لم يكن مثل جيله من الثوار الذين ملئوا الارض طولا وعرضا، وغابوا دون أن يذكرهم أحد،ولم يكن مثل أقرانه من السياسيين الذين سجنوا وخرجوا من سجونهم ليدعوا الى الانتقام من خصومهم، بل يقودوا بأنفسهم جيوش الانتقام.

كان مثالا للانسانية، وعصارتها لعصور، وكان نتاجا خالف سلوكه توقعات العلماء، أولئك الذين درسوا سلوك المسجونين ومن يتعرض الى التعذيب وخرجوا باستنتاجات مفادها أن معظمهم يغادر السجن والتعذيب مصابا بعقابيل بعد الشدة، التي تجعله انسانا منفعلا، أقرب للاكتئاب ميالا للانتقام تعويضا عن الاذى الذي تعرض له خلال فترات سجنه وتعذيبه،ونصحوا أي العلماء بالتأسيس على دراساتهم الطويلة ان لا توكل مهام قيادية عليا الى منيتعرض الى التعذيب والسجن الطويل لان قراراته ستكون محكومة بانفعلات السجن المكبوتة التي تدفعه الى التصرف بطريقة فيها قليل من الحكمة وكثير من الانتقام.

لقد صدقت هذه الاستنتاجات على كثير من الزعماء الثوريين في العالم عندما أذاقوا خصومهم أضعاف العذاب الذي ذاقوه على ايديهم من قبل، الا نلسن مانديلا الذي قضى في سجنه عدة عقود تعرض خلالها الى شتى أنواع التعذيب، لكنه وعندما خرج من سجنه ووصل الى سدةالحكم بانتخاب الشعب تعمد أن يعطي درسا لم يقتصر على جنوب أفريقيا بل ولكل العالم على كرتنا الارضية التي تعج بالمفارقات، فاختار لحمايته من البيض الذين عملوا في السابق بالاجهزة الامنية الحكومية ولم يخش خيانتهم لانهم موظفون مهنيون واراد من اختيارهم أن يشعر الغالبية من السود على أن اللون لا أثر له في حكم البلاد ولا علاقة له بالخيانة، وعملجاهدا على ايجاد سبيل للمصالحة يكتفي فيه المجتمع باعتذار المعني من الشخص أو الجماعةالتي أعتدى عليها ليعيش من جديد وسط مجتمع متسامح، لا يمكنه البقاء تحت سياط الحقدالانفعالي والتمييز العنصري، ونجح مانديلا في أن يسحب من نفوس المواطن الاسود كلمشاعر الكره التي كانت راسخة في عقله نحو البيض، فاحترمه السود وساروا على نهجه،وقدر فعلته البيض وباتوا من الموالين لدولته الجديدة. فأعطى قوة دفع لجميع السكان بالوانهوأطيافه المختلفة لان يعيشوا وسط هذه البلاد التي أعمى قلوبها التمييز العنصري من قبل.انه نلسن مانديلا، الانسان، السلوك الفريد في هذا العصر الفريد، كان يجب ان يظهر مثله فيالعراق انسان يختزل الزمن، يقود حملة التفريغ العقلي لانفعالات الحقد والكره والتفريق والغلال مكبوتة في خلايا العقول التي تعرضت لضغوط السياسة خمسة عقود متصلة، فامتلكت قوة لتحريك سلوك المقت والعزل والتشويه والقتل الطائفي.كان الاجدر بمانديلا أن يظهر هنا ليطفئ نار الحقد التي لم تنطفئ من سنوات.كان الاحق بمانديلا أن يظهر في بلاد المسلمين لان الاسلام هو دين التسامح والغفران.سنبقى ننتظر مانديلا في بلاد المسلمين والى ذاك اليوم سيبقى أهل العراق في ساحة قتال ليكافحون الغل الذي لاينتهي في النفوس الا على أيادي عظماء مثل مانديلا.

8/12/2012