عاودت أزمة الكهرباء باثارة الشارع العراقي مع أزمة ارتفاع درجات الحرارة الى المستويات التي تفوق تحمل البشر، وهي أزمة وان لم تغب عن بال المواطن منذ العام2003 ولحد الآن لكنها ظهرت بقوة في هذا الصيف القائض لتدفعه الى التظاهر والاحتجاج، لكن التظاهر في بغداد هذه المرة كان تظاهرا نوعياً مختلفاً، تأسس على سلوك متحظر، لم ترفع خلاله شعارات عدائية، ولم يتحرش الأمن وسطه بالمتظاهرين، بل وعلى العكس شوهد عسكريون يوزعون قناني ماء على المتظاهرين، وشوهد شباب يجمعون بقايا القمامة من بين المتظاهرين، وعموم الأصوات تهدف منادية بأمور واقعية مثل الكهرباءوالخدمات، من حقهم أن يحصلوا عليها قبل هذا الوقت الذي يتظاهرون فيه بسنين.ومن الجانب المقابل شوهد أن الحكومة من جهتها تصرفت بتروٍ وبرودة أعصاب جعل ردود فعلها تجاه التظاهرة والمتظاهرين حضارية أيضاً، أنتهت باشادة من رئيس الحكومة بالسلوك الجيد للمتظاهرين.
ان الكهرباء التي تظاهر من أجلها الشباب مشكلة تكمن بوجه عام في ادارتها:فالاجتهاد الذاتي في مجالها واسع يبدأ الآتي في أعلى السلم من المستوى الذي يراه هوويقدم النفع المادي له بأعلى قدر.
والتخطيط وسطها يبدو ظاهرياً لا يتماشى مع الحاجة الى الكهرباء التي تنمو بشكل مظطرد، فكنا نسمع مع بداية العمل لاعادة الكهرباء أن حاجة البلاد الى ستة عشر الف ميكا واط، وان عام 2013 هو عام الاكتفاء الذاتي والتصدير، واذا بنا نسمع هذا العام وقبل ايام بالتحديد أن حاجة العراق احدى وعشرون ألف ميكا واط، والعراق لا ينتج نصفها.والكفاءة الفنية والادارية لكوادر الوزارة لا تتناسب وطبيعة العمل وأزمته الشديدة.والمواطن من جانبه وبعد أن يئس أصبح غير متعاوناً مع دوائر الكهرباء، متجاوزا على جهدها من أي مصدر يصله، لا يدفع فواتيرها، يشغل كل الأجهزة النافعة وغير النافعة حالدخول الكهرباء ضيفا عليه.
على هذا وتبعا لمجريات الاحداث وأزمة هبوط اسعار النفط، ونقص السيولة واحتياجات الحرب الحتمية بالضد من الارهاب، وموقف المواطن، فان الكهرباء ستبقى أزمة شبه مستمرة، يصعب حلها في المنظور القريب، الا اذا ما جربت القوى السياسية المشاركة في الحكومة جميعها سبيلا جديدا تخرج فيه وزارة الكهرباء ودوائرها من نهج الادارة التحاصصي، وتعتمد على الكوادر الفنية وليس السياسية، وتحشد كل الجهد المتاح للاصلاح والبناء، علما ان استمرارها ازمة سيبقي المواطن تحت الضغط، وسيدفعه الى التظاهر الذي يتحول في حال عدم وجود حل الى التشدد وزيادة سقف المطاليب تدريجيا لتكون في نهاية المطاف مطاليب غير قابلة للتنفيذ، عندها ستتكون أزمة اثر أزمة سيكون العراق غيرقادر على تحملها بأي حال من الأحوال.
1/8/2015