لقد اتسمت قيادة حزب البعث التي نفذت انقلاب شباط ١٩٦٣ بالشبابية الطائشة الى الحدالذي وصفها ميشيل عفلق بالقول "بعد 8 شباط، بدأت أشعر بالقلق من فرديتهم، وطريقتهم الطائشة في تصريف الامور، واكتشفت أنهم ليسوا من عيار قيادة بلد وشعب". وكان الحرس القومي الذي أراده الحزب قوة تأثير وضبط عقائدية هو الأساس في سلوك الطيش وتأجيج الصراع مع الجيش الى المستوى الذي لجأت فيه القيادة العامة للقوات المسلحة في تموز 1963 بتوجيه برقية تهديد بحله في حال عدم توقفه عن الاعمال التي يقوم بها، وبمايضر المواطنين والامن العام. لكن قيادته وفور استلامها البرقية، طلبت من القيادة العامة على لسان قائده النقيب الطيار منذر توفيق الونداوي بسحبها والغائها بإسلوب فيه قدر من التحدي والسعي لاستمرار التصارع، مؤكداً استقلالية الحرس كقوة جماهيرية، ذا سلطةمعتمدة شعبياً، فزاد الخلاف سعة بين الحرس من جهة ورئيس الجمهورية وقيادة الجيش وافرع القوات المسلحة من جهة ثانية... خلاف وصل حد القطيعة يوم 11 تشرين الثانيمن عام 1963، عندما دخل بعض الضباط طرفاً بالضد من قيادة الحزب الداعمة للحرس،إذ اقتحم ستة عشر منهم بقيادة العقيد محمد المهداوي، والمقدم حميد العبل، المؤتمر القطري في اجتماعه، وعزلوا القيادة وامروا بانتخاب قيادة جديدة، صوتَ جميعهم لصالحها على الرغم من ان بعضهم لم يكونوا بعثيين، وامروا بتسفير السعدي وجماعته بطائرة عسكرية الى اسبانيا.

لكن الصراع لم ينته، بل وازدادا تعقيداً، حتى انحاز الجناح العسكري البعثي الذي يضم كبار الضباط القادة بينهم اللواء طاهر يحيى رئيس اركان الجيش، والعميد الطيار حردان عبد الغفار قائد القوة الجوية والعقيد محمد المهداوي آمر كتيبة الدبابات الثالثة، وآخرين،الى جانب جهد رئيس الجمهورية عبد السلام عارف الإنقلابي، بالضد من سلطة ونفوذ الحرس.

ان سير الاحداث في تلك الفترة الزمنية الحرجة وتطوراتها تؤشر، ان غالبية العسكريين قدحسموا أمرهم واصبحوا جزءا من انقلاب بالضد من حكم فيه مليشيا الحرس القومي عامل توتر وعدم التزام، فسارعوا الى تأسيس مرحلة حكم جديدة فيها عبد السلام مركز الثقل وفيها القوات المسلحة عنصر الضبط الوحيد، وخلالها حاول الحرس ومناصروه في القيادةالسياسية ترميم الأوضاع وتغيير المسار من أجل امتلاك معالم القوة ثانية، حتى أن الونداوي بادر من داخل اجتماع على مستوى قيادي سياسي عال الاتصال بقيادة الحرس وفرع بغداد للحزب المجتمعين في مقره بالأعظمية، ليعدوا الى انقلاب، لكن انقلابه لم ينجح فقد كوّن الجيش أفكاراً بالضد من الحرس وأساليبه في الشارع وتعامله مع الجمهور ومؤسسات الدولة باستعلاء ثوري فتوحدت الصفوف بالضد منه أجهزت عليه في ١٨تشرين ١٩٦٣، بانقلاب حسبه البعثيون يوماً أسوداً، انتهت فيه تجربة مليشياً يصعب أنتكون في مجتمع مثل العراق سلطة ضبط إضافية. 

د.سعد العبيدي 

27/4/2019