لم يشهد الشارع العراقي بدعاً في حياته الاجتماعية عبر تاريخه الطويل مثلما يشهد اليوم لما يتعلق بالانتخابات، حكاية بدأت قبل الشروع الرسمي للدعاية الانتخابية بأيام اذ وحالما تأكد المرشح عبوره حاجز الترشيح من قبل الكتلة، ومن بعدها المساءلة والعدالة، انطلق الجمع، ولكي نكون منصفين في التحديد نقول انطلق البعض غير القليل في ابتداع أساليب الترويج لشخوصهم. وكانت البداية حمولات السبَيسْ التي ميزت هذه الدورة الانتخابية عن سابقتها التي امتازت بالبطانيات، وكان موقف المواطن في هذه القضية سلبياً إذ صفق حتى لسائق السيارة التي جلبت السبَيس، وما أن نفذ السبيس وتظافرت جهود النقد، أنطلق المرشحون باتجاهات متعددة لاختراع بدع جديدة فمن توجه صوب البازار ليشترى أصواتاً من مختار محلة تحول الى سمسار أو بائعة حصة للتموين وملاية من الدرجة الثانية تحولتا الى وسيطات، أو آخراً يدعي شيخاً بنصف عقل كذلك يفعل بمنطق السمسار. ومن لميحالفه الحظ منهما في استقبال وكلاء المرشحين ليفرض عليهم أسعاره في بيع الأصوات أخذ دفتراً له ثبت فيه أسماء عوائل من الحي أو العشيرة وصار يطرق أبواب المرشحين،حتى تسبب التنافس الشديد في العرض على حساب الطلب نزول سعر الصوت من مائة دولار الى خمسين ألف دينار وأقل، ومن تعفف في الشراء وهم ليسوا قليلين سارع الىعمل ولائم لأهل المحلة أو أبناء العشيرة الذين لم يتذكرهم من قبل، وصار يعطي الأمل في التعيين لأجيال من بعدهم بكلام معسول، ومن تأخر في الوصول تذكر أن أصول والده من القرية، عاد اليها بعد أن تركها يوم ضاقت عليه مفاهيمها قبل سنين، ليزور أهلها يومياً دونما حياء، ومن كان في المنصب محافظاً أو مديراً فقد تغيرت أخلاقه في هذه الأيام فجأةً،بات كريماً ودوداً يوافق على الطلبات التي تقدم قبل القراءة المفروضة لمحتوياتها، وبات يعالج مرضى على حسابه الخاص، ويتجول في سيارة نصف جسمه خارجها، ليرمى الورود على جمهور لا يرى في الورد أية قيمة.
تعددت الأساليب أو بالمعنى الدقيق البدع المبتكرة لإقناع الناخب في تسابق محموم لسرقة صوته في وضح النهار. حتى لم تعد تحصى أو يصعب على المتتبعين احصاء أنواعها،مثلت حكاية لأهل وادي الرافدين، من الأجيال التي تعيش هنا والآن... حكاية بطلها الأول المُرشح صاحب الاستعداد لابتكار البدع المناسبة ضاناً قدرتها على إيصاله الى كرسي البرلمان، وبطلها الثاني المواطن نفسه، الناخب الذي عرض صوته رخيصاً في سوق خاسرة، لا يأبه في عرضه لمصير له في منظومة برلمان مقبلة ستحدد عيشه ومستقبل اجيال من بعده، وثمن سيدفعه حاله تفوق الخسارة في مجاله أضعاف السعر الذي قبضه لصوت سيسجل التاريخ أنه كان السبب في أي خلل سيحصل للعراق.
د.سعد العبيدي
21/4/2018