كثرت الانقلابات العسكرية، وزاد الهدم في جدار في الدولة العراقية وقواتها المسلحة،سنتناولها بدءاً من أول انقلاب للفريق بكر صدقي، الذي ولد عام 1886 في كركوك،وتخرج من الكلية العسكرية في إسطنبول، مشاركاً في الحرب العالمية الاولى، عاد بعدهاالى العراق، انضم الى الجيش برتبة ملازم أول، قاد حملات عسكرية قاسية ضد الاشوريين وعشائر الفرات الأوسط والبرزانيين في كردستان. تؤشر جميعها طموحات عالية، تقلد عدة مناصب في الجيش، وصل قبل تنفيذ انقلابه الى قائد الفرقة الثانية، تميز بميوله المضادة للبريطانيين، وعلاقاته الجيدة بالملك غازي، استغل مغادرة رئيس اركان الجيش الفريق الركن طه الهاشمي الى الخارج في تموز عام 1936، وايكال مهامه الىصديقه الفريق الركن عبد اللطيف نوري، ليتفق واياه على تحريك الفرقة الثانية من قرة تبةالى قرغان، لتسهيل تسللها الى مدينة بعقوبة، وتم له هذا، فقامت فور دخولها بقطع خطوط الاتصال مع العاصمة، واحتلال البريد، خطوة أعقبها الزحف باتجاهها، صاحبها تحليق لطائرات القوة الجوية، القت منشورات بصيغة البيان الأول، وفي الوقت الذي تحركت فيه وحدات الفرقة صوب العاصمة، توجه وزير الداخلية حكمت سليمان الى القصر الملكي،لايصال مذكرة موقعة من الفريقان المذكوران الى الملك غازي، تطالبه باقالة حكومة الهاشمي. معطية اياه مهلة محددة للتنفيذ بثلاث ساعات فقط.
في الطرف الحكومي توجه وزير الدفاع جعفر العسكري لايقاف الزحف الى بغداد، فاتصل بالفريق بكر، مؤكدا حمله رسالة خاصة من الملك غازي، فرصة قدرها بكر صدقي سانحة للتخلص من جعفر العسكري، العنصر القوي في الحكومة، فدبر له كميناً، جرده ومرافقيه من السلاح، واطلق عليه النار، فارق بسببها الحياة في الحال، عندها لجأ نوري السعيد وبعض اعضاء الحكومة الى السفارة البريطانية، واستمر الانقلابيون بزحفهم الى بغداد،حتى وصلوها بالساعة الرابعة عصراً، مما اضطر الملك الى الرضوخ عند رغباتهم،وتكليف حكمت سليمان بتشكيل الوزارة في مساء اليوم نفسه، وعلى اساسها يمكن القول ان الانقلاب نجح لاجراء التغيير في الوزارة وقيادة الجيش التي حصل هو على منصب رئيس أركانها، لكنه لم ينجح في المحافظة على البقاء في السلطة، اذ أن الفريق بكر، قد انتهت حياته على يد نائب العريف عبد الله العفري بعملية اغتيال في الموصل عام 1937، وقتل معه قائد القوة الجوية العقيد الطيار محمد علي جواد الذي قاد الطائرات التي رمت المنشورات في اثناء الانقلاب. أما دوافع الانقلاب فلا يمكن ان يستثني العامل الدولي فيحصولها، ولا العامل النفسي المرتبط بشخصية بكر صدقي، القوية الطموحة، مع التأكيد على ان هذا النقلاب هو أول من فتح شهية الضباط القادة لان يلعبوا ادواراً سياسية خارج السياقات العسكرية، يحاولون ان يكونون فيها قادة للعسكر والسياسة في آن معاً، فأسهمو في هدم أركان الدولة وقواتها المسلحة معاً.
د .سعد العبيدي