المعارضة وحادثة إغتيال الصدر


أغتيل قبل شهر آية الله العظمى محمد صادق الصدر، وبدأت حكومة صدام بعد أغتياله التعامل مع الموضوع أو الكارثة بطريقة قسرية تستحق التوقف عندها كثيرا، لتأثيراتها المباشر على واقع العراق الحالي والمستقبلي، وفي مجالها يمكن استنتاج الآتي: 

1. أفتعل النظام قتل الأمام الصدر ونجليه اغتيالا بشكل متعمد ومدروس ليؤمن:

أ. التخلص من شخصية دينية معارضة باتت قادرة على حشد الجماهير، وتحريك الشباب غير الراضين عن الوضع وبأعداد تتزايد بتقادم الزمن، وطريقة تفكير ستكون فيها مهيأة لتلقي الأمر مجتمعة أو التمرد كذلك بإشارة من شخص يؤمنون به ويقلدونه.

ب. بنفس الوقت الذي نفذت فيه عملية الاغتيال أنزلت قوات الحرس الجمهوري، وفدائيو صدام، ومنتسبو الأجهزة الأمنية، والحزبيين بكثافة إلى الشوارع في مدينة الثورة وكربلاء والنجف والبصرة وبعض مدن الجنوب، وتعاملت مع الناس بقسوة، متعمدة الإيحاء لعموم العراقيين أنها موجودة على الساحة وجودا فاعلا لا ينبغي المساس به بأي حال من الأحوال، وهي رسالة موجهة أيضا للقوى الدولية الفاعلة في المنطقة، في محاولة لإعطاء تصور عن قوة النظام عسى أن تغيّر تلك القوى وجهة نظرها وتعيد حساباتها باتجاه العودة للاستفادة من صدام لتأمين المصالح.   

ج. لقد شكل النظام بفعلته هذه ظروفا ملائمة (من وجهة نظره) للتخلص من الشخصيات الوطنية التي يشك في معارضتها له أو عدم ولائها إليه إذ شهدت نفس الفترة إعدام العديد من الضباط والمدنين في المدن العراقية، بينها بغداد والبصرة على وجه الخصوص.   

2. إن قسوة النظام وكثرة تحسبه وسعة استنفاره لقواته لم تقلل من الميل إلى المعارضة المسلحة التي بدأت تنتشر بشكل ملموس في عموم المحافظات العراقية، وباتت أعمالها مؤثرة في الليل الذي تنتقل فيه السيطرة شبه الكاملة على بعض المناطق الريفية في محافظات الجنوب العراقي على وجه الخصوص. 

3. إعتماد السلطة أسلوب هدم الدور السكنية لمن يثبت قيامه بفعل مسلح ضد النظام خاصة في محافظات البصرة، وميسان، وذي قار التي كثرت فيها مثل هذه الأعمال بالفترة الزمنية الحالية، يعد هو الآخر تطورا في أساليب القسر والإيذاء التي تعتمدها السلطة، ومؤشرا على عدم أمتلاكها فسحة للتعامل المنطقي غير القوة وسيلة ضبط تعد الأخيرة في جعبتها.

4. إن فعل الإغتيال وقسرية التعامل دفعت غالبية فصائل المعارضة العراقية لمطالبة الدول الكبرى بتأمين منطقة محمية داخل العراق (في الجنوب أسبقية أولى) يعتقدون أنها ستكون مناسبة للعمل بإتجاه أسقاط النظام، وهو أمر سربت قوى دولية إحتمالات دراسته جديا، مما دفع قصي صدام حسين وبإيعاز من أبيه بتجميع رؤساء العشائر التي تتمركز على طريق الكوت – البصرة، والطلب منها بعد مقدمة أتسمت بالتهديد نصب خيم على طول الطريق المذكور، وإبقاء مسلحين من أبناء العشيرة  المتواجدة في المنطقة ليلا ونهارا في تلك الخيم التي ينبغي أن تكون بمثابة أماكن لاستراحة وحدات الجيش التي تتنقل على الطريق، وذلك لتحقيق الآتي: 

أ. حماية طريق بغداد البصرة وتفادي تعرض القوافل العسكرية إلى كمائن المعارضة المسلحة التي تضاعفت نسب حدوثها في الأشهر الأخيرة.

ب. إشراك أبناء العشائر من حيث لا يدرون بجهد الحماية المسلحة للنظام، ووضعهم مع الحزب في خندق واحد.

ج. أستعراض قدرات العشائر وإذكاء روح الصراع والتنافس الذي يستخدم عادة كورقة ضغط لتدمير البنى الاجتماعية في الجنوب عند الضرورة.

إن الإغتيال السياسي صفة توسع النظام في تطبيقاتها بعد تولي صدام مسئولية الحزب والدولة عام 1979، وأسلوب إدارة الدولة غير الصحيح زاد الهوة أتساعا بين الفقراء (عموم العراقيين) والأغنياء (القريبين من النظام) وزادت معاناة  الشريحة الأولى وبلغت مشاعر اليأس وكثرة التفكير بالمصير المجهول حدا قد ينفجر بشكل يصعب السيطرة عليه مع أول إحساس بضعف السلطة وضوابطها المفروضة، لكنها مشاعر بسبب القسر المستخدم، وعدم وجود متنفس، وضعف فاعلية الطليعة الواعية تحولت إلى لوم قاس للذات، وعدم ثقة بالقوى الخارجية الدولية منها أو حتى العراقية المعارضة.

إن الوضع في العراق إثر الإغتيال سيكون وضعا يصعب السيطرة عليه من قبل أجهزة الدولة، لكنه ومن الناحية الثانية وضع يمهد الطريق أمام المعارضة العراقية للتعامل معه بخطوات يمكن أن تكون أولاها التوعية باتجاهين يتمثل الأول بكسر حاجز الخوف من النظام بهدف مساعدة البعض غير القليل للتخلي عن الحياد غير المنطقي الذي وضعوا أنفسهم فيه بين الوجود الحتمي لصدام وبين الدعم المفروض لقوى التغيير.

والاتجاه الثاني الذي لا يقل أهمية يكون بمعاونة عامة العراقيين "إعلاميا" لتبديد أو تقليل عدوانيتهم على أنفسهم  وعلى الساعيين إلى التغيير من أجلهم، قوا كانت أو جماعات عراقية على وجه الخصوص، لكي يستعدوا للتعامل الصحيح على وفق معالم الإتزان، وإحترام الذات، وتقدير الآخر مع واقع سيكون صعبا لمرحلة ما بعد التغيير.  

وهذا بحد ذاته جهاد فكري يمكن أن تفعله كل فصائل المعارضة، قد لا يقل تأثيره عن فعل البندقية في كثير من الأحيان. خاصة وإن القيام به يمكن أن ينهي الخوف والتوجس ويشجع على دعم قوى  المعارضة، ويزيد من تفاعل الموجودون في الخارج بالساكنين في الداخل بضوء التواصل والأمتداد. وفي حالته سيكون صوت المعارضة مسموعا من العالم، وفعلها مؤثرا في الرأي العام، واتجاهاتها إلى التغيير محترمة من الشعوب، ومدعومة من القوى الدولية، وستنتهي عزلتها التي أبعدتها عن التأثير الجاد بأزمة شعبها ومصيره المجهول. 

 

9/3/1999