لم يكن العراق قبل انقلاب ١٧ تموز عام ١٩٦٨ مستقراً بالقدر الذي يتيح فيه الشروع لبناء الدولة المتحضرة، إذ وعلى الرغم من أن السنتين اللتين سبقتا الانقلاب قد شهدتا برئاسة عبد الرحمن محمد عارف استقرارا يكفي للبناء، لكنه وكما يبدو لم يحصل بسبب رؤيا وتوجهات دول النفاذ التي تسعى لإيجاد أوضاعاً لا تساعد على البناء، فكان الانقلاب الحاصل في التاريخ المذكور هو الأساس في استمرار الوضع المضطرب الذي لا يمكن طواله البناء.
رأي أو استنتاج يؤسس عليه البعض من الباحثين في تناولهم هذا الانقلاب الذي جاء في ظروف شبه مستقرة لا تنتج في العادة أفكار انقلاب. إنه انقلاب أو حركة أي كانت التسمية، خان فيها حماة الدولة والنظام (عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود) رئيسهم، حنثوا بالقسم، اتفقوا مع حزب البعث العربي الاشتراكي على إزاحته وإقامة نظام حكم يأملونه قوياً كما كانوا يقولون.
كان الخائنان المذكوران ساذجين، إذ وثقا بالبعثيين وسلموا مسبقاً أنهم يستطيعون السير معهم باتجاه اكمال الأهداف المعلنة في إقامة ذلك النظام الذي لا يسمح بعودة الشيوعيين الى الواجهة، والغريب في هذه السذاجة موقف عبد الرزاق النايف الذي كان معاوناً لمدير الاستخبارات العسكرية، ومديرها الفعلي، الموصوف بالذكاء والعقلية المنفتحة، إذ يُشْكِل عليه المعارف والقريبين آنذاك كيف له أن لا يعي توجهات البعث وأيديولوجيته ومساعيه في التفرد في الحكم، والاطمئنان اليه والموافقة على تسليم مفاصل الدولة المهمة الى كوادره بعد التنفيذ والذي نتج عنه نقل الضباط البعثيين المهمين الى بغداد وتسليمهم مناصب في وزارة الدفاع ودوائر الامن والاستخبارات. ومع هذا هناك البعض من المعاصرين لتلك الحقبة الزمنية المؤلمة لا يؤيدون فكرة السذاجة للشخصين المذكورين، إذ يؤكدان إنهما وانامتلكا منصبين مهمين في زمن عبد الرحمن تمكنهما لوحدهما من قلب نظام الحكم لكنهم الم يمتلكا التأييد والدعم الكافي سياسيا واجتماعيا بالمقارنة مع البعثيين حزباً منظماً لذا اتفقا معه على تحقيق غايتهما الشخصية في الوصول الى الحكم وقد يكونان قد فكرا هم أيضا بالانقلاب على البعثيين لكن الأخيرين سبقوهم الى تحقيق الغاية المشتركة في الانقلاب.وعلى العموم فإن الفعل الذي ارتكب من قبلهما كان فعلاً خطأ كلفهما ثمناً غالياً حياة عبدالرزاق النايف الذي اغتالته المخابرات في لندن، وعزلة لإبراهيم الداوود قضاها منفياً في العربية السعودية وان كانت بصيغة ضيافة ملكية، وكلفت في الوقت ذاته العراق سيراً فيطريق الثورية الاستبدادية وضعته في أتون حروب لم يفق من واحدة الا ويدخل أخرى دمرت ما بنيَّ منه عبر عقود منذ تأسيس الدولة والى يومنا هذا حيث لم يستطع أحد من بعد ذاك التاريخ من إعادة السفينة الى مسارها الصحيح وسط بحر هائج لا توجد مؤشرات على احتمالات رسوها الآمن بعد.
د.سعد العبيدي
18/7/2020