راي نقدي في رواية "پيريڤان" (صدى الهمس المخنوق) للروائي؛ سعد العبيدي عدد الصفحات: 227 – قطع متوسط دار النشر: دار ومكتبة عدنان السنة؛ 2026 بداية، أتقدم بالشكر إلى الناقد المبدع والصديق حمدي العطار لإهدائه هذه الرواية الممتعة حقا، والتي تمثل شهادة سردية موجعة على واحدة من أكثر مراحل التاريخ العراقي قسوةً وظلاماً.. منذ العتبة الأولى، يضعنا الروائي سعد العبيدي، أمام عمل مثقل بالألم الإنساني، عبر عنوان مزدوج: "ييريفان" بوصفه مركزًا دلاليا للشخصية والذاكرة، و(صدى الهمس المخنوق) كامتداد رمزي للصوت المقموع، والبوح المؤجل، والمعاناة التي لم تجد لغتها بعد, هذا التكوين العنواني يعمل بوصفه مفتاحاُ تأويلياُ للنص، ويقود القارئ إلى فضاء روائي مشحون بالوجع والصمت القسري. (تمر بأصابعها النحيلة على ثدييها المنهكين، كأنها تقيس المسافة الزمنية منذ اليوم الأول لسبيها، طفلة في العاشرة، لم تنبت فيهما الغريزة الأنثوية بعد، وها هي الٱن امرأة ناضجة في العشرين. )ص11. تعتمد الرواية على تعدد الأصوات السردية؛ فمرة يتقدم الراوي العليم بصورة واسعة ليؤطر المشهد تاريخياً وإنسانياً، ومرة تتكلم پيريڤان بوصفها بطلةً وضحيةً وذاكرةً حية لما جرى في سنجار، ومرة أخرى تتناوب الأصوات عبر شخصيات مثل شيرين وجورجينا، في محاولة لكسر احتكار الصوت الواحد، ومنح المأساة بعدا جمعيا وإن بدا محكوما أحيانًا بالمنظور الفردي. يقدم العبيدي مشاهد شديدة القسوة عن السبي، التعذيب، واستباحة الجسد والروح، مشاهد لا تكتب بهدف الإثارة، بل بوصفها فعل إدانة أخلاقية وتاريخية. فالجلادون هنا ليسوا مجرد شخصيات، بل رموز للإجرام المؤدلج، تتجسد في أسماء مثل "الجورجي" و"القاضي أبو حفصة التونسي"، حيث يتحول الدين إلى غطاء للعنف، ويُفرغ من قيمه الإنسانية. على المستوى الأسلوبي، يبرز الوصف بوصفه أداة مركزية في بناء الرواية، إذ تتكئ اللغة على تصوير الجسد المرهق والزمن المنهك، كما في المقطع الذي تستعيد فيه البطلة تحولات جسدها بين الطفولة والكهولة القسرية هنا، لا يصبح الجسد موضوعًا حسّيًا فحسب، بل وثيقة زمنية تختزن آثار العنف وتحوّلاته. كما يحضر الطفل في الرواية بوصفه رمزا عالي الدلالة؛ صوت البراءة القلقة، والوعي المبكر بالحزن، وهو توظيف ذكي للرمزية الطفولية التي تكشف فداحة الفاجعة دون مباشرة خطابية. فالطفل لا يسأل ليعرف، بل ليسائل العالم كله، في إحالة واضحة إلى الحزن المستدام الذي يتوارثه الضحايا. يتململ الطفل إلى جانبها، يلتقط بث ضيقها قبل أن تتكلم، يسعى أن صدرها ضاق بالعالم، فيضيق صدره الصغير، ويتلصق بحضنها، يبحث عن أمانٍ غاب بين أنفاسها المتثاقلة)ص24 وتتجلى في النص أيضا عملية الأنسنة، سواء عبر استعادة الطبيعة بعد الحرب، أو عبر التفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة
معناها وسط الخراب, حركة الأغصان، عودة العصافير، صمت الأم، تنفّس الطفل. هذه التفاصيل تخفف من قتامة المشهد دون أن تزيّفه. أما على مستوى النقد الفني، فيمكن تسجيل الملاحظات الآتية: شح الحوار بين الشخصيات، مما جعل السرد يميل إلى الوصف الداخلي أكثر من التفاعل الدرامي المباشر. هيمنة الوصف على السرد أحيانًا، على حساب تطور الحدث وتسارعه. غلبة المنظور الفردي على الجماعي، رغم طبيعة الموضوع التي تحتمل تعددا أوسع في التجارب. على مستوى العنوان، ربما كان الاكتفاء بـ (ييريفان) كافيا دلاليا، إذ يحمل ثقل الشخصية والمأساة دون الحاجة إلى العنوان الفرعي، من وجهة نظر نقدية لا غير . مع ذلك تبقى الرواية عملًا سرديا مهماً، يستوفي شروط الكتابة الروائية من حيث الحبكة، البناء السردي، تنوع الأصوات، والاشتغال على الذاكرة الجمعية، وهي نص جدير بالقراءة والدراسة، لأنه لا يروي فواجع فحسب، بل يشهد على مرحلة سوداء من تاريخ العراق، ويعرّي خطاب العنف حين يتدثر بالدين. ختاما، يمكن القول إن (پيريڤان – صدى الهمس المخنوق) ليست مجرد رواية، بل وثيقة إنسانية وأخلاقية، تسهم في حفظ الذاكرة، وتؤكد أن السرد قادر على مقاومة النسيان. مع خالص التمنيات للروائي سعد العبيدي بمزيد من التألق والنجاح. علاء الوردي روائي وناقد
11/1/2026