وفي مجالها خُيّر الكثير بين أن يقبض مالا يرفعه إلى مصاف الأغنياء وهو قابع في بيت لم يجد ما يسد به رمقه وبين أن يدخل قبرا لم يعرف مكانه، وبتأثيرات الغريزة البشرية وحب البقاء تغلبت كفة المال على الموت لدى البعض، وفي مجالها خُيّر قسم آخر في أن يكون وزيرا أو مسئولا أو قائدا عسكريا وبين أن يسجن سجنا انفراديا، وبتأثيرات الطبيعة البشرية والرغبة في الحياة والسلطة وبدوافع الابتعاد عن الألم سادت كفة المنصب على السجن عند البعض، وهكذا وجد الضعفاء فرصة لهم في أن ينموا ويتقدموا، فزاد عدد المتملقين أنصاف الشعراء، وتضاعف عدد المغنيين والراقصين غير المبدعين، وتزاحم في سلم الوظيفة والقيادة الانتهازيون غير الأكفاء.

وبالمقابل شعر البعض ممن تبقى على قيد الحياة من الوطنيين والمنصفين التواجد تحت التهديد، ولاعتبارات الحاجة إلى الأمن وعدم قدرة الإنسان على الاستمرار تحت ضغط التهديد عزل العديد من هؤلاء أنفسهم داخل بيوتهم أو توجهوا إلى الخارج هجرةً ولجوءًا طلبا للأمان، عندها زادت أو سادت الكفة الأولى وأصبح المدح والرياء صفة مقبولة يُعلمها الآباء للأبناء أو ينصحون بها أسلوبا للكسب في السوق العراقية غير المستقرة.      

د . عدم تحمل المسؤولية 

تدير الحكومة الحالية العراق بدوائره ومؤسساته على أساس الفردية الدكتاتورية، فتعيين الموظف ونقل الضابط وقبول الطالب ببعض الكليات والدراسات العليا وغيرها أمور شكلية روتينية ترتبط الموافقة عليها بالجهة الأعلى في الحكومة " الرئاسة " والمكاتب التخصصية فيها ومنها تتسلسل الصلاحيات نزولا إلى الوزراء والمدراء العامون ومدراء الشعب والأقسام الذين لا يجدون في صلاحياتهم غير أوامر إدارية تساعد فقط على تمشية الوزارة أو المديرية أو الشعبة، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الحكومة تتعامل مع موظفيها على أساس الشك وسوء النية، فعندما يستخدم الوزير أو المدير صلاحياته للتعامل مع مسألة ما وتكون النتائج على غير ما يرغب الحاكم أو الحكومة، فإن تفسيرها لسلوكه هذا ينحو على الأغلب منحا أساسه  الشك بالقصد وافتراض النوايا السيئة، وبموجبها توجه العقوبة التي ستكون في معظم الأحيان قاسية وسريعة قد يدفع المعني حياته ثمنا لها، ومن بعد فترة يتم اكتشاف القصد بعيدا عن التصور الذي أعدم بسببه المجني عليه، فيعاد  له اعتباره شهيدا وتكرم عائلته من المال العام ظنا من أن المسألة قد سويت وطواها النسيان، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فقد أعتاد المسؤولون في الحكومة الحالية وبكافة المفاصل القيادية أن يسندوا النجاحات الحاصلة لهم  وينسبوا الإخفاقات الموجودة لمعيتهم، أملا في الحصول على التكريم الموعود وتخلصا من العقاب المحتمل، وهذه جميعها متغيرات تسببت في شيوع سلوك عدم تحمل المسؤولية ، أية مسؤولية يتحسس المعني احتمالات وجود مساءلة قانونية أو لوم قيمي فيها، وإن كان موضوعها بسيطا أو مهما تتوقف عليه أرواح الغير ومستقبل الأمة.               

هـ. النرجسية 

ترى الحكومة الحالية في العقوبة الموجهة للعراقيين وبكافة الشرائح والمستويات أسلوبا مناسبا للردع وليس مجالا ملائما للتقويم، لذا نجدها أي العقوبة قاسية في شدتها بمستويات تفوق كثيرا فعل الخطأ حسب التصنيفات المنطقية للمخالفة، وهي بفعلتها هذه ألغت التدرج التقليدي للعقوبة الذي أقرته الشرائع السماوية والقوانين المدنية، وعلى أساسه وضعت الإعدام تكييف قانوني لعديد من موادها " على الرغم من قيام كثير من الدول بإلغائه عقوبة من قوانينها لعدم جدواه في تجسيد سياسة الردع " فكانت الحصيلة:                                                                           

الإحساس بالوطنية إعدام بدعوى الخيانة.

توجيه الانتقاد إعدام بدعــــوى التخريب.

ترك الخدمة العسكرية إعدام بدعوى التمرد.

التكلم مع أجنبي إعدام بدعوى التجـــــــسس.

ومساعدة قائل حق إعدام بدعوى العصيان.

... الخ من تهم فُرضت فيها عقوبة الإعدام غير المنطقية في ظل قضاء مسيس غير نزيه، وتعميم لآثارها على الأهل والأقرباء حد الدرجة السابعة مع بداية الثمانينات والدرجة الأولى منتصف التسعينات " بعد حادثة حسين كامل " ، ومع ظروف الحصار التي أبعدت الابن عن والديه والأخ عن أخوته والقريب عن عائلته، أصبحت جميعها دوافع لزوال الدعم والإسناد والتكافل من القاموس الاجتماعي العراقي، وإحلال المصلحة الشخصية وحب النفس والنظرة النرجسية للذات بدلا عنها حتى اتسعت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.     

 و. الشعور باليأس  

استعراض بسيط لما تعرض له العراقيون في العقود الثلاثة الأخيرة منه يتبين:

أن لا حصانة للعراقي ولا حقوق.

مستقبله مرهون بظروف تقربه من الحكومة واحتمالات تقاطعه معها.

لا توجد ضمانات يمكن أن تبقيه مكتفيا أو بعيدا عن الخطر والتهديد، فالغنى المادي مثلا لا يكفِ وحده عاملا لتوفير الأمان، إذ أن الكثير من العوائل المعروفة بغناها المادي قد أفقرت وأزيلت من على الخارطة الاقتصادية العراقية. 

والأصالة الاجتماعية لا تكف هي الأخرى، فعديد من عوائل العراق الأصيلة نُكل بها قصدا حد الشعور بالتفاهة والدونية.

وروح المواطنة والإخلاص في العمل لم يكفيان كذلك لأن الكثير من المخلصين أعدموا بسبب تفسير إخلاصهم تجاوزا على الحكومة ومحرماتها.

والانتماء لحزب البعث انتماءا عقائديا لا يكف أيضا، لأن العديد من البعثيين المنصفين أعدموا واغتيلوا وفصلوا وشردوا لعدم تصفيقهم بحماس أو لتوقع الحكومة احتمالات تآمرهم عليها في يوم من الأيام .………الخ.

وبسببها يئس الكثير من إمكانية إصلاح الموقف ويئسوا من قدراتهم الذاتية في المساهمة بإصلاحه، وباتوا يكررون في كل مناقشة تتعلق بأزمتهم أن لا فائدة من مناقشتها ولا أمل من توفر الفرصة لحلها.   

ز. ضعف الالتزام القيمي 

في سنوات الأزمة وما قبلها بعشرين سنة بدأ التقييم الدارج للإنسان العراقي يتغير باتجاهات لم تكن موجودة سابقا، فاصبح الغنى المادي معيارا يشار إليه قبل الشرف، وبات التقرب للسلطة معيارا يذكر قبل النزاهة وغيرها معايير أوجدتها الحكومة أو ساعدت بأساليبها الخطأ على إيجادها عندما:

اتهمت وطنيين نزيهين بأفعال لم يرتكبوها وشوهت سمعتهم. 

وانتهكت أعراض عوائل عريقة قسرا وأسقطت شرفهم.

وقدمت منحرفين إلى مصاف الأشراف، وسراق إلى سدة الحكم، وشقاة إلى المناصب العليا ورفعت من مقامهم.

وفضلت الكذب على الحقيقة والمراءات على الاستقامة والخيانة على المروءة.

وشجعت الجار أن يتجسس على جاره والصديق أن يكتب على صديقه، والزوجة أن تهجر زوجها، والأب أن ينسى أبوته، والابن أن يدوس عاطفته، والموظف أن يسحق مديره . ……..… الخ.  

عندها انتهى العدل قيمة في المجتمع، وغابت الأمانة قيمة بين أفراد المجتمع، وتغير الود والتقدير والتكافل والمشاركة والنزاهة والإخلاص في سلوك العامة من أبناء المجتمع. وحلّت محلها الخيانة والنصب والاحتيال والكذب والنفاق والنميمة  وغيرها بمستويات تصل شدتها وتأثيرها إلى إمكانية عدّها قيم جديدة.       

ح. التبرير 

لكي يتخلص الإنسان من بعض ضغوط هفواته البسيطة في الحياة العامة، ولكي يقلل من التأثير الناجم عن تقصير نسبي له في الحياة العامة، ويعيش بقدر معقول من الاتزان فيها، خلق له الله سبحانه وتعالى ما يسمى بآلية التبري، وخلقها لتعمل بحدود معينة، إن قلت بفاعليتها عن تلك الحدود يشعر الإنسان عند قيامه بفعل الخطأ وإن كان بسيطا بالذنب الكبير وتأنيب الضمير الحاد، وإن زادت عنها يحس الفرد بعدم الاكتراث لأي خطأ يرتكبه وإن كان جسيما، إي أنه يبدأ بتبرير كل شيء وبأكثر مما يجب.

وهذا ما حصل في العراق بعد أن حاصرت الدولة الإنسان بشكل وضعته في أسوار مغلقة، وبداخلها على سبيل المثال:

لا يستطيع أن يحصل كاسب رزق على رزقه إلا بالالتفاف على القوانين رغم معرفته بالمخالفة.

ولا يتمكن خريج من أن يحصل على وظيفته إلا بالانتماء إلى الحزب الحاكم على الرغم من عدم قناعته بمسيرة الحزب.

ولا يكون الموظف مديرا إلا من يحسم ولاءه للحكومة بالتجسس وكتابة التقارير على زملائه المقربين على الرغم من إدراكه براءتهم.

ولم يحصل مقاول على مقاولة مربحة إلا بعد أن يقدم الرشوة للمسؤولين على الرغم من معرفته بخرق القوانين.

ولم يحصل تاجر على عقد كبير مع الدولة إلا بعد تقاسم الربح مع أحد الأقرباء أو القادة رغم إحساسه بالظلم والتحقير.

وغيرها، تجاوزات ومخالفات قَبِلها الكثير في ظل الظروف غير الطبيعية، وأسلوب استمرت عليه الحكومة وشجعته حتى أربكت العقل العراقي وضخمت في داخله آلية التبرير حدا أصبح فيه:

قبول الرشوة عند البعض حقوقا لابد من ممارستها.

وسرقة المال العام عند البعض فطنة لا مجال لتجاوزها.

والكذب عند البعض الآخر شطارة ينبغي قبولها.

والسكوت عن قول الحق معيار للسلامة الخاصة لا بد من التقيد بها. 

وغيرها من الأمثلة الكثيرة التي أضاعت معيار قياس الفعل الخطأ وأثرت سلبا على مسألة الالتزام الإنساني بالامتناع عن القيام به، والعزوف العام بمقاومته، بل ودفعت العديد لممارسته بتبريرات كثيرة وسهلة. 

ط. التهرب  

لقد تضاعف عدد المصلين في الجوامع بالسنوات العشرة الأخيرة وهم يعرفون جيدا أن الجامع لم يكن في العراق الحالي كما كان، مكانا أراده الإسلام لمناقشة أمور الرعية والحكم، ويعلمون أيضا أن من بين المصلين وكلاء لأجهزة الأمن يسجلون من يرفع صوته أكثر من الموجودين. وفي نفس الوقت تزايد عدد الحاضرين لصلاة الجمعة والمتابعين لخطبتها وهم يعرفون أنها خطبة كُتبت في وزارة الأوقاف ووزعت عن طريقها، وإن خطباء غالبية الجوامع موظفون في وزارة الأوقاف لم يصدر أمر تعيينهم إلا بعد موافقة الأمن، وكذلك الإمامي، وفيها " الخطبة "  ارتفعت أصوات البعض مرددة كلمة آمين عندما يدعوا الخطيب فيها إطالة عمر الحاكم وهم يعلمون أن كل يوم مضاف لعمره خسارة من أعمارهم وأمنهم ومستويات عيشهم ومستقبل أبنائهم، حتى بات سلوك الحضور وكأنه:

هروب من وجود لم يستطيعوا في مجاله أن يفعلوا شيئا لأنفسهم وغيرهم من المسلمين الأتقياء.

أو هروب من ذنب السكوت على خطأ هم طرف فيه.     

أو هروب من التعامل العلني مع الأزمة إلى الدعوة الصامتة للتخلص منها وهم لا حول لهم فيها ولا قوة.

هذا، ومهما كان القصد وأي كانت النية، فهو تناقض يعد في الواقع هروب من المواجهة بطريقة تجنب النفس الملامة والحساب.  

ي. التطرف 

تناقضات كثيرة وممنوعات عديدة عاشها العراقيون أخيرا دفعتهم إلى العزلة وعدم الرغبة في التفاعل مع ظروفهم، وبسببها تعود كثير منهم بان لا يبدوا رأيا في مسائل مهمة بينها السياسية على وجه الخصوص، وأن حاول بعضهم ذلك لا يتجاوز حدود معينة إلا بعد أن يطمئن لسامعيه، وقد يضطر إلى تغيير رأيه المطروح بما يتوائم أو يساير رأي الحزب والثورة ولو من بعيد، وبذا ترك بعضهم هذا المضمار الذي يهدد وجودهم وتوجهوا إلى ميادين أخرى يقل أو ينعدم فيها التهديد مثل الطائفة والعشيرة وبعض الجوانب الاجتماعية، توجهٌ كان شديدا وسريعا حاولوا فيه أن يعوضوا خسارتهم وتقييداتهم في المجالات المذكورة بصورة انعكست سلبا على هامش حركتهم الثاني، فوقع بعضهم في شرك  التزمت بالرأي والإصرار على وجهة النظر بطريقة لم يقبلوا فيها أية تنازلات قد تذكرهم بالتنازل الذي قدموه في مجال السياسة فاصبحوا متطرفين اغلب الأحيان.    

ك. الحيادية السلبية

حاولت الحكومة ومنذ أكثر من ثلاثين سنة أن تفصل بين الإنسان العراقي والأهداف التي يسعى لتحقيقها ونتيجة لذلك أصبحت: الوحدة العربية لا تقبل مناقشتها إلا من خلال ما يقدمه الحزب.

والاشتراكية لا يجوز التطرق إلى سبل تطبيقها إلا على ضوء ما يكتبه الحزب.

والحرية مفهوم لا يمكن التكلم عنه إلا وفق فلسفة الحزب.

والرغبة بالحياة الأفضل مفروغ منها بالإنجازات المتعددة للحزب.

والحاجة للأمن والاستقرار مكفولة بالأنشطة المتعددة للحزب.

ومحاولة التمني لترقية وظيفية لا بد وأن تأتي إقتراحا من بين خلايا الحزب.

وغيرها كثير، على وفقها لم تكتف الحكومة بتهميش الشعب بل كونت أسلوبا لإدارته جعلت على أساسه الحزب وأجهزته الدعائية والأمنية معنية بصياغة تلك الأهداف بقوالب محددة وجاهزة تقدمها  للجمهور الذي يُدفع للتصفيق لها.

وبتقادم الزمن وتكرار العقوبة القاسية لمن لم يصفق وكذلك لمن يحاول أن ينادي بأهداف من خارج تلك القوالب، عَزل العديد من العراقيين أنفسهم عن موضوعها " الأهداف " وأصبحوا محايدين غير راغبين في الإجهار بمواقفهم وإن كانت تتعلق بمستقبلهم، واكتفى بعضهم بالوقوف على التل والنظر من بعيد بعين محايدة حتى بالنسبة للمواقف والمواضيع التي يشكل فيها الرأي ضرورة حتمية لأمنهم واستقرارهم.

ل . تفتت روح الجماعة 

في العراق الحالي ثوابت تلتزم بها الحكومة وتصر على التقيد بهذا الالتزام مثل:

لا يسمح بتأسيس حزب إلا إذا كان فرعا تابعا للحكومة والحزب الحاكم. 

ولا يصرح بتأسيس جمعية أو رابطة لا تتصل بالحكومة والحزب. 

ولا يقبل التجمع لأكثر من ثلاثة أفراد في حالات التوتر والأزمات.

وفي المناسبات الاجتماعية يتولى الجار البعثي تسجيل أرقام سيارات الحاضرين ويسلمها لأمن المنطقة والفرقة الحزبية.

وفي النادي يأخذ النادل على عاتقه التنصت على ما يقوله الحاضرون وسط الجماعة. 

وفي أي عمل يفسر ضد الحكومة تُجبر العائلة والعشيرة على تقديم التبرئة من المعني، وإذا كانت العشيرة لا تود المجازفة بعلاقتها مع الحكومة وبمقام شيخها المُنصب موظفا من الحكومة فإنها تسارع حتى قبل النطق بالحكم الغيابي بهدر دمه " المعني " وإن كان دمه قد نذر من قبله لأجلهم والعراق.

ومع وجود الأنانية والخوف والذاتية والقلق والتوجس وكثرة التحسب والنرجسية وتفاعلها مع إجراءات الحكومة المذكورة برزت اضطرابات اجتماعية قوامها:

صعوبة الاتفاق على رأي موحد ضمن الجماعة.

عدم الرغبة بالالتزام فيما تريده الجماعة.

الميل إلى الابتعاد عن توجه الجماعة.

محاولة التملص من الفعل الجماعي.         

وبسببها توجه الغالبية للعمل فرديا. وبسببها سلكت بعض الجماعات التي استطاع المخلصون تكوينها للتعامل مع الأزمة سلوكا مجتزئا فرديا، سواء في الاعتداد برأيها أو بالمحافظة على لونها أو بمحاولة الصعود على حساب غيرها.  

وبسببها خسر العراق روح الجماعة اللازمة لتكوين الفعل المؤثر في أزمته المعقدة.

م . القدرية 

دخلت الحكومة الحالية حربا غير مبررة مع إيران وخرجت منها منهكة باقتصادها حيث الديون والتضخم وتوقف النمو، وأعقبتها باجتياح للكويت وقبولها المواجهة غير المتكافئة مع العالم وخرجت منها محطمة حيث التدمير الشامل للبنى التحتية والاقتصاد ولمعالم الحضارة والإنسان وللجيش والمعنويات، فكانت خسارة توقع العراقيون أن تكون سببا لسقوط النظام الذي لم يسقط بعد.

خسائر في حروب متكررة وإحباط شديد من نتائجها، ومشاعر عدوان تحولت نحو الحكومة المتهمة بالظلم والاستبداد وكثرة الأخطاء كانت دافعا لتحريك عموم الشعب العراقي في انتفاضة شاملة انتهت فيها سلطة الحكومة وهيبة الحزب في أربعة عشر محافظة، توقع خلالها العراقيون أن تكون الضربة القاصمة ولم تحدث.

تبنت أمريكا الحرب ضد العراق بعد غزو الكويت وأخرجته منها بالقوة وتسببت في خسارته خسارة كبيرة، توقع العراقيون أن تشمل تغيير النظام هدفا استبدلته أمريكا في الساعات الأخيرة للحرب بفسح المجال لطائرات النظام وصواريخه وقوات حرسه الجمهوري لقمع الانتفاضة وإعادة الحزب إلى الحكم والاستبداد.

خالف النظام الحاكم القرارات الدولية ولجان التفتيش وتعرض لقصف وتهديد، توقع العراقيون مع كل جولة فيه أن تحدث الانتفاضة بنفس جديد وأسلوب جديد ويتم الخلاص الذي لم يتحقق.

قبلت الحكومة حصارا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وعسكريا، وتمنى العديد من العراقيين في بعض مراحله أن يكون سببا لإضعاف النظام وإسقاطه رغم تحملهم أعبائه، وتبينوا في نهاية المطاف أن الحصار كان لإرهاقهم وتقوية النظام.

ضاقت الدائرة من حول الحكومة لتصل الأسرة الحاكمة نفسها حيث التعرض للتمرد والانشقاق ومحاولات الاغتيال التي رفع العراقيون أيديهم خلالها للدعاء بصوت غير مسموع أن تكون النهاية ولم تحصل.

كل تلك الأحداث التي مرت على العراقيين في عشر سنوات أصابت أعداد ليست قليلة منهم بالابتئاس الذي دفعهم إلى جملة استنتاجات مفادها: 

لا أمل من الأمريكان في تغيير النظام.

لا فائدة من الحصار عاملا لتغيير النظام.

لا جدوى من القصف والعدوان في التمهيد لتغيير النظام.

لا مراهنة على العرب والجيران في المساعدة على تغيير النظام.

لا أمل في أن يكون الموقف الدولي داعما لتغيير النظام.

لا مجال في الوقت الحاضر لتغيير مصالح الدول الكبرى مع استمرار النظام.

عندها توقف البعض في منتصف الطريق، واكتفى البعض بالكف عن التفكير، وأوكل البعض الآخر الأمر برمته إلى الباري عز وجل دون أن يتذكروا أن الخالق طلب منهم السعي ليعاونهم في مسعاهم.

وهذه جميعا محاولات لترك الساحة وانتظار ما سيفرضه القدر قريبا كان الفرج أم بعيد.


الخاتمة 

6. الأزمة على وفق المعايير الواردة حالة طارئة ، أي قابلة للحل تبعا للإمكانات المتاحة، وإذا ما عدنا لموضوعنا " الأزمة العراقية " وناقشناها تبعا للمعطيات المذكورة في أعلاه نجدها مصطلح قد يفوق وقعه القيمي ما ينطبق على الأزمة، لأنها متداخلة ومتشابكة ومعقدة ، كونت في محصلتها سلسلة من الأزمات التي لا تنتهي، فالعنصر الخارجي كطرف لحلها في أزمة، لتعدد المصالح وتداخلها واختلاف الرأي في الوصول إليها. والعنصر الداخلي فيها أكثر من أزمة، إذ تمثل تركيبة المجتمع العراقي أزمة، وشخصية الحاكم أزمة، وطبيعة الحكومة أزمة، وخصائص الإنسان العراقي أزمة لأنه وبسببها:

لم يستطع أن يتصور الحل الملائم لأزمة عراقه فأبقى نفسه في حالة صراع داخلي أنهكته طيلة العشر سنوات، فالصراع أزمة.

ولم يتمكن من التخلص من خوفه ويضيف قدرته للقدرات المتاحة ويسهم في حلها فعاش تناقضا أعياه للعشر سنوات، والإعياء أزمة.

تمنى أن يعيش مثل غيره بهدوء وأمان، ولم يتمكن البوح بأمنيته هذه لأقرب الناس إليه فأصبح مهموما في العشر سنوات، واستمرار الهم أزمة.

نسي الكهل أن جيله في العالم الآخر قد أحيل على التقاعد بضمان الدولة والمجتمع، ولم يتمكن هو من التمتع بالراحة طوال الوقت فأنهكه العمل خلال العشر سنوات. والشقاء آخر العمر أزمة.

تجاوز آباء أبوتهم ودفعوا أبنائهم لترك المدارس والعمل في السوق غير النزيهة فاتهموا أنفسهم بالجهل والتقصير إبان العشر سنوات، والإحساس بالتقصير أزمة.

سحقت أمهات عاطفة الأمومة وقيمها وأجبرن بناتهن المراهقات للتقرب إلى المسؤولين وأعوانهم فشعرن بالرذيلة طوال العشر سنوات، والشعور بالرذيلة أزمة.

خلع عميد في الجيش بزته العسكرية بعد الدوام ولبس وجها آخرا ليسوق سيارة تكسي أو يعمل دلالا في معارض السيارات أو حتى حمالا في سوق السامرائي للإطارات، ولم يفكر مع غيره بكيفية الخلاص فشعر بالقهر والدونية وبصغر حجمه أمام أولاده والأجيال كل هذه السنوات، والعيش في وضع الدونية أزمة.

………. الخ من مفردات الأحداث والتصرفات التي تدفع إلى القول:  

إن الإنسان العراقي بوجوده الحالي بتصرفاته بعاداته بتقاليده بقيمه بآماله بتطلعاته بقدراته أصبح هو الأزمة.     

7. الأزمة حالة طارئة ومناقشتها بهدف تسليط الضوء عليها تحتم تناول الشق الثاني من تعريفها " عدم القدرة في السيطرة عليها بالإمكانيات المتاحة، وهذا ما نعتقد ملاءمته لمثل هذه المواضيع، وعلى أساسه ركزنا على الخصائص السلبية التي حالت دون وجود الإمكانيات على الرغم من إيماننا بالخصائص الإيجابية في الشخصية العراقية التي لم تنفع حتى وقتنا الراهن في تدعيمها "الإمكانيات"، وعلى أساسه تناولنا الجانب الضعيف من الشخصية الذي قلل من فاعلية الإمكانيات مع قناعتنا بوجود الجانب القوي داخلها والذي لم يقدم شيئا لتدعيم الإمكانيات حتى يومنا هذا، وعلى أساسه تركنا الجزء الطافي من الشخصية، الجزء اللامع منها، الجزء الذي أشبع مدحا وإشادة وتهويلا وتكبيرا حتى وقوع الأزمة، التي يتبين  بحدوثها أن المدح والتزويق والتجميل لا تنفع جميعها في التعامل معها تعاملا يمكن أن يفضي إلى حل سريع ومناسب.عندها لم يبق أمامنا خيار إلا أن نعرف أنفسنا وقدراتنا ونحاول أن نصلح ما فسد منها ونتهيأ بعدها للتعامل مع الأزمة كما هو الحال بالنسبة لغيرنا في هذا العالم الفسيح .

  

المراجع

1. نبيل سفيان (2000) الشخصية، نظرياتها، نموها، قياسها، كلية التربية، جامعة تعز.

2. محمد أحمد النابلسي (1999) سيكولوجية السياسة العربية،دار النهظة العربية، بيروت.

3. محمد النابلسي وآخرون (1991) علم النفس الحرب والكوارث، دار النهظة العربية، بيروت.



10/2/2000