انتهى الخلاف القائم بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف بعزل الأخير، واجباره على البقاء داخل بيته، في فترة زمنية ضعفت فيها قدرة الاول على الضبط والسيطرة، عسكرياً وسياسياً، نتيجة التنحي القائم للزملاء العسكريين المشاركين معه في حركة الرابع عشر منتموز، وللتفرد بالقرار والعزوف عن الانتقال الى الديمقراطية في الفترة ذاتها التي قويَّفيها العسكر السياسي، وبرزت على السطح بعض عوامل أخلت بالتوازن الحزبي في الجيش بينها:

- تناقص التأثير الشيوعي على القرار العسكري، وتناقص أعداد الضباط الشيوعيين القادة في المناصب العسكرية العليا بالمقارنة مع تزايد عدد الضباط المنتمين الى أحزاب سياسية أخرى، وضعف سيطرتهم أي الشيوعيين على تلك المناصب ومن ثم فشلهم في ثني عبد الكريم عن الوقوف بالضد من تغيير مواقفه منهم وتنحيه عن دعم خططهم بعد احداث كركوك الفوضوية.

- سعي عبد الكريم لإدخال ضباط قادة من تيارات قومية عربية مختلفة في مناصب عسكرية، لأغراض التوازن مع الشيوعيين، بنفس الوقت الذي وقع فيه الحزب الشيوعي في تناقض الموقف من قاسم على المستوى الأممي حيث الرغبة الملحة للسوفييت الوقوف معه، وقناعة القواعد العاملة للحزب في القوات المسلحة بعدم جدوى مسايرته، بل وضرورة الانقلاب عليه بحركة تصحيحية.... تناقض أبقى الشيوعيين في حالة حيرة مقلقة، وابقت قاسم في توتر وخشية الانقلاب عليه من قبلهم، فكونت بالمحصلة ثغرة بين الطرفين المتحالفين وجوباً. استفاد منها البعثيون والقوميون العرب الحاصلون على دعم خاص من جمال عبد الناصر وقوى غربية، والساعين الى توسيع خلاياهم التنظيمية في الجيش بعد تخرج بعض الشباب الحزبيين من الكلية العسكرية التي دخلوها مع موجةا لتوسع والانفتاح التي اعقبت انتهاء الحكم الملكي.

لقد فتح الشيوعيون العسكريون باختلافاتهم الحاصلة فيما بينهم لما يتعلق بالزعيم وخلافاتهم معه كما ورد اعلاه، ثغرة في الجدار الامني للحكومة، استغلت للتخطيط الى تنفيذ انقلاب،على طريقة التوافق المصلحي بين عبد السلام، العسكري الطموح، الذي يرى نفسه متضرراً من نتائجها، الاحق في سلطتها، ويرى الفرصة سانحة للانتقام من الصديق الذينحاه جانباً، وبين البعثيين المنظمين في الدوائر العسكرية، بلا رمز قيادي، الذين يرون عبدالسلام مهيأ لقيادتهم مؤقتاً، قادراً، باسمه وتاريخه، على تهدئة مخاوف الشارع، وتلطيف الاجواء المشحونة مع دول الاقليم، والتأثير على قيادات الجيش المطلوب رضاها وتأييده الكل خطوة تغيير مقبلة. فكان هذا الاتفاق بينهما هو الانسب لتنفيذ الاهداف المشتركة لكليهما على اقل تقدير، فجاء اتفاقاً حذراً، بنوايا احتواء مستقبلي مبيت على الاغلب من كلا الطرفين، دفع البعثيين الى التوسع في الاتصالات الجانبية مع الأطراف العسكرية والتكتيل للقيام بفعل التغيير، ففتحوا بتنفيذه شقوقاً في هيكلية البناء العسكري، توسعت بالتدريج بعدتنفيذ انقلاب 8 شباط 1963، لتمهد الى سلسلة انقلابات.

د. سعد العبيدي

6/4/2019