اطلالة بغدادية نافذة الى التاريخ غير البعيد، هذا التاريخ الذي علقت بعض صوره العقلية في خلايا الذاكرة القريبة للأجيال التي باتت تتناقص بالتدريج من الهجرةوخسائر الحروب، وتعب الحياة... اطلالة لازمة لبقاء التاريخ مجالا لتحفيز أهل الحاضر، وإرساء قواعد المستقبل، ولو بقليل من القيم على أقل تقدير.هكذا تعمل الشعوب التي تحترم نفسها، وتحترم تاريخها الذي تريده ناصعا في عقول المتلقين، وهكذا فعل البغداديون من عدة عقود مضت، عندما فتحوا متحف التراثهم الذي أنقرض في معظمه بحكم التطور الحضاري وتسارع الأحداث التيتسهم مع عوامل أخرى في اندثار الكثير من العادات والتقاليد والأفكار والمهن والممارسات.
هكذا أراد أهل الماضي أن يبقى تراثهم ماثلا في عقول أهل الحاضر. وحسنا فعلوا،فالمتحف بناءا وموقعا وترتيبا ومادة يؤمن هذه الغاية بقدر كبير، لكن زيارة واحدةالى هذا الصرح التراثي العظيم، ومقارنتها بزيارات ماضية تجعل الزائر يشعر بالارتياح من جانب صمود المتحف ومواده أمام هجمات التهديم العمدي للحضارة،ومحافظته على المعروض، لكنه وفي نفس الوقت وعندما يقارن زيارته الحالية،بزيارة له سابقة لهذا المتحف قد تمت قبل عقود، يشعر بقليل من العتب على الجهة المعنية بهذا الصرح العظيم، بعد أن يجد التماثيل المعمولة على حالها رغم التطور الهائل في صناعتها من مواد "السلكون" قربت هيئة التمثال من الواقع الفعلي،وجعلته معبرا عن حاله بشكل كبير، ويجد أن المؤثرات الصوتية، والى حد ما الإضاءة بقيت على حالها، ويجد أن الزوار وعلى الرغم من أهمية المتحف باتوا بضع أشخاص لا تتناسب أعدادهم مع أهمية الموضوع أصلاً، ويجد كذلك أن سعر التذكرة الخاصة بالدخول، قليل جداً لا يتناسب وقيمة الموضوع.
ان المتحف البغدادي، ومادته وموضوعه مهم جداً في جوانب الحفاظ على التراث،ومهم للربط القيمي لما موجود في الحاضر بما كان موجودا في الماضي الآمن،ولهذا يفترض أن تحاول الجهات المعنية عن المتحف بأن تبدأ خطوات لأغراض التجديد ولو بالتدريج، فالعالم والعلم قد تقدما كثيرا، ووسائل التقنية قد تطورت،بالحد الذي تعرض الماضي بصور الحاضر، وتجعل المعروض مقبولا من أجيال تعتمد التقنية الحديثة في كل شيء.انها خطوة ممكنة بإمكانات العراق البسيطة، وليست صعبة على أية حال، لأنها ستكون في الأصل بعيدة عن مؤثرات السياسة وتجاذباتها، اذ ومن غير المعقول انيختلف السياسيون الجدد عن النداف والرواف وزفة العرس والجرخجي، ويبقون اأسرى خلافاتهم التي أعاقت بناء العراق بعد أن دمرته الإدارة السابقة، وأكملت تدميره تناحرات السياسة الحاضرة التي يتدخل بعض أصحابها في كل شيء.
سعد العبيدي
20/6/2015