في شأن الصراع الذي نشأ مع نشأة الانسان مخلوقاً عاقلاً واستمر معه باقياً وسيبقى هكذا جزءاً من الحياة حتى نهايتها المحكومة بقوانين الكون. كانت هناك مساع بشرية لفهم وقعه بين الأفراد والجماعات والدول، وكانت هناك جهود لمعرفة مخارجه حروباً بين بني البشر، واستخداماً للقوة والتهديد باستخدامها وغيرها جهود من أجل تحقيق المصالح وفرض الارادات في دوائر صراع متعددة. وفي هذا المجال عمل الانسان باتجاهين متناقضين: الأول، جهداً يبذله الطرف المعني (الدولة على وجه الخصوص) للحيلولة دون تحقيق الخصم في دوائر الصراع أهدافاً له تحسب ضارة أو سلبية بالنسبة لها. والثاني.عمل من قبلها حثيث لتحقيق أهدافها في زيادة القوة والقدرة والكسب التي تحقق مصالحها الاستراتيجية. ولتأمين هذين الاتجاهين الرئيسيين عمل الانسان منذ إدراكه الأثر على تطوير قدراته في الاستشراف (الاستقصاء والتوقع)، أو الحدس المستقبلي والتنبؤ بما يمكنأن يحصل لاحقاً بقدر مقبول من احتمالات الحدوث. هذا ولو تجاوزنا الدول الأوربية وكثيرمن الدول الآسيوية التي وصلت حدوداً متقدمة في موضوع الاستشراف، لمستوى باتت تؤسس على نتائجه قرارات تتخذها في تحليل وإدارة الصراع وقارناها مع العراق المطوق سياسياً بدوائر صراع متعددة نجد أن إدارته ومنذ عقود لا تعتمد على الاستشراف التحليلي سبيلاً لمعرفة ما يمكن أن يحصل مستقبلاً، بل واعتمد غالبية القادة على خيالاتهم وأفكارهم ومبادئ يؤمنون بها سائرين بطريقة المحاولة والخطأ في التعامل مع قضايا الصراع.وهناك في تاريخنا القريب أمثلة كثيرة تؤشر هذه الحقيقة وتبين مقادير الخسارة التي خسر بسببها العراق ثمناً باهضاً في جوانب السياسة والثقافة والاقتصاد، بينها على سبيل المثال:لو أن أصحاب فكرة تأميم النفط استشرفوا ردود فعل الشركات العالمية، وقدراتها الفعليةفي التحكم بإنتاج وتسويق وأسعار النفط، لما توجهوا الى التأميم بتلك الصيغة ودفعوا بالعراق الى أن يكون ساحة حروب مستمرة.
ولو تعرف النظام السابق على طبيعة الثورة الإيرانية، واستشرف مستقبلها ودورها المرسوم في ساحة الصراع الإقليمي والدولي لما حصلت الحرب العراقية الإيرانية التي انهكت العراق. ولو استشرفت حكومات المركز طبيعة التصارع مع الأكراد وتنبأت ىبتأثيراتها على الأمن والاستقرار، لما استمرت حروبها منذ تأسيس الدولة العراقية والى اليوم.
ولو استشرف صدام حسين ردود فعل العالم وعرف وضع الكويت في دوائر الصراع، لمااتخذ خطوة غزو قوضت اركان الدولة العراقية.
ولو استشرف الساسة الذين دُفع بهم الى حكم البلاد بعد ٢٠٠٣ نفوذ الغرب ودور العراق المطلوب في أن يكون بؤرة توتر في المنطقة، لما لعبوا على حبال النفوذ وجعلوا العراق عدواً للأقوياء وأسهموا في تنفيذ الدور ودمروا البلاد ....الخ من الأمثلة التي لا تحصى والتي تدلل أن عراقنا وحتى أيامه هذه لا يقترب من موضوع الاستشراف ولا يعتمد على التحليل المنطقي الذي يقدم احتمالات لما يمكن أن يحصل مستقبلاً، متكئاً في أغلب قراراته على آراء واجتهادات شخصية تحركها أنا تتضخم بالتدريج، لتكون النتيجة استنزاف للذات العراقية، سوف لن يتوقف الا بعد السير على طريق الاستشراف الصحيح.
د.سعد العبيدي
20/6/2020