كان أداء الجيش والقوات المشاركة في معركة الرمادي من الشرطة، وقوات مكافحة الارهاب جيداً وكانت قوات الحشد الشعبي والقوة الجوية وطيران الجيش مساندة بشكل جيد، وبذا كانت النتائج التي تحققت على الارض اكثر من جيدة، في معركة مدن تداخلت فيها الأشياء بشكل كبير، فالمدنيون موجودون في ساحة القتال، يسعى العدو "داعش" الى استخدامهم دروع بشرية لافشال الهجوم أو تأخيره على أقل تقدير، وتحاول القوات الوطنية المهاجمة اخلاء هؤلاء المدنيين من طرق رسمتها آمنة، فتضطر الى المناورة بالهجوم وتأخير بعض الخطوات أو حتى الغائها تحت بند الضرورة، والعدو يفخخ ويدمر كل شيء من بيوت ومساجد ومدارس وبنى تحتية، وقوات الدولة، تضع في الحسبان في هجومها وقصفها ضرورة ابقاء ما يمكنا بقاءه، لأن الموجود ملك للمواطن والدولة والشعب، وتدميره كلفة حرب يفترض ضغطها الى الأقل جهد الامكان، لذا قد تضطر الى تقليل القصف والاستعانة عنه بوسائل أخرى تؤخر أحيانا. وهذا ما جعل معركة الرمادي تمتاز بالصعوبة وبالطئ، لكنها وفي نهاية المطاف حققت الغاية المتوخاة، وهي تحرير المدينة من عصابات تسللت اليها واستباحتها لفترة زمنية ليست قصيرة.

هذا وعندما انتهت معركة الرمادي بهذه الدافعية والنصر، ومهدت الى معارك أخرى جانبية لتطهير القرى والنواحي والمناطق المتاخمة لها بنفس طريقة الأداء المتميز والمعنويات العالية،فان أعباء ستقع على مؤسسات الدولة في اعادة الحياة الى ما كانت عليها طبيعية، ويقع على السكان المحليين داخل مدينة الرمادي وخارجها أعباء أكبر في المشاركة ببناء مدنهم وحراستها، واعادة النظر في حسابات كانت خطأ، ربما أوقعهم فيها السياسيون المحليون،وعليهم تنقية النفوس، وتفريغ كم العتب غير المبرر على المركز، وعدم تصديق تجار السياسةالذين فتحوا بنعيقهم أبواب الأسوار النفسية للمدينة، وساعدوا في تسلل داعش الى داخلها.

ان تجربة العيش تحت احتلال الغل والغدر والتحريم المطلق للأشياء، والعودة بالحياة الى أيام الجاهلية مسألة لا يمكن تصورها في عصر بدت فيه الأشياء تتطور وتتغير كل يوم، وبدت فيه المفاهيم عن الحياة والكون والعلاقات تتغير هي الأخرى كل يوم، على هذا يمكن القول أنها تجربة مرة تتعلم منها الشعوب كيفية العيش من جديد، وكيفية العودة الى الوضع الآمن المستقر، والانطلاق الى عالم جديد فيه الثقة بالغير والاطمئنان اليه هي الأساس في حياة للجزء ضمن الكل الكبير. خاصة وان العراق منذ أن تأسيسه مكون من أجزاء، بينها قواسم ومشتركات، يمكن التأسيس عليها في صياغة حكم وسبل عيش تجمع ولا تفرق، تقوي ولاتضعف. من هذه وأمور أخرى ستكون مرحلة ما بعد معركة الرمادي تجربة جديدة ليس لأهل الرمادي الذين عانوا كثيرا في طريق تعلم الدروس، بل ولباقي العراقيين الذين لابد وأن يتعلموا هم أيضا الدروس، ويحاولوا مساعدة الغير في أن يثقوا بهم، ويبادر الأقوى في طمأنة الأضعف، ويتنازل من في الغالبية الى الأقلية، لكي تبحر السفينة بأمان.

د. سعد العبيدي

6/2/2016