غادر هذه الدنيا الى آخرته قبل أيام المرحوم سعد صالح جبر، هذا الرجل الذي أعطى للعراق عمر بطوله، بعد أن بدأ العمل المعارض منذ سبعينات القرن الماضي، أرسى قواعد تنظيم سياسي وجهد سياسي معترف به، وتعاون مع الغيرمن رجالات العراق المعروفين بوطنيتهم للوقوف بحزم ضد صدام حسين ونضامه،فكان حقا من أوائل من أسس عملا معارضا جادا ضد ذلك النظام قادرا على جلب التأييد الى صفوفه محليا وإقليميا.
لقد كان المرحوم مثابرا اذ أستمر نشطا في حشد الجهد المعارض وترتيب الصحافة المعارضة من دون ملل الى عام 2003 فاستحق أن يحمل لقب شيخ المعارضين،فهو حقا شيخ لهم في الصبر والالتزام والمطاولة، وشيخ في التضحية من أجل العراق، وشيخ وقف مع كل المعارضين أشخاص وأحزاب، داعما ومساندا فكان مسكنه في لندن كأنه مضيف ومقر لمن يريد أن يعمل بالضد ومن يريد أن يكتبب الضد، وبقي هكذا فاعلا وداعما ونصيرا، لم تمنعه الشيخوخة ولا المرض من العودة الى العراق في أيام السقوط الأولى ليرى على الأرض هذا التحول المثير وانلم يقحم فيه.
وكان رحمه الله شيخا متميزاً في العطاء من ماله الخاص حتى صرف جل ثروته على العمل المعارض على غير العادة التي جرت آنذاك بالاتكال في هذا الجانب على الدول التي مولت ودعمت وعلى الرغم من وقوف زوجته بالضد من مشروعه بالصرف على عمل عدته في حينه غير مجدياً.
هكذا كان سعد صالح جبر أمتدادا لتاريخ سياسي عراقي طويل بدأه والده المرحوم صالح جبر الذي ذاع صيته سياسيا له وزنه الفاعل في أيام الملكية، وهكذا بقيَّ سعدصالح جبر حتى أيامه الأخيرة مرجعا أو مثالا للالتزام بالوطنية العراقية،والاستقامة مبتعدا عن التدافع الذي شهدته الفترة الماضية، آلى على نفسه أن يبقى منزويا بحكم العمر والمرض، ومع هذا كان صرحا شامخاً يستحق أن يتذكره العراقيون الذين باتوا يفتشون في دفاترهم عن الأمثلة وعن الرجال الذين يستحقونأن يكونوا أمثلة في الزهد والوطنية.
العراق اليوم وفي هذه المرحلة الصعبة من تاريخه الحديث يحتاج الى تضحيات وخصائص مثل التي وصف بها المرحوم سعد صالح جبر لكي يخرج من أزمة التدافع والانحياز والتقريب والابعاد والاستحواذ والارهاب، لكي يستقر الحال دون جشع وفساد، ومساعي التحزب والتسقيط، لكي يفهم الأبناء دورهم في وحدة الرأي والعمل، ويساندوا الدولة في عملها ومواقفها، لكي يتركوا الماضي البعيد ويتجهوا الى الحاضر، يبنوا بلدهم من جديد عراقاً آمنا موحداً، يخرجوه من حال وضعه بلد اعظيما على حافة التدمير شبه المنظم
د. سعد العبيدي
.12/4/2015