وصل الخلاف بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام على أوجه في السني الأخيرة من حكم الأول، وفتحت أبواب التدخل والانقلاب على مصاريعها وتحرك حزب البعث المستنفر للتدخل، فكانت أطرافه العسكرية الفاعلة متمثلة في كل من العميد أحمد حسن البكر(المتقاعد) والعقيد الطيار الركن حردان عبد الغفار، والمقدم الركن صالح مهدي عماش والمقدم طاهر يحيى، والمقدم المظلي عبد الكريم مصطفى نصرت، والنقيب الطيار منذر الونداوي وآخرين. نسقوا حركتهم في خطواتها الأخيرة مع عبد السلام الرمز الذي يعوض حاجتهم الى الرمز ومع تنظيم القوميين العرب، "العميد الطيار الركن عارف عبد الرزاق،والعقيد الركن صبحي عبد الحميد، والعقيد الركن عبد الكريم فرحان، والمقدم الركن عرفان عبد القادر وجدي، وشخصيات عسكرية اخرى مستقلة، ونفذوا انقلاب في الساعة التاسعة يوم الجمعة 8 شباط، ١٩٦٣، تحركت بموجبه قطعات عسكرية هاجمت واحتلت الاذاعة،ودبابات طوقت وزارة الدفاع، في الوقت الذي اغارت فيه طائرات مقاتلة من السربين السادس والسابع من قاعدتي تموز الجوية في الحبانية والحرية في كركوك على وزارة الدفاع، فَشَلّتْ قدرتها الدفاعية والقيادية، وبنفس الوقت هاجمت مجموعات بعثية قادة عسكريين محسوبين على الحزب الشيوعي، مثل العميد الطيار جلال الأوقاتي، قائد القوة الجوية واغتالتهم في بيوتهم. عندها حاول قاسم المقاومة، وحث الجيش والجماهير للوقوف معه، لكنه رفض تسليح الجماهير اليسارية الداعمة لبقائه، وعجز عن ارغام بعض الوحدات المعنية بخطة أمن بغداد، على تنفيذ الاوامر الصادرة لها بمقاومة الانقلابين،لخيانة بعضهم له قائداً عاما للقوات المسلحة.
ان عبد الكريم وبعد فشله في المقاومة، وأدراكه انحياز بعض أتباعه انتهازياً استسلم بحدود الساعة الواحدة ظهر اليوم الثاني، فَنُقلَ مع المهداوي وطه الشيخ، بناقلة اشخاص مدرعة الى دار الاذاعة التي فتح فيها الانقلابيون مقرهم، وشكلت محكمة خاصة برئاسة العميد الركن عبد الغني الراوي الذي اصدر حكمه بالإعدام بدقائق، قيل عنها، ان عبد الغني الذيتلى قرار الحكم هو من اشترك في تنفيذه بإطلاق النار على المذكورين.
ان محاكمة القائد العام للقوات المسلحة، من قبل ضباط ينتسبون اليها، في احد استوديوهات الاذاعة والتلفزيون، وتنفيذ الحكم في المكان نفسه والزمان، كوّن واقعاً مخلاً بمعايير القيادة، واسلوباً انفعالياً عدائياً رافق مسيرة القوات المسلحة من ذلك التاريخ حتى انتهاء بنيتها التنظيمية، وما زالت بقاياه ماثلة في عقول العديد من المنتسبين، اذ شهدت المسيرة الكثير من مثل هكذا تجاوزات في ميدان المعارك العسكرية والسياسية.
وختام القول لقد نجح الانقلاب في تغيير شكل النظام، لكن حمى التسابق والصراع من أجل السيطرة والنفوذ عطلت سلطات الأجهزة الضابطة بينها الجيش، واقصت القوميون، ونحت جانباً الرئيس عبد السلام، ودفعت بعض البعثيين الى التمرد على قياداتهم. فمهدوا جميعا لفشل الانقلاب والتمهيد الى آخر.
د.سعد العبيدي
13/4/2019