العراق وعلى حد الفترة التي عشناها وأدركنا بعض أبعاد عيشها منذ العام ١٩٥٨ والى هذا اليوم مر بأزمات متعددة وفي ظروف سياسية مختلفة، وإدارات بعقائد وأفكار متباينة،والحق يقال أننا وكلما توغلنا في النظم الثورية التي أعقبت ثورة تموز في العام المذكور كلما دخلنا بأزمات أكثر حدة، لكن الأزمات الأكثر حدة وتعقيداً هي التي حصلت إبان حكم حزب البعث العربي الاشتراكي للعراق من عام ١٩٦٨ الي العام ٢٠٠٣، والحزب كما هو معروف كان أكثر تطرفاً وامتهاناً للثورية الغائية في إدارة المجتمع والدولة، الأمر الذي يدلل وعلى وفق رؤى المؤامرة وبافتراض وجودها أن العراق مجتمع يراد له أن يبقى فيأزمات متتالية حتى وضعه البعض من المؤمنين بهذه النظريات ضمن هلال أزمات هو في وسطها، عامل تحريك وضبط في غالب الأوقات، ومع هذا وإذا ما تركنا تلك الآراء وتجاوزنا مسألة المؤامرة التي يصعب تجاوزها في أحيان كثيرة، فعلينا أن نضع بديلاً للتفسير هو أن النظم الثورية، لم تضع الأشخاص المناسبين في الأماكن المناسبة، وبالتالي فشلوا في التعامل مع جل أزماتها ولم يتحسبوا للمستقبل الذي لا يخلوا بطبيعة الحال منأزمات، وخير مثال على هذا هو النفط الذي وعبر تاريخه الطويل منذ اكتشافه والى اليومه و في أزمات تصدير وتسعير حتي صار سلعة دولية تتحكم به قوى العرض والطلب وأمور أخرى تسعى الى تكوين أزمات لأغراض سياسية. ورغم هذا الوضوح فإن العراق الثوري في زمن البعث كان أول من يتأثر بأزمات النفط حتى قال صدام آنذاك قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق متهما الكويت ودول الخليج بافتعال أزمة أسعار نوه فيها أن العراق يخسر مليار دولار في كل دولار تهبطه من السعر العام.

انها تجارب أزمات رغم تكرارها، لم يتحسب لها ساسة البلاد، خاصة ما بعد صدام، الذين أبقوا النفط وكأنه سلعة تباع في دكاكين، إذ لم ينشئوا معامل تكرير للاستثمار، ولم يستغلوا الغاز المصاحب للمعاونة ولم يدخروا الفائض عند ارتفاع الأسعار، ولم يضبطوا النظام الضريبي للمعاونة وقت الأزمات ولم يمسكوا الحدود للسيطرة على الجمارك أحد المداخيل الإضافية للتخفيف، ولم يطوروا نظام الزراعة للاكتفاء الذاتي وتحمل الضغوط، أبقوا البلادهكذا تتنقل من أزمة الى أزمة، يتعاملون معها بحلول ترقيعية، يعبرون بها الى الضفة الأخرى بخسائر يمكن تحملها آنياً دون التفكير بأثرها على المستقبل. وهكذا صرنا نفعل فيآخر أزمة هبوط لأسعار النفط، إذ بدأت تظهر حلول ترقيعية، وهي وان كانت لازمة للعبور، وان استطاعت أن تعين في عملية عبور ناجحة، فإنها ستترك للمستقبل آثاراً يصعب تحملها. وهكذا يصح القول، بتنا من أزمة الى أزمة، والى أن تنتهي الأزمة لا نملك سوى الدعاء أن يعيننا الله على عبور الأزمة. 

د.سعد العبيدي

26/4/2020