إتجاهات الخرق في حقوق الإنسان العراقي


 تـقـــديـم   

سعى الإنسان ومنذ أول وجود له على الكرة الأرضية إلى حياة أكثر أمنـا واستقرارا ورضى عن حاضره ومستقبلــه، حتى بـات هــذا السعـي هاجسا لكفاحه في هذا الاتجاه عدة قرون توج في المائة سنة الأخيرة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي طرحته الأمم المتحدة عام 1948 وبالعهد  الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومن ثم الحقوق المدنية والسياسية الصادران عام 1966، والتي توجهت جميعها لتنظم حقوقه وحقوق الآخرين من أبناء جنسـه واستحقاقاته عليهم وعلى النظم التي يعيش فترتها الزمنية، وكذلك واجباته نحوهم (1). 

وهذه في الواقع إنجازات شكلت نقلة نوعية حاولت الأمم المتحدة استثمارها خطوة في الاتجاه الإنساني الصحيح عممتها على كافة الدول والمجتمعات البشرية بهدف الالتزام بها في التعامل مع إنسان هذا العصر، فأصبحت معيارا لنزاهة الحكام، ومقياسا لتقدير الظلم والاضطهاد، ودافعا لإشعار الإنسان بقدر من الرضا ونوع من الاطمئنان، يبعداه نسبيا عن كثير من التوترات التي أقضت مضاجعه عبر زمن طال أمده.

وجهود الإنسان هذه ومساعيه التي تكللت بالنجاح المعقول في العقود الأخيرة لم تكن الأولى في التاريخ البشري بل هــي امتـداد لأخرى وثق البعض منها قديما، بينها جهود حمــورابي التي وضــــع فيها أكثر من مائة فقرة تتعلق بهذه الحقوق في شتــى مجالات الحيـاة، وبينها محاولات كثير من الفلاسفة والمفكرين ورجال الدين وغيرهم من المصلحين الذين قدموا للبشرية الكثير(2).

وهي من جانب آخر توجهات سوف لن تكون الأخيرة ما دام الإنسان حيا يفتش عن حياة أفضل، وعن معالجات لمعاناته من قسوة التعسف وألم التفرقة وجور الظلم ووخز الخوف وهول الاضطهاد وعذاب الفقر والفاقة والعوز، وغيرها أمور سلبية ليست قليلة صاحبته منذ نشأته على الكرة الأرضية ومازالت مصاحبة لوجوده عليها رغم كل الجهود التي بذلت على مستوى الأفراد والأديان والجماعات.

 

المجتمع العراقي والحاجة إلى تطبيقات حقوق الإنسان

عاش العراقيون مئات السنين إحساسا بالظلم والاضطهاد مع الحكم العثماني حيـث التخلف والتمييز العرقي والطائفي قلت وطأته بعد الاستقلال وتأسيس الحكم الوطني عام 1921، رغم أن الملكية بخبرتها المحدودة لم تستطع أن تتخلص من عبء القوانين والأعراف العثمانية بالسرعة التي تنسجم وضرورات العصر وحاجة المجتمع العراقي إلى التطوير والتغيير، وبذا فشلت حكوماتها في التعامل مع التيارات الإصلاحية الوطنية فشلا سحبها وأجهزتها المختصة إلى ممارسة بعض أنواع القسر والتعذيب والنفي والسجن وغيرها إجراءات أسهمت مع متغيرات دولية أخرى إلى قلب نظام الحكم وإقامة الجمهورية الأولى (عبد الكريم قاسم )، الذي حاول في سنــي حكمه الأربعة رفع مستويات المعيشة وإقامة نوع من العـدل والمساواة بعيدا عن الظلم والإقليمية والطائفية، لكن خبرته السياسة غير الناضجة وابتعاده عن إقامة المؤسسات وجهله بالتوازنات الفاعلة بيـن التيارات القومية والإقليمية، أوقعتـه في أخطاء أساءت إلى فترة حكمه التي وسمت بالنزاهة ومحاولة التوفيق بين مختلف التيارات، فحدثت مذابح كانت سيطرة الدولة على جوانبها قليلة وخسائرها كثير من الأبرياء، لحين مجيء حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة بانقلاب عام 1963 والانتقال إلى مرحلة جديدة في تاريخ العراق الإنساني، شكلت بداية لخرق منظم لحقوق الإنسان عندما بدأت الدولة وجهازها الحزبي بإبادة الشيوعيين ومن ثم التيارات الوطنية والقومية الأخرى ورجال الدين بطريقة بشعة سرعان ما أنهته حكما تعسفيا في أقل من سنة، ليجيء من بعده عبد السلام عارف الذي لم يختلف عن عبد الكريم قاسم بخبرته السياسية القليلة ومرونته المحدودة، باستثناء محاولته الارتكاز على التيار القـومي المناهـض للبعثييـن والمدعوم من عبد الناصر، وميله إلى الإقليم والطائفة بحدود مَثلتْ أول سابقة سيئة السمعة استمرت مع النظام الجمهوري حتى وقتنا الراهن، عدا السنتين التي حكم فيهما عبد الرحمن عارف وحاول فيهما إشاعة قدر من الحرية ونوع من المساواة ورغبة صادقة في تطبيق القوانين التي تحفظ حقوق الإنسان بحدود معقولة في حينها.

هذا وإذا ما قدر لأحد أن يتناول خروقات حقوق الإنسان في التاريخ العراقي المعاصر بشكل علمي دقيق، سيجد وبما لا يقبل الشك، أن أقسى فترة عـانى منها الإنسان العراقي من الضيـم والظلم هي فتـرة حكم البعثيين الثانية، وبعد استلام صدام حسين السلطة عام 1979على وجه الخصوص، وبدايته المشهـودة في ذبـح العشرات من رفـاقــه البعثيين في إشـارة لبـدء عصـر جديد من الخرق المتعمد لحقوق الإنسان، كانت بعض شواهده متمثلة بالآتي: 

1. اختلاق الحجج لقتل غيـر الموالين واغتيال المعارضين وعزل المنصفين غير الانتهازيين والاكتفاء بالقرارات الرئاسية لتنفيذ مثل هذه الإجراءات بعيدا عن القضاء الذي خضع هو الآخر لسلطة الرئاسة وتوجيهاتها.

2. التمييز بين العراقيين على أساس المذهب والطائفة والإقليم ومن ثم العشيرة والقرية بشكل مدروس ومقنن.

3. تخريب الضمائر وشـراء الذمم  وتشجيـع السلـوك السيئ من خلال رشوة القياديين في الحزب والدولة وتوزيع الهدايا والمكارم.

4. إكراه العلماء والأدباء والمبدعيـن على خـدمـة أهـداف الرئيس والحـزب الحاكم دون النظر إلى المصلحـة العامة. ومن لا يسـايـر يطاله التشريد والاعتقال أو الموت في أحيان ليست قليلة.

5. عـــدم فسح المجال لأيـــــة معارضــة فكرية أو سياسية أو دينية، والسعي لتصفيـة كل رمـوزها والقـريبين منهـم بسرعـة عـاليـة ووحشـية بشعة.

6. استخدام شتى الأساليب غير الأخلاقيــة في التعـامـل مع العوائل العراقية المعــروفة بأصـــولها الدينية والسياسية غيــــر المواليـة، لأشعـارهـا بالذل والدونية وإسقاطها اجتماعيا في نظرعموم العراقيين.

7. غلق بعـض الكليــات التربوية والعســـكرية والأمنيــة بوجه الشباب غير البعثيين واقتصارها في كثير من الأحيان علــى الحزبيين، وسكنة بعض المحافظات، وهذا أمر ينطبق بشكل دقيق على المناصب القيــادية المدنية والعسكرية وكذلك الانتساب إلى الأجهزة الأمنية.

8. التـدخل فـي خصوصيات الشخصية العراقية ولحدود الأمر الرئاسي بالزواج والطلاق وتوزيع الإرث والثروة بعيدا عن الإجراءات القانونية.

9. التهــجير والترحيل والتســـفير وتحـديـد الاقامات للأشخاص والجماعات على أسس سياسية وقومية وطائفية (3).

10. الإبادة الجماعيــة لسكنـة مدن وقرى وقصبات في شمال العراق وجنوبه لمستوى استخدام الطائرات والصواريخ والسلاح الكيماوي.

11. تهديــم دور العبادة والأمــــاكن المقدســة وعدم السماح بإعادة بنائها أو ترميمها إلا بموافقة الرئاسة وبإشراف الدائرة الهندسية فيها لاعتبارات أمنية وطائفية.

12. التمثيـل بجثث المعـدومين من السياسيين والعسكريين ورجـــــال الــدين المعروفين، وفعل التشويـه الخلقي بآخرين( قطـــع الأنوف والأذان وبــتر الأطـــراف ووضع علامـات مشينة مميزة على الرأس والجبهة ... الخ ) لمـــجرد تغيبهم عن الخدمة العسكرية أو ارتكابهم أفعـال ومخالفات قد لا يعاقب عليها القانون في غير زمن البعثيين(4).

إن صدام حسين في تعطشه للسلطة والميل إلى العدوان لم يكتف بتلك الإجراءات التي أصبحت سمة من سمات عصره الدموي فقط إذ سارع على سبيل المثال إلى:

1. بناء الســجون من قبل شركات غربيـة وبأحدث الوسائل التقنية المعروفة في أوربا الشرقية قبل شروعه ببناء المستشفيات.

2. التوجه لتشكيـل وإعداد الجيـش والحـرس الجمهوري والحرس الخاص قبل تشييده الجامعات والمؤسسات العلمية.

3. مضاعفة أعــداد الأجهزة الأمنية من جهازين قبل 1968(الأمن العامة والاستخبارات العسكرية) إلى أكثر من سبعـة أجهزة معلنـة ( جهاز الأمن الخاص، جهـــــاز المخابرات، مديرية الأمن  العامـة،  مديرية الأمن العســكري، مديرية الاســـتخبارات العسكرية، مضـــافا إليهـا الجهـاز الحزبي، استخبارات الشرطة، والمكافحة ).

4. خصص لتلك الأجهــزة ميزانيات مفتوحــة دون أن يقبل مـــناقشة أيــة تخصيصات أخرى  لتطـــوير الــريف أو الزراعــة وغيرها، وبـادر إلى إرسال الــــعديد من ضباطها للدراسة والتدريب في الخارج على فنون التعذيب وانتزاع الاعترافات بالقوة وفتح البيوت والتنصت على الناس والمراقبة والاغتيال قبــل المصادقة على البعثات في العلوم العامة والتطبيقية التي يحتاجها العراق في نهضته السريعة.

5. وبــدلا مـن أن يتفــرغ لفهم السياسـة الخارجية ويوطد العلاقات العربية والإسلامية خصص معظم وقته لإدارة تلك الأجهزة السرية بعد أن غيــر ارتباطها مــن الوزارات التقليدية  إلـــى رئاسته مباشرة سواء عن طريق ابنه قصي أو سكرتيره الخاص.

6. وصـدام حســين بفعلته هــذه لم يتوقف عند تبـديـد الثروة القومية للعراق الغنـي، أو إعادته إلـــى الماضي السحيـق، ولـم ينثن عـن إثـارة النعـرات الطائفية المقيتـة أوالاقليميـة المتخلفة فقـط ، بل تعمد سلب الإنسان إنسانيته وتدمير ذاتيته بعـد أن أحسه بالخوف المستمر والقلق الدائم والشعور بالدونية والحاجة المادية وتجزئة الشعور بالمواطنة في داخله إلى أولى وثانية وربما ثالثة ورابعة تبعا للانتماء الحزبي البعثي وحسب درجة القرابة والطائفة والإقليم والممارسة الانتهازية، فضاعـت جميع الحقوق إلا ما يتعلق منها بالعائلة الحاكمة، والتبست على العراقيين الواجبات إلا ما يتصل منها بخـدمة القائد واستمرار نظامه، وبات الإنسـان لاهثـا عـلى لقمة عيشه التي لا يجدها كافية إلا في كنف النظام ضابطا في حرسه الخاص أو عميلا لأجهزته الأمنية أو قائدا حزبيا أو إداريا في المفاصل العليا أو كاتب تقارير بارع، يغدق عليهم الرئيس الأموال والهدايا من المال العام ويمنحهم الأراضي المملوكة للدولة أو المصادرة من العراقيين غير الموالين، ثمنا  لولاء إلى حاكم ظالم نهى الله سبحانه وتعالى الركون إليه.

بسم الله الرحمن الرحيم  " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار"  (صدق الله العظيم ) (5).

أو تعويضا لوشاية باخوة مقهورين تتسبب بقطع رقابهم وتجويع عوائلهم، وهي غيبة نهى الله العلي القدير عن ممارستها أيضا.

بسم الله الرحمن الرحيم  "ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه" (صدق الله العظيم) (6). 

إن ما ورد أعلاه مجرد أمثلة عامة لسلوك دولة يقودها حاكم يتسم بعقلية التسلط والشمولية، سوف لا يحتاج البحث في جوانبها إلى تفاصيل ما يجري داخل السجون وأماكن الاعتقال في الرضوانية والأمن العامة والمخابرات والاستخبارات وغيرها من فنون التعذيب وأشكال الاغتصاب وطرق القتل، التي لم يسجل التاريخ مثيلا لها في كل دول العالم حيث شكل العراق أكبر انتهاك لحقوق الانسان في العالم.

وهي انتهاكات كونت مأساة الإنسان العراقي التي زادت شدتها في العشر سنوات الأخيرة، عندما ترك ربع السكان عراقهم تحت وطأة القهر السياسي والعوز المادي وعملوا في الخارج  بأجور تقل كثيرا عن استحقاقاتهم وبأعمال لا تتناسب ومؤهلاتهم وهاجروا أو لجأوا لمجتمعات لا ينسجمون وقيمها الدينية والاجتماعية.

وعندما توجه أكثر من نصف السكان لأعمال غيـر أعمالهـم ومهـن ليست مهنهم وأساليب غش وكذب لم يعتادوها لتأمين لقمة عيش يصعب تأمينها وغالبيتهم مصنفون دون مستويات الفقر عالميا.

وبعد أن اتجه ما تبقى من السكان وهم أقل من الربع إلى التطوع  في الحرس الجمهوري أو التجنيد قسرا في الجيـش الشعبي والفـرق الحزبية وفدائيو صدام  تحت وطأة الضغط المادي والقلق السياسي أو الرغبة بالمحافظة على البقاء واستمرار الحياة بأقل ما يمكن من الخسائر، فعاش الجميع تناقضات شعروا خلالها بمرارة الحياة في كل جوانبها، وتضاعفت المأساة أيضا عندما كممت الأفواه للحد الذي أصبح انتقاد السلطة أمام الغير مخالفة تصل حد الإعدام إذا ما طالت الرئيس وعائلته، والسجـن لفترات مختلفة لما دونه من الوزراء والحزبين والقادة وموظفي الدولة ورؤساء الدول العربية، للحد الذي بات فيه الكلام مع الزوجة والأب والأخ والابن والصديق والقريب مخيفا.

فسكتت الغالبية أو انسحبت مكتفية  بلوم الذات وتقريح الضمير وكبت الإحساس بالحرمان والبؤس والشقاء. وتصدع الإنسان العراقي من داخله وبات خاويا مستسلما لا يقوى حتى على المطالبة بأبسط حقوقه في العيش كإنسان على هذه الأرض التي زاد  فيها الدعاة والمطالبون بالحقوق المشروعة في كل بقاع العالم.  

وبالتالي أصبح العراقي معزولا ليس على المستوى السياسي فيحتاج التغيير إلى نظام أكثر ديمقراطية أو مضطربا اقتصاديا فيحتاج إلى نظام من نوع ينسجم وحركة العالم الجديد فقط، وإنما بائسا من الناحية الإنسانية فيحتاج إلى انبثاق عراق يتمتع فيه بحرية القول والعقيدة ويتخلص في  جوانبه من الإحساس بالخوف والفزع ويتمتع بين ثناياه بحقوقه الإنسانية كاملة، عراق ديمقراطي موحد. 


ماهية الحقوق المطلوبة للعراقيين 

إن القوانين والضوابط التي تناولت حقوق الإنسان دوليا كثيرة أخذت بالاعتبار كل جوانب الحياة ومجالاتها. أما بالنسبة لعراقيين يجب أن لا يتنازلو عن حقهم في مثل هذه الحقوق وأن يسعوا في دعواتهم وأدبياتهم وجلساتهم الخاصة منها والعامة إلى وضعها هدفا نصـب أعينهم عسى أن يقللوا  من الحيف الذي أصابهم وما بات يصيبهم حتى وقتنا الراهن.

وأن يتهيئوا للمرحلة المقبلة التي ينبغي أن لا تفوت فيها الفرصة وتعاد نفس التجربة الإنسانية المريرة التي عاشوها مع صدام حسين. 

وتأسيسا على هذا نرى ضرورة أخذ الجوانب الآتية بنظر الاعتبار في كل المساعي الرامية إلى تأكيد إنسانية الإنسان العراقي حاضرا ومستقبلا: 

1. العراقيون متســـاوون أمام القانـــون فــــــي الحقـوق والكرامة، وعليهم واجبات وطنية مشتركة، لا يمكــن إعفاء أحد منهـا، كما ينبغي الحـرص على التوازن بينهما.

2. الفصـل الحـاد بيـن السلطات التشريعيـة والتنفيذية والقضائية وبمقتضى هــذا الفصل لا يـــجوز لأحـــدهـا التـدخـل بشــؤون الأخرى لأي سبـب من الأسباب. 

3. للعراقي الحـق بالتمتع بالحرية الفردية في اختيار العقيدة والاتجاه بغض النظــر عــن الأصل العـرقي أو الانتمـاء المـذهـبي أو الإقليمي، وفي هذا المجــال يكـون العـراق ساحة لجميــع العراقييـن يتحركون فيها كيفما يشاءون دون قيود إلا ما يمس أمن البلد وحريات وحقوق الآخرين.

4. تقليــص إمـــكانية الأجهزة الأمنية الحالية وعــددها مع ضرورة إلزامها بالتعامل مع الإنسان على ضوء القوانين والضوابـط التي لا تطال كرامته ومنعها مـــن ممـارسة التعذيب الجسدي والنفسي أو معاقـبة شخص بدل آخر للتأثير على الأول.

5. منـع توقيف أو احتجاز أي مــواطن عراقـي ما لم يصــدر بحـقــه أمر مكتوب مــــن جهـــــة قضائية، ويبقى التعامل مــع المتهم بريئا حتى تثبت إدانته.    

6. للعراقي الحق في الطعن بالقوانين والأنظمة والتعليمـات الـتي تتعلـــق به والأشخاص المسؤول عنهم شرعا وعلى وفق ضوابط قانونية.

7. لكل شخص متهم في العراق الحـق بتحديد محاكمته علنا أو سرا، كما له الحق بتعين المحاميين المناسبين للدفاع عنه.

8. أن لا يحاســب المواطن ولا يحرم من حقوقه المدنيـة والوظيفية بسبب عــدم انصياعه للجهات غير الرسمية كالأحزاب والجمعيـات، وإذا كانت مخالفته لنظمها موثقة بالأدلة وكان مرتبط معها بعقــد نظامي فان المحاكم هي الجهة المخولة بالفصل بينهما.

9. يحــق للمواطــن العــراقي السفـر والتنقـل والإقامة في أي مكان داخل العــراق وخارجه ولا يجـوز حرمانـه مـن هـــذا الحــق إلا إذا أثر على المصلحة العامة وفق ضوابط يحددها المشرع ويفصل بها القضاء.

10. لكــل عـراقي فقــد جنسيته أو جــواز سفـره العراقي بسبب الظروف السياسية والاجتماعية الحق باستعادتها بالوقت الذي يراه مناسبا، كما له الحق في الجمع بين جنسيته العراقية والأخرى الأجنبية في حالة رغبته بذلك.

11. تتساوى مـدن العـراق وسكنتها في الأهميـة الإدارية والاقتصادية والسياسية وبتوزيع الثروة بغض النظـر عن التركيبـة العـرقيـة أو القبلية أو المذهبية.

12. الأســرة كيــان اجتماعـــي أسـاسي لوحــدة المجتمع العراقي ينبغي على الــــدولة أن تقــدم الدعم اللازم لديمـومـتـهــا ووحـدتـهــا واستقرارها ولا يحق التدخل بشؤونها أو السعي لتفتيتها تحت أي ظرف من الظروف.

13. ملكية العقار داخل الحـدود الجغــــرافية للعراق حــق لكل فرد عراقي وبما يؤمــن لـــه الســكن اللائق وبالمكان الذي يراه مناسبا، ولا يحـق للدولة تهجيره منه أو مصادرة سـكن العائلــة الوحيد لأي سبب من الأسباب. 

14. الملكية العامـة (المنقولة وغير المنقولة) داخـل العـراق وخارجه حق مشـــروع لكـل العراقييــن، لا ينبغي التدخـل في تحديدها كما لا يجوز الحجـــز عليهــــا أو مصادرتــها إلا مــن قبل القضــاء لمخالفات لا تتعلق بالجوانب السياسية أو الدينية أو العرقية.

15. لكل عــراقي الحـــق فـــي اعتنـاق الدين والمـذهــب والعقيــدة التي يراها مناســبة، وله الحرية الكاملة للتعبير عنها وممارســة الطقــوس والشعـائر ذات الصـــلة بهـــا، علـــى أن لا يتجاوز على حرية الآخرين أو يسيء إلى طقوسهم وشعائرهم.

16. الانتماء للأحزاب والجمــــعيات والتجمـــــــعات والنوادي حق مشروع للجميع لا ينبغي أن يخضع لتحديدات معينـة أو ضغـــوط فــكرية وسياسية وإدارية محددة.

17. يحــق لكل جماعـة عراقيـة ( يحـدد عـددها القانون ) سياسيـة أو ثقافية أو اجتمـاعية أو دينية أن تؤسس جمعية أو اتحاد أو تجمع أو حزب شرط أن تعرض أهـدافها ونظامهـا الداخلي بشكـل علنـي وأن لا تكون هـذه الأهــــــداف ذات توجــه طائفي أو عنصري أو إقليمي يثير الغير بالاتجاه السلبي المعاكس.

18. الانتخابات والمشــــاركة فيهــــا والترشيح لهــــــا متاحة لكل العراقيين المـــؤهلين قانونا بغض النظر عن الميل السياســي أو الاتجاه الديني أو الانتماء العرقي.

19. للعراقي الحق بالتواصل مع ما يدور في العالم والاطلاع على الخبرات والثقافات والمعلومات في الدول الأخرى بكل الوسائل المتاحة. 

وفي اطار هذا الحق لا  ينبغي حجب القنوات الإعلامية أو المطبوعات والصور وغيرها إلا بالقدر الذي يخل بالجانب الأخلاقي أو الديني الذي تحدده القوانين وينفذه القضاء.

20. التعليــم وبكافة مراحله حق للجميع وعلى الدولة تسهيل عملية الحصول عليه وتقديم الدعم اللازم لديمومته بالمستويات المتقدمة.

21. الطفل ترعاه الدولة بعد العائلة ذات المسؤوليــة الاعتبارية عن تربيته، وعلــى مؤسسات الدولة تقديم الرعاية الاجتماعية والماديـة والتربوية له بما يكفل تنمية قدراته العقلية والبدنية وتأهيله لأن يكـون عـراقيا صالحا.

22. المرأة نصف المجتمع ولها فيه حقوق في العمل والانتخاب والترشيح له وكذلك في الانتماء السياسي والانتساب للجمعيات والمنظمات وبحدود لا تقل عن الرجل، وبالمستوى الذي يعزز دورها الاجتماعي.

23. لكل فـرد فــي المجتمع حق مقاضاة السلطـة أفـرادا وهيئات  ولمستوى رئيس الدولة، على أن يقدم الأدلة التي تثبت حقه قانونا.

إن خطوة هذه الورقة في التـأكيـد على أهم الفقرات التي يمكن أن تضمن حقوقا للإنسان العراقي جاءت:

من خلال النظرة القيمية الصحيحة لواقع إنسان هذا العصر.

ومن معيار الكرامة التي يضعها الشعب العراقي نصب عينيه في التعامل مع مفردات الحياة التي عدّت جزءا من تكوينه الاجتماعي والفكري والسياسي على مر العصور.

وهي نظرة تقتضي الضرورة وضعها  في إطار فكري معلن يحتمي به جميع العراقيين، ويكون سلاحا لمستقبل الأجيال المعاصرة في هـذا البلد العريق بعد النكسات التي تعرضت لها من قبل السلطات على اختلاف مشاربها.

 

الخــــــاتمة 

إن التكـلــم عـن حـقــوق الإنسان في المجتمعات العصرية بات أمرا عاديا أو قليل الإثارة بالمقارنة مع مواضيع الاقتصاد و العولمة والاستنساخ وغيرها، بعد أن أخذ فرصته الكاملة تاريخيا وحضاريا وتحققت الكثير من جوانبه على أرض الواقع.

إلا أن المسألة في المجتمع العراقي مختلفة تماما، لأن العراقيون لم يعوا بعض حقوقهم، ولم يدرك الواعون أهمية توعية الآخرين غير الواعين، فتنصلوا عن مسئولياتهم التاريخية في التوعية.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أبعدهم الحكام أحزابا كانوا أم أفرادا، بقصد أو بدون قصد عن صلب الموضوع بعد أن أغرقوهم بهموم الدنيا ومسائل أخرى أقل أهمية مثل الاشتراكية والتحرر من الاستعمار وتأميم النفط، وغيرها أهدافا يصعب تحقيقها من أناس فقدوا حقوقهم الإنسانية، وأن تحقق البعض منها عرضا أو نتيجة للحراك الاجتماعي  سيكون من الصعوبة الدفاع عما تحقق بمن لا يتمتعون بأية حقوق.

تلك هي الكارثة الحقيقية التي تفوق تأثيراتها التجاوزات التي يرتكبها الحاكم في مجال حقوق الإنسان الذي عدها المتحضرون تحصيلا حاصلا لا لبس فيه ولا سبيل للتنازل عن أي من فقراته.

وهي كارثة حملّت المثقفين العراقيين بشكل عام والمنتمين للقوى السياسية المعارضة على وجه الخصوص أعباء لا تتعلق بالدعوة إلى وقف الخروقات ذات الصلة بحقوق الإنسان فقط بل تتعداها إلى التوعية بأهمية الحصول عليها ومن ثم المناداة علنا بضرورة تطبيقها، وبالتالي الدفاع  الجاد عما تحقق في مجالها.

وعلى هذا الأساس باتت المناداة بوضع ضوابط يعي العراقي بموجبها حقوقه كإنسان بعد أن سلبت منهم لفترات ليست قصيرة، من الأسبقيات التي ينبغي فهما واستيعابها من الآن، لكي لا يقعوا  بنفس الأخطاء التي وقعوا فيها طيلة الفترات السابقة، وخاصة بعد مجيء صدام إلى السلطة عندما اطمأن غالبيتهم لمناوراته في الحصول على فرص مناسبة لتأجيل الأولويات ذات الصلة بالإنسان العراقي، حتى ثبّت أقدامه على أرض السلطة وتمرد على الجميع بشكل لم يؤد إلى خرق حقوقهم الإنسانية  بل وتدمير حاضرهم ومستقبلهم.

لأن صدام ومنذ استلامه السلطة خطط للتعامل  مع العراقيين بنظرة فوقية عنصرية وبنفس طويل غايته الأساس تحقيق أهدافا يتعلق قسم كبير منها بالقيادة الفردية المتسلطة ومكاسبها الذاتية، وبجهات أخرى خارجية لعب معها لعبة الأدوار وتحقيق المصالح، أملا في الخروج من النطاق القطري الضيق والسيطرة على أجزاء أخرى من الوطن العربي، تتحقق فيها المصالح الذاتية السلطوية والمادية بإطار أوسع.

وعلى أساسها يمكن الجزم في الوقت الحاضر أن صدام في إدارته للمجتمع العراقي يفتعل أزمة تليها أزمة أخرى، وفي كل واحدة  يحشد جهدا مضافا يطلب فيه مهلة لتجاوز الآثار الحاصلة لأزمته القائمة واعدا العراقيين بتفرغه بعدها لتطلعاتهم في العيش الرغيد، وفيها يضيف أهدافا يمني البائسين بتحقيقها مستقبلا، وهكذا.

ويبقى العراقيون غارقون بوهم التمني المستقبلي المعسول، والتحسر على الماضي البعيد، واستمرت حالهم أزمات متكررة وحالات طوارئ متعددة وظروف حرب شبه دائمة، امتلك فيها الرئيس وعائلته كل الصلاحيات، ووضع الحزب والأجهزة الأمنية بين أيديهم كل الحجج التي كبلت حرية الإنسان وحطمت إنسانيته وألغت معظم حقوقه، وهكذا بقيّ العراقي طيلة حكم صدام مجرد آلة تعمل من أجل استمرار النظام، تحطم في حال توقفها أو تخرج من الخدمة ومكاسبها عندما تقل قدرتها في دعم النظام.

هذا وترى الورقة في نهاية مناقشتها لهذا الموضوع الحيوي أن خطوتها هذه مجرد إضافة لما يطرحه الآخرون في حركة المعارضة العراقية أو حتى تذكيرا بأهميته، كي لا يضيع بين عموم الأهداف والشعارات التي تسعى المعارضة وباقي العراقيين المنصفين إلى تحقيقها بعد التغيير المرتقب.

وترى في ذات الوقــت ضرورة أن يحتل موضوع هـــذه الخـطوة موقعـا متقـدما في الفكـر المطروح لكـل الفئات والأحزاب والتجمـعـات العراقية التي تعمل على تغيير نظام الحكم وتلك التي  تسعى إلى مجتمع أفضل ما بعد صدام حسين .

وهي خطوة على وجه العموم  تستند على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مأخوذا معها بالاعتبار بعض الخصوصيات العراقية التي كونتها الظروف المحيطة، وحجم الضغوط المسلطة على العراق، وكذلك طبيعة الشعب العراقي بانتماءاته الفكرية والعقائدية والمذهبية والعرقية المتعددة.   

وهي في ذات الوقت مشروع نأمل أن لا يبقى حبرا على ورق فيطويه النسيان والعراقيون في أحرج فترة من تاريخ حياتهم، ووثيقة أعدت بقصد الإسهام مع وثائق أخرى لمعالجة الآثار المترتبة على واقع الحكم الدكتاتوري والحصار الاقتصادي والخرق الفاضح لحقوق الإنسان، ورؤيا متواضعة لما يجب أن يكون عليه مستقبل العراق الديمقراطي الموحد.


المصادر

الإعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948.

حقوق الإنسان بين الفلسفة والأديان، عبد الرزاق الحروب، الزمان،13/397 – 2/2/2002.

منذر الفضل، حقوق الانسان والتنوع الأثني لكان كركوك، الندوة العلمية، مركز كربلاء للبحوث والدراسات، لندن 21- 22 تموز 2001.

منظمة مراقبة حقوق الانسان، التقرير السنوي لعام 1999.

هود 113.

الحجرات 12.


22/9/2002