كان العراق ماقبل تأسيس دولته عام 1921 ساحة صراع بين الامبراطوريتين الفارسية والعثمانية.. ساحة وعند تحقيق أي من الطرفين المذكورين نفاذه الى داخلها يكونون أبناء العراق هم الضحايا الفعليين لنتائجه المباشرة، وهم وقوده، اذ يلجأ الطرف النافذ الى الاعتماد على قسم منهم، يحسبهم تابعين له، يقنعهم من أنه يعتمد عليهم في الوظائف وجباية المال وكأدوات للهيمنة والانتقام من القسم الآخرمن أهل البلاد، وهكذا اصبح الشعب العراقي بأسره خاسراً أمنه واستقراره ونموه طول فترة التصارع الامبراطوري المذكورة. وهو صراع بقيَّ كذلك بعد التأسيس وأبقى العراق الجديد ساحة يهتم بها كلا الجانبين، الجمهورية الإيرانية والتركية،تهدأ مثيرات التوتر فيها مرة وتنشط مرة تبعا للظروف المحلية والدولية. وقد أدرك السياسي العراقي المعروف نوري السعود أبعاد هذا الصراع وفهم أمتداداته الدولية والإقليمية، فسعى من خلال مناصبه المتعددة رئيسا للوزراء ووزيرا للخارجية الى أعتماد فلسفة الصداقة الودية لكلا الطرفين الإيراني والتركي على حد سواء، وقد نجح الى حد ما وأبعد العراق عن التوتر بقدر مقبول لفترة أمتدت الى عام 1958الذي حدث فيه التغيير الجذري لنظام الحكم الى الجمهوري، وقُتِلَ ثم سُحل نوري السعيد وأنتهت هذه الفلسفة أي الصداقة الودية، أو ماتت معه اذ لم يظهر من بعده سياسي يمتلك المرونة الكافية، والتحليل الصحيح للواقع والنظرة الاستراتيجية الثاقبة للمستقبل التي يمكن أن تجنب العراق منزلق الوقوع أسيرا في ساحة الصراع التي يسعى كلا الطرفين المذكورين وغيرهم الى تنشيطها، وقد نشطت بالفعل بعد اعتلاء صدام حسين سدة الرئاسة واشعاله الحرب مع ايران، وبذا عدَّ هو أول من أخل بتلك الفلسفة التي أقام عليها نوري السعيد رؤياه، واستمر الحال بعد ذهابه، عندما أنتقل فعل التأثير في انتاج القرار من السياسي الحاكم بأمره الى المزاج الشعبي المنقسم في الأصل سنياً وشيعيا وكرديا.
ولأن المزاج الشعبي بعد التغيير وبسبب ظروف وملابسات التغيير بات منحازاً منفعلاً، جاهلاً، فقد أسهم بانحيازه ورغبته في الازاحة والانتقام من الآخر "المقابل"في نفاذ تلك الدولتين الى أرضه فعلياً، بعد أن أرسل كل منهما قوات له ووظف رأسمال في خراب العقول وإنشاء الكتل والأحزاب التابعة، ساعياً الى تكوين جهد قتالي فعال بالإنابة عنه... حقيقة أثبت التغلغل العسكري التركي شمال الموصل وجودها، وأثبت الانقسام الحاصل في المزاج الشعبي منه ومن الوجود الإيراني أيضا صدقها، وأثبت كذلك أن مساعي التصعيد والتأزم تصب في صالح الدولتين المذكورتين ومساعيهما في توسيع النفوذ على أرض العراق في غير صالح أهل العراق المرشحين للاقتتال بالنيابة وتدمير وجودهما بسسب أوهام لا تصلح أن تكون موجودة كأساس لاقامة نظام ديمقراطي تعددي صحيح، يجنبهم آثار التصارع والنفاذ التي ستكون كارثية.
د.سعد العبيدي