عندما يتقابل خصمان في أرض المعركة يتجه كل طرف الى استخدام ما يملك من قدرات للتأثير على الطرف المقابل له في الساحة، بغية فرض الارادة، لكن الحرب وخطط التقابل تقتضي أحيانا استخدام جزء من القدرات لحسابات الاطالة أو الاقتصاد بالجهد أو المناورة.لكننا وفي قتال مثل الذي يجري الآن في الموصل بين القوات المسلحة العراقية وعصابات داعش، لا نعتقد أن الأخيرة تسير على وفق هذا المفهوم الواضح للاقتصاد أو المناورة إذلجأت أولا الى قبول معركة الموصل مواجهة مع قوة مقابلة تتفوق عليها كثيراً، وحسبت ونفذت أعمال تعويق لتأخير اقتحام المدينة لم تكن مجدية كما كانت تتوقع أو تريد.

ان نتائج القتال تؤشر أن القوات المسلحة العراقية فرضت موقفاً تعبوياً لم تدع فيه مجال الداعش سوى قبول معركة تدرك احتمالات خسارتها بنسب عالية وتعي تماماً أنها ستكون الأخيرة في سلسلة معارك المدن، وأجبرتها على استخدام كل القدرات البشرية والمادية المتاحة. وانها أي القوات المسلحة العراقية في الأسابيع الثلاثة الماضية ضربت بقوة حتى أفقدت داعش جزء من قدراتها النفسية والاعلامية التي كانت تتمتع بها قبل سنتين من الآن.ولنأخذ في هذا المجال مثالاً من أرض الواقع عن انتاجات داعش الفديوية الاخيرة التي وعند تسليط الضوء عليها يتبين أن أغلبها مفبرك وبطريقة فنية ساذجة، فالملابس العسكريةمختلفة والاسلحة التي يحملها الجنود متباينة والطفرات في التصوير والمنتجة ليست متجانسة.

ان الانحدار الفني والنفسي الداعشي يعود في الغالب الى أمرين رئيسيين أو كليهما معاً.يتعلق الأول بالجوانب المادية حيث فقدان داعش المحتمل لفنيين كانوا غالبا من الذين يعيشون في الدول الغربية وتعلموا في المدارس الأوربية وأتقنوا فنيات الصوت والصورة وحسبوا تأثيراتها وعند التحاقهم بصفوفها وظفوا هذه المعرفة لصالحها، وبسبب تعرف العالم على طبيعتها عصابات قاتله والتضييق عليها انقطعت امدادات التجنيد لفنيين جدد يعوضون الذين قضوا في المعركة فتكونت بسبب هذه الخسائر ثغرة يصعب ردمها.

ويتصل الثاني بطبيعة المعركة وشدة الضغوط التي تتعرض لها داعش وأفرادها في الميدان حيث صعوبة توفير الوقت والظروف الملائمة للإنتاج الفني أو أنها في وضع لا تجد فيه مجالا لإنتاج الجديد فلجأت الى تجميع لقطات وفبركتها لاعداد أفلام تدعي فيها موضوعاً تريد أن تسوق من خلاله هدفاً.

ان هذا التردي في جانب كانت داعش تتفوق فيه يسمح لنا بالقول أنها فقدت زمام المبادءةوانها الآن تقاتل مرغمة عن مدينة يناصبهم أهلها العداء، وان لها غايات لا علاقة لها بالإسلام وحكم الخلافة، وانها محصورة وقد استنزفت ماديا ومعنوياً ولم يبق لها مجال حتى للفرار.

ويسمح بالقول أيضا أنها الآن في الرمق الأخير وان معركة الموصل ستخرجها من المعادلةوتسقط وجودها أداة بيد الغير لتدمير الدول والشعوب وان الوقت القادم لا يسعفها لفبركةالكلام.

12/11/2016