حوار مع جريدة الوفاق الإسلامي


اثنان ثلاثون عاماً عمر النظام الحاكم في العراق، اتسمت العشرة الأخيرة منها بشدة التدمير، وشموليته لكل معالم الحياة في المجتمع العراقي، ففي الجانب السياسي عزلة للعراق، وتحديد لحركته، وتقويض لمصالحه الإقليمية والدولية، وفي الجانب الاقتصادي تدمير لبنى الاقتصاد العراقي، وتدني لمستويات العيش دون حدود الفقر للفرد والعائلة العراقية، وفي الجانب الاجتماعي تخلخل لميزان التجانس الاجتماعي، وأفول لدور الطبقة الوسطى، واضطراب لمعايير القيم السائدة، وفي الجانب العلمي نقص بالمعلومات، وإفراغ للساحة الأكاديمية العراقية من خيرة علمائها، وتخلف وراء الركب العالمي لعشرات السنيين، وغيرها معالم تخريب، أيا كانت دوافعها:

مقصودة ! أم بفعل أخطاء الإدارة وجهلها !

جميعها أفعال كانت كافية لاتساع قاعدة المعارضة العراقية التي امتدت جذور البعض من فصائلها لنصف قرن مضى أو أكثر، وبرز البعض الآخر على السطح في العشر سنوات الأخيرة، باتجاهات متعددة، وقدرات مختلفة، ومناحي فكرية متنوعة، وفعل تأثير في واقع الأزمة " العراقية " يدفعنا نحن العراقيين إلى مناقشته بين الحين والآخر، والاستفسار عن بعض جوانبه، رغبة منا بالتعرف على كل ما يتعلق به موضوعا لا يهمنا كمعارضة منظمة فقط، بل ولعموم العراقيين وكذلك لحاضر العراق ومستقبله، وهذا دافع أكسبنا حق التفتيش بين الآراء والأفكار ذات الصلة به "الفعل المعارض"  والمقترحات المطروحة لإنعاشه، فعلا قابلا للتأثير في عملية التغيير وإعادة بناء العراق الموحد.   

وما دمنا كذلك التقينا الدكتور سعد العبيدي الناطق الرسمي للائتلاف الوطني العراقي لنحاوره فيما يتعلق بتصور قدمه الشيخ جمال الوكيل لمعنى (التكامل) في العمل المعارض نشره في هذه الجريدة بعددها الصادر يوم 28/10/2000 . 

وكانت بداية الحوار وقبل أن نسأل عن مفهوم التكامل للعمل المعارض توجها مباشرا إلى الدكتور سعد للاستفسار عن التقييم الأكاديمي للعمل المعارض في هذه المرحلة الزمنية ؟ وفي إطاره أجاب:

ينظر الناس العاديون إلى نتائج الأعمال "أي محصلة الفعل النهائية" دون الحاجة إلى تقييم العوامل والمتغيرات التي كوّنت تلك المحصلة، وقد يسلك عديد من السياسيين غير المحترفين هذا المسلك، ويضعون أنفسهم والعاديين في خانة التفتيش عن النتائج التي تحرجهم طرفا في صياغتها، لكن الواقع من وجهة النظر الأكاديمية  مختلف بعض الشيء، وتقييمها " الأكاديمية " للعمل في عديد من الأحيان لا يتأسس على النظرة المجردة لنتيجة الفعل أو الجهد المبذول في مجاله أو ما يسمى بالنهاية فقط، بل ولعوامل أخرى تتعلق ببعض جوانبه أيضا، ولو أخذنا تغيير نظام الحكم الحالي في العراق مثلا لتحليلنا هذا نجد أنه هدف ينظر العراقيون غير السياسيين، والسياسيون غير المحترفين إلى تقدير الفعل اللازم لتحقيقه من زاوية واحدة قوامها  مدى تحقيه للنتيجة "التغيير" وهذا تقدير غير دقيق يؤدي إلى نتائج غير صحيحة من ناحية، وإلى إجحاف حق المعارضة العراقية وجهودها في الوصول إلى ذلك الهدف من ناحية أخرى.

ومن تقديراتهم لفعل التغيير واستنتاجاتهم بصدده على سبيل المثال:

* إن فعل التغيير لم يحدث في العشر سنوات "وبذا يكون النظام قويا"، ولا يمكن أن ينتهي في المنظور القريب!

* إن صدام ما زال جاثما على صدورنا، وعليه فإن المعارضة ضعيفة وغير قادرة على تنفيذ فعل التغيير!

* إن الأمريكان لم يطيحوا صدام حتى وقتنا الراهن "لأنهم معه" ويدعمونه في مقاومة فعل التغيير !

....... الخ من تقديرات واستنتاجات، لا يكون النظر إليها من زاوية النتيجة فقط منصفا، بل ويحتم المنطق أن ننظر إليها نظرة كلية أو من زوايا متعددة، وفي مثالنا عن التغيير لا يمكن أن نستثني عند الاستنتاج عوامل بينها:

البيئة التي يفترض أن يتم فيها الفعل.

والأدوات المتيسرة لإنجازه.

ونسبة أو مقدار الإنجاز في مجاله.

وفي البيئة نرى أن النظام يمتلك هيكلا صلدا، أعضاؤه وسائل إعلام مركزية تحرف فعل  التغيير، وأجهزة أمنية وقوات مسلحة تقلل من شدته، وخزينة مفتوحة تعزز وسائل الدفاع عنه، وفرص لتأمين مصالح الغير يمكن أن تؤجل حدوثه ... الخ. 

وبالنسبة للوسائل "المعارضة" ففي توجهها نحو التغيير لا تمتلك من أدوات إلا الروح الوطنية، والدعم الشعبي النسبي، والتأييد الدولي البسيط ، والتنظيم العسكري المحدود، وأفكار متفرقة، لم تكن كافية إلى يومنا هذا لإتمامه "فعل التغيير" لكن هذا لا يعني، أنها لم تفعل شيئا باتجاه التقرب إلى نتيجته "نسب الإنجاز"، بل وفي إطاره نلمس الكثير من المحطات التي تجاوزتها في مسافة الطريق إلى النتيجة المطلوبة، وهي محطات أصبح العراقي بعد اجتيازها منتقدا  للنظام في الأماكن العامة، وبات العراقي ساعيا لتدمير النظام من داخل وسائل ضبطه، وأضحى الراغبون بالانتظام في الصف المعارض في تزايد ... الخ، وهذا يعني أن عوامل التعرية الخارجية والداخلية التي يمكن أن تدمر جسم النظام قد زادت شدتها وتعددت اتجاهاتها ، وهي بمجملها  عوامل تحتم الرؤية العقلانية لموضوعها، أن نحسبها محطات على الطريق يقربنا اجتيازها تدريجيا من النتيجة المطلوبة، ويدفعنا المنطق أن نحسبها جهدا للمعارضة العراقية في تقديرنا لفعل التغيير الذي لم يكتمل بعد.

س. ثلاثون سنة من المعارضة، عشر منها اتسعت فيها القاعدة المعارضة، وزادت فيها شدة التأثير وتعددت الأدوات، ألم تكن كافية لإتمام فعل التغيير؟  وإذا ما كانت كذلك نود أن نسأل عن الأسباب التي حالت دون ذلك ؟

إن التغيير محصلة لتفاعل عدة عوامل لو حسبناها على أساس الرياضيات سيكون: 

التغيير = ( دفاعات النظام × جهد المعارضة × الظروف المحيطة محليا وإقليميا ودوليا ).

وبتفصيل أكثر نجدها عوامل متعددة ومتشعبة ومتداخلة فبالنسبة لما يتعلق منها بدفاعات النظام مثلا نرى أن للنظام أجهزة أمنية يفوق تعدادها أي دولة في العالم ويخصص لها ثلث ميزانية الدولة، ولديه تشكيلات عسكرية مختلفة ينفق عليها ثلث الميزانية أيضا، ويمتلك أجهزة إعلام، وقنوات دبلوماسية ... الخ × جهد المعارضة الذي يحسب على أساس المعارضين المنتمين، والعمليات التي تقوم بها التنظيمات المعارضة في الداخل، والإعلام المعارض، والتحرك السياسي المعارض، والفكر المعارض، والوعي المعارض، ومستوى النضج في السلوك المعارض، وكذلك علاقات المعارضة، وأمراض المعارضة .... الخ × الظروف المحيطة على المستوى المحلي ذا الصلة بطبيعة الإنسان العراقي، وتركيبة المجتمع العراقي، وخصائص الحاكم، وظروف العيش وغيرها، وكذلك بالموقف الإقليمي أي بمدى رغبة الدول المحيطة بالتغيير واستعداداتها لدعم المعارضة العراقية لتحقيقه أو رفضها له ، ومن ثم وضع العراقيل التي تحول دون إتمامه، وبالموقف الدولي الذي يتحدد في معظمه بمصالح الكبار ومقدار ما يحققه النظام الحالي من تأمين لها أو ما يمكن أن يتسببه التغيير من خسارة لها أو تعزيز تأمين لبعضها.

ومن هذا نرى أن فعل التغيير في الأزمة العراقية ينتج في محصلته النهائية من عوامل، ومصالح، وأوراق لعب في ساحة مفتوحة، يتحرك فيها الجميع، وهامش حركة أي لاعب من بين الجميع مرهونة بحركة الآخرين فيها وبقدرته على تسجيل النقاط في عقول اللاعبين، وكذلك في أذهان المتفرجين خارج الملعب. إنه تشابك وتعقيد يجيب بشكل غير مباشر على السؤال الخاص بتأخر حدوث فعل التغيير.

س. طرح الشيخ جمال الوكيل مفهوم التكامل للتعامل مع واقع العمل العراقي المعارض الذي وصفتم بعض جوانبه بإيجاز، ونود هنا أن نسأل عن طبيعة هذا المفهوم في العمل السياسي، وعن مدى ملاءمته لواقع المعارضة في الوقت الحاضر؟

التكامل في اللغة العربية مصدر ( تكامل يتكامل تكاملا ) ويعني بلوغ الشيء أو الموضوع أقصى الدرجات المطلوبة لاكتماله "أي لإنجازه" ويعني ضمنا تضافر عدة عوامل لإنجاز الموضوع المحدد أو الشيء المطلوب. 

وفي السياسة يعبر عن الجهود متعددة الجوانب التي تتخذ لإخراج عمل ما بالصيغة الأقرب إلى المطلوب، وهذا يعني أننا لو ألقينا نظرة على أي عمل من الأعمال أو أي فعل من الأفعال في محيطها، نجد أن العوامل المؤثرة فيه متعددة، وبالتالي فإن جهود إتمامه ربما تتأتى من نواح مختلفة يكمل بعضها البعض، هذا ولو عدنا إلى موضوعنا " فعل التغيير" وحسبناه على أساس المعادلة الرياضية المذكورة نتلمس أن عامل المعارضة فيها ولكي يكون مؤثرا في عملية التفاعل مع عوامل المعادلة الأخرى يتطلب جهدا عسكريا "عند الحاجة" للسيطرة على مفاصل الدولة وأجهزتها المهمة وكذلك لتحييد قوات النظام الخاصة ومنعها من المقاومة والتأثير على فعل التغيير، وجهدا إعلاميا لتوفير فرص أفضل للتأثير في العقل المتلقي عراقيا كان أم عربيا أو حتى أجنبيا، وجهدا نفسيا لتوسيع قاعدة القبول والتأييد وكذلك لتقليص قاعدة الرفض والمقاومة عراقيا .... الخ من جهود لا تتيسر عند فصيل واحد من فصائل المعارضة، علية يصبح الجهد الإعلامي الموجود عن الفصيل ( أ ) مكملا للجهد العسكري الموجود عند الفصيل ( ب )، والأخير مكملا للجهد السياسي الذي يتقنه الفصيل ( ج ) وهكذا يصبح عامل المعارضة في معادلة التغيير متكاملا بحدود قادرة على التأثير في العوامل الأخرى وإنجاز فعل التغيير. 

أما ما يتعلق بالشق الثاني من السؤال الخاص بمدى ملاءمته "التكامل" لعمل المعارضة العراقية، فنستطيع القول أنه تصور يعد الأكثر ملائمة لعملها، إذ أننا لو تفحصنا عموم قدرات المعارضة العراقية ذات الصلة بفعل التغيير نجد أن لبعض  فصائلها حضور في الداخل وقدرة للتقليل من كفاءة أجهزة النظام في الوقت المناسب كركن من أركان فعل التغيير المذكور، ونجد عند الأخرى تنظيمات عسكرية ومليشيات مسلحة قادرة على تقديم العون لشل قدرات أجهزة النظام الدفاعية عند الحاجة كأحد جوانب فعل التغيير، ونجد عند الثالثة اختراق لأجهزة الحكومة الأمنية والإدارية قادر على توفير المعلومة اللازمة لصياغة وتوجيه فعل التغيير، ونجد عند الأخرى حضور بين ضباط الجيش العراقي وضباط صفه كأدوات مهمة لفعل التغيير، وعند الخامسة علاقات جيدة مع قوى دولية وإقليمية وحضور سياسي يؤهلها لمناقشة المصالح والخيارات ونقاط التقاطع والاتفاق مع المعنيين وأصحاب النفوذ المهمة لصياغة وتوقيت فعل التغيير، وعند السادسة مفكرين وباحثين واختصاصيين قادرين على تهيئة المجتمع العراقي لقبول شكل التغيير، وغيرها عوامل لو وضعناها على طاولة البحث نستنتج أن أي فصيل من الفصائل المذكورة يتميز بقدرات خاصة لوحدها غير كافية للتأثير على العوامل الأخرى في المعادلة وإنجاز فعل التغيير،  ونستنتج أيضا أن تلك القدرات والإمكانات لو وضعت مع بعضها البعض ستؤدي ليس لنجاح فعل التغيير فقط، بل وتحديد شكل نظام الحكم الملائم للعراق مستقبلا، وبأقل ما يمكن من الخسائر.

س. أكد الشيخ جمال في حركة الوفاق الإسلامي على صيغة التكامل في عمل المعارضة وتؤكدون في الائتلاف الوطني العراقي على وحدة فعل المعارضة، هل يمكننا القول أنهما يؤديان إلى نفس الاتجاه ؟ أم على العكس من ذلك يثيران نقاط خلاف جديدة قد تضاف إلى أخرى موجودة ؟

التكامل وكما أشرنا إليه يصف الجوانب التي تهيأ للقيام بالفعل أو التي تؤدي إلى الفعل بصيغته النهائية، فهي والحالة هذه صيغة للعمل يتم من خلالها تنسيق الجهد المعارض وتوجيهه باتجاه زيادة فاعليته في معادلة التغيير، ولو أخذنا مثلا لتوضيح هذا المعنى يتعلق بما سمي بالحصار الذكي "أي تحديد حركة المفاصل العليا للنظام" كبديل للحصار الشامل وكيفية توظيفه إيجابيا للعامل المعارض في التغيير، وهذا عمل وعلى ضوء مفهوم التكامل يمكن أن تنجز بعض منه تلك الفصائل التي تمتلك علاقات جيدة مع الدول ذات النفوذ بالمنطقة من خلال طرحه مطلبا في كل اجتماعاتها معهم، وتنجز بعضه فصائل لها حضور في الشارع الأوربي تتظاهر أمام المنظمات الدولية مطالبة بإقراره، وتنجز بعضه أيضا فصائل أخرى لها حضور في الهيئات البرلمانية والإنسانية الدولية تطالب بتحقيقه، وتنجز بعضه الآخر فصائل بأسلوب الكتابة عنه في وسائل إعلامها والأجنبية لتكوين رأي عام عالمي ضاغط باتجاه تحقيقه، وهكذا نجد أن كل جهد يكمل الجهد الآخر باتجاه تحقيق الفعل المطلوب الذي يسهم بقدر معين في زيادة شدة التعرية وإنجاز فعل التغيير.

أما بالنسبة إلى وحدة الفعل المعارض التي يؤمن الائتلاف الوطني العراقي بضرورة تحقيقها فهي لا تختلف كثيرا عن مفهوم التكامل الذي أشرنا إليه إلا في كونها تمثل  الجانب التنفيذي لتلك العملية، وهي صيغة عمل يأمل الائتلاف تحقيقها يكون في إطارها التنسيق والتشاور وتبادل المعلومات بين فصائل المعارضة العراقية على مستوى عال من التنظيم، الذي يقود بالتدريج إلى التنفيذ المشترك أحيانا لبعض أنواع العمل الذي يعزز العامل المعارض في معادلة التغيير ويزيد من شدة تأثيره في التفاعل مع العوامل الأخرى باتجاه التسريع بإنجاز فعل التغيير.

س. بضوء ما تم ذكره نتلمس أن التكامل ووحدة الفعل رؤية واقعية لعمل المعارضة العراقية، لكننا نرى وعلى ضوء تجاربنا السياسية في العمل المعارض أن تنفيذها على أرض الواقع مشكلة ليست سهلة، وهنا نود أن نتبين الكيفية التي ترونها مناسبة للبدء بخطوات التنفيذ؟

إننا نرى في الائتلاف الوطني العراقي أن من بين المشاكل الرئيسية في ساحة المعارضة العراقية تركيز الجهد المتيسر لبعض الأحزاب والحركات المعارضة لخدمة ذلك الحزب أو تلك الحركة أو ما يسمى بالذاتية، الأمر الذي قلل من جهدها المخصص لخدمة العراق "التغيير" أو جعله غير كافيا لتحقيق فعل التغيير.

ونرى أيضا أن البعض من الحركات المعارضة تطرح فكرا في غالبيته تركيز على خصوصيتها في التعامل مع الواقع العراقي سواء على مستوى الأسلوب المناسب للتغيير أو على مستوى النتيجة المطلوبة من فعل التغيير.

ونرى كذلك أن هناك من أصيب بما يسمى الثقة المفرطة بالنفس عندما يعتقد أنه الفاعل الوحيد على الساحة ويبدأ بالتصرف على أساسه هذا.

وغيرها من أوجه السلب والقصور التي تعطينا صورة غير صحيحة للمعارضة العراقية تبرز على سطحها الألوان غير المتجانسة، والاجتهادات غير المتسقة، وهي صورة تزداد تشويها عندما يتبنى البعض من الحركات أو التيارات اجتهادا في التعامل لا يعتقد بصحته فقط ، بل يضن أنه الاجتهاد الوحيد من بين الاجتهادات المطروحة من حيث الصحة وإمكانية التنفيذ، وتزدادا سلبيته عندما يكون الاعتقاد متطرفا يدفع التيار المعني إلى تعميمه فكرا أو مادة أساسية للتثقيف والتعامل مع الأزمة العراقية على حساب الجهد الفكري العام لتحقيق فعل التغيير، وهكذا ضاعت الشمولية الوطنية لتحل محلها المحدودية الذاتية، وضاع مبدأ حشد الجهد لحساب تشتت الجهود المتيسرة لتحقيق فعل التغيير، وتلك من بين العوامل التي حالت دون تحقيق مفهوم التكامل وأخرت كثيرا إنجاز فعل التغيير. 

أما ما يتعلق بالتنفيذ أو كيفية التعامل لتجاوز هذا الواقع والوصول إلى صيغة التكامل فإننا نعترف أنها مسألة صعبة ومهمة في ذات الوقت حتى أننا في الائتلاف وضعناها ضمن أهدافنا التعبوية، ونراها ممكنة التطبيق والنجاح فقط عندما لا يكتف الجمع المعارض بالاعتراف بها، بل وفي السعي للبدء في التعامل مع موضوعها فكريا وسلوكيا.

ونقصد فكريا أن تسعى الفصائل المعارضة لقبول مفهوم التكامل صيغة كفيلة لضمان الوصول إلى أهدافها العامة بأسرع وقت ممكن وقبولها يتأسس على تبني مفردات فكر حول التكامل يكون أساسا لتثقيف الكوادر والأعضاء المنتمين لتلك الفصائل، يدفعهم إلى العمل بمقتضاه على كافة المستويات.

أما فيما يتعلق بالسلوك وفي مجاله نرى أن يتوجه قادة المعارضة أولا إلى تطبيق المفردات الفكرية للتكامل عمليا، أي أن يتجهوا لاتباع سلوك (المشاركة، الإلفة، التواد، التسامح، التضحية، الغيرية، التعاون) كمقومات لروح التكامل يثبتوا من خلالها أن الأهداف التي يودون تحقيقها يتعاملون في الطريق إليها بأسلوب يسهل الوصول، وهذا عند تحقيقه سيكون عاملا يُثْبِت لقواعد المعارضة، وعموم العراقيين جدية العمل من أجل تحقيق الأهداف المطلوبة، ويحفزهم للمشاركة الأوسع في إنجازها، عندها فقط تكون المعارضة العراقية قد حصلت على المادة العقلية "الفكر الموحد" اللازمة لتوجيه السلوك القادر على تحقيق الفعل المطلوب.    

س. التكامل ومن خلال العرض يتبين أنه مفهوم يتناسب والرغبة الجادة لعموم الفصائل العراقية المعارضة في الالتزام به وسيلة لتحقيق الأهداف العامة، ويتبين أنه أحد شروط نجاحها في الوصول إلى تلك الأهداف، ويتبين في ذات الوقت أن تحقيقه عمليا مسألة ليست سهلة، وإن تطبيقه بحاجة إلى آليات خاصة، فما هي في تقديركم الآليات المناسبة لنقل هذا المفهوم من حيز التفكير إلى أرض الواقع؟   

إن التكامل إذا ما تم استيعابه بتجرد، وإذا ما تم الالتزام به بصدق، يكون السبيل الأمثل لتجاوز بعض الثغرات في العمل المعارض، ويكون القاسم المشترك لتنفيذ مبادىء العمل المعارض فحشد الجهد باتجاه فعل التغيير "أحد هذه المبادىء" في ظروف التبعثر الحالية لا يتم إلا عن طريق التكامل، وإدامة زخم العمل المعارض "أحد المبادئ" في ظل الإحباط الحالي لا يمكن تحقيقه إلا عن طريق التكامل، وهكذا بالنسبة للمبادئ الأخرى، من هنا نبدأ في تحديد الآليات المناسبة لتنفيذ هذا التصور:

أولاها الاقتناع بصحة وضرورة الالتزام به سبيلا مناسبا، وإذا ما تمت هذه الخطوة المهمة فكريا، يصبح تنسيق العمل في المستويات القيادية لفصائل المعارضة آلية من الآليات.

ويصبح تفعيل اتجاه التيارات لفصائل المعارضة العراقية الذي يكون فيه القوميون تيار، والإسلاميون تيار، والأكراد تيار، وهكذا لمستويات قد تتقلص فيها التيارات ليكون الإسلاميون جميعا تيار وغيرهم الوطنيون تيار، وهذا طبعا يسهل كثيرا تحقيق مفهوم التكامل ومن ثم وحدة فعل المعارضة.

ويصبح إيجاد قواسم مشتركة للعمل المعارض مثل المهرجانات المشتركة، والاستعراضات المشتركة، ومراكز البحوث المشتركة، وربما وسائل إعلام مشتركة من بين الآليات،  وهكذا.

وأخيرا أو قبل أن ننهي حديثنا ينبغي التنويه أنه وإن كان التنظير مهما في مجال التكامل، فإنه مفهوم يعتمد تطبيقه على طبيعة السلوك الإنساني الذي يحوي في داخله شوائب مثل الأنانية، والذاتية، والاستعراضية، والانتهازية، والعظمة التي ينبغي أن تكون مقاديرها قليلة عند المعارضين وقليلة جدا عند قادتهم لكي يعملوا بمفهوم التكامل، والذي يحوي أيضا الوطنية، والإيثار، والعطاء، والتضحية التي ينبغي أن تكون مقاديرها كثيرة عند المعارضين وكثيرة جدا عند قادتهم ليسعوا إلى أهدافهم على أساس التكامل. 

تلك خصائص متناقضة في النفس البشرية لو تابعنا وجودها بشكل دقيق نجد تناقضاتها أشد حدة عند الشعوب الأقل تحضرا، أي أن شدتها تتناسب تناسبا عكسيا مع التحضر، وهذا يعني أن التكامل في العمل المعارض مفهوم يرتبط بمستوى النضج الحضاري للعمل المعارض، وهذا مفهوم بحاجة هو الآخر إلى مزيد من الإيضاح .