لو استعرنا من قوانين الطبيعة والفيزياء مفهوم نقطة الارتكاز، التي ينصهر عندها الجسم أو يتجمد أو يتبخر، ولو ذهبنا بعيداً الى الميكانيك ونظرنا الى تفسيره نقطة الارتكاز بالموضع الثابت الذي تتوازن عنده قوتا الدفع والمقاومة، وحاولنا تطبيق هذه المفاهيم والتعريفات على الوضع العام في العراق، سنجد أن البصرة أو الوضع السياسي والأمني فيها يمثل تلك النقطة التي تتساوى فيها قوى التأثير بشكل يسمح باستمرار الحال أو انهياره،إذ وفي اليوم الذي اضطرب فيه الوضع في البصرة بعد الانسحاب انكساراً من الكويت وانطلاق الانتفاضة من شوارعها وبيوتها وقراها عام 1991 تململت غالبية مدن العراق واضطربت أربعة عشر محافظة منها كادت تُسقط الحكومة آنذاك، لولا العوامل الدوليةالتي تدخلت لصالح تعديل موازين القوى باتجاه الاستمرار في تحقيق الأهداف الاستراتيجية.

وفي العام ٢٠٠٣ كان زخم الهجوم الأمريكي على العراق قد جاء من الجنوب أي من اتجاه البصرة، تهاوت بعد سقوطها الدفاعات الى بغداد التي انتهت بسهولة لم تواجه فيها جيوش الاحتلال مقاومة تذكر، سوى معارك حُسبت معارك تعويق لا تؤثر على النتائج المطلوب تحقيقها ولا تعيق تنفيذ الخطط الموضوعة.

ونتلمس اليوم أن الوضع وكلما اضطرب في البصرة وخرجت مظاهرات لأي سبب كانفي هذه المحافظة المطلة على الخليج العربي سرعان ما تنتقل الى محافظات أخرى في الوسط والجنوب، تتظاهر بالطريقة ذاتها، وتطرح المطالب ذاتها أيضاً.

من هذا يمكن القول أن الوضع في البصرة بات هو الضابط الفعلي لإيقاع السياسة في العراق، وعليه تستند أعمدة الاستقرار وعوامل الهدم، فاذا ما تُركت على هذا الحال وزاد تعب المواطن البصري وامتلأت جعب الانفعال بمكبوتات الهم فان أي عامل تأثير مثل الكهرباء والماء والعيش يمكن أن تطلق تلك الانفعالات مرة واحدة مثل مارد لا يقهر،فتزيح من أمامها ضوابط السيطرة السياسة، وتحدث شكلاً من الاضطراب تصعب السيطرةعليه، عندها ستتحرك البصرة من موضعها كنقطة ارتكاز ويضطرب العراق.

ان الوضع في البصرة وكما يرد في وسائل الاعلام يقيَّمُ بغير المستقر حيث التظاهرات شبه المستمرة، القابلة الى التفجير لمستوى إحداث فعل الشغب والتخريب، عند توفر عوامل مساعدة للتفجير، وهي كثيرة ومتعددة (المشاكل التي لم تحل الى الآن)، لذا لا مناص منبذل الجهد حثيثاً لتعديل هذا الوضع البصري المتردي، بغية السيطرة على العوامل المساعدة على احداث التفجير، وذلك بإيجاد الحلول وليس الترقيع والتأجيل:

. سياسيا بالنظر في وضع المحافظ والمجلس وطريقة انتاج الإدارة المحلية وسبلها في التعامل مع المشاكل والحلول..

 اقتصادياً ابعاد البصرة عن النفوذ الاقتصادي للأحزاب والتهريب، والدفع باتجاها لاستثمار، والاستفادة من صناعة النفط..

 اجتماعياً التخلص من سلطة العشيرة، وتحييد نفوذ الدين التي تفضي جميعها الى حل مقبول لمشاكل باتت مستعصية وتحافظ على البصرة نقطة ارتكاز إيجابي قوية.

د .سعد العبيدي

19/1/2019