تأسس الجيش العراقي عملياً قبل تأسيس الدولة عام ١٩٢١، وساهم كثيراً في ارساء قواعد الدولة، وبسط الأمن في ربوعها من أجل أن تستمر قادرة على البقاء بين الأمم. على أساسها وجد له المؤسسون الأوائل ضوابط ومعايير وطنية، تساعد في حماية نظام الدولة.لكن هذا الجيش الذي بدأ صحيحاً واستمر لفترة طويلة كفوءاً منضبطاً، تعرض الى صدمات أثرت على مهنيته وإرادته الوطنية. كانت الصدمة الأولى تبني بعض قادته الكبار فعل الانقلاب العسكري ضد الدولة، بقيادة الفريق بكر صدقي عام ١٩٣٦، الذي فتح الشهيةبانقلابه لباقي الضباط (الضباط الأربعة) في أن ينقلبوا على الدولة، مشاركة مع رشيد عالي الكيلاني ومن ثم التمهيد الى حركة العام ١٩٥٨ الذي أخد فيها الجيش على عاتقه تغيير شكل نظام الدولة. وبتغييره من النظام الملكي الى الجمهوري، تغيرت ضوابط الجيش حيث التغاضي عن دخول الضباط وضباط الصف عالم السياسة الى المستوى الذي بات فيه التأشير واضحاً الى الضابط الفلاني شيوعياً والى الآخر بعثياً والثالث قومياً... ضوابط مهدت للانقلاب على عبد الكريم قاسم عسكرياً بقيادة ضباط حزبيين أقاموا جمهورية حزبية، بجيش حزبي. ومع هذا فان ما تبقى من مهنية عند الجيش في ستينات القرن الماضي أعطت دفعاً لصمود الجيش إزاء المد السياسي الحزبي، حتى العام ١٩٦٨ الذي تحرك ضباطه الحزبيون بقوة لهدم الجيش مهنياً، بعدما أدخل البعثيون نظام الخلية الحزبيةفي الوحدة العسكرية لتكون الوحدة والقيادة والتشكيل عبارة عن خلايا حزبية، فتكون مفهوماً جديداً للقيادة يعتمد على القيادة الحزبية للمؤسسة العسكرية، وللضبط سياقات تتأسس على الضبط الحزبي (نفذ ثم ناقش) وكذلك الى الولاء للحزب على حساب الانتماء الى الجيش مؤسسة وطنية.
ان الجيش العراقي الذي مر بفترات تحول وانحراف منذ الأيام الأولى لقبول قادته المساهمة في التأثير على حكم الدولة باستخدام سلطتهم العسكرية، وصل الى عتبات العام ٢٠٠٣منهكاً، يحمل على أكتافه أعباء دولة الرجل الواحد، الحزبية، الدكتاتورية، وبعد حله(خطئاً) لم يستطيع القائمون عليه، بعد إعادة تأسيسه ديمقراطياً، وبما يحملون من خبرات عمل حزبية غير صحيحة من إعادة عربات قطاره على السكة الصحيحة، فقبلوا ولوج الأحزاب السياسية الى هيكليته وقبلوا قوائم تطوع تقدمها الأحزاب السياسية، وقبلوا دمج منتسبي تلك الأحزاب في جسدهم المهني ودفعوا من حيث لا يعلموا الى أن يكون تواجداًللأحزاب في مؤسستهم وصل حد التحكم أو التأثير على خططهم في التسليح وتحديد المهام.ان الجيش ولكي يبقى سوراً للوطن، قادراً على حماية النظام الديمقراطي الجديد للبلاد، لابدوأن يعيد قادته والحكومة النظر في عديد من ضوابطه ومعاييره وتوجهاته، يعيدوا عرباته الي السكة الديمقراطية الصحيحة، بالقدر الذي تبعده عن الأحزاب والتدخل بالسياسة وتبقيفي مجاله المهنية سياقاً وحيداً للصيرورة.
د.سعد العبيدي
4/1/2020
لم ينشر