تأخر الأخ مايكل وزير التنمية الدولية البريطاني عن جلسة برلمانهم يوم الأربعاء ٣١ كانون الثاني الماضي ستون ثانية، أي دقيقة واحدة فقط بحساب ساعة بيگبن، تصادف توجيه سؤال يخصه، فشعر عند وصوله وعلمه بالأمر عاراً تلبسه من فعل التأخر وخجل من نفسه، طلب الكلام، وقال الاعتذار لا يكفي، وبدل عن التبرير بالانشغال في أمر ما أوزحمة سير اتكأ عليها، وعوضاً عن الاطالة في الكلام لتغيير المزاج، قدم استقالته من مكانه شفوياً وخرج من البرلمان وسط أصوات تصاعدت للبرلمانيين تعلي من شأنه.
لنا أن نتخيل هذا في مجتمعاتنا الشرقية، ليس في العراق وحده، ومن حقنا أن نمني أنفسنا ونتخيل، واذا سار أمر التخيل كما تمنيناه سنجد أن دقائق معدودات لا تحسب تأخيراً، بلان اجتماعاتنا المعتادة وجلساتنا الدارجة تبدأ متأخرة وتنتهي متأخرة فالوقت لم يكن وقعه محسوب والتأخر أو التأخير فعل ليس له تأثير. الحضارة الصحراوية من بين الأسباب إذأن أهلها تعاملوا لآلاف السنين مع الوقت تعاملاً يتعلق بدوران الشمس والقمر وحركة النجوم وضعف المؤثرات أو حتى انعدامها من حولهم أحياناً. والبيئة الزراعية التي عاشهاأجدادنا واباؤنا وما زلنا نعيش ذيولها من بين الأسباب، إذ أن أغلب متغيرات العيش فيمحيطها لم يكن للوقت في مجالها قيمة، ومواعيد أهلها عند اعتلاء الشمس ومغيبها وبعد الصلاة أو قبلها توقيتات ممتدة، والجالسون في المضيف أو القادمون للتسيارة لا يأتون بمواعد ولم يتحددوا بالوقت الحاكم عند الانصراف.
انها عادت تأصلت في النفوس وأصبح تأثيرها بحكم تأثير القيم، حتى أن الصناعة التي دخلت الينا بقدر بسيط والتي تتطلب آلاتها التعامل معها والمنتج بالثواني لم تستطع حتى الآن من تغيير تلك القيم الرديئة في التعامل مع الوقت. ولم نتعلم من ضرورات مسايرتها احترام الوقت، ولم نحسب الثمن والفاقد وآثار الاخلال به، لهذا ضاعت من أمامنا ومازال تتضيع آلاف الساعات والفرص في أن ننجز من نريد انجازه.
الوزير هنا يتأخر عن موعد ولا يعتذر لتأخره، لأنه لا يعد التأخير خللا ولا يحسب فاقد الوقت الذي تسبب في حصوله لاجتماع أو مناقشة أو محاضرة خسارة ذات تأثير. المسؤول الأعلى هنا لا يلوم المتأخر ولا يحاسبه عن التأخير، ليس لأنه في الأصل يتأخر، بل ولأنقيمة الوقت المستقطع في تقديره ضعيفة ولا أهمية لها، ولا تنقلب الدنيا بسبب حصول التأخير. الأب هنا يتأخر وكذلك الأم، المعلم يتأخر وكذلك الطبيب والشرطي. يبدو في نهاية المطاف أن الزمن عندنا نحن الشرقيين ليس كما هو الزمن عند أهل الغرب، والى أني صبح مفهوم الزمن عندنا متطابقاً أو قريباً لمفاهيمهم سنبقى هكذا في حال تخبط واضطراب وتأخر عن الركب مئات السنين، زمن لا نحسب له حساب ولا ندرك أنه العامل الأهم في استعبادنا.
د.سعد العبيدي
3/2/2018