عند النظر الى حال العراق بعد التغيير الذي أحدثه العسكريون عام ١٩٥٨ حيث الاطاحة بالملكية الدستورية واقامة الجمهورية الثورية بديلاً، لابد للناظر أن يؤسس في استنتاجاته على ما تحقق بالفعل أي النتائج وهي في الواقع كثيرة لا تحصى، بعضها يصنف في قالب الايجاب وبعضها الآخر يقع في خانة السلب، واذا ما وضعنا الايجاب والسلب في ميزان التقييم نجد أن الأخير يفوق الاول كثيرا حتى ان كثرته وشدته أنستنا نحن العراقيين أي ايجاب كان قد حصل وامتد حصوله الى يومنا هذا، كما أن بعض الايجاب الذي تحقق قدأفسد حصوله سياق التطبيق الثوري الذي أرست قواعده الثورة المذكورة، فإلغاء وقع العشائرية وبعض أعرافها وقوانينها مثلاً قد أعاده الثوريون بوقع أشد عندما احتاجو االعشيرة أداة أمنية رديفة، والمرأة في القانون المدني التي حققت قدراً مقبولاً المساواةوتقدمت خطوات الى الامام عاملة واديبة وزوجة أرجعتها سياقات الثورية أخيراً الىأقفاص العبودية والتفريق والسعي الى ابقائها في البيت جاهلة تخدم الرجل، والسيادةوالتأميم والتحرر من الاحلاف والاستعمار التي تغنى بها الثوريون من يومهم الى ما قبلعقد من الزمان تسببت ادارة البلاد ثورياً بأن تكثر الديون وتزداد التبعية ويمتد النفوذ الأجنبي، ويتسع التدخل في الشؤون الداخلية، وتقل هيبة الدولة وتترنح وحدة البلاد.
أما السلب الذي جاءت به الثورة وتسببت في حصوله هو تبديد وارتهان لثروة الوطن مثالهاأو أقرب أمثلتها النفط الذي تأمم وادير محلياً بطريقة أدت به لأن يكون غير نافع لإعالةموظفي البلاد. والزراعة التي تخلفت ولم يعد ناتجها من الخضرة كافياً، وكذلك الحال بالنسبة الى التمور التي صنف العراق في مجالها قبل الثورة المذكورة أولا على العالم،ليصبح بعدها مستورداً لأنواعها من السعودية والامارات وايران. والحدود التي كانت محمية بوزن الدولة وتحالفاتها القوية ومكانتها المرموقة بين الأمم تم التفريط بها طوال الجمهوريات المتعاقبة حتى أخذت الكويت حصة، وحازت الاردن على حصة، وأخذت ايران أكبر الحصص وأهمها. هذا واذا ما تجاوزنا قضايا الاقتصاد والزراعة والصناعةوحقوق الانسان والمرأة والقيم وتوجهنا في تسليط الضوء على الأمن القومي فلم يعدالعراق بعد العام المذكور في مأمن، حيث الحروب التي حدثت مراراً لجهل في التقدير أولتحقيق الذات الحزبية والشخصية، حتى أخذت منه أي الأمن القومي مأخذا، وفي اطار الأمن الوطني الانساني بات واضحاً أن الادارة الأمنية الثورية تسببت في تصدع الأمنعلى المستوى الشخصي، اذ لم يشعر العراقيون بالأمان النفسي منذ العام المذكور عندماحدثت مجازر في الموصل وكركوك وملئت السجون بالأبرياء وحدثت عدة انقلابات أكل أصحابها بعضهم البعض، فجعلت العراقي قلقا على طول فترتها، كما ان الادارة الثوريةالفردية المصابة بداء العظمة عيشته لعقود في كهوف التوتر والخوف من السلطة والخشيةمن عقاب الحاكم وأدواته الأمنية المنتشرة رقيباً على الأنفاس، وأرست قواعد سلوك قسري عدائي انتقامي طبع الأجهزة الأمنية ومنتسبيها بطابع خاص حتى عندما تغيرت الثورةالقاسمية بثورة عارفية ثم أخرى بعثية سلك المنتسبون الشيء ذاته اضطهاداً وتعذيباوتحطيماً لإنسانية الانسان سلوك لم يتبدل حتى بعد التغيير الى الديمقراطية وكأنه أضحى نهجاً في التفكير يزيده الثائر الآتي بعد الثائر الذاهب درجات في فنون التعذيب والاغتيال.
انها نتائج لا تحتاج الى مسوغات لإثباتها، واضحة وضوح الشمس، تسمح لنا بالقول أن ماحدث في عام ١٩٥٨ ليس ثورة بمقاسات التغيير الجذري الايجابي، بل انقلاب بنوايا حسنة وتوجهات لتعظيم الذات دمرت العراق، آن الأوان للاعتراف بها واعادة البوصلة من الثورية النفعية الى الدستورية الديمقراطية بخطوة تبدأ أولاً جهداً لإيقاف التدهور الحاصل والعودة الى القانون خطوة تلي لإنقاذ ما تبقى من عراق كان قبل ذاك التاريخ وطناً آمن اًللجميع.
د سعد العبيدي
13/7/2016