كلما يتعرض إنسان هذا الوادي العراقي الى صعوبة في العيش، أو بالمعنى المجازي كلمامرت من فوقه غيمة ضغوط شديدة الوطأة، يعود الى المقارنة بين الزمن الماضي الذيحكم فيه صدام حسين وحزب البعث، لثلاثة عقود ونصف، وبين هذا الزمن الحاضر الذيبدأ حكما من نوع خاص في ٩/٤/٢٠٠٣، وما زال مستمراً، ونتائج المقارنة بعد عشرينعاماً من هذا التاريخ تأتي في بعض الأحيان سلبية، ليست في صالح الزمن الحالي، وفيأحيان أخرى انفعالية تثير الترحم على الماضي من باب الغضب الموقفي، خاصة بالنسبةالى جيل الشباب الذين لم يخبروا شكل الضغوط التي كانت مسلطة على عقول أهل العراق طوال سني الماضي، ولم يحسوا مشاعر الخوف التي كانت ترافق آبائهم ليلاً مع النهار،وللإنصاف في مجال المقارنة سوف نأخذ ظاهرتين سلبيتين، (الفساد والاخلال بالأمن) منبين عديد الظواهر التي يأخذ منها المواطنون سبيلاً لنقد الحاضر، ومقارنته المجردةبالماضي.إن الفساد الذي استشرى في جسم الدولة بالزمن الحاضر مستوىً، صار وكانه طبيعة من طباع الشخصية، أو ظل لإنسان هذا الوادي، يرافقه عند مراجعة الدوائر الحكومية وغيرالحكومية، بعض معالمه، رشوة يدفعها لتمشية المعاملة المكتملة الأركان، وتفريقاً في التوظيف، وفرصاً سهلة يحصل عليها أتباع الوزير، وأقارب المسؤول، والمنتمي الى أحزاب متنفذة، يقابلها إهمال لغيرهم من باقي الأبناء، يُركَنون على رف الانتظار سنوات تزيد عن الخمس، وأحياناً أكثر منها بكثير، وتمايز بين الأبناء في مجالات الترقية،والايفاد، والدراسة على أساس الدين والقومية والمذهب، وأوجه أخرى للفساد بينها استغلال المنصب للصالح الخاص، والاثراء غير المشروع، وغيرها معالم لا مجال الى تسطيرهافي مقال كهذا، لو تمت مقارنة حصولها والنشأة بين الزمنين يتبين أن الفساد كان موجوداًفي البيئة العراقية منذ قديم الزمان، حتى يشير الموروث الشعبي أن ضغوطاً قد سلطت مرةعلى رئيس الوزراء الملكي نوري السعيد لتبديل بعض وزرائه لشبهات فساد، رد في وقتهاقائلاً دعوهم لقد شبعوا، ويقصد أن الجديد الذي سيأتي ربما سيسلك طريق الفساد كي يشبع،أما اذا اقتربنا الى الزمن البعثي الموصوف بالزمن الماضي في مجال المقارنة، سنجد أنالفساد قد شكل ظاهرة ملموسة بعد عام (١٩٨٠) إبان الحرب العراقية الإيرانية، إذ شاعطوالها نقل المراتب من خطوط القتال الأمامية الى الوحدات الخلفية لقاء ثمن، وشاع قيامجنود من العوائل الميسورة بتشييد بيوت لضباط آمرين، كي يبقونهم بعيدين عن خطوطالجبهة الأمامية، وشاع كذلك منح الاجازات بثمن مدفوع، وتكريم وزراء وموظفين من الدرجات الخاصة وأعضاء الشعب والفروع أراض سكنية وزراعية، وسيارات ومبالغمالية، وتفضيلهم على الغير، وشاع أيضاً، التفريق بين الأبناء في اسناد المناصب العسكرية، والأمنية، والسياسية العليا على أساس القومية، والطائفة، والمذهب، ما يدفع الى الاستنتاج:ان الفساد في غالب أشكاله كان موجوداً في البيئة العراقية بمستويات تقل كلما عدنابالماضي الى الخلف سنوات وسنوات.
وإن العديد من أشكاله طفت على السطح ظاهرة في الزمن السابق، تبدو للمواطن ملموسةكلما اقتربنا من الزمن الحاضر سنوات، انتقلت من ذاك الزمن الى هذا، وزادت شدتها،وتعددت أشكالها، نتيجة جهل السلطة بطبيعة الشخصية العراقية، وفقدان المعرفة بسبلالتعامل مع بعض الظواهر السلبية، ووهن السلطات الضابطة، وانشغال السياسيون الجددفي بناء أنفسهم، وأحزابهم على حساب بناء الانسان العراقي والدولة.وبالنسبة الى الاخلال بالأمن كمجال للمقارنة، وظاهرة هي الأخرى عمّتْ أرجاء العراق،عشائر تمردت على الدولة، وأخرى امتلكت السلاح، وأعلنت عصيانها على الدولة،وإرهاب ضرب جسم الدولة، وعصابات استشرت، ومليشيات توسعت، وسلاح غيرمسيطر عليه ملأ أطراف المدينة وريفها والقرية، وإحساس بالتهديد على مستوى الفردوالجماعة...الخ من معالم خلل أمني عند مقارنة وجودها في الزمن الحاضر مع حصولهافي الزمن الماضي، وعلى سياق المقارنة ذاته لزمنين، والرجوع في موضوعها الى السنيالأولى لتأسيس الدولة، يتبين:ان العشائر العراقية، ومنذ البداية كانت بطبعها لم تهادن سلطات الدولة، وإن هادنتها لزاماً،ستكون المهادنة مؤقتة، مرهونة بما يمكن الحصول عليه من الدولة.ويتبين ان العديد من أوجه التمرد العشائري بالضد من الدولة قد حصل في الزمن الملكي،والجمهوري الأول والثاني، وحتى في الزمن البعثي، وامتد من تلك الأزمنة المتتالية الىهذا الزمن، مع فارق في مديات الاخلال بالأمن، تعتمد على قسوة، وحزم سلطات الدولةالضابطة، التي كانت في الزمن الماضي أكثر حزماً وقسوة وانضباطاً، وأصبحت في الزمن الحالي أكثر رحمة وتهاوناً وتسيباً.ويتبين أيضاً أن الأمن الفردي، والمجتمعي كمجال للمقارنة، بات مختلاً في الزمنالحاضر، وبما يفوق اختلاله في الزمن السابق، لكن العودة الى الحروب التي حصلت طوال الزمن الماضي تؤكد أنها كانت مخلة بالأمن العام لسنوات شعر طوالها العموم من أبناء المجتمع العراقي بالخوف والقلق والتهديد بالموت، والعودة كذلك الى الاستهداف الأمني والحزبي للمواطن كان إخلالاً بالأمن إذ يقدم الى المحاكمة ويعدم من روى طرفةيذكر فيها الرئيس، ويشاركه الإعدام من جالسه، وسمع الطرفة، ويعدم من وجه نقداًلشخص الرئيس، ومعه يعدم الشقيق، أو الصديق الذي لم يبلغ عن واقعة النقد، هذا غيرالتسلط الحزبي، وقطع الأذان لهاربين من الخدمة، وقطع الرقاب لمتهمات، وغيرهامثيرات تهديد مخل بالأمن وضعت عموم المواطنين العراقيين تحت غيمة ضغوط أمنيةشبه مستمرة، كبتت انفعالاتها المصاحبة في قعر الذاكرة الجمعية، لم يعد يحس آلامها منعاش ذلك الزمن، ولم يحسها من ولد وعاش في هذا الزمن، الأمر الذي جعل المقارنةالنفسية في مجالها وعموم المجالات بين الزمنين، غير صحيحة، وأحياناً منحازة، خاصةبالنسبة لمن ولدوا وترعرعوا في هذا الزمان الذين يعانون أشكال تهديد أمني تختلف عنتلك التهديدات التي كانت شائعة في الزمن الماضي، ومنها وباقي مجالات المقارنة يصحالقول:ان الانسان في الزمنين هو المسؤول عن انتاج السلوك السلبي فساداً كان، أو إخلالاً بالأمن، أو غيرهما.
وان شكل إدارة الدولة والمجتمع، وأخطائها في الزمن السابق قد تسببا في إيجاد عديد من الظواهر غير الصحيحة، وإن شكلها في هذا الزمن الحاضر، والأخطاء التي زادت عنحدود المعقول قد تسببت في تعزيز، واستمرار وجودها، واتساعها ظواهر سلبية.ويصح القول أيضا مع ان الزمن الحاضر هو نتاج الماضي، والمقارنة المنصفة بينهما زمنين لا يمكن أن تكون صحيحة الا عبر وسائل البحث العلمي التي تحيّد وسطها المشاعر وتوجهات الانحياز، فإن التاسع من نيسان للعام المذكور سيبقى حداً فاصلاً بين زمنين،وستبقى المقارنة ماثلة في العقل الجمعي الى حين.