بعيداً عن السياسة وأحابيلها الملتوية، وليس قريباً من الطائفية ومشاعرها المتناقضة، توجه الموصليون الى الاحتفال بالنصر على عصابات داعش المتخلفة، بطريقة تستحق المتابعةوالتمحيص، إذ رقص بعضهم وغنى بعضهم وصفق من كان حاضراً من بعضهم، واكتفى بعضهم الآخر بالتعاطف والتأييد. وبهذه المناسبة وعلى ضوء وقعها يمكن القول أن من حق الموصليون وأهل نينوى جميعاً أن يحتفلوا فهم وحدهم ومن بعدهم أبناء صلاح الدين والأنبار قد عانوا الأمرين طوال تواجد داعش محتلة لمدنهم، فهي التي ساومتهم على عيشهم، كتمت أنفاسهم، سامتهم العذاب لثلاث سنين تيقنوا بعدها تماما أن العيش معها عصابة وتحت سلطتها مارقة، أمراً يعد من المستحيل، يتنافى مع مستلزمات العيش وأسسه في عصر حديث بات العيش في معظم مجتمعاته حراً على أسس ديمقراطية صحيحة.
ويمكن القول أيضاً أن الموصليين المحتفلين لم يكتفوا بتحمل المعاناة واجترار الألم طوال تواجد داعش سيوفاً على رقابهم وبسببها يحتفلون، بل قاوموا الاحتلال كل على طريقته الخاصة، فمنهم من تبرع لعوائل زاد فقرها أيام داعش، وبعضهم انظم الى مقاومة داعش وقاتل ضدها بعمليات تسجلت من أشجع العمليات، وبعضهم رتب له علاقات مع السلطة المركزية في بغداد وأجهزتها وبات عينا لها وسط مجتمع داعش المعادي للإنسانية،وبعضهم الآخر قدم أدوية وعلاج، وآخرين من الشباب التحقوا بالقوات العسكرية متطوعين لمقاتلة داعش من بيت لآخر في جميع مدنهم، وهكذا سجلوا جميعاً أنهم كانوا جزءا منقوات التحرير وانهم اسهموا بشكل مباشر في تحرير مدنهم واحدة تلو الأخرى حتى اكتمل تحرير نينوى المحافظة المعطاء.
وكذلك يمكن القول إن مشاركة بهذا القدر، وتحمل مسؤولية بذاك المستوى، ومشاعر وطن بهذا الوسع تعطي الحق الى أصحابها في أن يحتفلوا، وعليهم أن يحتفلوا بطرقهم الخاصة ليخلدوا أياماً بقيت نابتة في عقولهم وباقي العراقيين.ان انتهاء داعش عسكرياً والاحتفال بها عراقياً وموصلياً على وجه الخصوص يستدعي من أهل العراق التوقف عندها نقطة هامة، وإعادة التفكير بها مراراً، بهدف تجاوز كل الآثار السلبية التي علقت في بعض العقول من أحداث أيام قبل الاحتلال وأثنائه ومن بعده حرب حصلت فيها كثير من الأحداث، وقوفاً بالمواجهة تتصافى فيه النفوس، وتتسامح الأقوام،لأن العيش تحت انفعالات البغض مسائل بالإضافة الى إنها مؤلمة فإنها تنتج أنوعاً من السلوك قد تعيد الموصل أو غيرها الى المربع الأول من جديد، والأهم في موضوعها أن يعطى الموصليون فرصة كافية لإدارة كل شؤونهم بضمنها الشؤون الأمنية فهم الأدرى بحوائجهم والأعرف بعدوهم. هكذا هي أصول الإدارة الحديثة، وهكذا هي الديمقراطية التي يفترض أن تسود في العراق الجديد.
د. سعد العبيدي
15/12/2018