تحرك انقلابيو الثامن من شباط ١٩٦٣ بالساعة التاسعة صباحاً احتلوا الاذاعة، وطوقوا وزارة الدفاع، في الوقت الذي اغارت فيه طائرات مقاتلة من قاعدتي تموز الجوية في الحبانية والحرية في كركوك على الوزارة، فَشَلّتْ قدرتها الدفاعية والقيادية، وبنفس الوقت هاجمت مجموعات بعثية قادة محسوبين على الحزب الشيوعي، مثل العميد الطيار جلال الاوقاتي، قائد القوة الجوية واغتالتهم في بيوتهم. عندها حاول قاسم المقاومة، وحث الجماهير للوقوف معه، الا انه رفض تسليح هذه الجماهير اليسارية الداعمة لبقاءه، وهي النقطة التي تحسب له بالمقارنة بين سلوكه هذا وبين سلوك من جاء بعده من قادة وحكام العراق، والتي أسهمت مع غيرها من نقاط في شل قدرته على الاستمرار بالمقاومة، ودفعه الى الاستسلام بحدود الساعة الواحدة من ظهر اليوم الثاني، فنقل مع المهداوي وطه الشيخ،بناقلة اشخاص مدرعة الى دار الاذاعة التي فتح فيها الانقلابيون مقرهم، وشكلت محكمة خاصة برئاسة العميد الركن عبد الغني الراوي الذي أصدر حكمه بالاعدام بدقائق، قيل عنها، ان عبد الغني الذي تلى قرار الحكم هو من اشترك في تنفيذه باطلاق النار على المذكورين.

ان محاكمة القائد العام للقوات المسلحة، من قبل ضباط ينتسبون اليها، في احد استوديوهات الاذاعة والتلفزيون، وتنفيذ الحكم بنفس الزمان والمكان من قبلهم ايضاً، كوّن واقعاً مخلاً بمعايير القيادة، واسلوباً انفعالياً عدائياً رافق مسيرة القوات المسلحة من ذلك التاريخ حتى أنتهاء بنيتها التنظيمية عام ٢٠٠٣، وما زالت بقاياه ماثلة في عقول العديد من المنتسبين، اذ شهدت المسيرة الكثير من مثل هكذا تجاوزات في ميدان المعارك العسكرية والسياسية.لقد نجح الانقلاب وتشكل مجلس لقيادة الثورة اشترك فيه ضباط، أبقى حمى التسابق من اجل السيطرة والنفوذ قائما وبث بذور الاضطراب حيث التناحر والتدافع على السلطة، اذاقصيَّ القوميون، واندفع البعض من البعثيين الى التمرد على قياداتهم، حتى بات البعث بعد نجاح انقلابه، كمن يتسابق مع غيره ومع بعض اركانه لاستكمال سيطرته على السلطة،فنسق خططاً لاقصاء ضباط قوميين واجتث الشيوعيين، وشكل حرساً قوميا سمح له وللجيش والشرطة، بالقتل الفوري لكل من يقف بوجه الانقلاب دون اية مساءلة قانونية.فحدثت مجازر للشيوعيين والقاسميين داخل المؤسسة العسكرية وخارجها، وزرعت مع المعداء بين الضباط من جهة وضباط الصف والجنود من جهة أخرى، وصار هناك شرخ اًنفسياً بين المؤسسة العسكرية وبين الشعب الداعم لها، وأضحت للحزب المذكور والأحزاب الأخرى أبواب مفتوحة في جدران المؤسسة العسكرية أدخلوا السياسة منها بشكل واسع،فأخلوا بمعايير الضبط والنظام، ودفعوا بالجيش أن يكون خلية حزبية الى يوم ٩/٤/٢٠٠٣،نقلت عدواها السياسية من بعد هذا التاريخ الى المؤسسة العسكرية الجديدة، حيث السعي الى التسييس والرغبة في الاتكاء على أطرف السياسة التي لا يمكنها ان تبني جيش

د. سعد العبيدي

8/2/2020