يرض البعثيون عن النتائج التي أسفر عنها انقلابهم المشترك مع الداوود والنايف، اللذان خانا الرئيس عبد الرحمن عارف في ١٧ تموز ١٩٦٨، ولم يقتنعوا بما تحقق من نجاح اوصلهم مع حليفيهما الى الحكم، ولم يقبلوا بالاتفاق أصلاً سوى غاية تعبوية للوصول والسيطرة على الحكم. على هذا كانوا يضمرون النيّة خيانة، للتخلص منهما منذ اليوم الاول لتحالف صيغ على أعتاب النوايا المبيتة. فتحركوا سريعاً للانقلاب عليهما طرفاً مقابلاً،بحركة سريعة في 30 تموز، وبترتيب بسيط، تأسس على قيام الرئيس البكر بإيفاد وزير دفاعه الداوود، الى الاردن لمعاينة القوات العراقية المنفتحة لأغراض الدفاع على الارض الاردنية، وفور وصوله الأردن، استدعى أي البكر، عبد الرزاق النايف، كرئيس وزراء للتشاور وتناول الغداء. فانقض عليه صدام، وجماعته في المكتب، وهددوه بالموت اوالسفر الى الخارج سفيراً على الفور، وبنفس التوقيت قصد ضباط بعثيون توجهوا الى الاردن وآخرين من الوحدات المنفتحة هناك وزير دفاعهم الداوود، وقاموا بتهديده أو القبول بمنصب سفير، على الرغم من امتناع قائد القوات العراقية هناك اللواء الركن حسن مصطفى النقيب (الذي انشق عن البعث لاحقاً وعمل معارضاً الى عام ٢٠٠٣)، عن تنفيذأمر الاعتقال بالطريقة التي أرادها البكر هاتفياً. في المحصلة رضخ إبراهيم الداوود لأمرالعزل الواقع وهو في عمان، مثلما فعل عبد الرزاق النايف في بغداد، وبرضوخهم معاً ووقوعهم في مصيدة الخيانة السياسية معاً، فرض الحزب سيطرته التامة على كل منافذ السلطة في الدولة العراقية، وازاح كل المعارضين لإجراءاته هذه، واعاد تشكيل الحكومة وقيادة القوات المسلحة، لتكونان من البعثيين حصراً.

لقد نجح الانقلاب الذي تأسس على خيانة الاتفاق المبرم بين الجانبين، وسيطر الحزب على الدولة سيطرة كاملة، وباتت تأثيرات هذه السيطرة تظهر تباعاً لتمتد خمس وثلاثين عاماً كانت مليئة بالأحداث، ومحاولات التآمر والانقلابات القائمة على الخيانة، كان اشهرها واكثرها تأثيراً على العراق بشكل عام وعلى القوات المسلحة بشكل خاص، انقلاب صدام حسين على البكر عام 1979، الذي يمثل أعلى أنواع الخيانة، والذي توجه فيه صدام وأشقاءه وحاشيته الى إرغام البكر على التنازل بدعوى المرض، ومنح نفسه رتبة مهيب ركن، واعاد تشكيل القيادة العامة للقوات المسلحة، من مكتب تنسيقي الى تشكيل قيادي تنفيذي، دخل بها حروب خرج منها خاسراً، بمستوى حطم اعمدة القوات المسلحة القائمةعلى المهنية وأخل بالولاء الوطني والضبط والمعنويات بمستويات لم ترمم حتى آخرمعركة مع التحالف الدولي انهتها تماماً.إنها تأثيرات سلبية كونت عادات وقيم سلبية ستمتد اثارها المباشرة وغير المباشرة على العراق وجيشه وعموم قواته المسلحة، لعديد من السنين، وتسببت في تفشي بعض الاضطرابات الاجتماعية بين العامة من الناس، يصعب التخلص منها لعشرات مقبلة من السنين.

د. سعد العبيدي

27/7/2019