أختلف العراقيون كعادتهم في الاختلاف عن كل شيء مطروح لحل مشاكلهم وإدارة بلادهم وسبل تعاملهم مع غيرهم وعلاقاتهم العامة، وهكذا يمتد الاختلاف حتى دخل البيت الواحد والعائلة الواحدة في مسائل لا يمكن فيها الاختلاف. ومصيبته أنه أختلاف عام لا يقتصر على أصحاب السياسية المعنيون بتسيير دفة مركبها التائه وسط بحر متلاطم الامواج، ولا يتوقف عند العسكر الموجودين في خط المواجهة المتأزم لحرب داخلية لا يعرف فيها العدو من الصديق، ولا عند الاكاديميين الواقفين في خط أنتظار طويل ليتبينوا جهة المسير صوب الايديلوجيا السياسية التييكونون فيها منفذي توجيهات محددة كما كانوا أيام البعثيين أم نحو الاستقلالية العلمية التييكونون فيها محايدين مبدعين، وهكذا تمتد قائمة الاختلاف طويلا حتى لا تنتهي عند الطلاب والصناعين ولا عند العمال والفلاحين المحشورين وسط قوانين العشيرة وسلطة الشيخ وقيم الماضي العتيق يهرولون بإتجاهات مختلفة تبعا للأهواء المتباينة.
إن الاختلاف بالصيغ التي سادت في العراق أخيرا آفة إجتماعيىة جعلت أهل السياسة يختلفون في آرائهم ومواقفهم لمجرد الاختلاف وجعلت كل ما يقوله المقابل لهم مختلف عليه مسبقا حتى وإنصب في مصلحة البلاد، وسهلت في المقابل لأصحاب السياسة الدولية المعنيين بالعراق،إستغلاله في حربهم النفسية لاغراض الاعاقة وحرف المسيرة بإتجاه المزيد من التوتر والاضطراب لتأمين مصالحهم من خلال التسلل وسط الجماعات المختلفة لتوسعة هامش الاختلاف.
إن موضوع الاختلاف أو آفة الاختلاف في المجتمع العراقي وإن كانت مستوياته بالوقت الحاضر خطيرة، إلا إنه وعلى الرغم من هذه الخطورة يمكن النظر إليه من زوايا متعددة إذا ما إحسن النظر من خلالها والتعامل الصحيح معها يمكن أن تقل الخطورة نسبيا بينها:
الزاوية النفسية، وعلى وفقها يعد الاختلاف خاصية عند العراقيين ليست حديثة، أي أنها موجودةفي سلوكهم ونهج تفكيرهم منذ سالف العصر والزمان، وما دام الأمر كذلك فالأكيد أنهم مرواب تجارب أختلاف شديد من قَبل، ولأكثر من مرة تؤهلهم أن يتجاوزوها هذه المرة إذا ما أدركواخطورتها على حاضرهم ومستقبلهم وأعادوا حساباتهم لتقترب من حسابات الصالح العام الذي يتجمع حوله الأغلبية.
الزاوية السياسية ومن خلالها يمكن القول أن الأختلاف سواء حصل في العراق أو في مجتمعات أخرى غيره، سيؤدي إلى تكوين نوع من الصراع المحتوم بين الجماعات والاحزاب السياسية المختلفة بعد أن تعجز أي واحدة على أنفراد من تأمين تفوق يجبر المختلفين على التجمع من حولها، وستكون نتيجة الصراع الحتمية أفكار جديدة وإئتلافات جديدة أي جماعات جديدة يمكن أن تستهوي المختلفين ليجتمعوا حولها أو يقتربوا منها مسافة تقلل من نسب الاختلاف حدا يُمَكنهامن قيادة المسيرة إلى الامام وبما يؤمن الصالح العام.
زاوية الفرص المتاحة، إذ إنه وفي مسيرة الشعوب والأمم تأتي فرص ذات صلة بأحداث أوأشخاص يمكن أن تستنهض الأحتياطي المضموم في داخل النفس المتعبة لتلك الشعوب،وبإستنهاضها ستندفع إلى الامام متجاوزة أختلافاتها وأخطائها بإتجاه تحقيق المصالح المشتركة،وهذه متاحة نسبيا في العراق بالوقت الحاضر، من خلال الانسحاب الامريكي، الذي يفترض على الحكومة وأصحاب الشأن من السياسيين استثماره جيدا في حملات نفسية مركزة غايتها الرئيسية تضييق الهوة ورأب الصدع وتقليل الاختلاف الذي سيدفعهم وباقي العراقيين الموجودين في المركب الى بر الأمان.
د. سعد العبيدي
28/11/2011