مر العراق بظروف صعبة، لعدة عقود، وكان القاسم المشترك للسلوك السياسي فيها مبني على الانتقام المتبادل، فجاء الجمهوريون عام 1958، وبعد أن ذبحوا الملكيون الساعون الى بناء أسس دولة عصرية، ولم يكتفوا بذبحهم ساروا باتجاها جتثاثهم من الوظائف الحكومية وعزلهم الى مستوى هاجر بعضهم تاركين العراق لأصحاب التغيير يغوصون في مستنقع الانتقام. ومن بعدهم جاء البعثيون عام1963 وفعلوا ذات الفعل مع الشيوعيين والقومين بل وزادوا في الشدة كثيرا الى مستوى القتل والاعتقال والتعذيب واكملوه بفعل الاجتثاث الذي وضع الكثير من العراقيين في موقف العداء من السلطة والرغبة في تدميرها. ومن بعد هذا بعدة سنوات سار الساسة البعثيين بانقلابهم عام 1968 على نفس الخطى وأكملوا خططهم في الاجتثاث المثير للأحقاد فكونوا في نهاية المطاف جيوش من الحاقدين عليهم وعلى أساليبهم في الحكم.
ان الساسة العراقيون جميعهم أحزابا وأشخاص ساروا في طريق الاجتثاث، حتى التغيير عام 2003 الذي جرى نتيجة حرب خاسرة للعراق، والغريب بالأمر فيه أن الامريكان الذين تولوا الأمر لجأوا الى نفس الأسلوب الخاص بالاجتثاث، ووضعواله هذه المرة قانون وضوابط جعلت التقرب منه خطيئة يحاول المعنيون من العقلاء والمتضررين اجتنابها.
إن حسبة بسيطة لقانون الاجتثاث أو المساءلة والعدالة تعطي نتائج واضحة أن خسائره على العراق ونظام حكمه الجديد أكثر من فوائده، فحزب البعث تلقى ضربات فكرية جعلته في البداية بعيد عن احتمال العودة الى السياسة والشعب العراقي جرب حزب البعث ودفعه بعيدا عن وعيه، وبالتالي لم يعد له قوة تأثير تكفي للتخريب، ثم ان إجراءات الاجتثاث التي شملت آلاف البعثيين غير القياديين كونت في داخلهم وعوائلهم أحقاد دفعت الشباب من الأبناء والأقارب الى التأثر سلبا بما يطرح في النقاشات داخل البيوت وبين المعارف، تأثر أنتج أحقاد ومواقف بالضد من الدولة وصلت في أحيان غير قليلة الى الاشتراك في قتالها.
والأهم من هذا وذاك إن حزب البعث الذي تعرض لضربة قاصمة عام 2003 تبعثر مثل غيره حتى اتجه بعض قياديه الى تكوين أجنحة وأحزاب، ولو لم يكن هناك قانون للاجتثاث وضعهم جميعا في إناء الاستهداف لكان التشرذم وصل حدا لايمكن لأي بعثي أن يلملمه من جديد.
محصلة القول أن عقد ونيف من الزمان يكفي لإيقاف شحنات العداء في هذا المجتمع الذي يئن من هول الضربات الآتية من الأحقاد، ويكفي لقانون جاءت نتائجه سلبية وعلى غير ما أراده البعض من السياسيين ابعاد للبعثيين الذين أساءوا عن مسرح السياسة. لقد جاء الوقت لإفراغ شحنة العداء وترجيح كفة العقلاء.
د .سعد العبيدي
7/12/2014