نينوى ما بعد التحرير
منتصف الشهر الأول من العام الحالي ٢٠١٧ وبعد ما يقارب الثلاث أشهر من القتال الصعب في أحياء سكنية مكتظة بأهلها الذين آثر أغلبهم البقاء فيها، أنهت القوات المسلحة العراقية بجميع فصائلها تحرير الجانب الأيسر من الموصل، وهي بالوقت الذي أثبتت فيه قدرتها على القتال داخل المدن باحتراف عالٍ وبمعنويات جيدة، أعطت رسالة ايجابية للعراقيين والعرب أولاً ولباقي دول العالم أنها حافظت على أرواح المدنيين وتعاملت معهم انسانياً ووطنياً بعدهم عراقيين.

ان تحرير الجانب الأيسر مرحلة قتال انتهت بانتصار ستمهد لمرحلة الجانب الأيمن التي ستنتهي بانتصار أيضاً، بعدما تمرست القوات على قتال المدن، واكتسبت خبرات جيدة وثقة بالنفس عالية، وسيتم هذا على الأغلب بوقت ليس بعيد عن الآن، لكن الأهم من هذا التحرير المضمون هو نهج التفكير المحلي لما بعده في عموم المحافظة التي بقيت تحت نير التفكير الخطأ والرأي الشاذ المنحرف لفترة زمنية طويلة نسبياً، على هذا يمكن القول أن أزمة نينوى سوف لن تنتهي بموت آخر داعشي في آخر حي من أحياء الجانب الأيمن، بل وبتغيرالمشاعر والآراء والأفكار غير الصحيحة عن الوطن والدولة وسلطة المركز والدين والقومية والتعامل الدنيوي، التي تشكلت عند البعض بتأثير الانحياز المسبق أو بتأثير سلطة داعش النفسية طوال السنتين الماضيتين، وهي ترسبات لن تتبخر بسهولة بعد أن حفظها العقل في ذاكرته البعيدة.

ان الحكومة من جانبها وبافتراض مشاركتها فإنها سوف لن تكون قادرة لوحدها في تخليص أبناء نينوى من تلك الأفكار التي ستحدد السلوك لما بعد التحرير، وأبناء العراق في الوسط والجنوب والغرب وان اجتمعوا لتقديم العون سوف لن يكونون قادرين على نزع الدرن والشوائب التي علقت، وانما أهل نينوى وحدهم فقط سيكونون قادرين اذا ما توجهوا لتشريح المرحلة السابقة نقداً وتقويمياً وتعمدوا قول الحقيقة.

وأصروا على التسامح والتفاهم فيما بينهم حول المرحلة المقبلة.وأن لا يعولوا على الغير من خارج محافظتهم التي أحست وحدها الوجع.لأن الغير وحسب تجارب الحاضر لم ينضج بعد، ولم يكن محايداً تماماً، وإن أتى بنوايا سليمة متعاوناً فسوف يجلب معه تناقضاته في الاختلاف دينياً وقومياً وطبقياً ومصلحياً فيزيدالواقع تعقيداً.ان مشكلة نينوى لما يتعلق ببقايا التفكير الشاذ العالق ليست سهلة، وحلها ليس تسطير نظري، لأن وضعها الجغرافي وتركيبتها السكانية وموروثها الثقافي والديني تجعل من الحلواحتمالات نجاحه مرتبط في الأساس بمديات الجهد الذي سيبذلونه هم كأبناء لها باتجاه تخليص أنفسهم من حقبة الماضي وضغوطها، والتخطيط لبناء مستقبل يمكن أن يعيشون فيربوعه سلاماً دائماً.

وبعكسه وإذا ما تعصبوا أو ركنوا الى الغير في استجداء الحلول من الداخل أو الخارج سيجدون أنهم قد أعادوا وضع محافظتهم هدفاً من جديد سيمتد الرمي عليه لعشرات مقبلة من السنين.

د . سعد العبيدي
28/1/2017