لا أريد الغوص كثيرا في سلوك الرجل الراحل أحمد الجلبي، ولا رغية لي في التعريج على المحاسن والهفوات على الرغم من قناعتي ومن خلال معرفتي القريبة بشخصه أن ايجابياته وحسناته وآراءه وتمنياته للعراق فاقت كثيرا تلك الأخطاء التي لم يسلم منها انسان، وليست لديي اضافة في هذا الأمر وقد كتب عنه الكثير وسيكتب أكثر ولفترة زمنيةربما ستمتد طويلا حتى يخف المخزون الانفعالي السلبي عند الناس. وهو في هذا الشأن لايختلف عن شخصيات اجتماعية وسياسية عراقية وغير عراقية أثار وجودها في الحياةجدلا كبيرا، وأثار مماتها بنفس القدر من الجدل وربما أكثر، وسيترحم عليه الناس بعد انتفرغ جعبهم الانفعالية من مشاعر العتب أو حتى الكره، ليتجهوا من بعد هذا الى التفكير العقلاني في التقييم الذي تبرز فيه المحاسن على السطح في غالب الأحيان، ولنا في هذاالشأن أمثلة كثيرة أهمها أو أكثرها وضوحا السياسي العراقي البارز المرحوم نوري السعي دالذي عاود أهل السياسة والأدب والباحثون في تذكره والثناء على مواقفه وقدراته في بناءالعراق الملكي الذي لم يختلف عليه القوم من انه كان عراقا مقبولا بحسابات الامن والرضاوالتصور المستقبلي بالمقارنة من عراق ما بعد الملكية اي في العهود الجمهورية كافة.
لكن الذي يمكن أن يناسب في تناول الموضوع في الوقت الراهن يتعلق بالسلوك الاجتماعي لأهل السياسة الذي عمل المرحوم الجلبي وسطهم، حيث يشبه تصرفهم معه سلوك الأخ الكبير في عائلة فقدت الأب وتركت له مجموعة أخوة صغار صار مسؤول عن تربيتهم،وبحكم القيم الاجتماعية يقوم الأخ الاكبر مقام الاب في الرعاية، يضحي بكل شيء منأجلهم، يوقف طموحاته، ينزل الى سوق العمل مبكرا، يترك المدرسة كذلك مبكرا من أجلدفعهم الى الدراسة وضمان مستقبل أحسن، وعندما يكملون الدراسة وينضجون ويعملون علاقات بمفاهيمهم الجديدة، يتجهون الى تغيير نظرتهم الى أخيهم الكبير، من انه غير متعلم، ولا يناسب الزمن الذي يعيشونه، تفكيره مختلف، وقد يبتعدون عنه بالتدريج، ليجد نفسه في آخر المطاف وحيدا يتحسر حاله وفرص فاتته لأن يكون أحسن منهم. ومن جانبهم وكلما تقدموا في معترك الحياة يجدون كبيرهم غير مناسب فلا يشركوه بامورهم ومشاريعهم.
هكذا كان الجلبي الذي خطط وهندس وجمع رجالات المعراضة وهيئ الساحة الدولية لعملهم بالضد من صدام حسين في أوقات كان الكثير من السياسيين الجدد يخشى الظهور في التلفاز منتقداً، وعندما وصلوا وتغير النظام تغيرت نظرتهم له ولمشروعه، فالاسلاميون يرونه علمانيا لا يصلح وان كانوا يحترمونه، والاكراد يرونه بعيدا عنهم وان يشيدون به،وأهل الشارع الغارقون في التيه اتخذوه هدفا لعدوانيتهم على النظام الجديد الذي لم ينقذهم من الوحل ولم يلبي طموحاتهم.
هكذا كان الرجل الأخ، وهكذا سيبقى أهل السياسة في العراق في نظرتهم لمن يعمل معهمويسبقهم في الوقوف على مقاعد الصفوف الأولى.
د . سعد العبيدي
7/11/2015