حكومة صدام


كانت آخر علامات الظهور لبعض مسئولي حكومة صدام في بغداد يعود إلى الثامن من نيسان الجاري حيث التواجد المشهود لوزير الإعلام محمد سعيد الصحاف بين جمع من الصحفيين قرب فندق فلسطين مرديان وبهيئة يبدو فيها أقرب للتوتر والارتباك، والرغبة الملحة لترك المكان منه إلى الهدوء والاستقرار، رغم محاولته إخفاء ذلك بتأكيده السيطرة على الموقف وبثقته العالية في قيام فدائيوهم بذبح الحلفاء (العلوج كما كان يحلوا له تسميتهم).

لكن الموقف تطور في بغداد سريعا بعد عصر ذلك اليوم، عندما أعلن الحلفاء قصفهم مكانا في المنصور يعتقد أن صدام وأولاده وبعض من قيادته كانوا يعقدون اجتماعا فيه، وإنهم لم يرصدوا مغادرة أحد منهم ذلك المكان بعد إانتهاء القصف.

ومع شدة القصف المنوه عنه أمريكيا كانت هناك أحداث تمثلت بدخول قوات مدرعة للحلفاء إلى بعض مناطق الكرخ في بغداد، واستمرت في تواجدها بل ووسعت من مساحة ذلك التواجد على العكس من الأيام السابقة التي دخلت فيها مناطق اليرموك، والقادسية، والرضوانية، وانسحبت منها في عملية استطلاع بالقوة لتقدير ردود فعل المدافعين وحجم قوتهم النارية من جانب، وتكوين نوعا من الصدمة النفسية بين جموعهم من جانب أخر.

كان ذلك اليوم الأهم في معركة بغداد إذ توقف البث الإذاعي والتلفزيوني بشكل كامل، وأنقطع التيار الكهربائي في عملية قصف تبدو هي الأخرى مبرمجة من قبل الحلفاء بقصد زيادة حجم التأثير النفسي على المدافعين والسكان المدنيين في المدينة، بعد أن أمنوا بذلك القطع المفاجئ تعزيز الشعور بالعزلة بين القيادة وباقي المقاتلين في الوقت المناسب، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار إنهم كانوا قادرين على فعل ذلك منذ الأيام الأولى للحرب إذا ما وضعوه من بين أولويات خطتهم للقصف الشامل وفقا للأسبقيات.

وفي ذلك اليوم أيضا أعطيت إشارات إلى الإعلام المنحاز إلى النظام بأن الحلفاء باتوا على أرض بغداد وفي وسطها حيث القصف المشكوك في أمره ( لم يتم التأكد من كون القصف متعمدا ) على مكتب الجزيرة وأبو ظبي، ومقتل أحد مندوبي الجزيرة، كذلك على فندق فلسطين الذي يتواجد فيه الصحفيين، رافق ذلك سيطرة كاملة على معسكر الرشيد، وقاعدته الجوية جنوب بغداد، ومن ثم الدخول إلى معظم المناطق السكنية في الكرخ قبل الضياء الأخير، وإنزال قوات خاصة في بعض مناطق الرصافة بعد ساعات من ذلك، ومن بعدها وفي نفس الليلة عبور جسر ديالى إلى الشرق من بغداد، وأخرها الدخول المكثف إلى مدينة الثورة. 

كانت الأمور تسير بسرعة غير اعتيادية أو على العكس مما كانت تخطط له حكومة صدام أو تتوقعه، وبسببها بدأ المسئولون الحكوميون بعد الساعة 2000 من نفس اليوم بالتسرب من أماكن تواجدهم التي حددت لهم كدفاعات داخل المدينة والتسلل على الخلف.

إن التسرب الكثيف للمسئولين مع تلك الساعات الحرجة قد حصل على الأغلب نتيجة لفقدان الاتصال مع المستوى القيادي الأعلى الذي أستشعر ضربة المنصور، أو تلمس فقدان الاتصال بالموجودين في مكانها. الأمر الذي كون حالة نفسية مضطربة، أشتد فيها الخوف، وكثرت الإشاعات وتحورت الأفكار التي باتت تدفع العقل (بالنسبة إلى المدافعين المرهقين) لأن ينحو إلى التقرب باتجاه الخلاص من الضغوط التي يعيشون في ظلها، وتبرير التوجه لتحقيقه فورا، إذ عادة ما تبدأ أفكار محددة تتنطط في العقل البشري في مثل هذه المواقف والظروف منها على سبيل المثال:

لا فائدة من الاستمرار.

إن العدو بات قريبا منا ولا أمل بالنجاة.

أين قيادتنا.

لقد هرب المعنيون وتركونا وحدنا.

ثم تتطور تلك الأفكار سريعا جدا إلى مرحلة أخرى تقرب من اتخاذ قرار بالهرب (التسرب إلى الخلف) منها مثلا:

أين ستذهب عائلتي.

الميت في هذه الحرب هو الخاسر  أو كما يسميه المقاتلون في الميدان ( الطايح رايح ).

النجاة أولى من الموت.  

 وهكذا يستمر العقل بإنتاج الأفكار في ظل ضغوط الخطر المتصاعدة، تنقله إلى المرحلة الأخيرة التي يقرر فيها ترك مكانه، والانسحاب إلى الخلف بشكل فردي أو جماعات صغيرة من ذوي العلاقة الجيدة أو كما يسمى التسرب باتجاه الأهل أو المكان البديل الذي يضنه آمنا.  

هكذا كان الوضع النفسي لعموم البعثيين، وبقايا العسكريين من الحرس الجمهوري الذين خسروا دروعهم، وانسحبوا إلى داخل بغداد قبل أيام من دخولها من قبل الحلفاء، وكذلك لمنتسبي جيش القدس، وغيرهم من فدائيي صدام ..... حال نفسية هشة، وقلق تتصاعد شدته، وقبول لكل الإشاعات التي باتت تسري بين الجموع بسرعة عالية يتعلق قسم منها بالقيادة واختفائها المفاجئ، والقسم الآخر بتواجد جند الحلفاء قريبا من المكان.

بعد تلك الساعة أو نهاية يوم الثامن من نيسات أصبح الوضع عصيا على التحمل، وغير قابلا لتنفيذ الأوامر. عندها ترك الغالبية العظمى من الحزبيين، والمليشيات، والعسكريين أماكنهم وتوجه كل منهم إلى منطقة سكناه أو عند قريب له، ومن لم يجد له قريبا خلع بدلته العسكرية وأرتدي مدنية وتوجه مشيا إلى خارج بغداد على أمل الحصول على واسطة نقل تقله إلى الأهل بعيدا عن ضغط المعركة وأخطارها. عندها باتت بغداد خالية من القوة اللازمة للدفاع عنها، وأصبحت ساقطة من الناحيتين العسكرية والنفسية.

في اليوم الثاني أي 9/4 زاد الحلفاء من سرعة انتشارهم في بغداد فدخلوا عموم مدينة الثورة، وعبروا الجسور من الكرخ إلى الرصافة، وساعدوا جمهور الشباب لإطاحة أكبر تمثال لصدام في ساحة الفردوس على مرأى من وكالات الإعلام العربية والأجنبية، ولم يكتف بعضهم بالإطاحة فقط، فعملوا على أقتطاع رأسه ومن ثم سحله بسياراتهم تعبيرا عن الغضب وتنفيسا لمشاعر العدوان، فكان اقتلاع وسحل لرمز السلطة الشاملة للخوف شكل إيذانا بسقوط الحكم البعثي في العراق.

لقد سقطت بغداد ونظام الحكم في آن معا فتفاجئ الساسة والمحللون، وجمهور الشارع العربي وكذلك الإعلام بسرعة السقوط حتى لم يصدق أغلبهم وهم قد وضعوا في مخيلتهم أن بغداد ستقاوم أشهرا، بعد تأثرهم بدعاية النظام السابق، وبمواقف المحللين غير المحايدين، والتأمل بضوء الرغبات اللا شعورية في استمرار العراقيين بالمقاتلة نيابة عن الغير.   

ومفاجئتهم هذه أثارت العديد من الأسئلة والاستفسارات عن هذا الانهيار، والأهم من بين تلك الأسئلة ما يتعلق بمصير القيادة البعثية!

هل قتلت بالفعل؟ أم اختفت؟

أم أنها تناور من أجل إعادة تنظيم دفاعاتها، والشروع بحرب عصابات لمرحلة مقبلة؟

وهذه أسئلة ومعالم تعجب تحتاج الإجابة عليها بشكل معقول إلى معرفة جيدة بطبيعة العراقيين، وبأساليب وردود فعل القيادة البعثية، وبما جرى من وقائع في هذه الحرب.

متغيرات يمكن على أساسها مناقشة كل احتمال من تلك الاحتمالات بقدر من العقلانية.

وأول تلك الاحتمالات يتعلق بمقتل القيادة حيث أشارت أجهزة الحلفاء الاستخبارية أنها تلقت معلومات أكيدة، أن صدام وولديه (قصي وعدي) ومسئولين آخرين يتواجدون في دور سكنية مجاورة لمطعم الساعة في المنصور، ورصدت ذلك بأجهزتها الفنية وبعد أن تأكدت أوعزت إلى طائرات كانت موجودة في الجو لقصفها بأربعة قنابل مصممة خصيصا لمعالجة الملاجئ والأبنية في أعماق الأرض، وبعد القصف استمرت بمراقبة المنطقة حيث لم يؤشر لديها أن أحدا قد ترك المنطقة قبل بدأ القصف الأمر الذي يعني من وجهة نظرها أن صدام وآخرين كانوا موجودين في ذلك المكان يحتمل أن يكونوا قد أصيبوا أو قتلوا، الأمر الذي يفسر اختفائهم ذلك اليوم، ويفسر أيضا هروب القيادات الحزبية، والعسكرية التي تلي في سلم المسئولية وتسربها إلى البيوت والمزارع القريبة من بغداد.

وهذا استنتاج من قبل الحلفاء لم تعززه أقاويل سرت في بغداد، وتناقلتها بعض وسائل الإعلام من أن صدام جرح جرحا بليغا، وأخلي من المكان المقصوف، وإن قصي قد شوهد في سيارته خارجا من المنطقة دون أن تتناول من كان معه من المجتمعين.

لكن هذه الأقاويل مجرد إشاعات تنشط عادة في مثل تلك الظروف السائدة، ومع ذلك وإن صحت معالم تداولها فإنها قد شكلت صدمة مرعبة للمعنيين، تسببت مع قطع سبل الاتصال والتواصل بينهم من جهة وبين صدام والصف الأول من القيادة (قصي، عدي، عزة، الجزراوي، طارق عزيز، سلطان هاشم، الصحاف) من جهة ثانية، الأمر الذي عزز أفكار عدم جدوى الاستمرار بالقتال، وقناعات ترك المكان لدى الصف الثاني من المسئولين، مما دفع العديد منهم إلى الاختفاء في منازل بغدادية أو ريفية قد هيئوها مسبقا، وهذا احتمال ينطبق على تسلسل القيادة والسيطرة في المستويات التي تلي، فتمهدت الساحة في عموم العاصمة للمهاجم أن يدخل غالبية مناطقها دون مقاومة أو بقليل منها على شكل جيوب لا تعيق من سرعة، وسعة انتشاره. 

ومع كل هذه التطورات يبقى مقتل الصف الأول يوم 8/ 4 بقصف المنصور أو في غيره من المواقف القتالية يبقى في إطار التخمينات ومعطيات الحرب النفسية، أما الصف الثاني فإن بعضهم يمكن أن يكونوا قد قتلوا في القصف المتفرق على مقراتهم التي توزعوا عليها قادة للمليشيات الحزبية، ومن تبقى منهم قد أختفوا خارج سكنهم الاعتيادي.

أما الباقين من الوزراء الذين لا يشغلون مناصب العضوية في القيادة القطرية فإن أمر توجههم للاختفاء أكثر احتمالا في ظروف شعروا بها بقوة الصدمة، وعداء الجماهير العراقية، وفي حالتهم سنشهد عمليات تسليم إلى الحلفاء بشكل ملموس تدريجيا، رغبة منهم بتفادي غضب العراقيين، واستحالة التخفي إلى أمد طويل.

يبقى الاحتمال الثالث الخاص بالتواري عن الأنظار مؤقتا، وإعادة التنظيم لقيادة حرب عصابات في المستقبل القريب، واردا حدوثه في مجتمع مثل العراق أدير بطريقة الخوف التي تركت في نفوس الجميع عداء مكبوتا قد تظهر إنفعالاته بأستخدام السلاح إذا ما توفرت شروط ملائمة لأستخدامه، ومع ذلك فإن مجتمع بهذا القدر من العداء وعدم التجانس بين القيادة والقاعدة، وفي ظروف الأرض المنبسطة والمدن الممتدة لا أمل لنجاح أي نوع من حرب العصابات وإن يؤدي حصولها إلى إعاقة خطوات البناء والإنتقال إلى النظام الديمقراطي المنشود، وتكبد المجتمع العراقي المزيد من الخسائر، كما إن المحاولات الفردية لتعكير الأمن بين الحين والآخر ستظهر وستسمر لأسابيع ، ولربما لأشهر بعد دخول بغداد يتعلق قسم منها باليأس الذي أصاب البعض من الحزبيين، وبقناعة قسم آخر بحتمية الموت الذي يدفع المعنيين إلى تفضيل الإماتة العمدية لمصدر تهديدهم بالموت.

كما تتعلق أيضا بما تبقى من متطوعين عرب، ومسلمين جاءوا إلى العراق رغبة في الانتقام من الأمريكان أو طمعا في المال، وتخفوا بعد سقوط بغداد في مساكن خاصة تساعدهم على إثارة أعمال شغب يفسرونها نوعا من الجهاد، لكنها وبوجه العموم ستكون فردية وليست ذات تأثير على سير العمليات العسكرية.

إن سرعة سقوط نظام حكم صدام حسين في العراق سوف يسهم في تعزيز خطوات الاستقرار وإعادة البناء بنسبة مقبولة، رغم ما يمكن أن يكتنف المسيرة من مصاعب يمكن عدها طبيعية في عراق تعرض للتهديم خمس وثلاثين عاما مستمرة.          

9/4/2003