https://www.facebook.com/hamdi.alattar/posts/pfbid0KTr8dM2QAYdqt8Zhx5JUHBHVy5gG6H7F6yUqcfGJ1XngrfUeqpGpPnNsLbuPTpm3l?__cft__[0]=AZYj5BxWn8_WIoSVJvuGBFGo2uHAEcD6CvvZ00zAgmvj2OgVpkES_IDg7jfc3_-W8i__jG7osnzFoeOH5-OuZFHCGFlSifiKhof2hgrR8SlCPDyXjGU63fm8qNJkqyAKCfvK2xR6P69mQh97I9rYLRmyqIXOy7PzOgCaP5CNkMBlTfRj5aA-qbIwsA-ZSuU9niFR2vHgvjXU_ADIsYqbjGJ9&__tn__=-UK-R

‏حمدي العطار‏ مع ‏‎Elham Ahmed‎‏.

پيريڤان: حين يتحول السرد إلى محاكمة للذاكرة والدم

قراءة نقدية في رواية سعد العبيدي

ما قبل النقد

لا تقرأ رواية «پيريڤان… صدى الهمس المخنوق» بوصفها سردا توثيقيا لواقعة السبي الإيزيدي فحسب، بل كنص يحاول تحويل الفاجعة إلى خطاب سردي محاكم، يضع القارئ أمام أسئلة أخلاقية وفكرية تتجاوز الحدث إلى بنيته العميقة. غير أن هذا الطموح الفني يضع الرواية في منطقة اختبار صعبة: هل استطاعت أن تحول الألم إلى معرفة، أم أنها اكتفت بعرض الفاجعة بلغة مؤثرة؟ "يتردد الهمس سريعا بين الخيام ، إنها إحدى سبايا جند الخلافة وقد اختارت أن تنهي حياتها بعد أن أطفأت أنفاس طفليها. غير أن الهمس لا يقدم جوابا، بقدر ما يفتح بابا لأسئلة جديدة ..ما الذي يدفع ضحية لأن تتحول إلى قاتلة لنفسها وأولادها،"ص7

وقد اختارت أن تنهي حياتها بعد أن أطفأت أنفاس طفليها. غير أن الهمس لا يقدم جوابا، بقدر ما يفتح بابا لأسئلة جديدة ...ما الذي يدفع ضحيةلأن تتحول إلى قاتلة لنفسها وأولادها،"ص7

يعتمد سعد العبيدي بنية سردية قائمة على التناوب بين الراوي العليم وصوت پريڤان، مع توظيف الاستباق بوصفه أداة تشويقية. إلا أن هذاالخيار، على الرغم من فاعليته التقنية، ينزلق أحيانا إلى الإفراط في كشف المصائر، مما يضعف التوتر الدرامي، ويحول بعض المشاهد إلىتقريرية مباشرة، أقرب إلى البيان الأخلاقي منها إلى الفعل الروائي المكتمل. "تتهيأ پريڤان لمغادرة هذا المكان، لكن سؤالا ثقيلا يعاودها كل مرةكطرق متواصل على قالبها: هل يمكن للإنسان أن يعود إلى مكان فقد فيه كل شيء، وأن يقبله الآخرون العيش بينهم بسلام؟"ص8في القسم الأول من الرواية، ينجح الكاتب في بناء مشاهد القتل والسبي بكثافة لغوية عالية، تضع القارئ في مواجهة عنف عار لا يواربه السرد.غير أن الإشكالية لا تكمن في تصوير العنف بحد ذاته، بل في تحويله – في بعض المواضع – إلى مشهد جمالي، يراكم الصدمة دون أن يفتح أفقاتحليليا عميقا لمعنى هذا العنف داخل البنية السردية. "يتدخل الأمير وقد نفذ صبره، يسأل الاب ان كان يؤمن بأن محمدا رسول الله. يرد هادئابالقول ان السؤال

في القسم الأول من الرواية، ينجح الكاتب في بناء مشاهد القتل والسبي بكثافة لغوية عالية، تضع القارئ في مواجهة عنف عار لا يواربه السرد. غير أن الإشكالية لا تكمن في تصوير العنف بحد ذاته، بل في تحويله – في بعض المواضع – إلى مشهد جمالي، يراكم الصدمة دون أن يفتح أفقا تحليليا عميقا لمعنى هذا العنف داخل البنية السردية. "يتدخل الأمير وقد نفذ صبره، يسأل الاب ان كان يؤمن بأن محمدا رسول الله. يرد هادئا بالقول ان السؤال جاء متأخرا ألف سنة، ويؤكد أنه يؤمن بأن الله لا يختصر في رجل، ولا يحصره في كتاب، ولا بياع في سوق الخلافة يجيبه الامير بأنهم جند الله، فيرد بأنهم موظفون في جهنم ينتظرون ترقيتهم بسفك دم جديد"ص13

 شخصية پيريڤان، بوصفها محور الرواية، تقدم بوصفها جسدا منتهكا وروحا عصية على التدجين، وهو خيار رمزي واضح، لكنه يثير سؤالا نقديا حادا حول منطق التحول النفسي للشخصية. فالرواية تمنح بيريڤان قدرة استثنائية على المناورة والتلاعب برجال التنظيم، إلى حد قلب الموازين والمصائر، دون أن تمنح القارئ ما يكفي من البناء الداخلي المقنع لهذا التحول، خصوصا إذا ما استحضرنا أنها سبيت طفلة في العاشرة. هنا تتقدم الرغبة الأيديولوجية في صناعة بطلة مقاومة على حساب الاشتراطات النفسية للواقعية السردية.

تمر بأصابعها النحيلة على ثدييها المنهكين، كأنها تقيس المسافة الزمنية منذ اليوم الاول لسبيها طفلة في العاشرة ، لم تنبت فيها الغريزة الانثوية بعد، وها هي الان امرأة ناضجة في العشرين. وقد تهدلتا من كثر الرضاعة الناشفة ، وعبث الايادي القاسية لجند الخلافة في أصل الغريزة وتوابعها"ص١١ على المستوى الفكري، تحسب للرواية جرأتها في تفكيك الخطاب الديني الداعشي، غير أن هذا التفكيك يتم غالبا عبر حوارات مباشرة وحادة، تثقل النص بخطاب وعظي، وتقلل من طاقة الرمز والإيحاء التي يفترض أن يمتلكها العمل الروائي. فالسرد هنا لا يترك للقارئ مساحة كافية للتأويل، بل يقوده إلى موقف جاهز، وهو ما يضعف استقلالية النص الفنية. "لماذا لم تنقذ بيوتنا؟ لماذا لم تمنع الحروب؟ لماذا علمتنا الطهارة، ونسيت ان تعلمنا كيف لا نذبح بعضنا"ص٢٩ أما اجتماعيا، فتنجح الرواية في فضح المأساة المضاعفة التي تعيشها السبايا بعد التحرير، حيث يتحول المجتمع من ملاذ محتمل إلى سلطة ضغط جديدة. غير أن هذا الجانب، على أهميته، يمر سريعا مقارنة بمساحات العنف الجسدي، وكأن الرواية ما تزال أسيرة لحظة الجريمة، أكثر من انشغالها بتفكيك آثارها الطويلة الأمد. "امي ..اني خائف/- لا شيء بخيف في بيتنا/- لكن قلت إنه ليس بيتنا/- لا اعلم/- لا أحب المكان الذي أخافه، امي"ص٢٩ لغويا، يمتلك العبيدي ناصية السرد، وتأتي لغته مشدودة ومكثفة في أغلب الأحيان، إلا أن الميل إلى الشاعرية في بعض المشاهد يهدد بانزلاق الألم إلى تزيين لغوي، وهو منزلق شائع في روايات الفاجعة، حيث يتحول الجرح إلى صورة، والصورة إلى متعة قرائية إشكالية." تستمر طوال الطريق في الحافلة المتجهة صوب سنجار، الوطن الذي تركته مكبلا بغبار الدواعش، يلهث كيمامة يرهقها التحليق ،فتهوي بين مختار صقرها القاتل"ص٩ الخلاصة

تقف رواية «پيريڤان… صدى الهمس المخنوق» على تخوم حساسة بين الشهادة الفنية والمساءلة الجمالية. فهي رواية شجاعة في موضوعها، قاسية في مشاهدها، وصادقة في نواياها، لكنها ليست بمنأى عن أسئلة النقد، خاصة في ما يتعلق بتوازن الشخصية، وحدود المباشرة، وأخلاقيات تمثيل الألم. إنها رواية تفتح الذاكرة على مصراعيها، لكنها في الوقت ذاته تذكرنا بأن كتابة الفاجعة لا تقاس بحدة الصدمة وحدها، بل بقدرة السرد على تحويل الألم إلى وعي، لا إلى مجرد صدى مخنوق آخر.